الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ما قاله الرجل الكبير عن الكبار * الابن الاميرال يتحدث عن الأب الجنرال: »شارل ديغول ابي.. انا اخر شاهد حي«

تم نشره في الاثنين 20 تشرين الأول / أكتوبر 2003. 03:00 مـساءً
ما قاله الرجل الكبير عن الكبار * الابن الاميرال يتحدث عن الأب الجنرال: »شارل ديغول ابي.. انا اخر شاهد حي«

 

 
رسالة »الدستور« من باريس - حياة الحويك عطية: أهي حقا معاناة ان تكون ابن رجل عظيم ؟
مرة كنا في بغداد، و سألنا احد المثقفين: هل صحيح ان ابن منيف الرزاز حصل على جائزة الرابطة لهذا العام ؟
كان مؤنس، قد عمل حتى استحق جائزة لكنه لم يستطع ان يستحق ان يكون هو نفسه لا »ابن منيف«.
تذكرت هذه الحادثة وانا اقرا تعليق احد النقاد على الكتاب الذي يصدر قريبا عن دار »بلون« للنشر في باريس متضمنا شهادة واعترافات وذكريات الاميرال فيليب ديغول عن ابيه، حيث قال: »الاميرال يشعر برغبة لان يكون، مرة في اخر عمره، موجودا بذاته«، وتعليقا اخر في مجلة اخرى يقول ان بعض الابناء يحاولون تحقيق ذلك بالتمرد على ابائهم لكن ديغول الابن قرر العكس وكان باستمرار جنديا في الجيش الفرنسي منذ قرر الالتحاق بسلاح البحرية وهو في العشرين من عمره، وفي خط ابيه، حيث رافقه منذ ايام النضال الصعب ضد الاحتلال النازي .
غير ان ذلك لا يعني ان الكتاب، الذي تشغل ملصقات الدعاية له جميع اكشاك الكتب والمجلات في العاصمة والمدن لا يشكل الان حديث الساحات الفرنسية، التي تتعامل معه وكانه منجم جذاب وغني، ربما لان البعض يشعر بنوستالجيا خاصة، او لان البعض الاخر مقتنع بما كتبه احدهم من ان ديغول هو آخر عمالقة فرنسا، وربما لان الديغوليين الجدد يجدون فيه دعما خاصا على ابواب المعركة الرئاسية، وربما اخيرا: لان الرجال الكبار والكتب الكبيرة يظل لديها دائما ما تشد به وتؤثر .
عن ديغول العسكري، عن ديغول المقاوم، عن ديغول الاب والزوج، عن ديغول السياسي والرؤيوي: آرائه، خلفياته، اسبابه الحميمة، تحدث الابن الى الصحافي الفرنسي ميشال تورياك لمدة عشرة اشهر فيما ملأ ثمانين شريط تسجيل تحولت بعد الى كتاب:
»انا اخر شاهد خاص حي، بعدي سيقولون اويكتبون اي كلام لكنه سيكون من باب الروايات«.
وبحس اعجاب كبير يبلغ الانبهار يتحدث الابن الاميرال عن الاب الجنرال،معيدا الكثير من الامور الى نصابها، موضحا الحقائق التي يعرفها افضل من اي شخص اخر، راسما مشاهد مؤثرة سواء منها ماكان ذا طابع وطني تاريخي، مما شهده الرجل الذي كان على يمين ابيه في كل معاركه مما يجعل منه شاهدا خاصا، او ذا طابع انساني حميم مما لا يستطيع ان يعرفه عن الجنرال الا واحد من العائلة، هو الذي لم يكن حميما مع احد، اب جدا بعواطفه، لا يقبل اولاده الا نادرا ومثله زوجته التي تقبل اولادها مرتين في العام: مرة في رأس السنة ومرة في عيد ميلادهم، وتعطي الاولوية في حياتها لزوجها، دون ان يعني ذلك ان الابوين يقصران في اي اهتمام اورعاية او عناية، خاصة مع الصغيرة المعوقة التي كان الاب يخصها بحنان مميز .
»مرة واحدة رايت ابي بملابس السباحة ورايت اثر الاصابة في ركبته من الحرب العالمية الثانية »وكذلك الاصابة الاخرى في يده اليسرى«.
»قال لي ابي يوما وهو يحدثني عن الحرب العالمية الاولى: اتعرف صعوبة ان تضطر الى ان تمشي على حافة سقف ضيقة ؟ فاجبته اجل لانني انا اضطررت الى ان افعل ذلك في البحرية، فاكتفى بان علق: آه«.
عندما كان يكتب مذكراته، لفت نظره الى انني انا ايضا مناضل في صفوف فرنسا الحرة وساهمت في تحرير فرنسا، فاجاب: اجل، نعم، ثم كتب جملة واحدة: »ابني ايضا ما يزال يخدم في صفوف الفرقة الثانية د.ب«.
وكأن هذا التحدي: تحدي بنوة رجل عظيم سيظل يلاحق الرجل طوال حياته، فيقول: »الميزة الايجابية لذلك هي انه لم يكن بامكان احد ان يوكل اليك مهمة بسيطة، لكن الصعوبة كانت تتمثل في الالتزام بواجب الا يكون عليك اي ماخذ«.
لكن خارج العلاقة الخاصة،ماذا يقول الرجل الكبير عن الكبار؟
- عن نفسه: »لا يمكن للرئيس ان يكون شابا طيبا . فمن هملقار الى بونابرت الى ديغول، القائد هو دائما شخصية صعبة والا ما استطاع ان يكون القائد لانه يصبح كالجميع«.
- عن هتلر لستالين عام 1944: »لا بد لهتلر ان ينهزم، لانه لا يملك ثقافة عامة، ولانه لم يخرج من المانيا الا ليغرق في شمال شرق فرنسا«.
- عن تشرشل: »كان يملك الكثير من الخيال، ويبحث عن المتعالي، لذلك وجدني. بالمقابل لو لم يجد الجنرال ديغول تشرشل لما كان الجنرال قد وجد ولانتهى الامر بالنسبة لفرنسا«.
- عن منديس فرانس: »ظل اشتراكيا اي مضطرا للديماغوجية«.
- عن اندريه مالرو: »كل نظام سياسي بحاجة الى فيكتور هوغو ليثير حماس المواطنين والا غرقوا في سبات مشاغلهم اليومية بدون افق. ومالرو يملك هذه الشعلة«.
- عن الفرنسيين والحربين العالميتين: »لقد ربحنا الحرب العالمية الاولى بمعجزة، اما الثانية فلا.. لقد قاتلنا ودفعنا الكثير من الدم ولكن ليس كلنا وليس لوقت طويل. لم تكن تقودنا قيادة جيدة. وهذه هي نتيجة كون الجمهورية في حالة ضعف، فعندما لا تقف الجمهورية بصلابة على قدميها يتارجح الشعب ويتبعثر«.
اما الفرنسيون: »فانهم في واقع الامر حصلوا على ما يستحقون، خاصة النخب التي اسيء اختيارها . ذاك انه عندما تكون النخب سيئة فذاك يعني ان من اختارها كان اختياره سيئا. هكذا يكون للناس الجيش الذي يستحقونه، النواب الذين يستحقونهم، واذا كنا ضعفاء ومنافقين كان لنا جيش ضعيف ونواب ضعفاء ونخب ضعيفة«.
عند قضية النخب هذه يتوقف فيليب ديغول ليتحدث عن مدى الاحباط الكبير الذي كان يسببه تخلفها او تساقطها او خيانتها للجنرال الداعي الى المقاومة من لندن، ويقول: »لم يكن يتخيل انه سيجد نفسه وحيدا في لندن، وكنا نسمعه، امي ونحن يردد بدهشة: »وهذا ايضا؟ وهذا ايضا؟ »لم يكن يتخيل ان الانهيار والجبن لدى النخب يمكن ان يكون على هذا القدر . كان هروب الفئران من السفينة مع غرقها«.
هذا الحديث يرد في الكتاب بعد ان يروي الابن، الضابط في البحرية عام ،1943 بشكل دقيق تفصيلي ومؤثر التجربة التاريخية التي قيض له ان يشهدها عندما رافق اباه الى اذاعة البي بي سي، حيث اطلق النداء الاول للمقاومة باسم فرنسا الحرة، وكان قد كتبه بخط يده على ورقة في جيبه، يصر فيليب ديغول على نفي الشائعة التي كانت تقول ان تشرشل اصر على الاطلاع عليها قبل قراءتها، ويضيف: هذه تقولات اطلقها جماعة بيتان، وراح بعض المشككين يرددونها لاغراض في نفوسهم . ابدا لم يضطلع تشرشل على اية ورقة كتبها الجنرال.
ويضيف »منذ البداية قدم نفسه كممثل لفرنسا وكان يقول: »بالنسبة للانكليز وبالنسبة للالمان الشعب الفرنسي هو شعب لا يمكن تجاهله،وانا شاهد على ذلك. هذا الشعب لا يمكن الالتفاف عليه سواء كان منتصرا او مهزوما ... ومشروعية اللجنة الفرنسية للتحرير التي اصبحت الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية لم تعد امرا من الممكن تجاهله او مناقشة وضعه. ان فرنسا الحرة بمقاتليها في الخارج ومقاوميها في الداخل، تثبت انها قوة لا يمكن تجاهلها او انكارها«، اراد ان يكون زعيما سياسيا وزعيما عسكريا في الوقت ذاته، واراد ان يفهم الاخرين انه يدير الحرب باسم فرنسا ولاجلها، وان فرنسا ما تزال في حالة حرب، وهذا ما لم يكن يعجب الانكليز، كان يتمنى ان تكون لديه فرقة عسكرية ليقاتل الى جانبهم في افريقيا، ولاجل فرنسا، اذ يقول: »الانكليز الذين ماتوا لاجل تحرير فرنسا قدموا ارواحهم لبريطانيا العظمى، والفرنسيون الذين ماتوا لتحرير الولايات المتحدة قدموا ارواحهم لفرنسا، لكن جمع المناضلين وتجنيدهم ليس بالامر السهل اذ يروي ديغول الابن عن ابيه: اصبح الحديث عن 18 حزيران يزعجني، اذ يعتقد الكثيرون انه كان يكفي ان اطلق نداء من الاذاعة البريطانية لتكون فرنسا حاضرة في انتصار ،1945 ولا يعرف احد عشرات الاف الكيلومترات التي قطعتها، وغالبا في اراض محتلة، لاتمكن من تجنيد المقاتلين واحدا واحدا ...
فيليب ديغول يتحدث عن ابيه وعن فرنسا، لكنك لا تملك نفسك انت القارىء العربي الا وان تقرا في تلك الرؤية شيئا يخصك، انت من يعيش احتلالات لا احتلالا، ومقاومات وسعيا لتحرير في العراق او لتحرير واعتراف في فلسطين، او للوصول الى حالة القوة التي لا يمكن تجاهلها في كل وطنك .
وتنتهي الى مقطع يضرب منك كل الموجع:
عام 1944 فيليب ديغول الضابط في الجيش يصل الى قرية ابيه: »في 9 ايلول تركت فرقة الاستطلاع التي كنت فيها وسلكت طريقا خفية الى كولومبييي، كان المشهد مؤسفا: لا قطعة اثاث، لا شيء الا الدمار الا الاطلال واثار النار التي اتت على كل شيء باستثناء جزء من السقف وجزءين من الجدار - ويمضي في تفصيلات دقيقة وطويلة الى ان يقول - فكرت بأبي الذي وضع في هذا البيت كل ما اقتصده، وفي امي والشراشف التي طرزتها تحت ضوء المصباح، بستائرها، ومفارشها«...

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش