الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التقدم الحضاري ومتلازمة النقد

تم نشره في الجمعة 22 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

 د. عصر محمد النصر

على الرغم من شدة تعلقي بالقلم وحبي للكتابة إلا أنني كثيرا ما أقف حائرا بين أنواع الرغبات, حيث يؤرقني السؤال نفسه كل مرة, ماذا أكتب ؟ وماذا أقدم ؟ و ما الذي يحتاجه الواقع ؟ وما الذي يقبل أو يرد ؟ هي جملة أسئلة أعالجها في نفسي في كل مرة أريد الكتابة فيها, نعم لدي اهتماماتي العلمية التي أحب التعبير عنها, ولكن رغبتي في تقديم نموذج للكتابة الشرعية التي تُعنى بجانب تصحيح السلوك الاجتماعي هي الأقرب إليّ, وبعيدا عن الإغراق في الذاتية فإن الناظر في الشأن الثقافي يرى شدة الاهتمام بالنقد والمبالغة فيه, ورواج هذا النوع من الكتابة على حساب غيرها, يأتي ذلك كنوع من التعبير عن رغبة في مجاراة الواقع ومحاولة التغير فيه, ولست أنكر هنا أهمية النقد وإنما إشارة إلى المبالغة فيه, وأهم من هذا وضعه في غير موضعه الصحيح, بل أصبح يمثل ظاهرة منتشرة في أوساط المثقفين والكتاب.

من الحقائق المتقررة في هذا الباب أن النقد لا يراد لذاته وإنما يؤتى به للتميز بين أمرين متداخلين, يكون في تداخلهما نوع خطأ, وهذا بطبيعة الحال يقتضي من الناقد قدرا من المعرفة التي تؤهله للقيام بعملية التميز, كل مجال وشروطه الخاصة به, وغياب هذه القدرة أو النقص فيها يعود على عملية النقد بالضرر, ولما كان موضوع التدين والثقافة من المجالات الواسعة في التأثر والتأثير شهدت عملية نقد واسعة, ومع قابلية هذا المجال للنقد كغيره من المجالات التي تتداخل فيها الأصول مع السلوك والعادات, وتطرأ عليها التغيرات فقد تطرق إليها النقد بصورة واضحة, حتى دخلها نوع مبالغة خرجت إلى نقد الدين نفسه أو الصحيح من الممارسات لدى أهله, ولذلك أحتاج هذا الأمر إلى انضباط وشرطت له شروط, فلهذا الباب شرط مهم لا يُقبل النقدُ إذا فقد من ذلك : الإيمان, واستدعاء الإيمان في هذه الحالة أمر مهم فعملية التقييم تجري بين حضارتين وثقافتين متباينتين,  فصحة الإيمان أهم السبل الموصلة إلى النقد الصحيح, فإيمان الناقد بالدين الذي بعث الله سبحانه به نبيه صلى الله عليه وسلم ركيزة مهمة في عملية النقد, ومن هذا الباب إيمانه بإلهية هذا الدين, وصلاحه لكل زمان ومكان, وحفظ الله له, ومن ذلك أن فيه من الأحوال ما لا تدركه العقول على التمام والكمال, وإنما يؤخذ على سبيل التسليم للعليم الخبير, والإيمان كذلك بمفارقته للمذاهب الوضعية التي تتشكل وتتصور وفق رغبات أصحابها, واستحضار هذه المسألة في غاية الأهمية عند القيام بعملية النقد, وباب ذلك صحة العلم وسلوك طريقه الصحيح, فلكل علم حقيقة وحقيقة العلم الشرعي هو ما جاء به الوحي ونقله الصحابة والتابعون والأئمة من بعدهم, وكلما كان الناقد أبصر بالعلم وأشد اطلاعا عليه وممارسة له كان أقدر على القيام بعملية النقد لما هو طارئ عليه وملتصق به مما ليس منه, وعلى قدر النقص في ذلك تضعف عملية النقد, ومن نواقض هذا الشرط ممارسة النقد بأدوات غريبة عن حقيقة العلم وتنزيله منزلة المذاهب الوضعية من غير مراعاة لخصائصه الشرعية والتي تتعالى عن حدود العقل البشري, ومن الشروط المهمة أيضا وجود السبب المقتضي للنقد, كوجود الدخيل في أبواب العلم والعمل, وهذا الشرط مبني على ما سبقه من الشروط, فإدراك إلهية الإسلام وصحته وسلامة العلم الذي نقل به عبر الأجيال يعين على تقويم كل سبب طارئ هل يستوجب النقد أم لا ؟ من ذلك تعارض العلم والدين, حيث ظن بعض الناس أن الدين يمنع من العلم ويحول بين الأمة والتقدم, وهذا منتج نشأ في بيئة معينة مثّل نوعا من الصراع بين سلطة المستبد وأبناء المجتمع, فهو خاص بتلك البيئة لا يتعداها, بل لا توجد شريعة تمنع من العلم والتقدم, إلا ما كان في أذهان بعض من حرّف وبدل, فالخطأ إذن في تعميم هذا النمط ثم تطلب نقد الثقافة السائدة على اعتبار وجوده فيها, والسؤال هنا : هل الدين في أصله مانع من التقدم ؟! وما هي علاقة الدين بالتقدم والحضارة؟! والحقيقة أن الدين في أصله لا يمنع من العلم أو التقدم والحضارة, ولم يتقدم من تقدم لأنه ترك الدين, وإنما تقدم لأخذه بأسباب التقدم ولعمله على وقف السنن التي أودعها الله في كونه, فقد رأينا من لا يؤمن بدين يحط رحله على القمر!, ومن يعبد الأصنام يتقدم في العلم والصناعة ! , وبالعودة إلى أمتنا وديننا وثقافتنا, فإن هذه الأمة هي أكمل الأمم في هذا الباب وأقدرها, فلا يوجد في ثقافتنا ما يمنع من العلم والتقدم, بل في نصوص الوحي ما يحث على ذلك, قال تعالى :«وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا»(طه, الآية 114), وقال تعالى :« وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »( الجاثية, الآية 13), وفي الحديث :« مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ »( صحيح) وأعظم ما في هذا الباب تلك الحضارة التي شيدها أهل الإسلام في قرون مضت وما زالت مشاهدها قائمة تشهد على ذلك, وقد أقر كثير من المستشرقين بأثر العلوم الإسلامية في النهضة التي قامت في أوروبا, فليس بين الموروث القيمي والمنجز الحضاري أي تعارض, وإنما هناك حث عليه وتوجيه له بحيث يتوافق ورسالة الإسلام ومبادئه, وإنما دخل الخلل عندما تأثر بعض أبناء الأمة بالثقافة الوافدة وأنزلوها في غير موضعها الصحيح, حتى بلغ التأثر إلى درجة تعظيم منتجات الحياة المادية على البعد الروحي الذي يعبر عن علاقة الإنسان بالله سبحانه من جهة وعلاقته بمجريات الحياة وتقلباتها بكل ما فيها من همّ وصعوبة من جهة أخرى, وما قد تورثه هذه العلاقة من شيء من الانقطاع إلى التعبد الذي لا تستغني عنه النفس في سيرها إلى الله تعالى, وهذا من متطلباتها المهمة التي توازن بين الروح والجسد, وقد يبلغ هذا الأمر إلى حد الإكثار من عبادة ما يتقرب بها الإنسان إلى ربه, وفي التاريخ أمثلة كثيرة حفظتها لنا كتب التأريخ والسير, فتجد من يصوم ويكثر من الصيام حتى لا يكاد ينقطع, ومن يقوم الليل ولا يفتر, وليس هذا بمستغرب, فما زالت القلوب تقف على حقائق الوجود وعظيم صفات خالقها حتى يفضي بها إلى نوع انقطاع تعبيرا عن فقر وحاجة إليه سبحانه, وقد صح عن سيد الخلق أجمعين قيامه حتى تتفطر قدماه, وفي الحديث:« لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»(البخاري), وليس هو شأن جميع الناس, وإنما يعمل كل واحد بما يستطيعه كشأن سائر أمور التكليف, ولكن تبقى منزلة الاقتداء محفوظة للأجيال لا يمنعها تقصير مقصر أو جهل جاهل, وإنما المقصود أن التأثر غير المنضبط بالثقافة الوافدة قد يصل بصاحبه إلى التنكر لمثل هذا وعدّه من جملة المعوقات عن التقدم, و المانع من حسن التدين والعمل, حيث فات التوجيه الصحيح للفعل.

وفي الختام؛ فإن الأمم كل الأمم تدخل في حالة من الصعود والهبوط, والعلمُ كمنتج معرفي يدخله ما ليس منه, وكذا السلوك قد تدخله الانحرافات, مما يستدعي وجود النقد بشروطه المتقدمة, إلا إن الانحراف فيه وعدم التمييز الصحيح لمساحاته هو نوع من الانهزامية أمام الواقع من شأنه تعميق المشكلة الثقافية لا حلها.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش