الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * الحلقة الخامسة - روبرت فيسك

تم نشره في الاثنين 7 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * الحلقة الخامسة - روبرت فيسك

 

 
* ضياء الحق طلب من سفارات باكستان في العالم
* منح تأشيرات لكل من يرغب في محاربة السوفيات بافغانستان
* لماذا ابدى الجنودالروس اهتماما بالغا بالموسيقى الغربية
وإذا كان قد نجا من أخطار أفغانستان ، فإني أعتقد أنه صار اليوم معتزاً بمواطنيته في الاتحاد الأوروبي ، يزهو بجوازه لدى دوائر الهجرة البريطانية ، وقد وصف تكراراً الأخطار التي تحدق بالجبال ، بعدما صار المتمردون يطلقون النار يومياً على الجنود السوفيات. كما أراد النقيب "فيكتور" أن يعرف لماذا اخترت أن أكون صحافياً. ولكن الظاهرة البارزة لدى هؤلاء الجنود كانت انبهارهم بموسيقى "البوب" الشعبية. وقد تدخل الملازم "نيقولاي" من "طشقند" ليسأل: "هل صحيح أن "ول ماك كارتني" قد قبض عليه في طوكيو؟ ولماذا؟" فسألته: "أين سمعت موسيقى فرقة "البيتلز؟": فجاءني الجواب من جوقة رجلين آخرين: "من إذاعة صوت أميركا".
لقد بدأتُ الآن بالابتسام: لا للودّ الذي أبداه لي الروس ـ إذ إن كلاً منهم درس جوازي ، وصاروا ينادونني "روبرت": كما لو كنتُ رفيق سلاح لهم ، بدلاً من اعتباري مواطناً في دولة عدوة قوية ـ بل لأن هؤلاء الجنود السوفيات الذين يبدون اهتمامهم بالموسيقى الغربية ، لا يمثلون الشجعان الذين حاربوا في ستالينغراد. لقد ظهروا كأي جنود غربيين: سُذَّجاً ، ومنشرحين أمام الأجانب ، ومبدين للثقة بي ، ولا سيما في هذه الأصقاع الأفغانية ، لأنني زميل أوروبي. وبدوا معتذرين بصدق عن عدم قدرتهم على السماح لي بمواصلة رحلتي: لكنهم أوقفوا باصاً عائداً إلى كابول من أجل اصطحابي. ولكني رفضت اقتراح النقيب "فيكتور" ، لأن الركاب رأوني أتحدث مع الروس: وقد يظنون أنني روسي.
وقد لا أصل حياً إلى كابول: مهما أكَّدت لهم أنني بريطاني. ولذلك ، أوقف الملازم "نيقولاي" شاحنة روسية مارَّة في آخر القافلة ، ووضعني على متنها. وقال لي: "دوس فيدانيا ، بمعنى "وداعاً ، بالروسية ، وسلًّمْ لي بمحبة على ليندا ماك كارتني".
قافلة عسكرية
وهكذا وجدتني مسافراً عبر جبال "الهندوكوش" ، مع قافلة سوفياتية عسكرية ذات الرقم 58 ، من طشقند إلى كابول. إن هذا أمر لا يصدَّق. فلم يستطع أيّ صحافي غربي أن يتكلم مع الجنود السوفيات الذين يغزون أفغانستان ، ناهيك بالركوب معهم في قافلة عسكرية. وها أنا الآن جالس بقرب جندي روسي مدجَّج بالسلاح ، بينما يسوق هو شاحنته المحمَّلة بالطعام والذخيرة إلى كابول: مما يسمح لي بمراقبة هذا الانتشار العسكري من مكاني على مركبة عسكرية سوفياتية.
وكان ذلك أفضل من ذهابي إلى بلدة "مزار". وبينما كنا ننزل من النفق المذكور ، أخرج السائق الروسي من جرابه الموضوع خلف مقعده ، تفاحة وقدَّمها إليّ. وقال: "من فضلك ، أنظر إلى أعالي التلال... بحثاً عن المسلحين". فأدركت حينئذْ بين مصدًّق ومكذًّب ، أنه يطلب مني المساعدة في ذلك: بينما يجاهد هو بمقود سيارته التي تنزلق على الجليد. وكانت التفاحة مكافأة لي على ذلك. وبدأنا نتأخر عن القافلة تدريجاً: بينما جذب رشاشه من الوراء ، ووضعه بيني وبينه على المقعد. وأضاف: "أخبرني إذا رأيت أحداً". ففعلت بحسب طلبه ، من أجل سلامته وسلامتي.
وكانت كلمة "كاما" محفورة على اللوحة الواقعة تحت الزجاج أمامه: فعرفت أن هذه الشاحنة صنعت بمعونة أميركية عند نهر كاما في الاتحاد السوفياتي ، وتأملت في ما يجول بخاطر الرئيس "كارتر" ، إذا علم كيف تستعمل مثل تلك التكنولوجيا. وكان السائق قد ألصق بطاقات عيد الميلاد على سيارته. وعندما وصلنا إلى أسفل الممر ، التقينا من جديد قافلتنا. وتقدّم من جهتي ضابط طويل ، بعينين ذكيتين زرقاوين مائلتين إلى الشحوب بشكل غير اعتيادي ، وبسروال "كاكي" ، وحذاء عسكري غليظ ، وقال لي: "أنت إنكليزي" ، وشفعها بابتسامة متابعاً: "أنا الرائد يوري. تعال معي إلى الأمام". فشققنا طريقنا ببطء وصعوبة عبر الثلج والوحل إلى مقدمة القافلة حيث كانت دبابة تناور في الاتجاه المعاكس من الممر. قال: "إنها دبابة (T-26)"، مشيراً إلى ما تحت ماسورتها: ورأيت من المناسب أن لا أخبره أنني أفقه هذا التصنيف. وعليّ أن أقرّ واعترف بأن الرائد "يوري" كان جندياً محترفاً ، يعجب به رجاله ـ وقد طلب منهم جميعاً أن يصافحوني ـ وفي الأزمة التي سنمرّ بها قريباً ، تصرّف برباطة جأش وبفعالية. وقد كان دائماً لائقاً مع الجنود الأفغان الشكسين الذين كان شخصياً لا يثق بهم.
تاتشر
وعندما جاء خمسة منهم إلى جانب القافلة يشتكون من أن الجنود الروس يلوًّحون لهم برشاشاتهم ، تكلّم معهم الرائد "يوري" كندّْ لهم ، دون قفَّاز ، مصافحاً كلّاً منهم باليد حتى تألّقوا أنساً ومتعة. ولكنه كان أيضاً محازباً مخلصاً. سألني عن رأيي في السيدة تاتشر. فأجبته بأن الناس في بريطانيا لهم نظرات مختلفة إلى رئيسة الوزراء ـ وامتنعت عن إبداء رأيي الخاص ـ وأنه يُسمح لهم بأن يتمسّكوا بآرائهم بحرّية. وقلت إن الرئيس كارتر ليس سيئاً كما تصفه صحافة موسكو: فأصغى إليّ بصمت. ولكني تساءلت متعجباً عن رأيه بالرئيس بريجنيف. وكنت أعلم ماذا سيقول: كما كان هو يعلم ، إذ هزّ رأسه مبتسماً وقال ببطء: "إن الرفيق بريجنيف رجل طيّب جدّاً". وكان الرائد "يوري" حسن الاطّلاع ، على كتابات تولستوي ، ومقدًّراً للموسيقي "شوستاكوفيتش" ولاسيما سيمفونيته عن "ستالينغراد". ولكن عندما سألته عن "ألكسندر سولجينيستين" ، هزّ رأسه ، وربَّت على قًراب مسدّسه ، قائلاً: "هذا لسولجينيستين".
حشرت نفسي في شاحنة الرائد "يوري" ، وهو جالس بيني وبين السائق: وانطلقنا إلى كابول. تساءل عن إنكلترا كبلد أفضل من أفغانستان ، فقد كان لا يريد أن يكون هنا ، كما اعترف ، بل في بيته بكازاخستان مع زوجته وابنته البالغة من العمر تسعة أعوام: وسيعود مع القافلة العائدة خلال ثلاثة أيام. وقد قضى في الجيش 13 سنة من أصل 30 سنة ، ولم يستطع أن يوفّر ما يكفي لابتياع سيارة ، والسفر إلى الخارج ، لأنه كان ضابطاً. كانت هذه طريقته في إبلاغي أن الحياة في الاتحاد السوفياتي كانت شاقّة ، وأن حياته لم تكن ميسَّرة ، وقد لا يكون الرفيق بريجنيف ذلك الرجل الطيّب. ألم يكن هو الذي أرسله إلى هنا ، أولاً؟ وعندما كنت أطرح عليه أسئلة لا يقدر أن يجيبني عنها ، كان يبتسم بموافقة صامتة على ما كان يريد أن يكون قادراً على البوح به.
الأفغان
في غمار هذا الجيش الكبير ، يشعر المرء بإحساس كاذب بالراحة والدَّعة: حتى أن عيني الرائد "يوري" الشاحبتين كانتا تتفحَّصان حقول الثلج حولنا ، وتنمَّان عن ثقة خطرة بالنفس. لقد كان الأفغان يطلقون النار على الروس. ولكن ، مَن كان يستطيع أن يوقف هذا الجيش المدرَّع الجرَّار الذي يزحف عبر الثلج والجبال في أفغانستان؟ وعندما توقفنا عند نقطة تفتيش أفغانية ، لا يتكلم مَنْ فيها الروسية ، استدعى الرائد "يوري" أحد ضباطه الطاجيك ، وطلب منه أن يترجم ، ففعل وأشار الرائد إليه قائلاً: "إنه مسلم".
نعم فهمت. لقد كان هناك مسلمون في الاتحاد السوفياتي ، بل كثير منهم ، وكان ذلك يمثل جزئياً بالتأكيد كنه هذا الغزو كله. كان الثلج يُغشّي زجاج شاحنتنا الأمامي ، ويطغى على قدرة المسَّاحات على إزالته: لكننا كنا نرى من خلال النوافذ الجانبية حقول الثلج المترامية الأطراف أميالاً وأميالاً. وكان الوقت إذ ذاك عند منتصف بعد الظهر ، وكنا نكدح بسرعة لا تتجاوز 25 ميلاً في الساعة ، سرعة أبطأ الشاحنات: نتلوَّى على الطريق حاملين المؤن ، والأغطية ، والذخيرة الثقيلة ، مع الدبابات والناقلات ، مما يصل مجموعه إلى 147 شاحنة: محبوسين على الطريق العام المعبَّدة ، المكسوّة بطبقة من الجليد ، مما يجعل كل جندي سوفياتي هدفاً "للإرهابيين" في أفغانستان. أو هكذا بدا الأمر لرجال هذه القافلة ولي.
ومع ذلك فقد فاجأنا صوت بعض الطلقات حولنا. وكنا إذ ذاك شمالي "تشاركار". وقد مرَّت هذه الطلقات بين شاحنتنا والشاحنة التي تتقدم القافلة ، محدثة انفجارات صغيرة تئز في البساتين المتجلدة الواقعة على يسارنا. فصرخ الرائد "يوري": "إلى الخارج" ، آمراً جنوده بالدفاع عن أنفسهم على الثلج ، لا في محبس السيارات. أما أنا فارتميت في الأوحال والقذارات إلى جانب الطريق. وكان الجنود الروس يقفزون من شاحناتهم. وحصل مزيد من إطلاق النار. وكان هناك صراخ إلى الأمام على بعد منَّا في الضباب وبَرد الثلج. كما تصاعد عن يميننا عمود من الدخان الأزرق.
الرياح
واستمرّ الرصاص يمرّ فوق رؤوسنا ، واخترقت إحدى الرصاصات مقدمة الشاحنة أمام السائق. وكان الجنود السوفيات منبطحين حولي على ركام الثلج الذي تذروه الرياح. وأفضى الرائد "يوري" بشيء إلى مَنْ قربه من الرجال ، فانطلقت سلسلة من ردَّات الفعل بواسطة رشاشات الكلاشينكوف. فهل كان الجنود يستطيعون رؤية مَن كانوا يطلقون النار عليه؟ خيَّم الصمت على هذا المنظر. وتحرّكت أشكال بشرية عن بعد على يسارنا ، قرب شجرة يابسة. وكان "يوري" ينظر إلى البستان قائلاً بالإنكليزية: "إنهم يطلقون النار من هناك". ورمقني بنظرة فاحصة. لم يعد هناك متسع للحديث البسيط. أصغيت إلى طقطقة الراديوات ، وصراخ الضباط يقاطع بعضهم بعضاً ، ورأيت تلفّتات الجنود في الثلج.
وكان الرائد "يوري" قد خلع قبعة الفرو وبدا شعره البنًّي متراجعاً ، وسحنته تدل على أنه يظهر بعمر يفوق الثلاثين سنة. قال لي: "راقب هذا يا روبرت" ، وسحب من سترة الميدان التي يرتديها أنبوباً طويلاً يحوي نور إشارة ، بينما وقفنا كلنا في أوحال الثلج التي تغمر رُكبنا ، وشدّ "يوري" بحبل في أسفل الأنبوب: فحدث انفجار خفيف ، وفاحت رائحة المتفجرات ، وصعد حبل دخان إلى أعلى السماء. وشاهد ذلك الجنود العشرة الأقرب إلينا ، وعرفوا أن حياتنا قد تتوقف على ذلك الصاروخ.
ولمَّا ارتفع حبل الدخان المرافق للصاروخ حوالى ألف قدم ، تناثر منه سيل من النجوم. ولم تمرّ على ذلك خمسون ثانية حتى اندفعت من فوقنا طائرة "ميغ" سوفياتية نفاثة على علو متدنْ خافضة جناحيها. وبعد دقيقة ، دلفت إلينا ناقلة جنود رقمها 368 تسحق الثلج تحت عجلاتها ، وتوقفت أمام شاحنة الرائد "يوري" ، وبرز منها رجلان. وطقطق الراديو ، فأصغى إليه الرائد بصمت لحظات ، ثم أشار إليّ بأربعة من أصابعه قائلاً: "لقد قتلوا أربعة من الروس في القافلة الأولى أمامنا".
القافلة الأولى
بقينا على الطريق وراء القافلة الأولى. وصدر الأمر لصف من الجنود بالتقدم في الحقول إلى مسافة مئتي متر. وسمح الرائد "يوري" لرجاله بأن يتناولوا حصصهم من الطعام. وقد قدّم لي الضابط الطاجيكي المترجم الطعام: ولحقتُ به إلى شاحنته. جلستُ في الشاحنة مع جنديين آخرين: وأكلنا "بسكوتاً" جافاً وقطعاً ضخمة من اللحم النيء ، نرفع قبعة الفرو عن وجهنا ، وننهش الدهن المملح بالأسنان. وقد أُعطي كل جندي ثلاث برتقالات وعلبة سردين تحوي 10% من السردين 90و% من الزيت. وكان الرائد "يوري" يقطع الطريق ذهاباً وإياباً ، ويتحدث تلفونياً بالراديو ، وعندما سرنا مع الدروع المرافقة لنا والموزعة على القافلة لم يكن الرائد واثقاً من موقعنا على الطريق. فاستعار مني خريطتي.
وتبيّن لي فجأة أن هذه القافلة الطويلة لا تملك خريطة واحدة لأفغانستان. لم تكن هناك من دلائل على الكمين الذي نُصب للقافلة الأولى ، سوى قدمي رجل ميت وضعتا في سيارة جيب سوفياتية قرب "تشاركار" ، وكتلة من الثلج الذائب بلون قرمزي وأرجواني على بعد عدة ياردات جنب الطريق. وزادت طبقة الجليد على الطريق بعد غياب الشمس: ولكننا كنّا نغذّ السير أكثر.
وما أن جُنَّ الليل حتى سطعت أنوار الشاحنات الأمامية البالغ عددها 147 مثل اللآلىء على الثلج وراءنا. وقد قدموا لي بلطف رشاش كلاشينكوف مع أمشاط ذخيرته الكاملة: بينما انبرى أحد الجنود إلى فتح كبسة الأمان ، وطلب مني أن أراقب من النافذة. لم تكن لي رغبة في حيازة هذا السلاح ، أو في إطلاق النار على رجال حرب العصابات الأفغان. ولكن إذا هاجمونا من جديد ، ووصلوا إلى شاحنتنا ـ كما كانوا يفعلون مع هذه القوافل ـ فلا بد أن يفترضوا أني روسي: ولن يسألوا اتحاد الصحفيين القومي عن هويتي قبل إطلاق النار على الجنود. لم أمسك منذ ذلك الوقت بأي سلاح في زمن الحرب: وآمل أن لا أفعل ذلك أبداً. وطالما ألقيت اللوم على الصحافيين الذين يلبسون ثياباً عسكرية وخوذاً ، ويمثلون دور الجنود ويتمنطقون بسلاح على أوراكهم ، متجاهلين الحد الفاصل بين المراسل والمحارب ، ويعرًّضون حياتنا للخطر ، إذ تنظر إلينا الجيوش والميليشيات كامتداد لأعدائهم وكمحاربين محتملين ، وكهدف عسكري. ولكني لم أتطوع للسفر مع الجيش الروسي.
لم أكن أنا جُزءاً منهم ، بل كنت سجينهم مثلما كنت ضيفاً عليهم. وكلّما مرَّت الأسابيع ، تعلّم الأفغان تسلّق الشاحنات السوفياتية بعد حلول الظلام ، ومهاجمة مَنْ فيها بالسكاكين. ومع أني لم أستعمل ذلك الرشاش ، كنت أعلم أن إمساكي به سوف يحدث رد فعل من قًبل كل ما هو عظيم وجيًّد في الصحافة. ورأيت من الأفضل الاعتراف بهذه الحقيقة لا حذفها من الرواية. فإذا كنت قد استحوذت على بندقية رشاشة للجيش السوفياتي ، فتلك كانت الحقيقة. مررنا ثلاث مرات عبر بلدات تجمهر فيها القرويون والفلاحون على جانبي الطريق ليراقبونا ونحن نمرّ. وكانت من الغرابة بمكان بالنسبة إليّ تلك الخبرة غير المسبوقة المتمثلة في جلوسي حاملاً بندقية رشاشة ضمن قافلة عسكرية سوفياتية مع جنود روس مدجّجين بالسلاح وغير مطّلعين ، وأن أراقب أولئك الأفغان ـ وأكثرهم معتمرون عماماتهم ، ومرتدون أوشحتهم الطويلة ، وأحذيتهم المطاطية ـ ينظرون إلينا نظرة احتقار واشمئزاز. وكان هناك رجل يلبس سترة زرقاء واقفاً على مؤخرة شاحنة أفغانية ، يرمقني بنظرات حادة.
وكان ذلك أقرب ما رأيت من الحقد والمقت. صاح ، ولكن صيحته ضاعت في زمجرة القافلة. لم يكن الرائد "يوري" مشوَّشاً. وعندما قطعنا بلدة "كاراباخ" ، أخبرته بأن الأفغانيين لا يبدون محبين للروس. وكان الثلج قد بدأ من جديد يتساقط بغزارة. فلم يرفع الرائد نظره عن الطريق ، لكنه علّق على ذلك بقوله دون خبث: "إن الأفغان أناس بارعون" ، وبقي صامتاً.
كابول
وكنا لا نزال ننزل باتجاه كابول ، عندما التفتُّ إليه من جديد متسائلاً عن سبب وجود الجيش الروسي في أفغانستان. فكر الرائد في الإجابة دقيقة ثم ابتسم قائلاً: "لو كنت تقرأ جريدة "البرافدا" ، لوجدت أن الرفيق بريجنيف قد أجاب عن هذا السؤال. لقد كان الرائد "يوري" محازباً حتى النهاية. بدأت الأبواب تقفل في كابول: فقد طُرد جميع الصحافيين الأميركيين من البلاد. كما أصدر المكتب السياسي الأفغاني بياناً شجب فيه عمل المراسلين البريطانيين وسائر المراسلين الأوروبيين ، ووصفه بأنه نوع من الطعن السياسي. وقد زارت الشرطة السرية السيد صمد علي.
وكان "غافين" ينتظرني ، متجهم الوجه ، في ردهة الفندق. فلما رآني قال: "لقد هدَّدوا السائق بمصادرة أولاده منه ، إذا سار بنا إلى خارج كابول".
ووجدنا السيد صمد علي في اليوم التالي متمركزاً في صف سيارات الأجرة أمام الفندق ، يبتسم معتذراً ويكاد يبكي. وكانت سًمة السفر في جوازي قد شارفت على الانتهاء: ولكن كان عندي خطة. فإذا سافرت بباص عليّ إلى "بشاور" في باكستان ، قد أستطيع أن أدور وأجتاز الحدود الأفغانية عند ممر خيبر قبل أن توقف حكومة كابول إصدار السمات للصحافيين البريطانيين. وهناك أمل في أن يدعني موظفو الحدود أدخل إلى أفغانستان أكثر من رجال الشرطة المرابطين في مطار كابول. وعلى ذلك ، استقلّني الباص عبر ممرّ كابول ، وبقيت فيه عندما قطعنا جلال أباد ، وقد شعرت بالغرابة عندما اجتزت خط "دوراند" ووجدت نفسي في باكستان ، التي كانت تبدو حرَّة ، وتقريباً ديمقراطية ، بعدما عانيت من توتر وأخطار في أفغانستان. وأعجبت بالريش الذي يعلو قبعات الجنود من فرقة رشاشات خيبر على الضفة الباكستانية من الحدود ، ذلك الريش الذي كان أول رمز للحكم البريطاني. وقد شُكّلت تلك الفرقة منذ أكثر من مئة سنة ، وهي مستترة في قلعة "شاغاي" مزيّنة بالفضة الإنكليزية القديمة ، مع دفتر للتشريفات بتصرّف الزائرين ، ممَّا يعيد إلى الذهن أيام نواب ملك بريطانيا. ولكن ذلك لم يكن سوى أوهام. فالرئيس اللواء ضياء الحق أنشأ حكماً دكتاتورياً إسلامياً ، يوقع القصاص في الناس رسمياً بالبتر والجلد. لقد حكم حكماً عرفياً ، وشنق غريمه الرئيس السابق "ذو الفقار علي بوتو" قبل سنة تقريباً في نيسان ـ أبريل 1979. وبالطبع ، رد على الغزو السوفياتي لأفغانستان بالتعبير عن مخاوفه من خطة الجيش الروسي بالتقدم نحو باكستان. وقد عمدت الولايات المتحدة الأميركية فوراً إلى إرسال أسلحة بملايين الدولارات إلى الدكتاتور الباكستاني ، الذي أصبح "حرزاً ثميناً" في الحرب ضد الشيوعية.
ولكني كنت أشعر بنوع من الحرية في الباص الخشبي للسائق علي. وبينما كنا ننزل عبر ممر خيبر الرائع ، رأيت حولي تذكارات من الفرق البريطانية القديمة التي حاربت على هذه الأرض لقرن ونصف ، في الغالب ضد مقاتلي "باثان غازي" برشاشاتهم البدائية المسماة "جيزيل" (Jezail).وقد وصف هذا المكان أحد الكتاب البريطانيين عام 1897 بأنه: "غريب ، خارق للطبيعة... إنه وادْ مميت". وهناك على الصخور الكبرى خلف الباص ، كانت لوحات تذكارية تحمل أسماء الفرق العسكرية البريطانية مع شعاراتها ومدة خدمتها: فرقة المشاة 40 مع ريشة خوذتها ، وفرق "ليسستر شاير" ، و"الدورستشاير" ، و"التشيشاير": فرقة "بيل فيسك" قبل إرساله إلى فرنسا عام 1918 ، وفرقة السيخ 54 الحدودية. وكان الطلاء متقشراً عند الريشة التزيينية للكتيبة الثانية ، ومنعدماً عند أسماء الفرق التالية: البلوش ، واللانك الجنوبي ، ومتطوعي أمير وايلز. وكان رجال قبائل الباثان المسلمون قد سحقوا شارات الفرقة الهندية التي تشمل ريشتها طاووساً متغطرساً. وكانت "الخربشات" قد غطَّت لوحة فرقة "ليسسترشاير "17 لعام 1878 ـ 1879.
أما النصب التذكاري النظيف من "الخربشات" والوحيد المصقول مجدداً ، فكان لفرقة المرشدين الخاصة للملكة فكتوريا ، المؤلفة أساساً من "الباثان" ، التي أمر قائدها بإلباسها "الكاكي" بدلاً من القرمزي ، والتي أوحى أعضاؤها الهنود إلى الكاتب "روديارد كبلنغ" بمؤلفه "كونغا دين".
«بشاور»
كانت "بشاور" مدينة كبيرة جيَّاشة بالضباب والدخان ، بما فيه دخان عادمات السيارات ، وأشجار "الجاكاراندا" الاستوائية المتوهجة ، والمرجات الواسعة ، والثكنات. وفي فندق "الأنتركونتيننتال" القذر هناك ، وجدت مجموعة من موظفي التلكس ، الذين اعتبرتهم كأنهم جريدة "التايمز" لإرسالهم تقاريري إلى لندن. ولم يكن ذلك مجرد كرم مني ، فلو استطعت أن أعود وأدخل أفغانستان ، فسيكونون في المستقبل شريان الحياة للجريدة.
وكذلك السائق علي. جلسنا على مرجة الفندق ، نحتسي شاي "الراج" ، بإبريق صيني وصحن من الكعك المسطح المستدير ، تشاركنا فيه طيور ضخمة تهبط من الأشجار لتخطف ما تيسر لها من هذا الكعك. وقد أكَّد علي لي "أن الروس لن يرحلوا يا سيد روبرت. ولذلك لدينا عرب هنا". وها أنا أسمع ثانية عن العرب هنا. ولكن علي لا يعرف أين هم في "بشاور" ، إنما هناك مكتب لهم في المدينة. وقد أمر اللواء ضياء الحق جميع السفارات الباكستانية عبر العالم الإسلامي بإعطاء سمات سفر لأي شخص يريد أن يحارب الجيش السوفياتي في أفغانستان. وعندما وصلت إلى مكتب الاستقبال في الفندق ، كانت هناك بانتظاري مجموعة من رسائل التلكس ، فقد تسلَّمت جريدة "التايمز" كل فقرة كتبتها.
وقد اشتريت الجرائد اللندنية ، وشربت ما فيها حتى الثمالة ، مثلما أشرب بنهم مشروب "الجن والتونيك". وكان البوَّاب يلبس كمراً أي وشاحاً للخصر قرمزياً ملكياً عرياً: وعلى جدار غرفة التلكس مقطع من قصيدة "لكبلنغ" في رثاء أبناء وطنه القتلى: "حساب على الحدود" ، كتبها الشاعر للمدارس العامة ، وأطَّر المقطع مدير الفندق الباكستاني: وجاء فيه: مناوشة صغيرة في محطة حدودية ، متشرّد يهبط إلى ممرّ ضيّق مظلم ، ألفا "باوند" من التعليم ، تتضاءل إلى بندقية رشَّاشة تساوي عشرة روبلات.
الهوامش
(ھ) حطَّم الإسكندر الكبير القبائل الأفغانية في طريقه إلى الهند. ثم توالى على حكم تلك الأراضي "الكوشان" ، والساسانيّون الفرس ، و"الهيفتاليّون" (Hephtalites) ، والجيوش الإسلامية التي قاومتها في البداية بشراسة القبائل الهندية. وفي عام 1219 ، جاء غزو "جنكيز خان" الذي استشاط غضباً لموت حفيده خارج مدينة "باميان" المحاصرة ـ حيث تمكن مشاهدة نصبين عملاقين لبوذا يناهز عمرهما 600 سنة ، محفورين في الجرف الصخري ـ فأمر جيشه المغولي بإعدام كل رجل ، وامرأة ، وولد. كما أن إمبراطوريات أخرى وسّعت نطاق أراضيها إلى ما نسمّيه اليوم أفغانستان. وعند نهاية القرن الرابع عشر الميلادي ، احتلّها تيمورلنك (تيمور تعني الأحنف أي المشوّه القدم) ، وتلا التيموريين في الحكم مغول الهند ، والصفويون الفرس. وكان هناك عصيان دوري من قبل القبائل الأفغانية: لكن مجمل البلاد التي يمكن تحديدها بأفغانستان ، برز كيانها عام 1747 ، عندما قام "أحمد شاه دوراني" زعيم قبيلة بشتونية صغيرة ، فشكَّل كونفيدرالية غزت بعدها شمالي الهند. ولكن أفغانستان لم تظهر كأمة واحدة في كيان سياسي إلَّا تحت حكم "دوست محمد" بين الأعوام 1930 ـ 1939.
(ھ) تأثر الملك "أمان الله" بالثورات العلمانية التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك في تركيا ، وشاه رضا في بلاد الفرس: فأسس سلسلة من الإصلاحات القيًّمة ـ جمعية وطنية منتخبة ، وحكم ملكي دستوري ، وتعليم علماني ـ مما سرّ "الغرب" الحديث ، وأخاف السلطات الإسلامية التي رأت في ذلك زوال نهاية نفوذها الإقطاعي ، لا بل نفوذها الدائم منذ القرون الوسطى. فحصل تمرد "أمان الله": ثم نفي إلى إيطاليا. ولكن قريبه "محمد نذير خان" لم يرتكب الأخطاء ذاتها ، بل تماثل مع الإسلاميين التقليديين ، وأنشأ جيشاً قوياً جديداً ـ وهي سابقة خطرة في بلاد غير متحدة ـ فاغتيل عام 1933 ، وخلفه ابنه ظاهر. وتلت ذلك فترة "ديمقراطية" ـ جرت فيها انتخابات حرّة ، وتمتعت فيها الصحافة بحرية نسبية ـ ولكن حصل انقلاب عام 1973 جلب "محمد داوود" إلى الحكم. وتوجه "داوود" إلى الاتحاد السوفياتي طالباً المساعدة الاقتصادية ، وأصدر عدة قوانين ليبرالية ، مما حبَّذه الغرب ـ منها ما شجع على رفع الحجاب للمرأة اختيارياً ـ ولكن هذا الرفض الفعلي لخط "دوراند" ، حمل دولة باكستان الجديدة على إغلاق حدودها مع أفغانستان ، مع العلم أنها الدولة التي ورثت الحكم البريطاني الحدودي. وهكذا ، صارت أفغانستان الآن أكثر تبعية للاتحاد السوفياتي.
(ھ) ولما كان كل سجن في الواقع لا يفقد غايته الأساسية ، شهد سجن "وليشاركي" أول إعدام قانوني بعد حكم طالبان في أفغانستان في شهر نيسان ـ أبريل عام 2004. وقد وقّع على حكم الإعدام على "قاطع الطريق" هذا رئيس البلاد "البشتوني" المناصر للأميركيين "حميد قرضاي".
(ھ) عاد لويس فيما بعد إلى إذاعة الأخبار المسائية لهيئة (ITN) في لندن: كما أنه تورط أيضاً في سلسلة من الكتب حول الكلاب والقطط ، لقتل الوقت ، مفضلاً ذلك على نقل المؤتمرات الصحفية لكارمال.
(ھ) أعاد الروس كارمال بالطائرة إلى موسكو عام 1986 ، ونصّبوا محله محمد نجيب الله ، رئيس "الخاد" أي الشرطة السرية. ثم أطاح به المجاهدون ، فالتجأ إلى مكاتب الأمم المتحدة في كابول عام 1992 ، بعد ثلاث سنوات من الانسحاب السوفياتي. وفي عام 1996 ، سحبه رجال طالبان ، فخصوه وشنقوه مع أخيه على شجرة ، بعدما وضعوا في فمه وجيوبه عملة أفغانية. وكان هذا هو المصير الذي كان ينتظر كارمال الذي مات بالسرطان بعد سنوات في موسكو.
(ھ) بعث "جيرالد لونغ" مدير "رويتر" من مكتبه في شارع "فليت" في لندن ، برسالة إلى جريدة "التايمز" ، يدينني فيها لحملي "كلاشينكوف" ، قائلاً: "مهما كان كل شخص يدرك الغريزة الطبيعية للحفاظ على الذات ، فقد كان عليه (أي على فيسك) أن يرفض حمل البندقية. وإذا كان علينا أن نحمي الصحافيين الذين يراسلون بشأن نزاع ما ، فعليهم بدورهم أن يرفضوا حمل السلاح في جميع الظروف. وعلى المسؤولين عن سلامة الصحافيين أن يعطوهم تعليمات لتجنب ما يمكن تجنبه من مخاطر. فالخطر الذي يهدد جميع الصحافيين والناشىء عن حمل أحدهم سلاحاً ، هو بنظري أكبر من الحماية المشكوك في أمرها التي قد يوفرها له حمل تلك البندقية". وبالرغم من غرابة التركيب النحوي لهذه الرسالة ، فإني جدّ موافق على مضمونها. ولكن ، كيف يُفترض بنا ، نحن معشر الصحافيين ، أن "نتجنب ما يمكن تجنبه من مخاطر" في أفغانستان؟ لقد كنت أحاول أن أذهب إلى "مزار" في سيارة باص ، وليس إلى كابول في شاحنة ض
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش