الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

امنحني الوقت هكذا قال الشاب الأردنيّ.

تم نشره في الجمعة 22 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

حلا السويدات *



حاليًّا، يعيد بعض الشّباب في الأردن (وأنا منهم)  تكوين أسئلة جديدة تتلاءمُ مع الأوضاع الحاليّة، تتعلق بالمتعلقات اليقينية حول الأفكار الكبرى، تلك التي كانت بدهيّة في فلسفات الحكمة والتأمل والاستغناء عن الملذات والحروب اليوميّة غير ذات الجدوى، والّتي تأخذ طابعًا زهديًّا وروحيًّا، والتي توارثها المتأملون في عصور أخرى، رغم الاختلافات العصرية والظروف المستجدة، كان ثمّة تجديد داخل القالب النفسيّ ذاته، كأن يكون الطريق واضحًا والطريقة ذات صورة معروفة، يتمّ تجاوزها للبحث عن المعرفة واليقينيات، إلا أنه، الآن، لم يعد ثمّة متسع للطريقة، ونحن لا نتحدث هنا عن اختبار مرحلة ما بعد الطريقة والتي يفترض أن نتحدث عنها، بل نحن نتحدث عن مرحلة ما قبل الطريقة، واتجاهات الحركة الفرديّة الشبابيّة المفصومة، والمسلوبة، من قبل واقع معيشي ضيّق، وعنيد، لا يطيع المحاولات بالتعايش، ومحاولات التطوير والبحث المخلص عن المعرفة، لأنه علينا بشكل أو بآخر، إيجاد مصباح علاء الدين لكل واحد، يؤمن لنا كفاف يومنا، ويسدّ طاقة الالتزامات الكثيرة، الّتي لا تنتهي، ويؤمّن لنا فائض في الراتب والمستحقات المالية، يجعلنا نمارس الترف الذي تقتضيه العملية المعرفية (كتب، مكتبات، جلسات نقاشات، ثمن القهوة والشاي، لقاءات في مختلف مناطق الأردن _ إخلاصا للفكرة).

ببساطة، ما يتقاضاه البعض من رواتب، في مجتمع طبقيّ صرف، يضيّع السنين في محاولة تجاوز هذا الضعف في الواقع اليوميّ، فينتشر اليأس في نفوس البعض، حتامَ نحن نساري النّجم في الظّلمِ وما سراه على خفّ ولا قدمِ/ المتنبي، بل وتتخذ المنتجات المعرفية التي تمارَس في الوقت المسروق من اللاوقت هذا الطابع، وتنجذب الأسئلة إلى واقعها، كانجذاب التفاحة إلى الأرض قسرًا لا خيارًا، وهنا نفقد خيار التأمل، ونصير نفرز بشكل سريع الجمل الأنسب، والأكثر عمقا، بشكل نسبيّ. ربّما بشكل أو بآخر لا يدرك الجميع أبعاد ما أتحدث عنه، لكن، أعرف من أعرف من الّذين سُرق منهم الوقت دون أن يعرفوا في أي وجهة هم، وجهة حصد المال القليل لتحسين أوضاعهم أو وجهة المعرفة.

كثر من أعنيهم، يعملون في المؤسسات، في أي مؤسسة تستنزف منهم طاقتهم النفسية والجسدية، يسألون، هل سيتاح لنا الوقت الذي نعيد فيه تعليم أنفسنا من جديد، دون الاستناد إلى ما ترسّب في رؤوسنا من تعليم مستهلك ومضلل؟ متى يمكن أن يتاح لنا جميعا الوقت، كي نسبر أغوار موروثنا العربي، وأن نقرأ جيدًا أعلامنا، وأن نفهم تاريخ الفكرة، متى يمكن أن نجرؤ على الإجابة عن سؤال « اللغة إلى أين؟ «، دون التفكير بهموم ليست أكبر من ناحية القيمة، لكنّها تسلب منّا الهُوية بدفعنا إلى التقاعس وإلى الاستهلاك النّمطي لوقتنا، بدفعنا إلى الهموم ذاتها، وإلى الخيارات المعيشية الضيّقة، لا خيارات حاليا سوى العمل ليلا نهارا، لكن حتّى متى؟ لا نفكر كيف سننتهي من هذا الدأب، لأنه يبدو طويلاً، ولأنّ صاحب العلم لا يجمع مالاً، لكنّه لا يشحذ طعامه، لا يتشرّد، العربيّ يحفظ كرامته، الشاب الأردني يعمل كي يكون قويًّا، ويحفظ في كرّاسته شبح جيفارا، وكاسترو، وأغاني خالد الهبر، أغاني فرقة العاشقين، والعرّاب المعترض «زياد الرحباني».  

إنه همٌّ فوق يوميّ، يريد أن تفعّل وزارة الثقافة مثلاً، قرار الإجازة المادية التي تمنح للكتاب الشباب مقابل الإنجاز المعرفيّ، وأن يرأف بنا الرأي الثقافي قليلا، أن نُعطى الفرصة، وأن لا تحتكر الألقاب رابطة الكتاب، وأن يترك مجال للشباب المبدع، دون حاجة إلى وساطات العبارات الجاهزة والانتماءات المنقسمة في ذاتها، الهمّ أن لا تستنزفنا فكرة أن نصنع واقعا جيدا، وتظل تستنزفنا حتّى وقت ندرك فيه أننا لم نقرأ بالشكل المفروض، ولم نكتب ولم نمنح الوقت للتعبير عن هواجسنا التي أنتجانها عن بحث، لا عن ردود أفعال سريعة ويومية.



* كاتبة من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش