الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة فى القصة القصيرة «دميتي» لإنعام القرشي

تم نشره في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:43 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:43 مـساءً
محسن الطوخي *

البساطة قرينة الفن، وأروع النصوص الإنسانية في تاريخ القصة القصيرة أبسطها. استطاعت القاصة انعام القرشي أن تقدم تجربة انسانية غاية في العذوبة من خلال مشهد من صميم الحياة يخلو من التعقيد والتركيب. ومع ذلك يملك مستويات متعددة من التأويل، فيمكنك ببساطة الاكتفاء بالقصة العذبة للصبية التي افتقدت دميتها بحلول العام الدراسي، إذ يقوم الأهل بالتخلص من كل مامن أنه إلهاء الصبية عن الاستذكار والحفظ. والعلاقة بين الصبية ودميتها المصنوعة من بقايا الأقمشة تكاد ترقي الى علاقة انسانية تمنح الجماد ملمح انساني عذب. وهو مالم يكن يتأتى لولا المعايشة والتقمص اللذان برعت فيهما الكاتبة.
واللقاء بين الصبية وبين دميتها حيث تخلصت منها الأم بقرب مكب النفايات هو لقاء مؤثر يثير الشجون، فالأم الحريصة على مستقل الابنة لم تنتبه الى أنها تقتلع جزءا شديد الحميمية من الصبية التي لم تجرؤ على التعبير عن افتقادها للدمية.
ونجحت القرشي ببراعة في رفع درجة التوتر لدى المستقبل بتصويرها للحظة التي تعثر فيها الصبية على الدمية (سمعت أنينها المخنوق تحت كومة من ألعاب...).. وتكمن البراعة في نقل حالة التقمص والمعايشة الى القارئ. فعالم الطفل في حقيقته هو عالم مواز مضفور من الأخيلة والصور، يدفع القلق من ردة فعل الأم الصبية الى ترك الدمية في مكانها حيث عثرت عليها وهي تهمس لها بأن موعدهما الصيف القادم، كأنما تمدها بزاد نفسي يعينها على الانتظار. وهي في الحقيقة إنما تقصد أن تمد نفسها بهذا الزاد. أما الخاتمة فهي دليل آخر على مدى وعي الكاتبة ومهارتها في انتاج أعلى شحنة ممكنة من التأثير، ففي اللحظة التى تنتبه فيها الصبية الى المكان الذي يجب أن تحتله دميتها الأثيرة فوق رفوف الخزانة بجوار الدميتين الشقراء والسمراء، يكون الأوان قد فات. فما وضعت الأم الدمية القماشية بجوار مكب النفايات الا توطئة للتخلص منها ضمن القمامة بالحرق.
والخاتمة التي تصل فيها الصبية الى مكب النفايات فتشاهد دميتها تحترق لا تمثل مجرد مشهد. إنها واحدة من الخبرات العديدة التي تمثل بتراكمها نسيج حياة الكائن البشري، فالمشهد يمكنه ببساطة استدعاء عشرات المواقف الشبيهة التي مرت بالقارئ على مدار مراحل عمره. وهذا ما يجعل التماهى بين القارئ وبين الشخصية القصصية ممكنا، محققا كبر نسبة تأثير للنص.
والنص رغم اكتفائه بالتيمة القصصية الناجحة يتضمن رسائل جانبية لا يمكن إغفالها. فالصبية التي يتوفر لديها خلال إجازة الصيف محموعة متنوعة من الدمى واللعب، تميل الى الدمية المصنوعة ببقايا الأقمشة البالية، وتفضلها على الدميتين المميكنتين. وهي تسميها لعبة العروس بما في اللفظ من حميمية وارتباط لا تجده في لفظ الدمية، وهي رسالة تشير الى الأصالة والتفرد الذى تتمتع به الدمية المصنوعة يدويا، اذ تكتسب شخصية متفردة بطابعها الخاص الذي لا يشبهها فيه أي منج مماثل. والأسلوب الفني الراقي الذي عبرت به الكاتبة عن المعنى يدل على ارتقاء حاستها الفنية. فالطفلة في النص تشم رائحة الطجين كلما ضمت العروس الى صدرها، رائحة الطحين هى المعادل لرائحة الأم التي تصنع كل شيء في حياة الأسرة.. الخبز، والثياب، والفرح، والحكايات. والمقارنة الفجة بين العناية بالدمى المصنوعة آليا ببهرجتها، وبين الإهمال الذي عوملت به الدمية ذات الأصالة يعبر عن منهجية سلبية نتعامل بها مع الأشياء. حتى لقد انحسرت أو كادت الأصالة في المنتجات والمصنوعات لصالح منتجات متشابهة لا شخصية لها ولا تفرد.
كما يتضمن النص أيضا رسالة تربوية تعبر عن الانفصام بين الآباء والأبناء فيما يتعلق بالجانب النفسي، فالتواصل متوفر على المستوى المادي كتوفير الاحتياجات المادية كالمأكل والملبس والدرس، لكن البعد النفسى مفقود بحيث لا تفطن الأم الى مدى الأذى النفسي الذي تلحقه بالصبية اذ تهمل دلالة الارتباط النفسى بين الصبية وبين الدمية، ولا شك فى أن القارئ استطاع أن يرصد بسهولة مدى الأذى والضرر النفسي الذي حاق بالصبية من المصير الذي حاق بدميتها الأثيرة، ويستطيع أيضا أن يدرك حجم الغفلة فى سلوك الأم على المستوى النفسي فى علاقتها بابنتها، وهي رسالة تربوية جديرة بالاهتمام.
نص القصة (دُميتي)
الدمية ذات الشعر الأشقر لأختي, والأخرى ذات الشعر الأسود لي، لكنني كنت أحب «لعبة العروس» التي كانت تصنعها أمي من بقايا الأقمشة، فترسم لها عينين واسعتين بالكحل الأسود، وفماً صغيراً بأحمر الشفاه.
كنت أشتمّ رائحة الطحين كلما ضممتها إلى صدري.. فلقد كانت أمي تصنع كل شيء في حياتنا.. الخبز.. الثياب.. الفرح.. الحكايات.. الدمى.. والأمان.
أعلَنَتْ أجراس المدارس النفير، وأصدرت الأمهات الأوامر ؛ فاختفت جميع الألعاب،  إنها بداية العام الدراسي الجديد.
تناسيتها يوماً.. يومين.. لكن شوقي إليها لم يفارقني.. وأخذتُ أبحث عنها, رغم أنني كنت أدرك بأنها اختفت مع بقايا أمنياتي الصغيرة، في ركنٍ ما من أركان البيت.
لم أكن أجرؤ على أن أسأل أمي عن تلك «العروس» التي صنعتها  لي بيديها اللتين أخفتها عني بهما.
تملّكني هاجس البحث عنها في كل مكان.. فعلْتُ ذلك دون كلل.. إلى أن سَمِعْتُ أنينها المخنوق تحت كومةٍ من ألعابٍ محطمة، وممزقة، هناك.. في مستودعٍ صغير، بالقرب من مكان تجميع القمامة. فلقد عثر عليها حارس العمارة، متسخة, مجروحة، وحزينة.. بعد أن امتزج اللون الأسود في وجهها بالأحمر.. فتغيرت ملامحها... ولم تعد سوى إحدى المخلّفات المهملة،
اعتذَرْتُ لها، نَفَضْتُ ما علق بها من غبار، وهمست بأذنها.. أنني سألقاها في الصيف القادم. ثم وضعتها بجانب الأخريات بعناية، وعيناي لا تفارقانها.
عُدْتُ إلى البيت، وأنا لا أعي ما هو الشيء الذي يؤلمني في صدري.. بلا شكوى!
كانت أمي مشغولةً بترتيب الكتب، وإعداد الحقيبة، وكان عليّ أن أتودد لها.. وأجلس بجانبها، دون أن تشعر بما أشعر به.
حمَلْتُ حقيبتي، واتجهتُ إلى غرفتي. لمَحْتُ الدميتين؛ الشقراء والسوداء، تزيّنان رفوف الخزانة بأناقة, وتذكّرْتُ دميتي المنسيّة
قلت في نفسي: هذا مكانها الصحيح.. هنا يجب أن تكون.
عدْتُ مسرعةً، حافيةَ القدمين، بشعري المبلّل، إلى كومة الأشياء العتيقة، لأحضر دميتي المسكينة، وأضعها بجانبهما
لم أكن في حاجة إلى أن أبحث عنها طويلاً.. فلقد كانت هناك... مع بقية الأشياء، في الحاوية.. تحترق.!
* ناقد من مصر
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش