الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مرثاة لبــيـروت * * روبرت فيسك

تم نشره في السبت 29 تموز / يوليو 2006. 03:00 مـساءً
مرثاة لبــيـروت * * روبرت فيسك

 

 
بعض المدن محكومة بقدر مشؤوم إلى الأبد. فعندما وصل الصليبيون إلى بيروت في القرن الحادي عشر ، قتلوا كل سكانها بلا استثناء. وفي الحرب العالمية الأولى عانت بيروت تحت الحكم العثماني مجاعة رهيبة. وقد وصفت امرأة أميركية كانت تعيش في المدينة في العام 1916 كيف أ كان أمرا عاديا أن تجد الناس يبحثون في القمامة عن قشرة برتقال ، أو غيرها من البقايا ، ليأكلوا. في كل مكان كان يمكن رؤية امرأة تبحث بين الأعشاب عن عشب يؤكل" كيف حدث ذلك لبيروت؟ على مدى ثلاثين عاما راقبت هذا المكان يموت ثم ينهض من القبر ليموت مرة أخرى. لقد عشت هنا 15 عاما من الحرب الأهلية التي ذهب ضحيتها 150 ألف شخص ، كما عشت اجتياحين إسرائيليين ، وسنوات من القصف الإسرائيلي الذي أودى بحياة ما يزيد على 20 ألف شخص. لقد رأيتهم معاقين ومشوهين وقد تناثرت أجسادهم بفعل التفجيرات هنا وهناك. ورغم كل ذلك فإن أهل بيروت أناس لطيفون ومثقفون وخلوقون ويثيرون إعجاب الأجانب. لكن أكثر ما يدعو إلى الخزي اننا تركناهم يواجهون مصيرهم وحدهم ، وانشغلنا بإخلاء مواطنينا ونحن نتمتم برفضنا للرد الإسرائيلي "غير المناسب" على خطف اثنين من جنوده.
بالأمس ، سرت في مركز مدينة بيروت المهجورجلست على الصيف المجاور لمطعم الأتوال الفارغ ، المطعم الذي دعا إليه رفيق الحريري الرئيس جاك شيراك. قريبا من مبنى البرلمان ، كان الحارس ما زال يقف عند واجهة المبنى الذي شيد على الطراز الفرنسي ، هذه المباني هي كل ما بقي من الديمقراطية اللبنانية. الآن ، وبعد أن أصبح المكان مهدما. وهاجم الإسرائيليون المطار الدولي ثلاث مرات ، واصبحت قاعاته المتلألئة ركاما تحت وطأة الصواريخ. ودمرت الجسور والطرق السريعة بفعل القنابل الإسرائيلية. وتحطمت المنارة الرومانية الطراز بفعل صاروخ من طائرة أباتشي ، فإن درة المطاعم هذا هو كل ما بقي من بيروت.
الأحياء الفقيرة في حارة حريك والغبيري والشياح سويت بالأرض ، وأصبح ربع مليون من سكانها لاجئين في المدارس والحدائق العامة في أنحاء المدينة. هنا ، في الواقع كانت قيادة حزب الله ، (مكان آخر من "مراكز الإرهاب في العالم" التي اكتشفها الغرب في العالم الإسلامي). هنا أيضا يعيش حسن نصر الله ، زعيم حزب الله الصلب ، والساخر. والسيد محمد حسين فضل الله ، أحد أكثر رجال الدين حكمة ، وعدد من قادة حزب الله ، من المؤكد أن من بينهم أولئك الذين خططوا لخطف الجنديين الإسرائيليين. لكن هل يستحق آلاف الفقراء الذين يعيشون هنا هذا العقاب الجماعي الشامل؟ ما الذي يقوله لنا هذا الدمار عن إسرائيل؟ أو عنا نحن أنفسنا؟ بعيدا من هنا ، وفوق البحر الأبيض المتوسط ، كان يمكن رؤية مروحيتين أميركيتين تحلقان عبر الضباب والدخان باتجاه مجمع السفارة الأميركية في عوكر لإخلاء المزيد من مواطني الإمبراطورية الأميركية ، لكن هذه الإمبراطورية لم تتفوه بكلمة واحدة تتعلق بمساعدة الناس الذين ينامون في الحدائق ، أو أن تعرض عليهم الطعام أو الدواء.
لكن السيف واصل ذبح بيروت ، وعندما أصيبت طائرة ف - 16 بصاروخ ، الأمر الذي أنكره الإسرائيليون ، عادت الطائرات لتهاجم الضاحية الشرقية في كفر شيما ، سارعت لأري ما حدث ، كان السائق في السيارة وقد قطع رأسه ، ولم يكن هناك سوى ثلاثة جنود غير مسلحين يقومون بإصلاح خطوط الماء والكهرباء لتبقى بيروت حية لا تموت.
بعد ساعات ، عاد الإسرائيليون... كان الرجال الذين يقومون بالخدمات الميدانية قد آووا للفراش حين قصفت إسرائيل عنابر النوم ، قتلوا عشرة جنود ، كان من ضمنهم أولئك الرجال الثلاثة اللطيفين الذين اهتموا بي حين شب الحريق في كفر شيما. تساءلت لماذا؟ وتأكدت أن الإسرائيليين يعرفون ما الذي يضربونه. ولهذا قتلوا تسعة جنود قرب طرابلس عندما قصفوا محطة إرسال إذاعي. لكن أن يضربوا وحدة لوجستية؟ رجال كل عملهم أن يقوموا بإصلاح تمديدات الماء والكهرباء؟... لكنني فهمت... يجب أن تموت بيروت ، ولهذا كان يجب أن يقتل هؤلاء الرجال.
في الاسبوع الماضي نشرت الصحف صورة لفتاة صغيرة كانت ملقاة كدمية رثة في حقل في طير حرفا ، كانت يدها مسترخية على بيجامتها الزرقاء الممزقة ، وعيناها مغلقتان... كانت هدفا "إرهابيا" آخر ضربه الإسرائيليون. عدت إلى البيت نفضت الغبار عن ملفاتي القديمة ، صور من الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982. صور كثيرة لأطفال قتلى ، وجسور مدمرة. عناوين الصحف من ذلك الوقت تقول "الإسرائيليون يهددون باقتحام بيروت" ، "إسرائيل تنتقم" ، "بيروت تحت الحصار" ، "مجزرة في صبرا وشاتيلا". كم هو سهل نسيان ما حدث منذ وقت قريب... حتى مذبحة صبرا وشاتيلا التي شهدتها بعيني وراح ضحيتها ما يزيد على 1700 فلسطيني.
في الأسبوع الماضي ، عندما كنت أنا وسائقي نحاول الفرار من القصف في الغبيري ، تراجعنا قليلا باتجاه مدخل مخيم شاتيلا ، في النقطة ذاتها التي رأيت فيها جثة أول فلسطيني قتيل. لكننا لا نفكر بهم... ولا نتذكرهم. كانوا قتلى في بيروت وكنا نحاول البقاء أحياء في بيروت... تماما كما أحاول البقاء حيا هنا بعد ثلاثين سنة. على جدار غرفة الطعام في منزلي ، أذكر أن هناك نسخة من لوحة تظهر القوات الفرنسية لدى وصولها إلى بيروت في العام 1842 لحماية الموارنة من الدروز. وقد عسكروا آنذاك في منطقة الحرش ، التي اصبحت فيما بعد موقعا للسفارة الفرنسية ، حيث قبل ساعات فقط رأيت رجلا وامرأة فرنسيين وهما يسجلان اسميهما استعدادا لإخلائهما.
عبر النافذة ، مرة أخرى سمعت صوت الطائرات الإسرائيلية وهي تختفي خلف الدخان الذي يمتد الآن بعيدا في البحر.
«الاندبندنت»
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش