الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عيادات طبية سياسية بإمتياز في عمان القديمة

تم نشره في الثلاثاء 26 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

 الدستور- محمود كريشان

كانت بعض العيادات في عمان القديمة في حقبة الستينيات وما تلاها «طبية» لكنها «سياسية» بإمتياز، تعبق بالعمل الحزبي والنشاط السياسي، يدور بين جدرانها نشاطات حزبية مسيَّسة وثورية ويسارية في زمن الأحكام العرفية، كانت فيها تلك العيادات تتحول الى ملتقى للاجتماعات السرية للشيوعيين واليساريين والحزبيين، حيث كانت القوانين تحظر العمل الحزبي بصورة مشددة في ذلك الوقت.

جورج حبش

والمتتبع لتاريخ عمان القديمة، سيكتشف ان ابرز تلك العيادات المسيسة، كانت عيادة القيادي في حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتور جورج حبش ورفيقه في ذات العيادة «وديع حداد» في منتصف شارع طلال وتحديدا في الطابق الثاني فوق صيدلية الشفاء مقابل مدخل سوق الخضار القديم، وهي الآن استديو تصوير.

هذا الشارع العريق «شارع طلال» كان يضم ايضا عيادة سياسية حزبية بامتياز ونعود لأمين عام الحزب الشيوعي الاردني آنذاك الدكتور يعقوب زيادين التي اصبح مكانها الآن محل ملابس للمحجبات.

وعن مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش الشهير بـ»الحكيم» تقول الزميلة إسراء الردايدة ان الفيلم التسجيلي «الحكيم»، للمخرج أحمد الرمحي، يوثق سيرة حياة الزعيم الفلسطيني التاريخي الدكتور جورج حبش، ويسلط الفيلم، على مدار 52 دقيقة، الضوء على مسيرة حياة حبش، المولود في العام 1952، ليبدأ الفيلم بمشهد جنازة حبش، المتوفى في السادس والعشرين من كانون الأول 2008، وتشييع جثمانه في عمان بحضور جماهيري، ضم مختلف الشرائح والجنسيات من مختلف الأرجاء.

وتشير الزميلة الردايدة الى ان محطات كثيرة عرضها الفيلم، وهو من إنتاج الجزيرة الوثائقية العام 2009 منها دراسة حبش للطب في بيروت، وتخرجه منها في العام 1951، وتوجهه إلى «عمان»، للعمل في عيادة زميله ورفيق دربه وديع حداد.

عبدالرحمن شقير

وعلى صلة.. ونحو بداية شارع بسمان قادما من جهة المسجد الحسيني كانت هناك عيادة اخرى شهدت قبل عقود نشاطا سياسيا وحزبيا لافتا تعود للدكتور عبد الرحمن شقير، الذي كان أول رئيس لجبهة وطنية ضمت القوميين الأردنيين والشيوعيين، حيث اثرى شقير مسيرته التوثيقية والثقافية بكتاب «من قاسيون الى ربة عمون... رحلة العمر» ، وديوان أشعار له وكتاب خمائل من أشعار ومقالات له جمعها فيه قبل أن يغيبه الموت.

ويقول د. منير حمارنة عن دور شقير البارز في النضال وعن دوره في الحركة الوطنية الاردنية وارتباطه بهموم اهله الامر الذي رسخ لديه مقاومة المرض الذي اوقعه في فخ اليتم وعليه تطوع لمساعدة الناس وكتب على عيادته «للفقراء مجانا».

وعن الجانب الانساني النبيل الذي تمتع به الدكتور شقير تقول احدى كريماته: « إنه العام 1949 ، كما أذكر».. قال لي قريبنا : « وكنت أزور دار أبيك وأمّك في الشابسوغ في المساء.. بدأ الثلج يندف وشيئا فشئيا يتثاقل، فمكثت عندهما إذ لم يشاءا أن يعرّضاني لمخاطر العودة الى داري في ذلك المساء.

وفي عمق الليل، ونحن نيام ، صاحت عمتي ، خالة الدكتور ، تسأل من بالباب .. أجاب صوت رجل يقول إنه مريض وبحاجة أن يرى الدكتور، أيقظت عمتي الدكتور من نومه ، فقام وفتح الباب للطارق... سمعته يسأله عن الأمر. وإذا بالرجل يسارع إلى طلب النجدة من الدكتور قائلاً إن زوجته متعسِّرة عليها الولادة ولم يجد أحداً يسعفها، فقصده في هذا الوقت من الليل لينقذها.

«ولكنني غير قادر على التوليد بسبب إصابتي في رجلي اليمنى ويبوسة في ظهري، ثم إنني لست طبيب توليد»، قال الدكتور. فما كان من الرَّجل إلاَّ أن أخذ يتوسَّل وعيناه تدمعان، مما حدا بالدكتور أن يوافق على الذّهاب لنجدة السيّدة، وطلب منيّ أن أذهب معه لأساعده.

حمل الرّجل حقيبة الدكتور الطبية، وقادنا مشياً على الأقدام، الظَّلام يلفُّ المدينة، ولا أضواء في تلك الطُّرقات، ظللنا نمشي حتى وصلنا جسر الحمَّام، قطعنا هذا الجسر الخشبي، ثمَّ صعدنا الجبل في تلك المنطقة من السوق حيث كان الحمَّام العمومي.. ما تزال صورة خطواتنا تتعثِّر على الجبل بين الحجارة المتناثرة، محفورة في مخيِّلتي.

ظللنا نصعد حتى وصلنا بيتاً في منتصف المسافة إلى أعلى الجبل، مؤلّفاً من غرفة ومطبخ صغير ومرحاض.. دخل الدكتور الغرفة ليجد السيَّدة الولاَّدة تصرخ وهي ملقاة على فراش رقيق على الأرض، بدت في حالة صعبة جدا، أمّا أنا، فبقيت على كرسيٍّ منخفض من القش في المطبخ ، حيث أمر الدكتور الرجل أن يسخن ماء في قدر.. وظللت انتظر.

باشر الدكتور بإعطاء السيدة حقناً لتسهيل الولادة، وبعد حوالي الساعة، حسب تقديري، ولدت طفلاً طبيعياً صدح صوته في جنبات البيت المتواضع.

وحين هممنا بالمغادرة، رأيت الدكتور يخرج من جيبه ورقة نقدية من فئة العشرة دنانير ... دسَّها تحت وسادة السيَّدة الوالده.. وخرجنا لنشهد الظَّلام يتراجع شيئاً فشيئاً والضَّوء يجهجه مع فجر أذن انبلاجه.

منيف الرزاز

في حين كانت عيادة أحد أبرز القيادات القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الدكتور منيف الرزاز، الذي عرف فقراء عمان الطريق اليها نظرا لكونه ينتخي لعلاجهم «مجانا» وكانت تقع في شارع بسمان وكان رقم هاتف العيادة مثبتا فوق يافطة معدنية سوداء من خمسة ارقام 38337 والتي تحولت في كثير من الاحيان الى صالون سياسي ضم مختلف الشرائح والنخب السياسية والحزبية والثقافية.

الرزاز الذي يجسد سيرة أطباء رفضوا إغراءات معيشية ومهنية عدة، ليختاروا الدرب النضالي والقومي العربي، ويرفدوا عملهم الطبي الإنساني بحراك سياسي فاعل في فترات سياسية ملتهبة، وليخلد أسم الرزاز ورفاقه الروائي الراحل عبد الرحمن منيف في روايته «سيرة المدينة»، حين قال عنهم بأنهم «مميزون طبيا وإنسانيا وسياسيا»، وبأنهم «أسهموا في السياسة أكثر من الطب».

وفي الجانب الانساني من حياة الرزاز لا يزال اهالي عمان يذكرون انسانية الطبيب الرزاز وابتسامته الصادقة حيث يقول مالك كشك الثقافة العربية حسن ابوعلي ان عمان القديمة فقدت العام 1984 أحد أعرق الأطباء في وسط البلد بل وأبرز رواد الطب في المملكة عندما غيب الموت قبل (30) سنة الدكتور منيف الرزاز تاركا بصماته، وسيرته الطيبة الانسانية، فكان مثالاً للطبيب الماهر، والسياسي والحزبي الوطني المخلص.

وبين ابوعلي ان عيادة الدكتور الرزاز التي كانت في شارع بسمان بوسط البلد من اقدم العيادات على الاطلاق مشيرا الى ان الدكتور الرزاز كان يتمتع بالكفاءة العالية والأخلاق الرفيعة متميزا بتشخيصه الدقيق للامراض وكان مرتبطا بصداقات سياسية اضافة الى محبة اهالي عمان القديمة وثقتهم بكفاءته الطبية ودوره الانساني الرائد في الاردن.

فيما يقول احد وجهاء وتجار عمان القديمة مازن الشربجي ان الدكتور الرزاز وكما حدثه والده المرحوم الحاج عبدالرزاق الشربجي كان يتكلم معك في كل شيء دون أن يشعرك أنه يفحصك أو تبدوعلى وجهه أية تعابير تبعث القلق في المريض، فيطمئنك بعلمه وترتاح لخبرته، مشيرا الى انك وعندما تزوره في عيادته التي حفظت أسرار وهموم أهل عمان، فكان نعم الطبيب والإنسان، بل انه كان ينتخي بانسانيته للذهاب الى مرضاه في بيوتهم ان استدعت الحاجة مؤكدا انه كان يمتنع عن الحصول على أجرة الكشفية في معظم الأحيان فقد كان تواقا لعمل الخير.

نبيه ارشيدات

عيادة سياسية اخرى احتضنتها مناطق وسط البلد وهي للسياسي المخضرم الدكتور نبيه ارشيدات، العضو في الحزب الشيوعي الاردني الذي عرف بثباته في الدفاع عن المبدأ انه كان يتمتع بشخصية محبوبة قريبة من الناس فضلا عن تسخير مهنته كطبيب لخدمة الفقراء والضعفاء حتى سمي «طبيب الفقراء» .

حيث يقول الزميل هاشم غرايبة ان الدكتور نبيه ارشيدات، الشخصية الوطنية العامة، والمثقف التنويري، وطبيب الفقراء والغرباء والمهجرين، الذي عاش حياته ببساطة وعمق مناضلا من أجل أن يكون العالم أفضل، ومن أجل أن تصير الحياة أجمل، مقتنعا ومقنعا بأن العالم لن يصبح مكانا أفضل من تلقاء ذاته.

والدكتور نبيه ارشيدات، ابن عبد الرحمن ارشيدات عضو مجلس الأعيان الأردني، وأحد الأوصياء على العرش إثر المناداة بالحسين ملكا على الأردن، ابن العائلة الأردنية العريقة، حيث انحاز الطبيب ارشيدات إلى بسطاء الناس، فانخرط في لجة الحياة طبيبا ومناضلا، لا ينحني أمام ضغوط الحياة، ولا تفل عزيمته السجون والمنافي التواضع سمته الرئيسية والابتسامة لا تفارقه النكتة والدعابة وخفة الظل سلاحه في مواجهة مرارة الواقع، وكتب في مذكراته «أوراق ليست شخصية» الصادرة عن دار الينابيع في دمشق.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش