الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحرم الابراهيمي الشريف .. من المجزرة الى السطو التراثي

تم نشره في الاثنين 15 آب / أغسطس 2011. 03:00 مـساءً
الحرم الابراهيمي الشريف .. من المجزرة الى السطو التراثي

 

* نواف الزرو





اعتبرت المجزرة التي اقترفت في قلب الحرم الابراهيمي الشريف في مدينة خليل الرحمن قبل سبعة عشر عاما، في الذاكرة الوطنية الفلسطينية، أخطر الانتهاكات والاعتداءات والجرائم التي اقترفتها قوات جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين اليهود ضد الخليل واهلها، اذ تسلل المستوطن الإرهابي باروخ غولد شتاين الى داخل الحرم، صباح الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان 1414 هجري، أثناء صلاة فجر ذلك اليوم، مرتديا الزي العسكري حاملاً سلاحه، متخطياً جميع المشاعر والقيم والمبادىء، وباشر بإطلاق الرصاص على المصلين الركع السجود فسقط العشرات منهم، وبلغ عدد الشهداء في تلك المجزرة تسعة وعشرين شهيداّ داخل المسجد، وواحد وثلاثين خارجه، ووقع أكثر من مائة وخمسين جريحاً.

تضرجت رحاب الحرم الإبراهيمي الشريف بدماء المصلين الطهر الأبرياء .

وفي أعقاب المجزرة، فرضت سلطات الاحتلال منع التجول على المدينة، وأخذ اليهود يرتبون الأمور داخل الحرم وفق أهوائهم ليحيلوه إلى كنيس يهودي بحجة الفرز بين المسلمين واليهود، وأدخلوا الكثير من التغييرات على وضع الحرم، بغية تهويده وتكريس هذا التهويد كأمر واقع ودائم.

وكان من أخطر تداعيات المجزرة على أوضاع أهلنا في مدينة خليل الرحمن، وعلى أوضاع الحرم الإبراهيمي الشريف أن كرست سلطات الاحتلال حالة التقسيم و الهيمنة و التهويد التي قامت وتراكمت على مر السنين جراء مخططات وإجراءات التهويد في المدينة.



وما بين تلك المجزرة المروعة وما يجري اليوم، فقد انتقلت دولة الاحتلال الى مرحلة متقدمة جدا في اختطاف الخليل ارضا ومقدسات، ووصلت الى مرحلة السطو الصريح على تراث المدينة، فمنذ ان اعلن نتنياهو عن خطته المشهورة لاحياء وصيانة ما اطلق عليه "المواقع التراثية اليهودية" في شباط الماضي، توجّه اللوبي "من أجل أرض إسرائيل" في الكنيست برئاسة أعضاء الكنيست "زئيف الكين" من حزب الليكود، و"أرييه إلداد" من حزب الاتحاد الوطني، برسالة إليه-اي الى نتنياهو- يطلبون منه فيها "أن يضم ضمن خطته تأهيل المواقع التراثية ضم مواقع أثرية في أنحاء الضفة الغربية"، وبارك رؤساء اللوبي لنتنياهو خطته الوطنية لتأهيل وتقوية المواقع التراثية، والتي عرضها أمام مؤتمر هرتسيليا.

وجاء في فحوى الرسالة: "عدد كبير من المواقع التراثية المهمة لشعبنا تتواجد في أراضي الضفة الغربية، ومن اللائق ضم هذه المواقع التراثية إلى خطتك هذه"، وتضمنت الرسالة أيضا مطالبة اللوبي، نتنياهو ب"ضم مواقع تراثية في خطته، منها حسب العقيدة اليهودية، الحرم الإبراهيمي في الخليل، وقبر راحيل في مدينة بيت لحم، وقبر يوسف في نابلس، وأيضا قبر النبي شموئيل"، كما طالب أعضاء الكنيست ب"ضم عدد من المواقع الأثرية في جبل الخليل بالمدينة القديمة ومغارات "كومران" في البحر الميت، وجبل عيبال في شمال مدينة نابلس، وجبل جرزيم "النار" جنوب مدينة نابلس، وموقع القطار في قرية سبَستيا، ومنطقة سوسيا في الخليل".

وقال أعضاء الكنيست في رسالتهم: "هذه المواقع ليس لها بديل، وهي أساس بقائنا كشعب"، مؤكدين على "أهمية وضرورة تأهيل وتقوية الصلة بها، لأنها –وبحسبهم- تضمن مستقبل شعب عاد لأرضه بعد ألفي سنة من الاغتراب".



احتفالات توراتية في قلب الحرم



ويدعي المستوطنون" إن لهم حقا توراتيا في الخليل، ويعتبر مستوطنو الخليل أنفسهم "روادا يعيدون إنشاء مجتمع هجره أفراده بسبب مذبحة مات فيها 67 يهوديا على يد العرب عام 1929. ومنعت السلطات البريطانية التي كانت تحكم فلسطين آنذاك اليهود من العودة".

وعلى هذه الخلفية الايديولوجية المزعومة، شارك نحو 20 الف مستوطن في "إحتفال" بضم مسجد الحرم الإبراهيمي لقائمة "الميراث الإسرائيلي"، وجرى الإحتفال في الحرم بمشاركة اعضاء في الكنيست ونواب وزراء من الأحزاب اليمينية بما فيها حزب "ليكود".

ولاحقا وفي السياق الاحتفالي كذلك، أقام لواء "جفعاتى" التابع لجيش الاحتلال الإسرائيلى، حفل تخريج دورة تأهيلية لمجندين جدد انضموا إليه داخل الحرم الإبراهيمى فى مدينة الخليل، كخطوة استفزازية للفلسطينيين ومشاعر المسلمين فى العالم، وأوضحت صحيفة يديعوت أحرونوت"أن الحفل بدا وكأنه مهرجان عسكرى عادى، حيث تنقل قائد الكتيبة بين الجنود، بينما أكد المتحدثون أن هذا الاحتفال غير عادى لأنه يقام داخل باحات الحرم الإبراهيمى، أحد المواقع الأثرية الإسلامية فيما قام أهالى الجنود بالتقاط الصور التذكارية مع أبنائهم"، وقال أحد الجنود الذين تخرجوا من هذه الدورة: "إن الأجواء كانت رائعة وأن على كل جندى أن يقوم بزيارة الحرم الإبراهيمى".

كما أقام المستوطنون حفلا صاخبا في باحات المسجد الإبراهيمي الشريف "استخدموا فيه الألعاب النارية والموسيقى الصاخبة وسط حلقات الرقص وذلك ضمن حفلاتهم السنوية التي تقام في مناسباتهم الدينية، ودعوات وزرائهم لتكثيف زيارة المستوطنين إلى الحرم ضمن سلسلة المصادرة والضم التي تمارسها حكومات الاحتلال ضد أملاك الفلسطينيين في المدينة"، و"تجمع مئات المستوطنين أمام الجيب الاستيطاني "أبراهام أبينوا" في قلب الخليل وعقدوا أيديهم وقاموا بأعمال رقص وعربدة وانطلقوا يرشقون الفلسطينيين ممن تبقى في البلدة القديمة بأقذع السباب والشتائم وسط دعوات عنصرية لقتل العرب، والمسيرات جابت شارع السهلة، وشارع الشهداء وشارع الإخوان المسلمين وقد ردد المشاركون فيها عبارات التنديد والتهديد ضد الفلسطينيين"، وقد شارك في المسيرات أقطاب التطرف ، باروخ مارزيل وتلاميذ المتطرفة عنات كوهن وغيرهما ممن يجندون عناصر التطرف ويحشدون لقمع أي وجود فلسطيني داخل البلدة القديمة.

وخلال تلك المسيرات "هاجم المستوطنون عدة أحياء في البلدة القديمة منها حي تل الرميدة وباب الزاوية وشارع الشلالة القديم ومربع السوق وحي جابر ومحيط مستوطنة حجاي، حيث هاجموا المنازل بالحجارة والزجاجات الفارغة وحطموا نوافذها واعتدوا على سكانها، كما هاجموا سيارات الفلسطينيين المتواجدة في الأحياء المذكورة وحطموا زجاجها وفرضوا حالة من الرعب والخوف ضد المواطنين".



المشهد مفتوح على المزيد



يضاف الى كل ذلك ما يقوم به جيش الاحتلال الى جانب المستوطنين من اعتداءات على المساجد والاماكن التراثية الفلسطينية، فقد ذكرت المصادر الاعلامية على سبيل المثال " ان الجيش الإسرائيلي اقتحم عدة مساجد في مدينة الخليل وأجرى عملية تفتيش واسعة النطاق داخلها "، وقالت مصادر أمنية فلسطينية

"أن قوة إسرائيلية معززة بآليات عسكرية إقتحمت مدينة الخليل وشنت عملية تفتيش إستهدفت عدة مساجد في أحياء متفرقة من الخليل وعبث بمحتوياتها".

والمشهد في مدينة خليل الرحمن مفتوح على المزيد من سياسات السطو التراثي والتطهير العرقي ضد أهل الخليل، تلك السياسة راسخة محمومة متصلة تقف وراءها كافة الحكومات والقوى السياسية الإسرائيلية من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها، وتتكامل فيها ممارسات دويلة المستوطنين الإرهابية ، مع سياسة الانتهاكات والاعتداءات والعقوبات الجماعية التي تنفذها أذرع الاحتلال الاخطبوتية في كل مكان.

وفي المشهد كذلك، نوثق ابزر وأخطر أشكال الانتهاكات والاعتداءات والجرائم التي اقترفتها سلطات الاحتلال ودويلة المستوطنين الإرهابية ضد الخليل وأهلها، وهي بالتأكيد تلك التي نفذت ضد الحرم الإبراهيمي الشريف ، حيث تشير المعطيات إلى أنها كانت شبه يومية وبأشكال مختلفة مثل الاقتحام أو التسلسل أو منع العرب من الدخول ، أو خلع بلاط المسجد ، أو تدنيس السجاد ، أو التشويش على المصلين العرب وغير ذلك الكثير الكثير من الانتهاكات والاعتداءات والجرائم الواردة بالتفصيل في ملحق خاص بالانتهاكات ضد الحرم الإبراهيمي الشريف ، ولم تتوقف اعتداءات وجرائم المستوطنين والجيش معاً ضد الحرم الإبراهيمي منذ ذلك التاريخ .



هكذا نفذت المجزرة في قلب الحرم



وعودة الى واقعة المجزرة المروعة، ففي صباح الجمعة الموافق الخامس عشر من شهر رمضان 1414 هجري ، الموافق 25/2/1994 ، وأثناء صلاة فجر ذلك اليوم تسلل المستوطن الإرهابي باروخ غولد شتاين مرتديا الزي العسكري حاملاً سلاحه ، متخطياً جميع المشاعر والقيم والمبادىء وباشر بإطلاق الرصاص على المصلين الركع السجود ، فسقط العشرات منهم ، وبلغ عدد الشهداء في تلك المذبحة تسعة وعشرين شهيداّ داخل المسجد ، وواحد وثلاثين خارجه ، ووقع أكثر من مائة وخمسين جريحاً .

تضرجت رحاب الحرم الإبراهيمي الشريف بدماء المصلين الطهر الأبرياء .

وشكلت هذه المذبحة البشعة بلا وصف ، ذروة الإرهاب الدموي الذي قارفته دويلة / عصابات المستوطنين اليهود في منطقة الخليل ، وفي أعقاب المذبحة، فرضت سلطات الاحتلال منع التجول على المدينة ، وأخذ اليهود يرتبون الأمور داخل الحرم وفق أهوائهم ليحيلوه إلى كنيس يهودي بحجة الفرز بين المسلمين واليهود ، وأدخلوا الكثير من التغييرات على وضع الحرم ، بغية تهويده وتكريس هذا التهويد كأمر واقع ودائم.



المجزرة كما رواها شهود عيان:



وحتى لا نتوه في كم هائل من التفاصيل المتعلقة بالمذبحة ، فإننا نوثق هنا تـفاصيل المذبحة كما رواها عدد من الجرحى والشهود العيان :

.. مخازن رصاص ودماء واشلاء

قال شهود عيان أن المستوطن الإسرائيلي الذي ارتكب مذبحة المسجد الإبراهيمي نفذ عمليته على مرأة ومسمع جنود يحرسون المسجد والذين لم يحركوا ساكناً لمنع القاتل الذي استخدم عدة خزانات ذخيرة ونفى الجيش هذا التقرير .

وقال محمد سليمان أبو صالح وهو أحد خدام المسجد وعمره ( 22 عاماً ) أن 500 مصل على الأقل كانوا بمسجد الحرم الإبراهيمي الشريف لحظة وقوع الحادث .

و قال أن المسلح " كان يحاول قتل أكبر عدد ممكن وتناثرت الجثث على أرضية المسجد وتلطخت بالدماء . حاول مصلون كانوا ساجدين في ذلك الوقت الهرب هلعاً ووقع بعضهم على الأرض " .

وقال هاني أبو عشيش في وقت لاحق خارج مستشفى الخليل حيث قام رجال الاسعاف حوله بنقل الجثث على محفات " كنا على وشك أداء الصلاة وبدأ في إطلاق الرصاص " .

وقال أبو عشيش " أن المسلح الملتحي كان يرتدي غطاء الرأس اليهودي التقليدي.

وقال شهود أنه اطلق خمس مخازن من الذخيرة .

وقال موظف إغاثة فلسطيني بالأمم المتحدة كان بداخل المسجد للصحفيين بعد ساعات من الحادث " درجات السلم مغطاة بالدماء بل توجد اشلاء " .

وتوقفت الحياة في الأراضي المحتلة التي يعيش بها نحو مليوني فلسطيني، وأغلقت المتاجر بينما قام السكان بدفن شهداء المذبحة .

أما في المستشفى الأهلي في الخليل فقد كان الوضع شاهداً على الجريمة البشعة، الشهداء والجرحى الفلسطينيون في مجزرة الحرم الإبراهيمي كانوا هناك، وكان أيضاً هناك بالإضافة إليهم ضحايا رصاص الجنود الإسرائيليين المتمركزين بالقرب من المؤسسة الطبية .

الفوضى كانت عارمة وشاملة، مئات الفلسطينيين من أبناء الخليل تدفقوا فور انتشار نبأ المجزرة للسؤال بقلق وخوف لا حدود لهما عن مصير قريب .

اتى أخرون لتقديم الدماء وتزاحمت الشاحنات الصغيرة المنطلقة بأقصى سرعتها والمطلقة أبواق الإنذار لنقل أدوية وضمادات جمعها صيادلة المدينة بالإضافة إلى ما تيسر من عبوات الأوكسجين والمياه المعدنية فيما كانت سيارات الإسعاف تطلق صفاراتها محاولة شق طريقها إلى المستشفى .

الفلسطينيون الذين تملكهم الغضب، أخذوا يقذفون الجنود الإسرائيليين على حافة الطريق المحاذي للمستشفى بالحجارة وبشعارات النار والفداء " بالدم وبالروح نفديك يا شهيد " .





الجنود شاركوا في المذبحة



ويواصل عدد آخر من الشهود العيان الذين عاشوا تفاصيل المذبحة الرهيبة :" سمعنا اثناء السجود صوت انفجار مكتوم .. تبعه انفجار اخر .. ثم انهال علينا الرصاص من كل صوب .. وفوق رؤوسنا كانت الرصاصات تئز كأنها أسراب نحل تجوب المسجد " .

يغمض محمد زياد جابر ( 28 عاماً ) عينيه وهو يتذكر ما حدث خلال المجزرة التي وقعت أثناء صلاة الفجر يوم الجمعة في الحرم الإبراهيمي .

ويضيف " علمت فيما بعد أن الانفجار المكتوم هو قنابل يدوية انفجرت في أجساد الساجدين فأصدرت صوتاً مكتوما، كما شاهدت الحاقد اليهودي باروخ غولدشتاين الذي نسبت إليه المصادر الإسرائيلية مسؤولية المجزرة ، وهو يختبىء خلف عمود ويطلق النار على المصلين ، إلا أنني التفت عندما أصابتني رصاصة من الجهة المقابلة ، نظرت فشاهدت مستوطنين أخرين يطلقون النار " .

ويقول جابر " حاول سليم ادريس الانقضاض على القاتل، إلا أنه استشهد عندما هاجمه مستوطنون أخرون فتحوا نيران أسلحتهم عليه لحماية زميلهم " مؤكداً أنها لم تكن مجزرة واحدة بل ثلاث مجازر " . وأشار إلى أن المجزرة الأولى وقعت داخل الحرم ، بينما وقعت الثانية في ساحة الحرم أما المجزرة الثالثة فقد وقت في محيط المستشفيات و داخل المقابر . ويضيف : الجنود شاركوا في المجزرة أكثر من المستوطنين " .

أما الشاب طلال حامد أبو سنينة " 33 " عاماً والذي أصيب بعيارات نارية في الكتف واليد اليسرى فيقول " أن النيران اطلقت على المصلين من أكثر من جهة وشارك فيها أكثر من مصدر " .

ويضيف " شاهدت مستوطناً يطلق النار فيما وقف بجانبه مستوطن أخر يرتدي زيا مدنياً وهو يقوم بتعبئة وتجهيز بندقية أخرى عندما توجهت لجندي كان يقف للحراسة على المدخل والدماء تسيل مني ، وعندما طلبت منه النجدة ركلني " .

ويؤكد أبو سنينة أنه " بعد النداء الاستغاثة ووصول الناس بدأ الجنود بإطلاق النار بشكل كثيف في ساحة الحرم حيث وقعت المجزرة الثانية .



تقسيم الحرم الإبراهيمي

وكان من أخطر تداعيات المذبحة وتقرير لجنة التحقيق الإسرائيلية، على أوضاع أهلنا في مدينة خليل الرحمن، وعلى أوضاع الحرم الإبراهيمي الشريف أن كرست سلطات الاحتلال حالة التقسيم و الهيمنة والتهويد التي قامت وتراكمت على مر السنين جراء مخططات وإجراءات التهويد في المدينة .

حول حالة تقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف والهيمنة اليهودية عليه ، نوثـق فيما يلي تقريراً نشرته مجلة البيادر السياسي المقدسية :

" الترتيبات الأمنية المشددة التي اتخذتها حكومة رابين لم تستشر فيها أي رجل مسلم ولا أي رجل من أبناء خليل الرحمن الأمناء الحقيقيين والمخلصين للحرم الإبراهيمي منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، كما أنها لم تستـشر الأوقاف الإسلامية الحارس الأمين للحرم منذ قرون طويلة، وهي وضعت هذه الترتيبات ونفذتها وفقاً للمصلحة العليا لإسرائيل ووفقاً لمصلحة خدمة المستوطنين أولاً وآخراً وسعيا إلى تهويد الحرم بكامله في مرحلة لاحقة .

لقد جاءت السيطرة الإسرائيلية على الحرم الإبراهيمي الشريف تدريجية وفقاً للمخطط الأساس الذي قامت عليه دولة إسرائيل نفسها منذ البداية، ففي البدء كانت المطالبة بالسماح لليهود بزيارة مقامات الأنبياء الثلاثة وزوجاتهم إبراهيم ويعقوب واسحق عليهم السلام ، وشيئا فشيئا تمكنوا من المطالبة بان يكون لهم مكان خاص بهم للصلاة ، ولو في أوقات وأماكن محددة ، ثم قامت السلطات الإسرائيلية وبحجة الأمن التي طالما استخدمتها لتحقيق أغراض شتى ، قامت بوضع حراس من جيش الاحتلال وحرس الحدود بحجة حماية أمن المصلين المسلمين ومنع الاحتكاك بينهم وبين المصلين اليهود . وبعد ذلك تم إعطاء اليهود وبخاصة المستوطنين المتطرفين وحاخاماتهم الحق في دخول الحرم في كل وقت وظرف . وكان ان بدأت شكاوى المسلمين من تصرفات المستوطنين والجيش وحرس الحدود ولكن لا حياة لمن تنادي ، كما أعلن ذلك المسلمون دائما عبر رجال الوقف الإسلامي العاملين في الحرم او حتى ضمن بيانات رسمية كانت الهيئة الإسلامية العليا و إدارة الأوقاف الإسلامية تصدرها لفضح ممارسات المستوطنين وصمت السلطات الإسرائيلية على تلك الممارسات .

ونتيجة لذلك تمكن المستوطنون من الدخول بأسلحتهم فـكانت مجزرة الحرم الإبراهيمي ، التي اتخذت ذريعة لتقسيم الحرم فعليا قسمة جائرة وظالمة لا يقرها أي عرف أو قانون وضعي أو سماوي ، حيث منحت سلطات الاحتلال المستوطنين الفئة الظالمة والمعتدية القليلة العدد ما نسبته 55% من مساحة الحرم وضريحين من أضرحة الأنبياء من أصل ثلاثة ، فيما منح السلمون 45 % وضيق عليهم بشكل واسع .

إن إسرائيل ما كانت لتقوم بهذا العمل لولا الصمت العربي وانعدام الحيلة الفلسطينية إزاء الممارسات الإسرائيلية ليست ضد الحرم الإبراهيمي الشريف بل ومن قلبه ضد الحرم القدسي الشريف وضد حقوق الشعب الفلسطيني بشكل عام، ورغم صدور قرار مجلس الأمن رقم 904 الذي طالب بحماية الفلسطينيين وبالمحافظة على ممتلكاتهم إلا أن إسرائيل وبدعم أمريكي تمكنت من تفريغ القرار المذكور من مضمونه، وإزاء عدم قدرة السلطة الفلسطينية أو حتى العالمين العربي والإسلامي من فعل شيء ضد الممارسات الإسرائيلية والتي تمثلت أولاً بمعاقبة المصلين المسلمين وحرمانهم من الصلاة في أحد أهم مقدساتهم كعقاب جماعي لهم بدلاً من معاقبة المستوطنين ومنعم من دخول الحرم باعتبارهم أساس البلاء والداء في منطقة الخليل كافة . واستغلت إغلاق الحرم لأجل تقسيمه بصورة تخدم مصالح المستوطنين واليهود بعامة في الحرم الإبراهيمي الشريف . فكانت هذه القسمة ثم كان من حكومة رابين إن وضعت أجهزة مراقبة وتفتيش لم يسبق لها مثيل " .

ولم تكن عملية تقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف المشار إليها أعلاه سوى الخطوة التتويجية لمسلسل من القرارات والإجراءات الاحتلالية الرامية إلى تهويد الحرم.

*استخلاصات وعبر

على أرضية التفاصيل والوقائع اعلاه التي تغطي سياسات الاعتداءات والجرائم الاحتلالية ضد الحرم الإبراهيمي الشريف، والمجزرة البشعة التي اقترفت فيه فإننا يمكن أن نثبت الخلاصة المكـثفة التالية :

أولاً : إن كافة الجرائم التي اقترفت ضد الحرم الإبراهيمي الشريف، والتي توجت بالمجزرة المروعة ضد المصلين العرب، لم تكن لتقع أصلاً لولا تلك النوايا والمخططات والسياسة والإجراءات السافرة التي تستهدف تهويد الخليل والهيمنة عليها هيمنة كاملة . وهي لم تكن لتقترف أيضاً لولا وجود دويلة المستوطنين الإرهابية المنـفلتة ، ولولا الغطاء والدعم الشامل الذي تقدمه سلطات الاحتلال الإسرائيلي لها .

ثانياً : إن مسلسل الجرائم المتصل ضد الحرم الإبراهيمي ، وأن تلك المذبحة ، قد وقعت كلها في إطار صراع الإرادة و الوجود والهوية والانتماء الدائر على أرض الخليل . وما زال الصراع مستمراً مفتوحاً .

ثالثاً : لقد حرصت سلطات الاحتلال ممثلة بالحكومة الإسرائيلية على توفير الغطاء الكامل والشرعية الإسرائيلية للجرائم والمذابح التي اقترفها ويقترفها المستوطنون و الجنود .

وقد أعطى تقرير لجنة " شمغار " الشرعية للمستوطنين بقتل المزيد من العرب ، حيث أعفى الحكومة والجيش والمستوطنات من مسؤولية الجريمة / المذبحة ، وحملها فقط لمرتكبها الإرهابي غولدشتاين.

كما ساهم كبار الحاخامات اليهود بمنح الشرعية لإرهاب المستوطنين ضد العرب ، وقتلهم بالجملة ، حيث أعلن على سبيل المثال أحد كبار الحاخامات خلال حفل تأبين غولدشتاين : " إن مليوني عربي لا يساوون ظفر يهودي واحد "، مما دفع حشد الحضور من المستوطنين وقادة الجيش و المخابرات ومسؤولين من السلطات الإٍسرائيلية إلى الهتاف بصوت واحد : " كلنا غولدشتاين " .

رابعاً : وكان من أخطر تداعيات المجزرة أن أقدمت حكومة رابين آنذاك على تقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف ، مما شكل سابقة خطيرة في الاستيلاء على المقدسات الإسلامية وتهويدها .

كما أن تقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف يشكل خرقاً لكل المواثيق والأعراف الدينية والدولية في العالم ، إذ أنها أول مرة يجري فيها اعتماد مكان عبادة لديانتين في آن واحد ، الأمر الذي يحمل في ثناياه خطراً بأن تطالب الجمعيات والتنظيمات اليهودية بأي مكان مقدس آخر بحجة الحق التاريخي المزعوم .

وخلاصة الخلاصة...ان حملات التهويد الشامل في مدينة الخليل ترتقي الى مستوى التطهير العرقي والسطو التراثي ، مما يهدد مستقبل المدينة.

اهل خليل الرحمن صامدون في مواجهة السطو الصهيوني، في الوقت الذي يستصرخون فيه ضمائر وهمم العرب والمسلمين والمجتمع الدولي...فهل نرى يا ترى يقظة عربية اسلامية حقيقية قريبة من اجل فلسطين والقدس والخليل...؟!

التاريخ : 15-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش