الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * * الحلقة السابعة والعشرون

تم نشره في السبت 2 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * * الحلقة السابعة والعشرون

 

 
السوريون يصرون على أن تشمل مفاوضاتهم
مع اسرائيل القضية الفلسطينية والجولان معاً
عرفات : فلسطين وطن للفلسطينيين .. وطن الأمة من المحيط الى الخليج
أراد الفلسطينيون أن يتكلّموا عن بلد اسمه فلسطين ، بينما لم يُرد الإسرائيليون سماع ذلك. وبقيت القدس موضوعاً غير مطروق خلال المحادثات البينيّة ، ومفتوحاً للمناقشة في المراحل الأخيرة من المفاوضات
وكانت اتفاقية "أوسلو" بمثابة خيانة بالنسبة إلى نصف مليون فلسطيني لاجئ مقيمين في لبنان ، لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم التي غادروها عام 1948 ، والواقعة في ما يُسمّى اليوم "إسرائيل"

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

في محادثات السوريين الشخصيّة مع الأميركيّين ، أصرّوا على أنهم سيفاوضون أيضاً حول القضية الفلسطينية والجولان معاً ، لمنع الإسرائيليين من استغلال ضعف الوفد المشترك الأردني ـ الفلسطيني في المؤتمر ، فحقّ الفلسطينيين في "تقرير المصير" ـ العبارة الهامّة جدّاً التي تتضمّن إقامة دولة مستقبلاً ـ يجب أن يكون بالمشاركة مع الأردنّ وليس "ضمن الأردنّ".
وقال السوريون إن رسالة خاصّة من بيكر إلى الأسد رفضت الاعتراف بتوسّع إسرائيل في المنطقة الإدارية للقدس. فكل المستوطنات الإسرائيلية المبنيّة حول القدس الشرقية منذ عام 1967 ـ التي يزعم الإسرائيليون الآن أنها جزء من المدينة ، (وبالتالي جزء من إسرائيل) ـ تُحسب جزءاً من الضفّة الغربيّة ، حيث تعتبر الولايات المتحدة إقامة المستوطنات عملاً غير شرعي. فالقدس الشرقيّة ذاتها يجب أن ترجع إلى السيادة العربية ، لكنّ السوريين مستعدون لدرس "إجراءات إدارية" ـ تسمح لأتباع جميع الأديان ـ بمن فيهم يهود إسرائيل ، طبعاً ـ بدخول المدينة المقدّسة.
وتعتقد سوريا بأن 60% من مصادر المياه في إسرائيل تأتي من الضفّة الغربية ، والجولان ، وجنوبيّ لبنان ـ ولذلك أراد الأسد حصول تفاوض بين الإسرائيليين والعرب على أساس التكافؤ في المحادثات بعد الاتفاق العسكري ـ عندما لا تستطيع إسرائيل أن تطالب بما هو غير مقبول ومعقول. ولم يكن من العسير تبيّن زعامة عرفات عبر الفلسطينيين المشاركين في المؤتمر ضمن الوفد المشترك الأردني ـ الفلسطيني. ولمّا منعوه من حضور مؤتمر مدريد ، صار الإسرائيليون يسعون إلى أن لا يتأثر عبد الشافي والأكاديمية الدبلوماسية حنان عشراوي بمنظمة التحرير الفلسطينية "الإرهابية" ـ مع العلم أن عرفات قابل الأسد قبل المحادثات ، وأعطاه وعداً بالاعتصام بقرارات الأمم المتحدة: ثم نقضه خلال سنتيْن. وقد روى موظّف فلسطيني على لسان الأسد قوله لعرفات: "سنحصًّن أنفسنا بالشرعية الدولية ، لأن مطالبنا تتوافق مع الشرعية الدولية".
محادثات الشرق الاوسط
وجاءت خيبة الرئيس بوش في الانتخابات عام 1992 فقوَّضت زخم محادثات الشرق الأوسط. وبينما كانت إدارة بوش قد قامت بإنجازات في السياسة الأميركية الخارجية ، لم تكن ملاحظات كلينتون الأولى مشجًّعة تماماً. وكان الوعد الوحيد الذي نطق به في مؤتمره الصحفي الأول ، تعليقاً جانبياً بمعنى أنه "سيبقي عملية السلام في الشرق الأوسط جارية ، مع المحافظة على استمراريّتها". وكان تعبير "عملية السلام" قد سبق أن كُرًّس كرَوْسم شكلي ، وصار السلم في السنوات القادمة يشبه حافلة قديمة صرَّارة لسكّة الحديد ، تخرج عن مسارها إلى خط جانبي ، لتعود فتوضع من جديد على مسارها الأساسي. وكان الحصاد هزيلاً لدى الإسرائيليين ، والفلسطينيين ، والأردنيين ، والسوريين ، واللبنانيين ، الذين يضيّعون الآن وقتهم في أجنحة فنادق واشنطن.
وفي الأسبوع الثاني من تشرين الثاني ـ نوفمبر عام 1992 ، طغت على اجتماعاتهم بإشراف وزارة الخارجية الأميركية مقطوعة إسرائيلية هزلية ، لدى محادثاتهم المتعدّدة الأطراف في "أوتاوا" ، عندما رضي الإسرائيليون بمتابعة المفاوضات ، ونُمي إليهم أن أحد الموفدين الفلسطينيين ـ الذين اعترضوا على مشاركته ، لأنه ينتمي إلى منظمة التحرير الفلسطينية ـ هو عضو في المجلس الوطني الفلسطيني ، وبالتالي تحقّ له المشاركة ، ولكنّ عضويته كانت قد "انتهت".
وفي واشنطن ، وجدتُ رئيس الوفد السوري موفق علّاف مكتئباً لأن كلينتون لم يبدُ يبدو مستوعباً للقضايا الداخلة في المحادثات ـ حتى لو أراد الرئيس الجديد أن يتغاضى عن وعده قبل انتخابه بأن ينقل السفارة الأميركية من تلّ أبيب إلى القدس. واشتكى علّاف من أن إدارة بوش انغمست في هذا الأمر منذ أربع سنوات على الأقلّ ، وكانت عملية السلام مرتبطة بالجهود الشخصية لبوش وبيكر ، ولكن... أيّ رئيس ، حتى لو جاء إلى الحكم بأفكار مسبقة غير مبنية على معلومات متوازنة ، سيدرك عمّا قريب وقائع الوضع من منظور المصالح الأميركية".
وتوجَّس الموفدون العرب الآن خيفة أكثر من أي وقت مضى من أن الوقت الذي يستغرقه الوصول إلى أيّ اتفاق سيكون مُضرّاً لبلادهم. وقد أسرّ الفلسطينيون في مقابلات غير رسمية إلى الصحافيين بأن الاعتراض على مشاركتهم في المحادثات يقوى في الضفّة الغربية وفي غزّة. وكان السوريون مهتمّين جدّاً بتأثير إخفاق المفاوضات على الأصوليّين الإسلاميّين في سوريا. وكانت المفاوضات حول التفاصيل مؤلمة.
فقد استغرق إقناع الإسرائيليين من قًبل الموفد الفلسطيني صائب عريقات ، أشهراً لكي يمتنعوا عن تسمية الضفّة الغربية بالاسم التوراتي: "يهودا والسامرة" ـ تلك التعابير التي تُلغي اسم "فلسطين" من الرواية الإسرائيلية.
ارض محتلة
ولم يحصل ذلك إلا بعد أن انحنى "داني روتشيلد" أحد الموفدين الإسرائيليين ، وهمس أنه سيسمّيها: "أراضي" عندما يتوقف الفلسطينيون عن تسميتها "بأراضْ محتلة".
وهكذا حصلت تسوية: وصار الفلسطينيون يرمزون إلى الأراضي الفلسطينية المحتلّة بأوائل حروفها).Palestinian Occupied Territories=POT( إن استغراق المفاوضات سنة كاملة للوصول إلى هذا المستوى من "تجارة الأحصنة لفظياً" يستدعي تعليقاً غير سعيد عن المحادثات. أراد الفلسطينيون أن يتكلّموا عن الأرض: بينما أراد الإسرائيليون أن يتحدّثوا عن "الوظائف المحوّلة".
أراد الفلسطينيون أن يتكلّموا عن "الاستقلالية الانتقالية" ، بينما أراد الإسرائيليون أن يتحدّثوا عن "الاستقلالية الفاصلة".
أراد الفلسطينيون أن يتكلّموا عن بلد اسمه فلسطين ، بينما لم يُرد الإسرائيليون سماع ذلك. وبقيت القدس موضوعاً غير مطروق خلال المحادثات البينيّة ، ومفتوحاً للمناقشة في المراحل الأخيرة من المفاوضات.
وكانت المشكلة بالنسبة إلى الفلسطينيين أن الإسرائيليين أرادوا أن يتكلّموا عن "ازدواجية الأراضي" ، والصلاحيات القانونية المتراكبة: كما أنهم لا يريدون أن يحكم العرب المستوطنين اليهود في "فلسطين" المستقلّة ، أو فصل القدس الشرقية عن إسرائيل. ومع أن سائقي السيّارات العمومية الإسرائيلية لم يعودوا يتجرّأون على العبور في شوارع المدينة ليلاً منذ عام 1992 ، فلا بدّ أن تبقى القدس "عاصمة إسرائيل الثابتة والموحّدة".
مناطق امنية
تقدَّم الإسرائيليون بمقترحات حول "المناطق العربية" ، و"المناطق الأمنية" ، و"مناطق المستوطنين" ، ومنطقة يفترض أن "يتعاون" فيها الفلسطينيون والإسرائيليون. وقد قالت ناطقة إسرائيلية في واشنطن إن حكومتها أدركت أن الأرض التي يملكها العرب موجودة في تلك المناطق ، وكانت مستعدّة للاعتراف بهذه الملكية ، لو كانت مدعومة بوثائق قانونية. لكنّ معظم تلك الأراضي مختلف عليها. فما هو القانون الذي يُفترض أن يسود هناك؟ القانون الإسرائيلي؟ أم القانون الأردني قبل حرب عام ؟1967 قانون الانتداب البريطاني؟ أم القانون العثماني؟". إن الفلسطينيين لن يقبلوا بذلك. وقد تعذّر على عُريقات الغاضب أن يسيطر تماماً على غضبه عندما كان لا يزال بانتظار معاودة بدء المحادثات في واشنطن.
وعندما خاطبته قال: "نحن نريد أن نعطيهم ضمانات أمنية. لكنّ الإسرائيليين هم الذين خلقوا هذه المشكلة في المقام الأول بإنشائهم المستوطنات. وهم الذين أحدثوا ما سمّوه "مناطق أمنية" على أرضنا.
ومنذ عام 1967 اقتصرت حرية التعامل بالوثائق القانونية والقوانين على الإسرائيليين بخصوص الضفّة الغربية. ولماذا علينا أن نقبل بكل هذا التراكب في الوظائف؟ يجب أن نُعطى مزيداً لا مقداراً أقلّ من النفوذ. وإذ ذاك تكون لدينا السلطة لحكم قومنا ، وإعطاء إسرائيل الضمانات الأمنية التي تقول إنها تحتاج إليها". ولا شكّ في أن الموفدين الفلسطينيين في واشنطن كانوا يمثّلون دور الشعب المقهور ، وبالتالي كانوا غير قادرين على تقديم تنازلات تُذكر ـ لأن أرضهم محتلّة ـ ولكنهم حاولوا التوفيق بين تنازلات المحتلّين وتلطيف مطالبهم بالاستقلالية. قال أحد الموظفين الفلسطينيين: "عندما أذهب إلى غرفة الاجتماعات في وزارة الخارجية ، وأرى روتشيلد منسّق الأراضي ، أشعر كأني جالس مع سجّاني". وكردّ فعل قال لي أحد الموفدين الإسرائيليين غاضباً: "لسنا هنا في المحادثات أمام مَن يحاكمنا. إن هذه الجلسات ليست محاكمة ، حيث نناقش مَن فعل كذا بمَنْ ، إن التاريخ هو الذي خلق هذه المشكلة".
قلت في رسالة من واشنطن في تشرين الثاني ـ نوفمبر من عام 1992 ، إن العرب خائفون من أن تُضعف إسرائيل قوّتهم عن طريق استفراد الدول العربية واحدة واحدة ، وعقد صفقة معها ، كما فعلت مع مصر عام 1979.
ولكنّ المشكلات التي جابهتهم والتفاصيل التي شوّشتهم خلال تلك الشهور الطويلة ، منذ مؤتمر مدريد الكئيب ، ستظهر كلّها عام 1993 في اتفاقية "أوسلو" الخاطئة والمقدَّر لها أن تتصدّع. وسيحاول الآن عرفات وموظّفوه غير المدرّبين ـ والذين ليس بينهم محامْ واحد ـ أن يتغلّبوا على الحجج التي أعدّها المفاوضون الإسرائيليون الأكثر ثقافة وفطنة يغريهم وَهْمُ دولة فلسطينية ، مع عاصمة لها في القدس. وهو شيء لن يُعطَوه أبداً قطعياً. وليس من العسير أن يرى المرء لماذا رأى الإسرائيليون والفلسطينيون مصلحة مشتركة لهم في عقد صفقة سرّية.
فاحتلال إسرائيل يسير إلى مزيد من الوحشية: كما تكتسب الفصائل الفلسطينية الدينية مزيداً من القوّة ، ولا سيّما "حماس": ممّا كان يخيف الإسرائيليين والقيادة الفلسطينية على السواء. ومنذ سنوات وإسرائيل تشجّع "حماس" على بناء المساجد وتقديم الخدمات الاجتماعية كمنافسة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وقائدها "الإرهابي الكبير" المنفيّ.
وكما ساعدت أميركا على خلق أُسامة بن لادن وصدّام حسين ، كذلك رعت إسرائيل "حماس" وقادتها من الأئمّة ومُحاربيها المؤمنين بصواب مسعاهم ، والذين يطالبون اليوم بفلسطين ـ كلّ فلسطين ـ للفلسطينيين. وفي آخر الأمر ، هؤلاء هم الذين أنقذوا عرفات من الإهمال ، بنفوذهم كمنافسين إسلاميين بين الفلسطينيين ، وما بلغوه من مدى في استنزاف إسرائيل ضمن الأراضي المحتلّة.
ولولا معارضة "حماس" و"الجهاد الإسلامي" ، لما كان للإسرائيليين رغبة في الانسحاب. ولولا وجودهم ـ ووجود تلك المطالب الإسلامية الشاملة التي لا تقبل التسويات ، والتي فاقت بكثير مطامح عرفات ـ لما اهتم الإسرائيليون قيد أنمُلة بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية أو بإرجاع قطعة صغيرة من فلسطين إلى عرفات. غزّة في 20 نيسان ـ أبريل 1993.
سيارات الاسعاف
لن يسمح الإسرائيليون لسيّارة الإسعاف الصحّية بالمرور. وقد منعوا أيضاً جماعة الأمم المتحدة. كما منعوا أيضاً الأطفائيين ، بينما كانت النار تشتعل والدخان يتصاعد من "طوفه" بضواحي غزّة. وكان باستطاعتنا أن نسمع الانفجارات طوال اليوم ، تتخلّلها رشقات المدافع الرشّاشة ، وهدير المروحيّات التي تحوّم حول تلك الأحياء الفقيرة. إن الإسرائيليين مشغولون بخسارة حربهم في غزّة. ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الفلسطينيين. فعبد الرحمن الشبكي يتألّم أمام الأشعّة السينيّة في مستشفى "الأهلي" مع جزء من رصاصة إسرائيلية فائقة السرعة استقرّت على بعد 3 إنشات من قلبه. لقد كان الإسرائيليون يفعلون ما يريدون في "طوفه". قال لي الشبكي بينما كان الدكتور صلاح ساف يضع لفافات من الأربطة في المنطقة الواقعة تحت قلبه: "سرت في الشارع أثناء منع التجوّل ، وتصوّرت أنهم سيسمحون لي بالذهاب إلى بيتي". جاءت الممرّضات بمجموعة من صور الأشعّة السينية ، تظهر إحداها لطخة بيضاء مُنذرة بسوء اخترقت الحجاب الحاجز في صدر "الشبكي" ، وبدت مرفوعة في الضوء تحت أنظار أفراد عائلته وأصدقائه الغاضبين الذين كانوا يتمتمون مستائين. وقد رأى هذا الشاب الفلسطيني البالغ من العمر 21 سنة الجندي الإسرائيلي الذي أطلق النار عليه مباشرة في صدره. وكان غضب الفلسطينيين الشديد بادياً ، حتى قبل أن يُنقل الشبكي إلى "طوفه".
ألني أحد الفلسطينيين الملتحين: "ماذا تفعل هنا؟" ، بينما كنتُ أُلملم نفسي في إحدى الصيدليات ، محاولاً الإفلات من قبضة الرائد الإسرائيلي الذي كان قد لوّح أمام وجهي بوثيقة الحظر في هذه "المنطقة العسكرية المغلقة" ، وأمرني بالخروج من شارع صلاح الدين. صاح بي الفلسطيني "نحن نحتاج إلى مساعدة ، وأنت تأتي إلى هنا لترانا نرقص". وكنّا قد رأينا لتوًّنا أول دفعة من الأسرى ، المحتجزين في "طوفه" ، يجلسون في سيّارة الجيب الإسرائيلية مطأطئي الرؤوس.
لا يقول الإسرائيليون لماذا يقومون بهذه الغارة على "طوفه" ، ولكن لا يشكّ أحد في غزّة في أنهم يفتّشون عن المسلّحين الفلسطينيين الذين قتلوا "إيلان فاينبورغ" بالسكّين والفأس منذ يومين ، بينما كان يجلس في مكاتب وكالة التعاون الأوروبي للإنماء.
النسور الحمر
وقد أعلنت مسؤوليتها عن قتل هذا المحامي الإسرائيلي مجموعة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" ملقّبة "بالنسور الحمر" ـ وكم لدينا من ألقاب في حروب الشرق الأوسط الذاتية المنشأ ـ وربّما قاموا بذلك لاستفزاز الإسرائيليين ليقوموا بعمليّات عسكرية تثير حفيظة آلاف الفلسطينيين. وإذا كان هذا الظنّ صحيحاً فقد نجحوا. ما هو الإنجاز الحاصل من كل هذه الأمور؟ هكذا سألت الرائد الإسرائيلي ، بينما كنّا في شارع صلاح الدين ، وكان الأولاد الفلسطينيون على أُهبة أن يشعلوا النار بالإطارات الأولى لذلك النهار ، على بعد مئة ياردة عنا. أليست غزّة حالة لا يُرجى منها نفع للإسرائيليين ، كحرب سبق أن خسرتها إسرائيل؟ قال الضابط مجيباً: "ماذا تقترح أن نفعل ، وماذا نستطيع أن نفعل؟ ـ طيّب ، ما قولك بمغادرة غزّة؟ فأجاب: "إنها مسألة سياسية". وكان مصيباً: لأنه مهما حرق الإسرائيليون من أحياء فقيرة بائسة ليثأروا لمقتل "فاينبورغ" ، ومهما أوقفوا من الفلسطينيين ، ومهما منعوا سيّارات الإسعاف من المرور وحجزوها خارج "المناطق العسكرية" حيث يسود منع التجوّل ، فقد خسر الإسرائيليون الحرب في غزّة. إن جدران غزّة ملأى بخربشات وأقوال الكره والحقد ، والمطالبة بإعدام المتعاونين مع إسرائيل ، فضلاً عن التهديدات بالنار والدم الصادرة عن مقاتلي "حماس" ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وحالما يغادر الإسرائيليون شارعاً من الشوارع يقع ذلك الشارع فوراً تحت سلطة الفلسطينيين. وفي اليوم التالي عرفنا ماذا حدث فعلاً في شارع صلاح الدين ، وماذا كان ذلك الرائد يحجبه عنا من حقائق. فقد عثر الإسرائيليون على مسلّح من "حماس" في "طوفه" ، يُدعى زكريا شربجي وينتمي إلى "كتائب القسّام": فقتلوه بسلاح خفيف مضادّ للدروع.
وأخذ الفلسطينيون رأسه ، بينما أخذ الإسرائيليون جسده: مما خلق مشكلة لأرملته وأهله في مخيّم "جباليا" للاجئين. وكان دمه لا يزال يلطّخ جدران الكوخ المسحوق الذي قُتل فيه مع صفحات غير معطوبة من القرآن الكريم الذي سقط من جيبه عندما قُتل ـ كما أورد محبّوه الخبر. وقد لاحظ أحد زوّار المزار الجديد "أنهم أخذوا عظام رأسه ودماغه ، بينما كان الإسرائيليون قد أخذوا جسده".
لم ينكر أحد أن الشهيد كان ينتمي إلى "حماس" ، وأن له طفلاً لم يبلغ بعد السادسة من عمره. وقد كان متوارياً عن الأنظار في "جباليا" و"طوفه" هرباً من الإسرائيليين. ولما كان الإسرائيليون ميّالين عادة إلى إيقاع عقوبة جماعية أيضاً ، فقد أحرقوا الشوارع المجاورة وفجّروا ما لا يقلّ عن 17 بيتاً فلسطينياً ـ كانت تأوي حوالى 200 شخص ـ خلال 12 ساعة. وتلك كانت الانفجارات التي سمعتُها من شارع صلاح الدين.
والركام حول آخر معقل للشربجي صار مشهداً للصراخ والغيظ من قًبل حوالى ألف فلسطيني تجمّعوا ليروا آثار البطش الإسرائيلي في الجدران والسقوف المتهدّمة ، والمفروشات المحروقة ، والثياب والأفرشة الممزّقة ، والبرّادات المسحوقة ، والغسّالات وأجهزة التلفزيون التي تركها الإسرائيليون وراءهم. إن المرء ليعجب ويسأل: "أين ينتهي العًقاب وأين يبدأ التخريب المتعمّد؟".
مخيم جباليا
ولكن ليست هذه هي القضيّة التي يناقشها أهل الفقيد. فمع أنهم لم يحظوا بجسده ، قرّروا إقامة المأتم على كلّ حال في مخيّم جباليا. وهي خطوة كان للإسرائيليين ردُّ فعل فذّ عليها: إذ أعلنوا أن جباليا "منطقة مغلقة" ويُمنع فيها التجوّل. كما هي العادة في قاموس مفرداتهم.
يجب دراسة هذا التعبير بعناية. فمنع التجوّل في غزّة يسري مفعوله حالما يخرج الضابط الإسرائيلي ورقة و"يخربش" عليها بوضع اسم وتاريخ وساعة: كما حدث لي عندما حاولت أن أزور أقارب الشربجي: وعندما أوقفت دورية للشرطة الإسرائيلية سيّارتي أصدرت أمرها السرمديّ إليّ: "ممنوع التصوير". فأين هو القانون الذي يمنع أخذ الصور في غزّة؟ جاءني الجواب فوراً ، عندما انبرى شرطي يرتدي بًزَّة خضراء ، إذ إنه عربي إسرائيلي ، ويضع نظّارة قاتمة ، وأخرج ورقة مطبوعة من جيبه كُتب عليها بسرعة: "جباليا ، 21 نيسان ـ أبريل ، الساعة 00:6" ، تحت عنوان "منطقة عسكرية مغلقة". فهل نأخذ له صورة وهو يوقّع هذه الورقة؟ طبعاً ، إذ إن "كوفكا" لا يعترض على ذلك. لكن هذه اللعبة التخمينية ليس لها تأثير يُذكر على شوارع غزّة. فحالما يبدأ رشق الحجارة على الإسرائيليين من وراء دخان الإطارات المحترقة ، يعقبه فوراً ظهور الجرحى المصابين بالرصاص ، وهم يئنّون من الألم ، ويُنقلون إلى مستشفى "الأهلي". وهناك ، وصل رجل مصاب برصاصة مكسوّة بالبلاستيك استقرّت في عمق فخذه ، بينما وصل آخر يجري الدم من جرح أحدثته رصاصة في كاحله. أما الأطبّاء فيعطون هؤلاء الجرحى مسكًّنات ، ويفحصون الجروح وينظّفونها ، ويُخرجون منها الرصاص ، رصاصة رصاصة ، ويرمونها في صينية معدنية ترنّ مع كل رصاصة ، في مسرح العمليات. وقبل حلول الظلام ، رأيتُ بعض الرجال الملثَّمين ـ واثنان منهم يحملان فأسيْن ـ يظهرون في مأتم الشربجي ، في برًّية من الرمل وسط مدينة غزّة.
حماس
أخذوني إلى شارع فقير حيث كانت قطعة من الإسمنت قائمة وسط قدم مربّع من الرمل الذي نُبش حديثاً عند أسفل حائط.
هناك أسرّ إلينا بوقار موظّف مُلتحْ من "حماس" قوله: "هنا قبرنا دماغه: وهناك بعض أجزاء من فكّه" مشيراً إلى ناحية شجرة. وأضاف: "هل تريد أن ننبشها لنريها لك؟". واستمرّ إطلاق النار ثلاثة أيام في غزّة. وكان الضحايا الفلسطينيون ـ من مسلّحين ، وراشقي حجارة ، وأولاد ، وعابري سبيل ـ تصطادهم الأسلحة ، كما لو كانت المعارك المسلّحة عبارة عن عواصف مُمطرة ، تحمي نفسك منها داخل البيت إذا شئت: إذ لم تعد هذه الحال شيئاً مخيفاً أو غير حقيقي أو حتى غير طبيعي. وفي الفوضى والهستيريا اللّتيْن تسودان مستشفى الشفاء ، كان من المتعذّر أن تسأل الأطبّاء عن هويّة كلّ ضحيّة ، ما دامت أثوابهم ملطّخة بالدماء ، وما داموا مغمورين بالصياح والصراخ. وخلال وقت منع التجوّل بتاريخ 24 نيسان ـ أبريل ، جيء إلى المستشفى بعدد من الفلسطينيين الجرحى بإطلاق النار عليهم يبلغ 27 شخصاً ، 13و إلى مستشفى الرفاع ، 25و إلى عيادة مستشفى "الأهلي" ، وصار المجموع 65 شخصاً جرحهم الإسرائيليون خلال ثلاث ساعات من منع التجوّل. وكانت آثار الدماء ظاهرة عبر مدخل مستشفى الشفاء.
وكان معظم الجرحى ما زالوا يتظاهرون ضدّ تدمير البيوت في منطقة "طوفه". وعندما وصلتُ إلى المستشفى بعد الساعة السادسة مساء مباشرة ، كان أقرباء الجرحى يصيحون ويبكون عند المدخل. وكان هناك عدد من الشبّان وولد صغير مُستلقين على الأسرّة: والدم يغمر سيقانهم أو صدورهم: بينما كان شخص آخر مفتوح الثياب ، يسيل الدم على صدره ، ويلهث بقوّة وهو مُمدّد على طاولة ، ويبدو أثر رصاصة اخترقت ذقنه. وعلى شاشة فوق رأسه خط أخضر يؤشر على استمرار الحياة ، أو هبوطها ، أو تعطّل وظائفها.
صاحت الممرّضة: "لقد دخلت الرصاصة إلى دماغه: إنه في وضع حَرًج": بينما كان الأطبّاء يدخلون أنبوباً إلى حنجرته ، وإبرة تغذية بالمصل في ذراعه. كما كانوا يدخلون أصابعهم في فمه حتى لا يبلع لسانه. ولكنه مات أمامنا ، فأغلق عينيه ، وتدلّى رأسه إلى اليمين ، وصُعًق الأطبّاء لعدم استطاعتهم إنقاذ حياته. وظهرت ضربات القلب على الشاشة كخط أخضر رفيع. وفي أقلّ من دقيقة ، عمد الرجال الملتحون من أقاربه إلى تكفينه ووضعه على المقعد الخلفي لسيّارة "بيجو" بيضاء قديمة ، وهم ينشدون أناشيد دينية.
وكان حشد من الناس الواقفين عند مدخل المستشفى يراقبون انطلاق السيّارة ويردّدون: "الموت لليهود". هذه هي فلسطين الذي يُفترض بعرفات الآن أن يرثها. وجاء اتفاق "أوسلو" ، الذي أفرخ في الخفاء ، مثقلاً بالأحلام العديمة الضمانات ، مبدياً وعوداً كاذبة بإقامة الدولة وبالقدس ، وبوضع حدّْ للاحتلال الإسرائيلي ، والاستيطان اليهودي. فتلقّاه زعماء الدول ومعظم صحافيّي العالم ـ كبارقة أمل جديد.
دماء ودموع
وصارت "المصافحة التي جرت في حديقة البيت الأبيض" بين إسحق رابين وياسر عرفات بتاريخ 13 أيلول ـ سبتمبر 1993 ، نوعاً من الإيديولوجية. ولا داعيَ لإعمال النقد هنا.
كفى الجميع دماء ودموعاً. سيسكن الذئب مع الحمل ـ ولم يتنازل أحد ليخبرنا مَن هو الذئب ومَن هو الحمل ـ وسيحوّلون سيوفهم إلى سكك للفلاحة. ولم يلاحظ أحد أن بين الرجال الثلاثة الذين اجتمعوا في حديقة البيت الأبيض ، واحداً استشهد بالقرآن الكريم ، ألا وهو الرئيس بيل كلينتون. ولم يسأل أحد كيف استطاعت مجموعة من السياسيين النرويجيين ـ وبعضهم لا يتمتّع سوى بخبرة عملية بسيطة في الشرق الأوسط ـ أن تساعد في إخراج ما يُفترض أنه أعجوبة. فالسلام يمكن أن يكون واسطة لبيع كثير من الجرائد ، مثل الحرب. وكلّ من تجرّأ منّا ، معشر الصحافيين ، على أن يصف "أوسلو" بمأساة للفلسطينيين ـ وفي النهاية للإسرائيليين أيضاً ـ اتُّهم بأنه معادْ للسلام ومناصر "للإرهاب".
وفي هذه المرحلة الفاصلة المؤقّتة يمكن أن يُنشئ عرفات وجماعته من منظمة التحرير الفلسطينية "سلطة فلسطينية" في غزّة وأريحا. ثم يخضعون لجدول زمني طويل ومعقّد لانسحاب الجيش الإسرائيلي من سائر المدن الكبرى والضفّة الغربية. لكن "الوضع الدائم" الذي سينشأ بعد خمس سنوات هو الذي سيكفل حلّ مستقبل القدس ، والمستوطنات اليهودية ، و"حقّ العودة" لثلاثة ملايين ـ وربّما خمسة ملايين ـ من الفلسطينيين اللاجئين. وبتعبير آخر ، يبقى إنشاء الدولة الفلسطينية حسبما اعتقد عرفات ـ وأُوهم العالم ـ مسألة لا محيد عنها ومبنية على الثقة. وعلى الإسرائيليين والفلسطينيين أن يعقدوا زواجاً معنوياً ، قبل إثبات وفائهم وإخلاصهم ، وعليهم أن يتقبلوا كلمة "عمًّهم" بيل كلينتون ـ الذي سيرعى مصالح إسرائيل ، بصفته رئيساً للولايات المتحدة الأميركية ـ في سبيل جعل ذلك الزواج ممكناً. وكان عرفات ، قَبْل أن يصافح رابين ، قد زار الرئيس مبارك في مصر. وكنتُ قد سافرتُ إلى الإسكندرية لأنظر إلى ذلك الرجل الهرم ، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ، الذي تحدّث معي يوماً عن خمسين ألف مًيل بعيداً عن فلسطين: لكنه يعتقد الآن أنه "سيذهب إلى بيته".
وعندما وقف إلى جانب مبارك في الإسكندرية ظهر كأنه يستحقّ الشفقة. فقد تبدّل جذع جسمه الملآن ، وانكمش إلى نحولة شديدة ، وتحوّلت ابتسامة الاعتزاز التي كانت لا تفارقه في مقابلاته إلى ابتسامة مُصطنعة. وقال: "إن بصمات مصر ظاهرة على هذه الخطّة" التي تمنحه وتعطي منظّمته فلسطينَين صغيرتَين وسط الاحتلال الإسرائيلي.
بصمات الاصابع
وكان تعبير "بصمات الأصابع" يوحي بأن المشروع هو جريمة ـ كما ظنّ العديد من الفلسطينيين ، لكنّ أصواتهم لم تُذعْ في أميركا وأوروبا ـ بينما لم يلقً عرفات لقولهم بالاً. لقد كان يتودّد إلى مبارك. وفي الواقع ، كان يتودّد إلى كل إنسان. فقد قبًل الآن رسمياً وبشكل ممهور على الورق تقسيم فلسطين الذي رفضه دائماً ، وانصاع ليصافح "رئيس وزراء الدولة اليهودية التي جعل يوماً إزالتها عن وجه الأرض ، رسالته المقدسة" ، بحسب قول صحافي الشرق الأوسط دايفيد هيرست. وقبل عقد من الزمان ، ناقشتُ في لبنان مع عرفات مسألة تقسيم فلسطين. قال لي: "سنتَّحد ، وسنحظى بدولتنا": لكنه لم يقرّ بأنه سيعطي 78% من فلسطين الانتداب إلى الإسرائيليين. ذكَّرته بأن "مايكل كولنز" الذي ناضل دموياً من أجل استقلال إيرلندا عن بريطانيا ، اضطرّ إلى قبول 26 من أصل 32 محافظة من إيرلندا فحسب ، وأن يلتزم بقسم ولاء لسيّده المستعمًر السابق: وأن الإيرلنديين الذين حاربوا معه من أجل الاستقلال انقسموا بسبب ذلك الاتفاق.
قال: "سأمكث على أيّة زاوية من زوايا بلادي" ، وكرّرها: ثم سأل: ماذا حدث لكولنز؟ فأخبرته أن الإيرلنديين الذين حاربوا بريطانيا مزّقوه إرباً. مع العلم أن كولنز كان رجلاً شريفاً أكثر من عرفات بكثير: لكن القائد الفلسطيني استمع إلى كلامي بصمت. ثم بدا برود على وجهه عندما وصفتُ له كيف عمد الجيش البريطاني ، عندما كان يستعدّ لمغادرة دبلن ، إلى توزيع أسلحة ميدان على رجال كولنز ليحاربوا رفاقهم القدامى. وسألت عرفات: ماذا لو أمدّه الأميركيون أو الإسرائيليون بالأسلحة للقضاء على زملائه الذين رفضوا التسوية؟ فصاح: "أبداً ، أبداً". بدت ورطة عرفات لا نهاية لها ـ بالرغم من أنه هو شخصيّاً لا يقدّر مداها. وربّما قاده غروره أو جرّته شيخوخته ليقع في هذا الفخّ. ففي عمر الرابعة والستين ، صار عرفات ومَن حوله من الرجال الذين هم في أواسط أعمارهم ـ بدينين ، وخطهم الشيبُ في بيروت ـ ووصلوا إلى نقطة شكّوا عندها في أن يستطيعوا العودة ليروا فلسطين ، ناهيك بحُكمها ، وتساءلوا عن مدى تحقيق الأسطورة التي تخيّلوها عن الرجوع إلى بلادهم ، وعن استكمال مسيرة النضال من أجل البقاء والحصول على الاعتراف بحقّهم.
فقد انتظروا في منفاهم طويلاً ، وترقّبوا نهاية قصّتهم الملحميّة بشكل انتصار لهم ، ودخولهم إلى القدس "المحرّرة" ، حتى يصل الحُلم الكبير إلى غايته. أم أنا مخطئ؟ ولو كانت هناك بعض الاستثناءات ـ مثل حالة إدوارد سعيد ، وهو الأشجع ـ فإننا نجد أن "خبراء" الشرق الأوسط ومحلًّليه والمراسلين القُدامى الذين سلخوا عقوداً من الزمن في تغطية أنباء هذه الحروب الإسرائيلية ـ العربية القذرة ، كانوا مقتنعين بأن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط قد تغيّرت إلى الأبد. وقد غضب "تشارلز ريتشاردز" رئيس تحرير قسم الشرق الأوسط في جريدة الإندبندنت ، عندما سألته عن إيمانه المطلق باتفاق أوسلو ، فقال لي بنزق على الهاتف: "يا رُوبرت ، لقد تغيّرت الأمور". عندها انطلقت من مصر إلى الضفّة الغربية المحتلّة في شهر أيلول ـ سبتمبر عام 1993 ، لأكتشف صحّة هذا الأمر.
حبرون
نزلت في مطار "بن غوريون" ، وذهبت بالسيّارة إلى القدس ، ثم سرت في الصباح التالي على الطريق الطويلة من "أريحا عبر الخليل (حبرون) إلى حدود إسرائيل الجنوبية الشرقية: وهي أقرب ما يمكن إلى قطاع غزة. وجدت أن العمّال قد بدأوا يبنون طريق عرفات. هناك التقيت عماد عيد أحد هؤلاء العمّال الذين يشتغلون في بناء هذه الطريق ، على المنحدر القائظ النازل من بلدة "العبيدية". قال لي متشائماً وهو يجلس في ظلّ شاحنته على الطريق المغطاة بالتراب والغبار: "هذه الطريق هي مقبرة الشعب الفلسطيني ، أنظر إليها وإلى موقعها ، تعرف لماذا أقول هذا الكلام". وكان هناك إبريق أسود للشاي يهسهس حاقداً على موقد غاز قربه. ثم أردف قائلاً: "سيسمحون لعرفات بأن يسلك هذه الطريق من أريحا إلى غزّة ، وبهذه الطريقة لا يستطيع أن يمرّ عبر القدس" ، وهو يومئ بإصبعه إلى تعرّجات طريق الغبار عبر الصخور نزولاً إلى الوادي. "هذا ما يريده الإسرائيليون".
فوافق الرجال الخمسة الجالسون قربه على ذلك: وكانوا كلّهم فلسطينيين يبنون الطريق التي تستبعدهم وتستبعد عرفات عن المدينة التي حلم يوماً بأنها ستكون عاصمته. بدت الطريق بشعة مثل الهدف منها: تنحرف بشدّة نحو الصخور خارج "أبو ديس" ، ثم تنزل إلى عمق وادْ حافل بنور الشمس ، وتقطع مجرى للمياه المالحة على جسر إسمنت. ويحاول عيد ورفاقه توسيع الطريق وتحسينها ، بعدما مرّ عليها عقدان من الزمن وفتّت الصقيع سطحها.
وقد أخبرهم الإسرائيليون بضرورة إصلاحها قبل الشتاء وأمطاره ، بحيث يستطيع الفلسطينيون في رام الله ، ونابلس ، وجنين في شمالي الضفّة أن يسافروا إلى الخليل في النصف الجنوبي من الأراضي المحتلّة من قًبل إسرائيل ، دون المرور عبر القدس: ممّا يحوًّل استبعادهم المؤقّت عن المدينة المقدّسة ـ الذي بدأ بعد قيام الانتفاضة الفلسطينية الأولى ـ إلى نفي دائم.
عمل سياسي تخريبي
ولمّا كان من القسوة بمكان منع الفلسطينيين في الشمال من زيارة الفلسطينيين في الجنوب ، بسبب منعهم من عبور القدس مؤقّتاً من قبل الإسرائيليين ، بدا إصلاح هذه الطريق عملاً إنسانيّاً ، ولكنه في الواقع عمل سياسي تخريبي. فحالما ينهي عماد عيد وعمّاله فرش الزفت على الطريق لا يعود بإمكان سكّان الضفّة الغربية طلب إذن مرور عبر القدس ، لأن لديهم طريقاً أخرى بديلة. كما كان سهلاً نصب الأفخاخ والمصائد. فقطع هذه الطريق بالسيّارة من أريحا إلى الخليل (أي مسافة أقلّ من 50 كيلومتراً) قد يكشف لعرفات كم هو غرَّار هذا "الممشى" السياسي. قطعتُ الجزء الأول من هذه الطريق البالغ 10 كيلومترات عبر فلسطين "اليهودية" ، في وادْ يبدأ من مخيّم "عقبة جابر" في أريحا ، مروراً بمواقع عسكرية إسرائيلية تحت الأرض ، وأحواض بيزنطية مهجورة في "منزل جبر" ، وانتهاءً بالمستوطنة الإسرائيلية في وادي "قلت".
وكانوا إذ ذاك يوسًّعون المشروع الإسكاني هناك عندما وصلت ، ويمهًّدون مرجات "القرية السياحية" في وادي "قلت" ، حيث قابلت مدير الأشغال الجارية: وهو من قُدامى العسكريين الذين اشتركوا في حرب لبنان وحاول تدمير عرفات في بيروت منذ 11 سنة: ولم يستنكف عن التنبّؤ بحرب أهليّة بين الفلسطينيين لا غير. أما الطريق من وادي "قلت" إلى القدس فكانت تمرّ بوادْ فيه مستوطنات يهودية ، منظّمة صفّاً بعد صفّ بالبيوت ذات الطابع الأوروبي ـ كجزء من "حلقة" الإسمنت التي تحيط بالقدس ـ والتي غيَّرت محيط الأرض العربية التي يتذكّرها عرفات. ولكنه لن يصل إلى القدس: بل تطالعه طريق متعرّجة قائظة إلى "العبيدية" وإلى سائر القرى الممتدّة جنوباً ، حيث نجد صوتاً فلسطينياً مختلفاً على الجدران: يقول على جدار أحد محلّات البقالة: "لا للتآمر على بيع فلسطين". و"كلّ من يتخلّى عن القدس لا يمثّل شعبنا". كما با قرب إحدى المقابر إنذار أكثر شؤماً يقول: "لن ينجح أولئك الذين يتخلّون عن حقّنا بإعطائه إلى اليهود".
ولكن على المرتفعات ، قبل أن تصل إلى بيت زعيم قديم جدّاً خشي من الخيانة ـ ألا وهو قصر الملك "هيرودوس" الذي لا يعدو اليوم كونه مجموعة من الحجارة المتراكمة ـ سيُمنح الزعيم الفلسطيني منظراً للقدس عن بعد بُعيد يبلغ 8 كيلومترات ، إنها قُبّة الصخرة والجدران العثمانية التي لا تزال تُرى من خلال الشقوق بين التلال التي تبدو قريبة بارتفاعها ، وبعيدة تبعث اليأس. وفي ساحة قرية "صير" ، حيث لا تُرى معالم المدينة المقدّسة الثالثة في الإسلام ، قالت العجوز "عائدة جدور" بلهجة تقرب من الاحتقار: "لا حلّ دون القدس. وإذا جاء عرفات إلى هنا لن نستقبله. لن نقبل أن يموت أطفالنا في الانتفاضة من أجل أريحا وغزّة لا غير".
مرحلة انتقالية
وعلى طول الطريق جنوباً لم يتكلّم أحد لصالح قبول عرفات "بمرحلة انتقالية". وفي مستوطنة "هارسينا" اليهودية الواقعة خارج الخليل ـ حيث وصلت البيوت الجديدة المتنقّلة على عجلات منذ شهرين ، بينما كان عرفات في مرحلة الاقتناع بتوقيع اتفاق مع إسرائيل ـ دخلت قافلة عسكرية إسرائيلية المدينة ، تضيء مصابيح شاحناتها في وضح النهار تحت أشعّة الشمس ، وجنودها جالسون على شاحناتهم يحملون رشّاشاتهم ويصوّبونها نحو الحوانيت العربية. وعلى الرصيف ، قرب مجموعة من حرّاس الحدود الإسرائيليين ، جلس ستّة رجال فلسطينيين ، بقبّعات منحرفة ، يصيحون بكلّ مَن حاول أن يخالف منعاً آخر للتجوّل ـ كانوا كلّهم مُخبرين. حسبما أخبرني الشاب العارف الذي وجَّهني إليهم ، وكانت عيونهم كلّها صفراء محدًّقة ، وكان أحدهم يهذي. قهقه أحدهم وقال "كوكايين". ربّما: فقد قيل عن المُخبرين إنهم "عالقون" بالعقاقير التي يعطيهم إيّاها مراقبو الاستخبارات الإسرائيلية ، مع العلم أن الإسرائيليين ينكرون ذلك بطريقة عادية. وحتى هؤلاء المساكين أدانوا عرفات حالاً: وتمتم أحدهم "خيانة". لقد أمضى 14 سنة في السجون الإسرائيلية قبل أن يلتحق بجهاز "شن بث". في ذلك الوقت القائظ بعد الظهر بالضفّة الغربية لم أتمالك أن أشعر بالأسف لحالة ياسر عرفات: بالرغم من أن ذلك كان صعباً عليّ.
وجاءت الملاحظة الأكثر تفاؤلاً ذلك النهار من رجل فلسطيني يعرّف عن نفسه بأنه "بسّام" ، إذ قال: "إذا كنت متعاوناً صغيراً مع الإسرائيليين ، فإنهم يساعدونك قليلاً: أما إذا كنت متعاوناً كبيراً مثل عرفات ، فإنهم يسمحون لك بزيارة القدس". ولكنّ الوضع كان أسوأ من ذلك ـ إذ لم يُسمح لعرفات أبداً بأن يزور القدس ـ إنما لم تكن لنشاطه المتفائل حدود. فقد كتبتُ مقالاً مبنياً على رحلتي إلى الخليل في جريدة الإندبندنت بعنوان: "طريق عرفات إلى غزّة مقبرة للفلسطينيين".
مخابرة هاتفية
وفي اليوم التالي تلقّيت مخابرة هاتفية في فندق الملك داوود من هارفي موريس ، الثرثار نفسه الذي كان رئيس مكتب "رويترز" في طهران ، منذ 14 سنة ، والذي صار رئيس القسم الأجنبي الذي أعمل فيه. قال: "يا فسكي ، أنت تضع القطّ بين الحمام بحسب القول المأثور: إن الكبار والصالحين هنا يتساءلون عمّا إذا كنتَ مُصيباً". فتصوّرت إذ ذاك كيف كان تشارلز ريتشاردز يُرغي ويُزبد بمقولته العديمة المعنى عن حتميّة السلام. ولكن هارفي بادرني قائلاً: "كلّا ، لا يتعلّق الأمر به أو بي يا صاح ، إنه رئيس التحرير العامّ الذي يسأل عمّا إذا كنت متعجّلاً". فأخبرته أن أندرياس هويتام سميث "كان دائماً يطبع تقاريري بكل إخلاص ، بالرغم من الصواريخ الكلامية التي كانت توجّه إليه. فإذا كان يعتقد ذلك دعه يتفضّلْ بمخابرتي". وبعد دقائق خابرني قائلاً: "أنا لا أشكّ في أنك تنقل بدقّة التشاؤم الذي يعبّرون عنه: ولكن هل هذه هي الصورة الكاملة؟ إن أصدقائي اليهود يرحّبون بالسلام الذي سيعقد مع الفلسطينيين". لكنني في هذا الموقف أمسكت عن سؤال ويتهام سميث عمّا يقول له أصدقاؤه العرب. ولكنّ الإسرائيليين حفظوا ملفّات عرفات داخل "بيت أغرون" ـ معبد الصدق الذي يستقي منه الصحافيون الإسرائيليون الحقائق. فقد جمعوا بعناية من الصحافة العربية كلّ ما يلزم ، عندما كان عرفات يجسّد الشرّ ـ تلك الأيام التي اعتبره فيها مناحيم بيغن: "هتلر في المخبأ". كانت هناك صفحات وصفحات عن بلاغة عرفات ، ووعوده ، ومطالبه ، وتهديداته.
وكانت هناك كل تصريحاته وبياناته المتعَبة اليائسة التي استمعنا إليها عبر السنين: بينما كان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية يعرق ويصرخ ، ويبكي أحياناً من الانفعال ، وهو يخاطب فدائيي فتح ، والمُعدمين الفلسطينيين في المخيّمات ، قائلاً: "إن فلسطين وطن الفلسطينيين ، ووطن الأمّة العربية من المحيط إلى الخليج". وكما قال عام 1989: "... إن منظمة التحرير الفلسطينية لا تقدّم سلام الضعفاء ، بل سلام صلاح الدين": ولا شيء غير ذلك. "لن تقف ثورة الفلسطينيين أبداً حتى الحصول على حقوق الشعب الفلسطيني ، بما فيها حق العودة": ولا شيء غير ذلك. "لن يكون هناك سلام... إلّا عن طريق العودة ، وتقرير المصير ، وإرساء دعائم الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس": ولا شيء غير ذلك. كان عرفات يحبّ أن يستعمل الأولاد كدعامات.
اشجار الزيتون
ففي إحدى الأمسيات البالغة الحرّ في لبنان ، وفي أجمة من أشجار الزيتون التي تطلّ على ميادين حربه ، التقى عرفات مجموعة من الصحافيين ليتكلّم عن مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية. سألناه بأدب جمّ ، عن تماسك مستقبلها. فما كان من عرفات إلّا أن أمسك بولد ابن 12 سنة ، يلبس بًزّة المجاهدين ، وأطبق بشفتيه على خدّ الولد خلال ثوان ، وقال: "إن هذا هو مستقبلنا". فارتبك معاونوه: ولم يكن في تلك الحركة أي شيء غير لائق: إنما كان هناك خواء ، وقلّة تفكير ، وعدم ملاءمة في ردّ فعله ، ممّا أقلقهم. فلا بدّ أنهم تساءلوا: "إذا كان هذا ما اختاره عرفات ليتكلّم عنه بصدد مستقبل بلاده ، فكيف كان ردّ فعله عندما كان عليه أن يفاوض بشأن إنشاء دولة فلسطين؟ إننا نعرف الآن أن عرفات كان أعزب و"متزوجاً الثورة": ثم عقد زواجاً غير سعيد على فتاة فلسطينية مسيحية عمرها 28 سنة ، أي أقلّ من نصف عمره ـ كما ندرك أن وعود عرفات كانت أحلام يقظة ، وبيانات عن حُسن نيّته لصالح شعبه ، وأحدثها ارتطم بقاعات الاستقبال النرويجية ، ليحظى بأريحا وأحياء غزّة الفقيرة. فبماذا يستطيع أن يحلم الآن؟ وفي ذُروة حصار بيروت عام 1982 ، تلك اللحظة الحرجة في حياة منظمة التحرير الفلسطينية ، عندما انقضّ الإسرائيليون على المدينة المطوّقة بوحشية تشبه وحشية "سراييفو" قدَّم زائر إلى عرفات أُحجية للصور المقطَّعة تمثّل القدس ليقتل بها الوقت في مخبأه تحت الأرض. ورأى عرفات كاميرات التلفزيون ، فأمسك بغطاء الأُحجية أمامه ، وقال: "أجل ، هذه مدينتي ، وبيتي ، حيث ولدتُ".
ياسر عرفات
في ذلك مزيد من الأحلام. فعرفات لم يولد في القدس ، ولا في مخيّم اللاجئين بخان يونس في غزّة ، كما يدّعي بعض رفاقه: بل ولد في القاهرة عام 1929: وكان الخامس بين سبعة أولاد لتاجر فلسطيني يدعى عبد الرؤوف القُدوة الحُسيني. وقد قُتل وهو يحارب الإسرائيليين منذ عشرين سنة.
ويقول أصدقاء عرفات السابقون إنه كان يصرف ساعات يومياً في دراسة القرآن قبل وفاة والده. وقد استوحى لفترة قصيرة تعاليم الإخوان المسلمين المصريين بينما كان يدرس الهندسة في جامعة القاهرة. لكنه جمع القوميّة مع الدين عندما قرّر ـ بغروره الذي أصبح مألوفاً ـ أن يغيًّر اسمه.
فترك اسمه الأول السابق "عبد الرحمن" واختار "ياسر" على اسم رجل قتله الجنود البريطانيون أثناء الانتداب. أما "عرفات" فهو اسم الجبل المقدّس الواقع خارج مكّة المكرّمة. وهكذا أعاد اختراع اسمه ، كما كان عليه أن يعاود اختراع اسم "فلسطين" لملايين اللاجئين ، الذين تطلّعوا إليه طلباً للأمل. وأخيراً ، أدرك عرفات أن شيئاً ما أفضل من لا شيء. وفي أوائل عام 1993 خابره بالهاتف "علي عزّة بيغو؟يتش" رئيس البوسنة ، طالباً نُصحه حول خطّة السلام المدروسة في "فانس ـ أوين" ، والتي فشلت فيما بعد. فسأله عرفات على الهاتف: "هل قدّموا لكم أرضاً؟" فأخبره "بيغو؟يتش" بأنهم عرضوا أرضاً صغيرة ، فأجاب عرفات: "خذْها ، خذها ، واقبلْ،". ولكن رئيس البوسنة لم يأخذها. ورأى عرفات النتائج المروّعة. صار عرفات الآن ، بكوفيّته المرتّبة مسرحياً (ھ).
وبزّته "الكاكية" ، ومسدّسه الساذج ، شخصية عفّى عليها الدهر ، وثائراً من أيام زمان لن يطول به الأمر حتى يتخلَّى عن الأشياء الطفولية. حتى أن كلمة "ثائر" تبدو غريبة بصدده.
لقد انتهت ثورة عرفات الآن. وكانت اتفاقية "أوسلو" بمثابة خيانة بالنسبة إلى نصف مليون فلسطيني لاجئ مقيم في لبنان ، لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم التي غادروها عام 1948 ، والواقعة في ما يُسمّى اليوم "إسرائيل" ـ إذ إن التسوية النهائية في أوسلو لا تكاد تسمح لهم "بالعودة" إلى حيفا وناتانيا والجليل. وقال لي جندي إسرائيلي كان يحاول فرض منع تجوّل آخر في الخليل في أوائل أيلول ـ سبتمبر عام 1993 "قد أستطيع أن أقبل بعرفات. قارنه مع الآخرين. لم يكن سيّئاً جدّاً كإرهابي".
فيا له من رثاء للحياة الثورية لياسر عرفات. يُفترض بالثورويين أن يكونوا مفكّرين. فــــ "روبسيار" و"لينين" ، و"ماركس" ، و"تروتسكي" ، و"أتاتورك" ، و"عبد الناصر" ، و"كاسترو" ، و"غيفارا": كانوا كلّهم مفكّرين ، ألَّفوا كتباً ، أو تحدّثوا بفلسفة كبرى أثناء جهادهم. ولكنّ عرفات لم يكن كذلك. فقلّما شوهد وهو يقرأ كتباً ، ناهيك بكتابة مؤلّفات. كان ذا عقليّة واحدة. وقد كرّس نفسه لذلك ـ مع كثير من الغرور ـ وكان ذلك مصدر قوّة كبرى له.
فلسطين
كانت فلسطين ، فلسطين ، فلسطين هي الشاغل من البداية حتى النهاية. وبالنسبة إلى الغربيين والإسرائيليين كانت بزّته وكوفيّته تمثلان ذوقاً خيالياً. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين الفقراء فكانتا ضروريّتين ، وجزءاً من الروابط الروحية في المنفى. ولكنّ تلك المعنويات الروحية شارفت على التلاشي. كنتُ في مصر عندما سمعت الكلمة الأولى التي رشحت عن اتفاقية أوسلو. فخابرت محمّد حسنين هيكل ، ووصفتُ له عرفات بأنه يشبه رجلاً رهن بيته ثم عاد يحاول بيع بيته للمصرف العقاري. فعاتبني هيكل قائلاً: "لقد سبق أن باع عرفات بيته... مرّتين". ومنذ البداية ـ من تلك الخطابات التي تُبودلت في حديقة البيت الأبيض بتاريخ 13 أيلول ـ سبتمبر ـ كان بالإمكان رؤية تطوّر وانكشاف اتفاقية أوسلو. فقد تكلّم رابين ، رئيس وزراء إسرائيل ، متأثراً عن "رفقائه الجدد في عملية السلام" ، إذ قال: "دعوني أخبركم ، أيها الفلسطينيون ، أنه مقدَّر علينا أن نعيش معاً على التراب ذاته وعلى الأرض ذاتها". لكن خطاب عرفات كان أكثر تحديداً ، كما لو أنه كان يدرك ما الذي سيقود هذا "الأمل التاريخي" إلى الكارثة ، إذ قال: "إن المسؤولية مشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لوضع الاتفاق موضع التنفيذ ، والتقدّم نحو التسوية النهائية بعد سنتيْن ، وتنفيذ كل وجوه قراري الأمم المتحدة: 242 338و من جميع النواحي ، وحلّ كل قضايا القدس ، والمستوطنات ، واللاجئين ، والحدود". "كل وجوه" مكرّرة بقوله: "من جميع النواحي"؟ والقدس؟ والمستوطنات؟ واللاجئون؟ لقد كان يطلب من الإسرائيليين تقديم هدايا ، ولا يقدّم لهم بالمقابل سوى السلام. وقد سمّاه "سلام الشجعان" ـ وقد أخذ عرفات العبارة من كلينتون ـ وربّما لم ينتبه في البداية أن ذلك كان صدى "لسلام الشجعان" الذي عقده الجنرال ديغول مع الجزائريين في الاتفاق النهائي الذي أعطى الجزائر استقلالها. ولكنّ هذا السلام الموازي كان أكثر إيلاماً مما اعتقد عرفات ـ واعتقد الإسرائيليون.
الحوت
وفي بيروت ، تلقّى شفيق الحوت سفير منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ، والذي نظم مأتم الحاجّ أمين الحسيني عام 1974 ، مكالمة هاتفية من عرفات ، أخبره فيها صائحاً يائساً: بأنه غيّر الوثيقة التأسيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وتخلّى عن حقّ العودة لحوالي ثلاثة ملايين فلسطيني.
وجرى كل ذلك في الخفاء. قال الحوت: "لم تُفد هذه منظمتي لتحرير فلسطين. لقد كلّمني عرفات وناداني يا أخي ، لكنني لا أستطيع الاستمرار. قلت له: لم يحصل اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني: ولا نعرف تفاصيل الاتفاقية. وإن قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الرقم 194 لعام 1948 ، أعطى اللاجئين حقّ العودة إلى بيوتهم في ما هو الآن إسرائيل. ولكنّ عرفات تخلَّى عن كل ذلك. لقد استقلت: ولم أعد سفيراً". ألقى شكر ياسين مفتاح بوّابة بيته على الطاولة في كوخه بحيّ اللاجئين الفقير ، فبدا يلمع في الضوء قليلاً ، بينما برت الأيام مقبضه ـ كما كان يلمع عندما هاجرت عائلة ياسين من فلسطين عام 1948: وكان عمر شكر خمس سنوات عندما صار لاجئاً. سحب شكر من عُلبة لفيفة أوراق وثائقية غليظة من أيام الانتداب البريطاني ـ وعلى رأسها شعار السلاح الملكي ـ بشأن بيت تملكه عائلة ياسين في قرية "عزيب" الواقعة على بعد 10 كيلومترات من عكّا ، وبساتين من الحمضيات. قال شكر: "احتفظتُ بهذه الوثائق لأني اعتقدتُ أني سأعود إلى بيتي في يوم من الأيام. ولكني أعرف الحقيقة الآن. لم يشمل عرفات لاجئي عام 1948 في خطة السلام مع إسرائيل". عام 1948. هذا التاريخ متغلغل في كل محادثة تجري في المخيّم الكبير ، المزدحم ، الغاضب ، الذي يغلي في "عين الحلوة" بصيدا ، عبر كل شكوى وكل خطاب رسمي. إن جميع الفلسطينيين القاطنين في لبنان هم لاجئون ـ أو أولاد أو أحفاد لاجئين ـ منذ الهجرة التي تلت تقسيم فلسطين. وهناك حوالي 65 ألف شخص يعيشون في بؤس عين الحلوة. تمتم محمّد خُضر ، وهو يعرج في أزقّة عين الحلوة التي تُعتبر طرقاً: "يتكلّم التلفزيون والجرائد عن سلم رائع: ولكنّ هذه الوسائل الإعلامية لا تذكرنا. إن زعماءنا كاذبون. وعدونا بالعودة إلى بيوتنا: لكنّ اتفاقية السلام تشمل بعض الفلسطينيين الذين صاروا لاجئين في حرب عام 1967. فماذا يفترض بنا أن نفعل؟". كان خُضر في الثامنة من عمره عندما سافر من فلسطين إلى لبنان على الشاحنة الخربة ذاتها التي جاء عليها آل ياسين ، قبل إعلان دولة إسرائيل بأربعة أيام. وتوزّع مليون ونصف مليون من اللاجئين الفلسطينيين الآخرين الذين هاجروا عام 1948 على مخيّمات مبثوثة في الأردن وسوريا: مع مليون شخص أيضاً في غزّة والضفّة الغربيّة ، وبعضهم يجدون أنفسهم أيضاً في دُوَيلتيْ عرفات. لكنهم لن يعودوا. وهكذا ، صار هناك الآن حوالي ثلاثة ملايين فلسطيني ـ أي ما يعادل نصف عدد الفلسطينيين الإجمالي ـ ممّن فقدوا "الحقّ في العودة إلى ديارهم" ، لأن بيوتهم واقعة في ما هو الآن إسرائيل. وفي عين الحلوة جُمًّدت أسماء المدن والقرى التي جاء منها اللاجئون بإطلاقها على الأحياء التي يسكنونها الآن في هذا المخيّم. فالذين جاؤوا من عكّا يسكنون بضعة شوارع دُعيت "عكا" ، والذين قدموا من حيفا يسكنون "حيفا" ، وجماعة حًطّين في "حًطّين" ، وهلمّ جرّاً. أما شكر ياسين فيعيش في "عكّا" لأنها الأقرب إلى قريته "عزيب". لقد قضى 27 سنة محارباً في جيش فتح ، يقطع الحدود الإسرائيلية ليلاً عام 1969 ، وبقي على قيد الحياة بعد الاجتياحيْن الإسرائيلييْن عام 1978 وعام 1982 ، وحتى بعد حرب المخيّمات 1985 ، 1986و ، وهو واثق من وعد عرفات بالعودة إلى "فلسطين". قال ياسين: "لا يمرّ يوم أبداً نعيشه دون أمل: كنا دائماً نعيش بالأمل. قُتل أحد إخواني عام 1981 ، بقذيفة أطلقها أعوان إسرائيل في صيدا. لقد تعذّبنا كثيراً ، ولكن لم يكن بوسعنا أن نفقد الأمل. كان أبي يؤمن بالله وببلاده. ولا يسمح لنفسه بأن يعتقد أنه لن يعود إلى دياره. نحن مع السلم.
نحن نريد السلم. ولكن يجب أن يكون سلما سليماً ، وليس اتفاقاً مُجحفاً بحقّنا. إني من "عزيب" في فلسطين ، وأبي من هناك ، وجدّي ، ووالد جدّي ، وأقربائي هناك. يجب أن نعود جميعاً إلى قرانا". وبالطبع ، هذه قضيّة ميؤوس منها. فإسرائيل لن تسمح لثلاثة ملايين فلسطيني بأن يعبروا حدودها. ولا بدّ من تذكير فلسطينييّ عام 1948 بأن القرى التي نزحوا منها والتي يبلغ عددها 400 قرية دمّرها الإسرائيليون خلال السنتيْن اللّتيْن أعقبتا رحيلهم عنها: وأنه في معظم الحالات لم تعد بيوتهم موجودة. إن ياسين يعرف ذلك كواقع قائم: ولكنه لا يفهمه. وتذكُر أمّه مريم اليوم الذي هربت فيه مع توفيق وأولادها البالغ عددهم 15 ولداً ، والثياب والعدس والزيت وسائر اللوازم التي تركتها وراءها في منزلها ـ لأنها ظنّت أنها ستتمكّن من العودة بعد أسبوع ، أو شهر في الخارج. إنها تذكر أنه "كان بيتاً قروياً ، مطلياً بالكلس الأبيض: له بوّابة كبيرة بنّية اللون ، ودرج خشبي. كان جميلاً لوجود أشجار الليمون الحامض حوله. وقد استطاع أحد أصدقائنا أن يعود إلى هناك لفترة قصيرة ، ووجد أن جميع بيوتنا قد هُدمت ، بما فيها بيتنا. ولم يبقَ منها سوى بيت من حجر في أحد أطراف القرية ، حوّله الإسرائيليون إلى فندق". التقط ياسين مفتاحه وقلَّبه بيده ، كأنه يريد أن يفتح به الباب. وقال: "لقد مرّ عشرون يوماً على سماعنا هذه الأخبار كلّها ، ومنذ ذلك الوقت ونحن نعيش على أعصابنا ، نحن الفلسطينيين هنا". ثم قال: "لا أدري ما هو مصيري. ولكنني آمل أن يكون في زاوية من زوايا الاتفاق موضع ما للاجئين عام 1948 ، كما يقول أبو عمّار (عرفات) ، حتى نستطيع العودة إلى ديارنا". وجلس ياسين يروز المفتاح بيده ـ المفتاح الذي لم يعد له بيت قائم فعلاً ـ وكأنه قد يعطيه جواباً: ويقول: "لقد حفظت هذا المفتاح ، هذا الكنز ، لمدّة تتجاوز أربعين سنة. لقد حافظتُ على هذه الأسطوانة المعدنية التي تحتوي جميع الأوراق والوثائق القانونية ، حتى يتسنّى لنا يوماً أن نجد حلّاً لمشكلتنا... ولم أكن لأحمل معي هذه الأشياء خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن ـ وأرعاها تحت القصف ـ لو لم يكن هناك بصيص من أمل...".
الهوامش
(ھ) انظر الفصل الخامس.
(ھ)بعد رفض مرور تلك السفينة عبر "البوسفور" بوقت قصير ، انفجرت وغرق من ركّابها 767 شخصاً.
(ھ)وقد نظم الكونت فولكي برنادوت ، وسيط الأمم المتحدة ، عدّة هدنات. وفي 17 أيلول ـ سبتمبر عام 1948 ، اغتالته في القدس منظمة "شترن غانغز" اليهودية ، لأنها اعتبرته عميلاً بريطانياً. وكان أحد الرجال الذين أقرّوا باغتيال إسحاق شامير ، أحد رؤساء الوزراء المستقبليّين.
(ھ)أنظر: ويلات وطن ، Pity the Nation: The Abduction of Lebanon, بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، عام 2005 N.Y.: Nation Books, ,2002 especially p.p21,-,74 004-161. (*)عصام السرطاوي ، الموظف في منظمة التحرير الفلسطينية ، وجرّاح القلب الذي نصح عرفات بمفاوضة المعتدلين الإسرائيليين. قُتل في البرتغال في نيسان ـ أبريل عام 1983 ـ قبل محادثتي مع عرفات بشهرين تقريباً ـ على يد مسلّحين من جماعة "أبو نضال" والمجلس الثوري لفتح. وقد تمّ ادّعاء المسؤولية عن ذلك في "قلب العروبة النابض": سوريا ، التي تحاصر الآن عرفات.
(ھ)إن قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة رقم 242 الصادر بتاريخ 22 تشرين الثاني ـ نوفمبر 1967 ، الذي أكد على "عدم جواز حيازة الأرض بالحرب" ، طلب: "انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراض محتلة في النزاع الحديث" ، و"إنهاء كل المطالب أو الأوضاع الحربية ، واحترام الاعتراف بالسيادة ، وسلامة الأراضي ، والاستقلال السياسي لكل دولة ، وحقّها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها". وهذا الجزء الأخير يشير ضمناً إلى اعتراف العرب بحق إسرائيل في الوجود. ولكن إسرائيل التي باتت تحتلّ الضفّة الغربية وغزّة ، كرّرت دعواها بأن طلب الأمم المتحدة منها الانسحاب استعمَل كلمة "أراضْ" دون ال التعريف ـ وبالتالي عنى أنه ليس على إسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضي التي احتلّتها عام 1967. ومن غير المعقول أن يكون الذين صاغوا القرار 242 قصدوا أن تعطى إسرائيل حق انتخاب واختيار أيّ جزء تتركه من الأرض التي احتلتها ، وأيّ جزء تحتفظ به. ثم إن ادّعاء إسرائيل بأنه يُسمح لها بأن تحتفظ بأراضْ عربية لأن حرب 1967 كانت عملاً عدوانياً من قبل العرب ، وأن تلك الأراضي احتُلّت أثناء حرب دفاعية ، هذا الادّعاء تقوّض بتأكيد قرار الأمم المتحدة على "عدم جواز حيازة الأرض بالحرب". ولا يزال الإسرائيليون والعرب يتجادلون حول معاني هذا القرار القصير الصياغة.
(ھ)كان من مزاج الغضب النموذجي في مدريد أنه لم يُشر أحد إلى قرار الأمم المتحدة الرقم 181 لعام 1947 ، الذي دعا إلى تقسيم فلسطين ـ ورفضه العرب ورسم الحدود ، التي تجاهلتها إسرائيل حالما وسّعت أراضيها بعد حرب 1948.
(ھ)جاء القرار 338 الصادر عام 1973 يكرّر جوهرياً محتوى القرار 242. أما القرار 425 فقد طلب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ، لكن إسرائيل انسحبت من المنطقة التي احتلتها في لبنان عام 2000 ، بعد 22 سنة من التصويت على القرار 425 في مجلس الأمن بالأمم المتحدة.
(ھ)كان عرفات دائماً يرتًّب كوفيته بشكل عهد الانتداب ، بحيث تغطي "صحراء النقب"
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش