الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أثر الصدق في الواقع المعاصر

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2016. 08:00 صباحاً



د.حسان ابو عرقوب



للصدق آثار بالغة على حياة الفرد الملازم له، ومن أهم هذه الآثار:

أولا: الترقي في مقامات وأحوال السالكين إلى رب العالمين؛ لأن الصدق أساس ينبني عليه غيره من الأخلاق، فهو كالباب للصبر، والقناعة، والزهد، والرضا، والأنس بالله تعالى. فكل تلك الأحوال أصلها الصدق.

فالعبد إن لازم الصدق في كلامه، وقصده واعتنى به، لا شك أنه سيكون صادقاً في أحواله، فبتمكنه في مقام الصدق يكون صادقا في عبادته، صابرا عليها، ومبتعدا عن المحرمات وصابرا عنها، ومستقبلا قضاء الله بصبر جميل، فيتحقق بمقام الصبر في مبتدئه ومنتهاه و(إنَّمَا يُوَفّى الصّابرِوُنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/10[70]. ومن تحقق بمقام الصبر بصدق حصّل القناعة، فكان قانعا بما قسمه الله تعالى له، لا يلتفت لما في أيدي الناس، بل يكون أغنى الناس، فيزهد بما عندهم، ولا يطلب غير وجه الله تعالى، لمعرفته بحقيقة الدنيا الفانية، فيعرض بقلبه عنها، ولا يلتفت إلى زخرفها. وبصدقه في الزهد ينتقل إلى الرضا، فيرضى بقضاء الله تعالى، ويسلم الأمر إليه ولا يعترض على قضائه وقدره، وبرضاه عن الله وما عند الله ينال رضاه (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) البينة/8. وإذا حلق العبد في فضاء الرضا نال الأنس بالله، ولم يأنس بسواه. وهكذا ينتقل العبد من صدق اللسان إلى الصدق في الأفعال والأحوال، ولا يزال يتحرى الصدق في كل ذلك حتى ينال مرتبة الصديقية، ويكتب عند الله صديقا. وهذا من المعاني التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) سبق تخريجه. والصديقية من أعلى الرتب حيث تلي درجة النبوة، قال الله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) النساء/69. والفرق بين الصادق والصديق، أن الصادق من صدق في حديثه وكلامه، أما الصديق فتجاوز صدق اللسان إلى صدق الأفعال والأحوال.

ثانيا: التحلي بفضائل الأخلاق، ومحاسن الأعمال الموصلة إلى الجنة؛ لأن الصدق يوصل إلى البر وهو اسم جنس جامع لصنوف الخير، فالصادق في كلامه وأحواله صادق في أفعاله، فلا يعرف الغش ولا الخديعة ولا المكر ولا التحايل. إن عَبَدَ الله تعالى عبده وتقرب إليه بصدق، وإن باع واشترى تعامل بصدق، وإن قضى حكم بصدق، وإن كُلف بعمل أنجزه بصدق، فالصدق يحمله على مكارم الأخلاق والأعمال، حتى يتهيأ ليكون من أهل الجنة؛ لأن الصادق يتحلى بالفضائل ويتخلى عن الرذائل، وهذا مختصر طريق السالكين إلى جنة رب العالمين. وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة) متفق عليه.

ثالثا: العيش بطمأنينة وسلام داخلي، للنفس والروح، فلا يعاني الصادق من الفصام في الشخصية، حيث يخالف قوله فعله، فهو صادق فيهما، لذلك يشعر براحة البال، وسلامة الصدر، وسموّ الروح، وقربها من الله تعالى، وما تحقق به من الطمأنينة والرضا، لتحققه بعبوديته لله تعالى حيث سار على المنهج الذي أراده الله تعالى له أن يسير عليه، وأن يكيّف حياته وسلوكه على وفقه، فكان هذا السلام الداخلي من الثمار التي يجنيها العبد في الدنيا، حيث ينال جنة القرب من الله تعالى، وفي الآخرة حيث يكون في جنان الخلد والنعيم المقيم، قال الله تعالى: ( يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) الفجر/27-30، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الطمأنينة المتولدة من الصدق بقوله: (فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة) رواه الترمذي.

رابعا: تحصيل ثناء الناس وثقتهم؛ لأن الصادق حريص على آخرته، لا يبيعها بعرض من الدنيا قليل، همه القرب من الله تعالى والاقتداء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبلوغ جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. فالصادق زاهد بما عند الناس، لا يعاملهم إلا بالصدق الذي تحقق به، واصطبغت أخلاقه بلونه، واكتسى ثوبه الذي لا ينزعه عنه أبدًا، فينال بذلك محبة الناس وثناءهم وثقتهم، فلا يردون قوله، ويقبلون منه دون ريبة.

المطلب الثاني: أثر الصدق في المجتمع:

أولا: انتشار الفضائل؛ لأن الصدق منبع الفضائل، والطريق المؤدي إليها، وكما ذكر سابقا فالصدق أساس ينبني عليه غيره من الأخلاق، فهو كالباب للصبر، والقناعة، والزهد، والرضا، والأنس بالله تعالى. فمتى تحلى الأفراد بالصدق انتشرت الأخلاق والفضائل ومحاسن الأعمال حتى تصير الأساس في الفرد والجماعة، وهذا ملاحظ في خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر) سبق تخريجه. حتى إن من شذّ عن الفضائل ومحاسن الأخلاق شعر بغربته، ونبَذِ المجتمع له، فيحمل نفسه عليها إن لم يكن قناعةً منه بها، سيكون ذلك مجاملةً لغيره، أو قهرًا رغمًا عنه.

ثانيًا: تقليل الرذائل، بما أن الصدق باب مفتوح موصل للفضائل، فهو في الوقت نفسه باب موصد أمام الرذائل، فبعدد الفضائل التي يثمرها الصدق، يكون عدد الرذائل التي يئدها ويقضي عليها. وكلما زاد الصدق زادت الفضائل، وكلما نقص الصدق زادت الرذائل، فالعلاقة بين الصدق والفضائل طردية، والعلاقة بين الصدق والرذائل عكسية. ولا عجب؛ لأن الصدق قرين التقوى، وقد قال الحق سبحانه مخاطبا جماعة المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/119، والتقوى: أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك. فإن التزم المؤمنون بالصدق كانوا من أهل التقوى الذين يفعلون الطاعات، ويجتنبون المحرمات، ومجتمع كهذا تقل فيه الجريمة والرذائل.

ثالثا: تقوية العلاقات بين الناس؛ لأن من جانس جالس، والناس إن التزموا الصدق صارت طباعهم متقاربة، وأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم من جنس الصدق، فيأنس بعضهم ببعض، ويجالس بعضهم بعضا، وتنمو العلاقات على بساط الصدق والمحبة، فتتقوى أواصر الصداقة والأخوة بينهم، وتصبح العلاقات بين الناس متينة، وعندها يصبحون كالجسد الواحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) متفق عليه. فبالصدق تقوى علاقات الأفراد في المجتمع، ويصبح أفراده يحب بعضهم بعضا، ويكون المجتمع سعيدا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش