الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تحليل ناقد لاتفاقية جنيف * مروان بشارة

تم نشره في الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2003. 02:00 مـساءً
تحليل ناقد لاتفاقية جنيف * مروان بشارة

 

 
ما اطلق عليه »اتفاقية جنيف« والتي اعلنها رسمياً فلسطينيون واسرائيليون في سويسرا، هي ثمرة عامين من الحوار والمفاوضات قام بها بعض المشاركين في مفاوضات طابا، التي جرت في اعقاب انهيار قمة كامب ديفيد في تموز عام 2000 . وقد زاد هذا الاتفاق من وتيرة الحوار الدولي حول الشروط النهائية لاتفاق السلام مع الفلسطينيين حتى قبل التوقيع عليه.
الداعمون الرئيسيون لاتفاق جنيف، ياسر عبد ربه ويوسي بيلين اتبعوا مثال خطة سلام من صفحة واحدة كان قد وصفها قبل اشهر سري نسيبة، وهو وزير سابق لشؤون القدس، وعامي ايالون الرئيس السابق لجهاز الامن الداخلي الاسرائيلي الاخيرة اكثر توسعاً الا انها تطرح شروطاً مماثلة لمشكلة اللاجئين، والقدس والمستوطنات.
تعطي اتفاقية جنيف انطباعاً بانها مبادرة تتطلع الى الامام وتحاول جاهدة تجنب الاشارة الى الماضي لصالح ايجاد ارضية مشتركة لتسوية مستقلة. وهذا النهج الشبيه بممارسات حل النزاعات يدرك ضرورة القيام ببداية جديدة بهدف حل النزاع، وان كثرة المشاحنات حول اصل المشكلة لن يؤدي الى الا تقويض مصلحة الفلسطينيين.
وفي حين ان حل النزاع يحتاج للتطلع قدماً، فلا يمكنه التجاهل او التغاضي عن الاسس الاخلاقية للمأساة الفلسطينية. ولا يمكن الا لاعتراف صادق من جانب اسرائيل بماضيها الاستعماري واعتذار عن جرائمها ضد الشعب الفلسطيني - بما في ذلك الطرد المدبر للغالبية العظمى من السكان العرب الفلسطينيين - ان يمهد طريق السلام بين الشعبين. وبخلاف ذلك، لا يمكن لاي واقعية فلسطينية او تدابير وبدبلوماسية غريبة او خطط امنية اسرائيلية ان تحل النزاع.
من الناحية النظرية توفر اتفاقية جنيف المزيد من الانسحابات الاسرائيلية ولغة اشد وضوحاً حول السيادة الفلسطينية من اي شيء كانت الحكومة الاسرائىلية مستعدة لتقديمه في الماضي، وهو امر لا تدعمه سوى اقلية من المعارضة السياسية الاسرائىلية وليس الحكومة الاسرائىلية.
الجانب الفلسطيني الذي قدم تنازلات تاريخية مكون من مسؤولين فلسطينيين عالي المستوى، شمل ثلاثة وزراء مقربين من ياسر عرفات »عدربه، وعبدالرزاق، وقسيس« ويبدو انه لم يكن في وسعهم التفاوض من دون مباركة عرفات.
وقد مكن هذا الامر شركاء شارون في الائتلاف الحكومي من ان يصفوا الاتفاق بانه »تخريبي«، والمفاوضين الاسرائىليين »بالخونة« الذي يستحقون الاعدام، محاولين في الوقت نفسه استغلال التنازل الفلسطيني التاريخي المتضمن في الاتفاق، من دون تقديم اي شيء في المقابل.
بكلمة اخرى، هناك اتفاق فعلي مع تنازلات حقيقية قدمها الفلسطينيون من دون سلام حقيقي.
ورغم حرص الجانب الاسرائيلي على ارضاء حاجة الفلسطينيين بضرورة الاشارة الى قرارات الامم المتحدة، فان خطة العمل اللاحقة لا تكاد تلبي روح تلك القرارات او مضمونها. مثال ذلك، تشير الوثيقة الى قرار الامم المتحدة رقم 194 المتعلق بحق العودة كأساس للاتفاق حول اللاجئين، ثم تلغي ذلك الحق في الشروط العملية.
ويدعي المدافعون عن الاتفاق انه رغم حقيقة عدم ذكر الحق سابق الذكر نصاً في الاتفاق، فحقيقة ان اللاجئين قد اعطوا خيارات بما في ذلك العودة الخاضعة لموافقة اسرائيل، واستحقاقهم للتعويضات.
تعني ان حقوقهم معترف بها. فأنت لا تقدم تعويضات، او خيارات باعادة التوطين بما في ذلك العودة الى اسرائيل لأناس ليس لهم حقوق.
لكن القانون الدولي يمنع اي حكومة فلسطينية من التفاوض حول مثل هذه الشروط، والذي يقصد منه اي التفاوض، ابطال جميع قرارات الامم المتحدة السابقة والقانون الدولي. وتمنع اتفاقية جنيف التفاوض على اسقاط مثل هذه الحقوق وخاصة المادة 47 منها.
صيغت اتفاقية جنيف لتتناسب مع الحساسيات واللغة الاسرائيلتين فليس فيها اي ذكر »لحق العودة«، لكن هناك زعما بالتعويض عن هذا الحق، وليس فيها اي اعتراف واضح بحق العودة بوصفه حقا انسانيا لا يمكن التنازل عنه، ولا اي ذكر عن المسؤولية الاسرائيلية عن المظالم والالام التي سببتها اسرائيل للفلسطينيين.
فان لم تفهم اسرائيل الأهمية التاريخية والرمزية لمثل هذه الخطوة الضرورية جدا للمصالحة بين الشعبين، فقد كان على الجانب الفلسطيني ان يكون اكثر دراية.
من وجهة نظري فان مأساة اللاجئين هي اساس النزاع الذي تتحمل اسرائيل مسؤوليته السياسية والاخلاقية. المسألة ليست مسألة تعويضات مالية، بل قضية يستمد منها الفلسطينيون حقوقهم الوطنية والامنية، والتخلي عن الاساس الاخلاقي في هذه القضية قد يترجم الى اتفاق مليء بفرض الالتزامات على الفلسطينيين ارضاء للشروط الامنية الاسرائيلية بدلا من فرض مطلب على اسرائيل والاسرة الدولية بعدم تكرار المأساة الفلسطينية فما الذي سيمنع حكومة اسرائيلية متطرفة في المستقبل من غزو الدولة الفلسطينية الضعيفة والمنزوعة السلاح؟
في الاتفاقية ايضا، اسبغ الجانب الفلسطيني على يهود العالم الحق في الحصول على دولة في فلسطين بدلا من مجرد القبول بحق اليهود في تقرير المصير في وطنهم كأمر واقع.
هذا الاتفاق يعلن الاعتراف بحق الشعب اليهودي بدولة له وحق الشعب الفلسطيني بدولة، من دون الاجحاف بالحقوق الخاصة بمواطني كل واحدة من الدولتين.
مثل هذه العبارات تتعارض مع تاريخ الفلسطينيين وتنسف الاساس الاخلاقي لصراعهم ضد الاستعمار والاحتلال الذي قارب المئة عام، كما انها لا تعترف بحق مليون مواطن فلسطيني يعيشون في اسرائيل بالعيش في دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها اليهود والفلسطينيين.
حين يعرض الفلسينيون تاريخهم للخطر في مقابل زيادة طفيفة في جغرافيتهم، ويقايضون اجزاء من القدس المحتلة في مقابل تعريض حقوق 7ر3 مليون لاجىء للخطر، فانهم يفقدون الجوهر الاخلاقي لصراعهم.
البند السابع عشر والاخير من هذه الاتفاقية يتوقع تبني الامم المتحدة الوثيقة كبديل يبطل جميع القرارات السابقة للامم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وان المرء ليتساءل لماذا تسعى اتفاقية سلام الى محو خمسة عقود من قرارات الامم المتحدة، تشكل تاريخ الصراع، في مقابل وعد.
في النهاية، وافق الجانب الفلسطيني في »اتفاقية جنيف« على التنازل عن حق الفلسطينيين في العودة الى مدنهم وقراهم، وعلى السماح لاسرائيل بفرض سيادتها على معظم المستوطنات الاسرائيلية والاحتفاظ بجميع المناطق في القدس المحتلة والتي ضمت بشكل غير شرعي بعد العام 1967.
ومع ذلك، وكما يقول يوسي الفر وهو خبير امني اسرائيلي بارز، ليس في وسع اي حكومة اسرائيلية ان توافق على اخلاء معظم المستوطنات واعادة توطين 100 الف يهودي. اضف الى ذلك ثمة اشارات كثيرة في الاتفاقية الى »الملحق س« و»الخريطة ص« والتي اشير اليها خاصة في البنود الامنية لكنها لم تنشر.
هنا ايضا تتبدى براعة بيلين: في التفاصيل. فقد وافق على التأكيد على وجود تشابه بين اسرائيل المستقبل وفلسطين ثم انتقل لتحميل الدولة الفلسطينية اعباء الاجراءات الامنية، واجندات معقدة والعديد من الاستثناءات وضعت الدولتان على ارضيتين غير متساويتين، وقد ساعده استخدامه لخبراء عسكريين والعديد من جنرالات الجيش المتقاعدين على الوفاء بمتطلبات اسرائيل الامنية بشكل يرضي المؤسسة العسكرية الاسرائيلية.
ولا تشير الوثيقة الى النزاع بين المحتلين والرازحين تحت الاحتلال وعدم التماثل بينهما. وبدلا من ذلك تعطي انطباعا بمساواة مستقبلية اكيدة وتماثل بين الدولتين.
المؤيديون الغربيون للوثيقة يجادلون من دون تقديم دليل، على ان الاتفاق يعتمد على »تأييد عريض« من الفلسطينيين والاسرائيليين ويبينون ان هناك حلا لقضية الوضع النهائي المستمرة لكن الواقع ان الدعم يتقلص لدى كلا الفريقين.
بالنسبة للآن والمستقبل المنظور، فان ادارة بوش هي التي تحتكر العملية الديبلوماسية، وهذه انباء سيئة لاتفاقية جنيف وللمهتمين بحل القضية الفلسطينية. ومن دون دعم واشنطن الفعلي فان من المستبعد ان يكون للاتفاقية اي معنى عملي.

»ذا ديلي ستار«

* استاذ العلاقات الدولية في الجامعة الاميركية في باريس
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش