الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعد إنشاء وزارة للدفاع ...اليابان في مفترق طرق حول طبيعة مهام الجيش الياباني

تم نشره في الثلاثاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
بعد إنشاء وزارة للدفاع ...اليابان في مفترق طرق حول طبيعة مهام الجيش الياباني

 

 
طوكيو - د. أحمد قنديل
فى خطوة رمزية جديدة للتغلب على ميراث الهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الثانية ، وافق البرلمان الياباني (الدايت) في منتصف الشهر الحالي على قانون جديد ينص على تحويل وكالة الدفاع إلى وزارة مع حلول بداية العام المقبل ، وذلك للمرة الأولى بعد أكثر من خمسين عاما على تأسيسها في عام 1954. وبمقتضي القانون الجديد ، ستتمتع وزارة الدفاع الجديدة بسلطات أكبر ، من وكالة الدفاع الحالية ، فيما يتعلق بالشؤون المهمة للقوات العسكرية اليابانية ، مثل وضع السياسات الدفاعية ، وتعيين القيادات العسكرية ، وتقديم طلبات اعتماد الموازنة الخاصة بها مباشرة إلى وزارة المالية اليابانية ، وليس عن طريق مكتب رئيس الوزراء الياباني ، كما هو حادث الآن. وبمقتضى القانون الجديد أيضا سيصبح مدير وكالة الدفاع وزيرا للدفاع ، وسيتم الإبقاء على مسمى قوات الدفاع الذاتي. وفيما يتعلق بإرسال قوات الدفاع الذاتي للقيام بمهام خارجية ، يرى بعض المراقبين أن القانون الجديد سوف يعطى مساحة أكبر لمسؤولي وزارة الدفاع في تقرير إرسال هذه القوات ، بعد أن كان دورهم هامشيا في الماضي ، وبعد أن كانت وزارة الخارجية اليابانية صاحبة المبادرة في هذا الشأن.
قانون مثير للجدل آثار القانون الجديد عاصفة من الجدال والنقاش حول دلالاته وآثاره على مستقبل المؤسسة العسكرية اليابانية ، التي شهدت تقليصا شديدا في ضوء الدستور الذي وضعته قوات الحلفاء ، بقيادة الولايات المتحدة ، في عام 1947.
حيث تم تفسير المادة التاسعة من هذا الدستور لفترة زمنية طويلة باعتبارها تمنع اليابان من امتلاك جيش.
وقد انعكس هذا التفسير على شكل المؤسسة العسكرية اليابانية بعد الحرب. حيث جاءت أولى خطوات تكوين هذه المؤسسة من جديد في عام 1950 ، عندما تأسست القوات القومية لشرطة الاحتياط ، بناء على طلب من الجنرال ماكارثي ، القائد الأمريكي لقوات التحالف في اليابان. ففي هذا الوقت ، كانت هناك حاجة ماسة لمثل هذه القوات لملء الفراغ الأمني الداخلي في اليابان ، بعدما ذهب جزء كبير من القوات الأمريكية المرابطة في اليابان للمشاركة في الحرب الكورية. وفى عام 1952 ، تم تعديل اسم القوات القومية لشرطة الاحتياط إلى قوة الأمن القومي ، و تم تعديل الاسم مرة أخرى في عام 1954 إلى قوات الدفاع الذاتي ، ووضع هذه القوات تحت سيطرة وكالة الدفاع ، وهى درجة أقل من مرتبة الوزارة ، استجابة لمقتضيات تحقيق التوافق السياسي ، خصوصا مع نظرة بعض الأوساط السياسية اليابانية إلى هذه القوات باعتبارها غير دستورية ، في ضوء النصوص الحرفية للدستور الياباني.
ومنذ ذلك الحين وحتى صدور القانون الجديد ، اصطدمت كل محاولات الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم لتغيير وضع وكالة الدفاع ، وزيادة قوتها النسبية ، بمعارضة شديدة من أحزاب المعارضة اليسارية والاشتراكية ، التي كانت تتمسك بشدة بمبادئ الدستور السلمي ، ورفض كل محاولات توسيع الدور العسكري لليابان ، بعد الدمار الشامل الذي لحق بها نتيجة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية.
دلالات مهمة الانقلاب الذى حدث بتحويل وكالة الدفاع إلى وزارة ، بعد أكثر من نصف قرن على نشأتها ، يأتي في توقيت تشهد فيه علاقات التحالف الأمني والإستراتيجي بين اليابان والولايات المتحدة تناميا ملحوظا ، وهو ما برز بشكل واضح منذ أحداث 11 ايلول . حيث قامت الحكومة اليابانية السابقة بقيادة جونتشيرو كويزومي بمساندة العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان ، وقامت بإرسال 600 جندي إلى العراق للمساهمة في جهود إعادة الإعمار. كما وقعت الدولتان أيضا في ايار الماضي اتفاقا يقضى بإعادة نشر القوات الأمريكية المرابطة على الأراضي اليابانية ، وهو الأمر الذي دفع العديد من المراقبين إلى توقع المزيد من التكامل في العمليات العسكرية بين قوات الدولتين ليس فقط في آسيا ، وإنما أيضا على الصعيد العالمي. وهو ما برز بشكل واضح بعد التجربة النووية لكوريا الشمالية في تشرين الاول الماضي ، حيث طالب رئيس الوزراء الياباني آبى بدراسة إمكانية قيام القوات اليابانية باعتراض الصواريخ التي تمر فوق الأراضي اليابانية في طريقها إلى الولايات المتحدة ، كما تعالت الأصوات المطالبة بتعزيز علاقات التعاون مع منظمة حلف شمال الأطلنطي "ناتو".
ومن ناحية أخرى ، كان لموافقة البرلمان الياباني على هذا القانون دلالات مهمة. فمن جهة ، تشير موافقة الحزب الديمقراطي المعارض على هذا القانون إلى أن نسبة كبيرة من الشعب الياباني بدأت تتغلب على مخاوفها الشديدة من تنامي الدور العسكري الياباني في العالم ، وأصبحت أكثر استعدادا لأخذ مواقف أكثر حسما إزاء مسائل الأمن القومي ، خاصة بعد التجارب الصاروخية والنووية لكوريا الشمالية. ومن جهة ثانية ، يعد هذا القانون بمثابة تحقيق لحلم قديم ظل يراود التيار اليميني المحافظ في اليابان ، بإنشاء "يابان جديدة" تستطيع الاعتماد على نفسها والدفاع عن مصالحها في عالم مضطرب.
ومن جهة ثالثة ، يبشر هذا القانون بأن المناخ السياسي العام في اليابان أصبح أكثر ملاءمة لتعديل الدستور السلمي ، وتوسيع الدور العسكري الياباني في الخارج ، خصوصا بعد الانتصار الكاسح للحزب الليبرالي الديمقراطي في الانتخابات العامة التى جرت في 2005 ، وبعد أن أصبح السيد آبى ، رئيسا للوزراء في نهاية ايلول الماضي.
ومن جهة رابعة ، يتوقع بعض الخبراء أن يؤدى القانون الجديد إلى تشجيع الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى انتهاز فرصة إنشاء وزارة للدفاع من أجل تمرير قانون جديد آخر لقوات الدفاع الذاتي يسمح بإرسال القوات اليابانية للخارج بقرار مباشر من قادة القوات اليابانية دون الحاجة إلى تصريح خاص من البرلمان في كل مرة يحدث فيها ذلك. وينص مشروع القانون الجديد الخاص بقوات الدفاع الذاتي على أن المهام الخارجية للقوات اليابانية (بما في ذلك عمليات حفظ السلام ، وقوات الطوارئ الدولية ، ومساندة القوات الأمريكية في أوقات الطوارئ) ستكون "مهام رئيسية" لهذه القوات ، بعد أن كانت هذه المهام تعتبر "مهاما إضافية".
ردود فعل متباينة الرأي العام الياباني يبدو منقسما حول تحويل وكالة الدفاع إلى وزارة. حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة "إن إتش كيه "اليابانية أن 25 في المائة من الذين شملهم الاستبيان يؤيدون إنشاء وزارة للدفاع ، بينما عارض ذلك 31 في المائة ، وعبرت النسبة الباقية عن عدم وجود رأى محدد لها إزاء هذه المسألة. هذا الانقسام يبدو أكثر وضوحا بعد مطالعة الصحف اليابانية الكبرى. حيث رأت صحيفة "يوميوري "أن إنشاء وزارة للدفاع من شأنه تحسين قدرة الحكومة اليابانية على صياغة السياسات الدفاعية في مواجهة التهديدات الأمنية المحيطة باليابان ، وخصوصا صعود القوة العسكرية الصينية والبرامج النووية والصاروخية لكوريا الشمالية ، والإرهاب الدولي ، مشيرة إلى ضرورة تنسيق عمل مكتب التخطيط الإستراتيجي في وزارة الدفاع مع أنشطة مجلس الأمن القومي الجديد المقرر إنشاؤه على غرار النموذج الأمريكي. كما طالبت الصحيفة أيضا بضرورة وضع قانون دائم يسمح بإرسال القوات اليابانية للخارج بصورة مرنة وسريعة ، ولا يقيد عملها الخارجي بفترة زمنية محددة ، كما هو حادث الآن في قانون مكافحة الإرهاب ، والقانون الخاص بمساعدة اليابان في جهود إعادة إعمار العراق.
كما أشارت الصحيفة أيضا إلى أهمية إعادة النظر في نطاق عمليات قوات الدفاع الذاتي ، ونوعية الأسلحة التي تستخدمها ، بشكل يضمن التماثل مع الدول الأخرى. ومن جهة أخرى ، عبرت صحيفة "أساهي" عن معارضتها الشديدة لتحويل وكالة الدفاع إلى وزارة ، مشيرة إلى أن هذا الوضع من شأنه تقليل السيطرة على تصرفات المؤسسة العسكرية اليابانية ، ويعتبر تخليا عن الطابع السلمي الذي اشتهرت به اليابان ، ونسيانا للعظات والعبر التي تعلمتها اليابان من تجربة الهزيمة المريرة في الحرب العالمية الثانية. النظام الديمقراطي صمام أمان بغض النظر عن دلالات هذا الانقسام على الساحة الداخلية اليابانية بشأن تحويل وكالة الدفاع إلى وزارة ، يتفق معظم المراقبين على أن اليابان في مفترق طرق بشأن أنسب الوسائل لتحقيق أمنها القومي ، وطبيعة مهام جيشها لتحقيق مصالحها القومية. كما يؤكد الخبراء أيضا على أنه كلما تراخت القيود القانونية والدستورية التي تتحكم في عمل المؤسسة العسكرية اليابانية ، كلما تنامت مشاعر الرضا والثقة في الولايات المتحدة تجاه الحليف الياباني ، وأيضا تنامت الهواجس والكوابيس في منطقة شرق آسيا بخصوص انبعاث العملاق العسكري الياباني من مرقده مرة أخرى.
وعلى الأرجح أن يكون العامل الحاسم في تحديد طبيعة مهام الجيش الياباني في المستقبل القريب هو مقدار ثقة اليابانيين في قدرة نظامهم الديمقراطي على إبقاء الجيش الياباني تحت السيطرة الصارمة ، حتى لا يتكرر ما وقع من مآسي وويلات قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية.
بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش