الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اكد في حوار مع الدستور اننا نعاني من ندرة الوعي السياسي رغم الثرثرة السياسية * ابوعودة :انا لست معارضا بل متقاعد ولن اعيد تجربة تشكيل حزب

تم نشره في الخميس 16 كانون الأول / ديسمبر 2004. 02:00 مـساءً
اكد في حوار مع الدستور اننا نعاني من ندرة الوعي السياسي رغم الثرثرة السياسية * ابوعودة :انا لست معارضا بل متقاعد ولن اعيد تجربة تشكيل حزب

 

 
* المشروع الامريكي للمنطقة هدفه تفكيكها وديمقراطيته اقرب الى الشكلانية
* العرب فشلوا في انجاح مشروع التحديث والردة على الديمقراطية بدأت مع الانقلابات
* النموذج اللبناني في التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي لن ينجح فلسطينيا
* بوش سيستمر في رفع الهراوة ضد سوريا وايران ولو نجح في العراق لاستخدمها
* الخمسينيات مرحلة حملت الامال والنفط اشاع مفهوم الخلاص الفردي
* لينسى المرشحون لرئاسة السلطة ارث عرفات لانه غامض وله تفسيرات عدة
* قصدت في حديثي عن المقيم في اي بلد عدم اهتمامه بالشأن العام وتفسير الناس لذلك شيء اخر
* سجل شارون لا يدل على انه شريك سلام حقيقي
* العنف ليس منتجا عربيا وسببه استمرار الاحتلال وجميعا نحس بالجور الدولي
- حاوره : بسام الهلسه: يصف عدنان أبو عودة، الشخصية السياسية المعروفة والوزير الأسبق، نفسه بأنه »مراقب« لما يدور .. وكمراقب يذكِّر بأن »رقصة التانغو« تحتاج إلى شريكين وكذلك السلام ! وفي هذه الزاوية يبدو أبو عودة متشائماً من موقف شارون ذي التاريخ المعروف، تماماًَ كتشاؤمه مما يود بوش عمله في العراق خلال ولايته الثانية، حيث »يخمن« أنه سيمضي في مشروع السيطرة على العراق لأنه لا يمكنه التراجع وخسارة »البلايين«.
وسيستمر في رفع »الهراوة« الأميركية ضد سورية وإيران . وفي الشأن الفلسطيني يثمن أبو عودة في حوار مع الدستور الطريقة »القانونية والمؤسساتية« التي اتبعتها القيادة الفلسطينية الجديدة ويرى أن عليها أن لا تقف عندما أسماه »إرث عرفات« الذي قد يحتمل تفسيرات متعددة . وعوداً على موضوع قديم يقول أبو عودة أن غياب مفهوم المواطنة الصحيح، هو أحد أهم عوامل الضعف العربي والذي أدى مع »النفط« إلى ابتعاد الجماهير عن الاهتمام بالشؤون العامة وشيوع مفهوم »الخلاص الفردي".
ومع تأكيده على الديمقراطية كشرط لنمو الحياة السياسية، فإنه يرى أن الاختيار الفردي الواعي عامل مهم في المشاركة، إضافة إلى وجود الأحزاب السياسية الفاعلة .وهنا نصر الحوار:
المُدرِّس والدروس
* تكتب مقالات في الصحف، وتشارك في حوارات ولقاءات بصفتك محللاً سياسياً، أو عضواً في لجنة إدارة الازمات الدولية، أين يضع أبو عوده نفسه الآن ؟ ما موقعه ودوره؟
- في هذه السن وقد دخلت السبعينات من العمر، وبعد عمل طويل ومتنوع: من مدرس إلى ضابط إلى وزير إلى كاتب، أجد نفسي الآن في موقع الذي يود أن يعطي نتيجة خبرته في المواقف التي يعتقد أنه يستطيع أن يسهم فيها بشيء ما مفيد لقارئه أو لمستمعه، سواء كان فرداً أو مؤسسة أو مؤتمراً ...الخ. أنا لست مهنياً، بمعنى أنني لست محامياً، ولست طبيباً، ولست مهندساً بحيث أنني حينما أتقاعد أعود إلى مهنتي الأصلية . أنا مدرس في الأساس، وقد دربت لأكون مدرساً، وأشعر الآن بأنني في محاولتي إعطاء ما لدي من خبرات، أدرِّس ولكن بطريقة أخرى ..

* وأية دروس تريد أن تعطيها الآن كخلاصة لخبراتك؟
- كما قلت، العمر له أهمية في هذا الموضوع، في هذه المرحلة من حياة الإنسان تتولد لديه نظرة كلية، وتنضج عنده مواقف أساسية من قضايا أساسية . إذا قلت لي المرأة، فلي موقف من المرأة، وإذا قلت لي الحرية، فلي موقف من الحرية، إذا قلت الحكم، فلي موقف من الحكم، إذا قلت الديمقراطية، لي موقف من الديمقراطية، وإذا قلت التربية فلي موقف من مفهوم التربية وموقف من مفهوم التعليم . في هذا العمر، خلاصة التجربة تتخثر في مفاهيم معينة تقودني فيما أقول، وأستهدي بها حينما أقول شيئاً .

من »الحكم« إلى »المراقبة«!
* على ذكر الحكم الذي كنت أحد أعمدته الأساسية، أين موقعك الآن من الحكم؟
- لست في المعارضة بالتأكيد، ولست في الحكم، فأنا متقاعد، أنا مراقب وأقول رأيي من موقع المراقب، وليس من منطلق المشتبك مع الوضع، لا، أنا إنسان أراقب وأولد رأيي من خلال مراقبتي لما يحدث، حسب المعلومات التي تتوفر لدي، قد لا تكون المعلومات كاملة أحياناً فيكون موقفي أيضاً منتقصاً، وقد تكون معلوماتي كافية فأعطي رأياً أفضل وهكذا.

* كمراقب.. ما الذي تقوله حول الوضع الآن في بلادنا ؟
- تجربتي السياسية بدأت مبكرة، وفي سن مبكرة، أقحمت نفسي في العمل السياسي وفي الشأن العام وأنا في العشرين أي قبل خمسين عاماً . في هذه المرحلة، وقد دخلت االثانية والسبعين الآن من عمري، يغريني أن أقارن، في كثير من الأحيان، بين الوضع في الخمسينيات حينما اشتبكت مع العمل السياسي ومع العمل العام، واليوم، فأجد الفرق كبير جداً . كانت الخمسينيات مرحلة تحمل الآمال، آمالاً كبارا، وكان الناس أكثر إندماجاً مع الشأن العام، الآن أعتقد أن الناس أقل إندماجاً مع الشأن العام، وأعتقد أن الفردية هي الطاغية، قد أستعير تعبيراً قرأته في إحدى الصحف، في مراجعة كتاب لأحد كتّاب شمال إفريقيا العرب، الآن المسيطر مفهوم (الخلاص الفردي)، كل فرد يريد أن ينجو بنفسه، يتدبر نفسه ويتدبر أموره، طبعاً على حساب الشأن العام، هو يتدخل في الشأن العام فقط بالقدر الذي يخصه ويتدخل في أو يعترض خطته أو تصوره في خلاصه الذاتي ! هذا هو الفرق، خمسون سنة فعلت فعلها بالبشر . طبعاً لم يكن هذا هو التطور الطبيعي بل هو تغيُّر غير طبيعي .الخمسون سنة شهدت أحداثاً كبرى في المنطقة، أثرت على المواقف الفردية والجمعية معاً، إلى أن وصلنا إلى هذه المرحلة . مثلاً النكبات المتوالية، خروج العرب من نكبة عام 48، كان خروجاً غاضباً وليس يائساً، فأنشأت لديهم حافزاً للتغيير، فنشطت السياسة والعمل السياسي والاهتمام بالشأن العام في الخمسينيات بشكل واضح، أعتقد أن الخمسينات بما عكسته من اهتمام بالشأن العام كانت من نتاج هزيمة عام 48 .

غياب »المواطنة«..
* أليس الإقصاء الذي تنتهجه الأنظمة العربية وتغييب المواطنة والديمقراطية أسبابا أساسية في الابتعاد عن المشاركة في الشأن العام؟
- أعتقد أن مسألة المواطنه مسألة حقيقية، غياب مفهوم المواطنه مسألة حقيقية، وهي في رأيي تقف وراء الضعف العربي العام، واستهانة العالم بالواقع العربي، وغياب تأثير حقيقي للرأي العام في مجرى السياسات جميعها، السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية جميعها . لكن باعتقادي أيضاً أن عامل النفط من أهم العوامل في حياة العرب، وقد ظهر بقوة في فترة الخمسين سنة الماضية..

النفط و »الخلاص الفردي«
* تعني من حيث إشاعته لنمط حياة استهلاكي؟
- الشائع هو ما قلته أنت: نمط الحياة الاستهلاكي، وهذا صحيح . لكن يوجد عامل آخر، برأيي أن النفط كان مولداً لخلل ذاتي في كل فرد أو في معظم الأفراد، لأن النفط سمح للفرد أن ينتقل من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى بمجرد أن يوقع عقداً مع دولة تنتج النفط، ينتقل من طبقة دون الوسطى إلى الوسطى، أو الوسطى إلى طبقة فوق الوسطى بمجرد توقيع عقد ونيل إقامة في بلد ينتج النفط، فهذه الحقيقة أربكت الناس كثيراً، بين من يحظى بتوقيع العقد، ومن لا يحظى به، بعد سنوات تجد الفرق في الحياة الاجتماعية والثقافية ! حتى في الأولويات، الأولويات بين فردين، مثلاً لو أخذنا مدرسين في مدرسة واحدة في الأردن، أحدهما كتب له أن يوقع ذلك العقد، والآخر بقي في مكانه، بعد خمس سنوات تجد أن حديثهما يختلف ! الأول يمتلك سيارة، وتنفتح أمامه آفاق وآماله وتصوراته تكبر، وبعد عشرين سنة يتحدث عن إجازته التي سيقضيها في أوروبا أو في مكان ما ! الآخر لا يفكر بالإجازة أصلاً، ما زال يفكر، في معظم الأحيان، كيف يستدين من صندوق الأيتام حتى يسد ديناً أو يبني بيتاً ..الخ، حدث ارتباك وتراكم هذه الارتباكات في الوطن العربي عمل خللاً، وربما يكون هو المسؤول الأول، عما أسماه ذلك الكاتب الشمال إفريقي، نمو ما يسمى »الخلاص الفردي «. الفرد صار يهتم بنفسه ويبتعد عن الشأن العام، لأن الشأن العام يبعده عن تنفيذ مخططاته الفردية التي يسمح وضعه المادي بتنفيذها .

الاستبداد والخوف ..
* ولكن أين موقع الاستبداد العربي من هذا التحليل؟
- طبعاً لو كانت هناك ديمقراطية حقيقية، وتعددية سياسية، لكانت مثل هذه المظاهر موضوعاً للحوار والنقاش، ومصدراً لوضع برامج سياسية لكي تمنع الدولة نشوء الخلل الذي تحدثت عنه، كانت خلقت نوعاً من العدالة، والموازنة بين هذه الأمور . طبعاً لا أحد يتكلم، أولاً لأن الناس غير مهتمين وثانياً لأن الناس منشغلون بكسب رزقهم، وثالثاً ربما خوفاً من الكلام، فنشأ عندنا هذا الجو، وهو ليس جواً خاصاً بالأردن بل هو جو عربي عام وبخاصة في المناطق التي تعاملت مع دول الخليج وأرسلت لها قوى بشرية في الخمسينات والستينيات والسبعينيات بكثرة.

الاستقلال والإخفاق
* ألم يكن النظام العربي الذي بني في عهد الاستقلال، الذي تلا الاستعمار، نظاماً إقصائياًَ مارس القمع على الناس لإقصائهم عن المشاركة في النشاط العام؟
- بالعكس، النظام السياسي الذي ولد من رحم الاستعمار في عهد تصفية الاستعمار، أي ما نسميه تاريخياً »حقبة الاستقلال« والتي بدأت تاريخياً أيضاً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كان يريد أن يقلد منشأه، وهو المستعمر، والمنشأ كان ديمقراطياً في بلده، حينما تلجأ إلى الدساتير القديمة التي وضعت بعد الاستقلال تجدها متقدمة وتقدمية، وأنا في سني هذا أستطيع أن أقول لك أن الحياة السياسية أيضاً كانت راقية ونشيطة من حيث المشاركة ..الخ، إنما بدأت الردة مع الانقلابات العسكرية والحكم الديكتاتوري في العالم العربي، بدأت وحرمت بالتالي الشعب العربي من نموه الطبيعي نحو ديمقراطية واعية . أستطيع أن أقول الآن بكل جرأة، أن العرب فشلوا في فترة الاستقلال، أي بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، فشلوا أو أخفقوا في إنجاح مشروع التحديث العربي، أي مشروع الدولة الحديثة . الدولة الحديثة حتى الآن لم تنضج ولم تتبلور بعد، هنالك بعض المظاهر لها، هنالك بعض القواعد، لكنها لم تستكمل بعد .

ميراث الاستعمار
* ألا يُغيِّب هذا الرأي دور الاستعمار والإمبريالية في إفشال تجربة الحداثة وبناء الدولة العربية الحديثة، كما جرى مع تجربة محمد علي باشا 1840، والملك فيصل في سورية 1920، وعبد الناصر في العام 1967؟
- لا الاستقلال بدأ بعد 1945، أنا أتحدث عن تلك الفترة، الحداثة وضعنا نحن على عتبتها عندما استقلينا عن الاستعمار، وكان المفروض أن نحدِّث . والإرث الاستعماري الجيد -بخلاف إرثه السيىء- الذي كان عندنا هو وضع الأسس لبناء دول ديمقراطية، وهذا ما لم نفعله .

الضابط والسياسي ..
* نعود للبداية، بدأت حياتك مدرساً، ثم ضابطاً، ثم سياسياً . في فترة مد سياسي ناهض في الخمسينيات والستينيات ما الذي حفَّزك للانتقال من عملك كمدرس إلى ضابط أمن سياسي؟
- هذه القصة لها علاقة باهتمامي بالشأن العام إبتداء . أنا بدأت مدرساً في السلط، ثم ذهبت إلى الكويت، لم أتخل عن اهتمامي بالشأن العام هناك مشكلة حدثت معي وأنا طالب وتورطت في هذا الموضوع، أي الشأن العام، فكنت أعتقد أن الذي يعمل خارج بلده لا يمكن أن يهتم بالشأن العام في ذلك البلد، فأنت هناك مجرد مقيم ولست مواطناً . وكنت أحس براحة أكثر عندما أعود إلى بلدي، والوظيفة التي أتيحت لي في ذلك الوقت قبلتها وهي ضابط في المخابرات العامة .

الفرد والجماعة
* بالنسبة للجيل الذي قلت أنه لا يهتم بالشأن العام، هل يمكن برأيك إعطاؤه خلاصة لكيفية المشاركة؟
- هذا اختيار فردي لكل شخص . الناس لا تصل إلى هذه المرحلة، وهي الاهتمام بالشأن العام، بسبب أنهم مهتمون بالخلاص الفردي، الفرد مهتم في كيف يطوِّر نفسه من ناحية الكفاءة ومن ناحية التأهيل بحثاً عن عمل أفضل، تحسيناً لحياة أفضل، أكثر مما هو مهتم بحياة عامة أفضل، أي يغلِّب هذه على تلك، ولا يضحي من أجل تلك ( العامة ). فهو غير مستعد لأن يتنازل عن مكتسباته كفرد، وما يعتقد أنها مكتسبات ممكنة له كفرد، من أجل شأن عام، من أجل الجماعة والمجموع، فهذا هو مفهوم الخلاص الفردي.

الأحزاب والوعي
* لكنك ذكرت أن غياب المواطنة الصحيحة العامل الرئيسي في الضعف العربي وفي الإقصاء.. ما الذي تعنيه بهذا القول؟
- غياب المواطنة منع أحزاباً سياسية وطنية من النشوء والتبلور . والأحزاب السياسية واحد من مصادر إشاعة الوعي السياسي، وأستطيع أن أقول أن الوعي السياسي متخلف كثيراً، الوعي السياسي في المنطقة العربية وعندنا هنا وعي متخلف . نعم هنالك كلام كثير في السياسة، لكن الوعي السياسي شيء آخر، أستطيع أن أقول أن هنالك ثرثرة سياسية، لكن ثمة ندرة في الوعي السياسي ويوجد عند نسبة ضئيلة في المجتمع، وليس شائعاً، والسبب كما ذكرت أن الفرد غير معني بتوعية نفسه سياسياً، أحد مصادره هو الأحزاب السياسية، غيابها حرمه من هذا الرافد الأساسي . الرافد الآخر القراءة والمطالعة والمتابعة والاهتمام بما يجري، وهذه أيضاً متدنية، نسبة القراءة متدنية، نسبة المطالعة متدنية وأعتقد أن الكثيرين يعتقدون بأن المتابعة والوعي السياسي من خلال القراءة جهد، وهذا الجهد ممكن أن يوفروه لشيء آخر! ويكفي استخدام وتوظيف حاسة السمع والمشاهدة والعينين في التلفزيون والإذاعة لاكتساب، ما يعتقدون، انه كافٍ لاستيعاب ما يجري ولإدراك ما يجري ! توجد لدينا مشكلة ثقافية هنا أيضاً، فمفهوم الشهادة والتعلم عندنا، أعتقد بنسبة عالية جداً انه مفهوم وظيفي، فالذي يتخرج نادراً ما يقرأ، لأنه مثل الذي يذهب إلى مدرسة قيادة السيارات، فبعد أن يحصل على الرخصة لا حاجة له أن يذهب إلى تلك المدرسة، فهو أخذ الشهادة للحصول على عمل، أما وقد حصل عليه فلماذا يقرأ ولماذا يطَّلع؟ هذه حقيقة ثانية من الحقائق التي نعرفها عن واقعنا الاجتماعي الثقافي . المسؤول عنها ليس فقط الحكومات، المسؤول أيضاً الشعب نفسه، عليه مسؤولية كبيرة . وطبعاً مسؤولية الشعب لماذا أصبح هكذا؟ هناك ظروف أكبر منه أحاطت به، نمَّته، أثرت عليه، تركت بصماتها على تفكيره، فأنشأت هذا الذي يبحث عن خلاصه الفردي .
نفسيه »المقيم«..

* لننتقل من »المجرد« إلى »العياني« تحدثت في محاضرة سابقة لك عن »ذهنية المقيم« وليس »المواطن«، بمعنى العلاقة العابرة بالمكان، وليس »الانتماء«.. وفي النقد الذي وجه لك في حينه، قيل أن كلامك جاء في سياق البحث عن توطين الفلسطينيين؟
- كيف يفسره الناس هذا موضوع آخر، إنما ما عنيته تماماً ما ذكرته أنت ودعني أوضحه أكثر، المقيم تعبير عن ما ذكرته أنا سابقاً بأنه لا يوجد اهتمام بالشأن العام، المقيم في بلد ما، لا يهتم بالشأن العام في ذلك البلد، ببساطة لأنه مقيم وليس مواطناً، فأنت حينما تتصرف في بلدك كمقيم فأنت لا تعتني بالشأن العام، هذا ما قصدته .

إرث عرفات ..
* كتبت مقالة عن »القيادة الفلسطينية في مرحلة حرجة« تعني بعد رحيل الرئيس عرفات، ما الذي أردت قوله ولمن؟
- أعتقد أن القيادة الفلسطينية الحالية سجلت خلال ثلاثة أسابيع بعض التقدم والنجاح، حيث بدأت المرحلة الانتقالية بدون متاعب، فيما نسميه الانتقال السلس للسلطة . المرحوم عرفات كان يملأ عدة مراكز قيادية أو كل المراكز القيادية: رئيس فتح، رئيس منظمة التحرير، رئيس السلطة الفلسطينية كان يملؤها جميعاً . حينما توفي حدث فراغ، فبسرعة، وهذه نقطة تسجل لهم، تمكنوا من الانتقال وملء هذه الفراغات . لكن الوضع لم ينته بعد، فهناك انتخابات قادمة . وأيضاً كان من الأمور الجيدة التي اتخذوها اللجوء إلى القانون والاحتكام للقانون والمؤسسة، وهذا كلام جيد أيضاً يسجل للقيادة، لكن الآن عندنا انتخابات، انتخابات تشريعية ورئاسية وبلدية، الرئاسية ستأتي أولاً . السؤال هو: حينما توفي الرئيس عرفات، كثر الحديث في الأوساط الفلسطينية عما أطلق عليه »إرث عرفات«، والمتابع كان يلاحظ أن الإرث عند فلان غير الإرث عند علان، يعني إرث عرفات يفسره (أ) غير ما يفسره (ب)، خوفي أن يستخدم »الإرث« من جانب المرشحين ومؤيديهم لمدهم بالشرعية وإكتساب الشرعية منه كملتزمين بإرث عرفات، والسؤال هو: ما هو إرث عرفات ؟ أخشى أن يفترقوا عند التفسير، بحيث يفسر أحدهم إرث عرفات بأنه الرفض، رفض ما يقدم . ويفسره الآخر، المقابل، بأنه السعي للسلام . فأين إرث عرفات ؟ إذا انتصر ذاك فسيطالب باستمرار سياسة عرفات، وإذا انتصر الثاني فسيفسره على أن المطلوب منه أن ينجح ويقدم ما وعد به . أعتقد أن الاثنين خطأ وليست هذه المشكلة، لينسوا إرث عرفات، لأنه غامض ويمكن تفسيره بعدة طرق، وقد تكون متناقضة . المسألة هي مسألة فلسطين وأين وصلت القضية الفلسطينية؟ ومسألة واقع دولي، وكيف يمكن أن نتعامل مع هذا الواقع الدولي ؟ أي عليهم أن يبدأوا بداية جديدة. عرفات كان يريد السلام، كما أحلل أنا، لكن هذا الشيء ومنهجه في الوصول إلى السلام شيء آخر ..

التانغو والسلام والثكالى !
* لكن السلام - بخلاف الحرب - لا تصنعه إرادة واحدة .. ماذا عن عرض الطرف الإسرائيلي؟
- الطرف الإسرائيلي موضوع ثانٍ، وهذا ما ذكرته في المقالة، العالم يتحدث عن نافذة فرص قد فتحت برحيل الرئيس عرفات، وبالتالي على الفلسطينيين أن يستثمروها . أقول في المقال، صحيح أن النافذة قد فتحت، لكن أود أن أذكر، خاصة الغربيين واللجنة الرباعية، بقول لشيمون بيريز في الماضي، قال فيه أن رقصة التانغو تحتاج إلى شريكين، وكذلك عملية السلام . قياساً على ذلك، أيضاً النافذة المفتوحة تحتاج إلى شريكين، واحد يفتحها، وقد فتحها عرفات بوفاته، وواحد لا يغلقها، وهو شارون الذي يقف خلفها ! فالمسألة ليست فلسطينية محضة، المسألة أيضاً إسرائيلية، يعني في الجانب الإسرائيلي، هل تمتلك إسرائيل، أو هل ستعبر إسرائيل إذا كانت تمتلك إرادة سياسية فعلاً للمضي في عملية السلام باتجاه حل الدولتين أو لا ؟ هذا سؤال لا أجد جواباً عنه الآن، وأخشى أن أكون متشائماً لأن سجل شارون لا يدل على أنه شريك سلام حقيقي، لكنهم نجحوا في إتهام عرفات بأنه ليس شريك سلام، الآن أمامنا هذا الامتحان: وهو أن العقبة التي قلتم بأنها ليست شريكاً غابت، أين شراكتكم أنتم؟ وما الذي تعرضونه؟ لكن ليس فقط ما الذي تعرضونه، وهذه نقطة أيضاً أود أن أركز عليها في هذا الحديث، السياسة ليست مجرد أن تنتظر ما يقدمه لك الآخر، أنت عليك أن تبادر، فالسياسة مبادرة وحركة، حتى ولو كنت ضعيفاً جداً، أنا أخشى أن العادة السياسية العربية التي سادت في العقود الثلاثة الماضية شبيهة في حياتنا الاجتماعية بتقليد معين: حينما يقتل شخص من عائلة، بحادث سيارة على سبيل المثال، الثكلى من أهل الفقيد وظيفتهم أن يسكنوا ويجلسوا في البيت منتظرين مرتكب الجريمة والواسطة، أن يأتي إليهم للمصالحة، باعتبارهم أصحاب الحق. أخشى أن هذا الموقف في الثقافة الاجتماعية قد انتقل إلى الثقافة السياسية، فاعتقادنا بأننا أصحاب الحق يجعلنا من الجالسين الكسالى الذين ينتظرون الآخرين ليقدموا مبادراتهم ويكون دورنا فقط: نقبل أو لا نقبل .

منهج المقاومة
* ولكن، هناك موقف آخر، عبرت عنه المقاومة اللبنانية والانتفاضة، وهو تغيير الوقائع على الأرض وإجبار إسرائيل على التغيُّر وليس فقط الانتظار، وقد نجح النموذج اللبناني؟
- نعم، نجح النموذج اللبناني ولكن لم ينجح النموذج الفلسطيني .

* ولكنه قيد العمل؟
- لا، التتبع لما يجري في فلسطين يدل على أن النموذج اللبناني لن يتكرر في فلسطين .

* ليس المقصود نسخه بحرفيته؟
- لا ليس بحرفيته بل بالنتيجة، بمعنى آخر لن يكون هذا النهج الفلسطيني المقدمة لزوال الاحتلال . لا يوجد أمام الفلسطيني إلا العمل السياسي لكن باتقان وبمهنية وليس بالمفهوم الذي ذكرت: أن تجلس في بيتك، باعتبار أنك صاحب حق، بانتظار الآخرين أن يأتوا إليك.

الانتفاضة وتغيير الوقائع
* لسنا مع الموقف الانتظاري ولكن نتحدث عن تغيير الوقائع على الأرض بكل الأشكال، سواء كانت سياسية أو كفاحية؟
- الوقائع على الأرض أنتجت الجدار العازل، أنتجت مزيداً من بناء المستوطنات، أنتجت موقفاً دولياً براغماتياً يقبل ببقاء عدد من المستوطنات في الضفة الغربية حتى لو صار سلام، وتقبل بأنه ليس من الواقعي عودة الفلسطينيين إلى الأرض، فهذا الذي أنتجته ..

* هذا ليس بسبب الانتفاضة، الانتفاضة انطلقت منذ أربع سنوات سبقتها سنوات من مسار العملية السلمية الفلسطينية - الإسرائيلية، ولم تؤد إلى ما كان مطلوباً أن تؤدي له؟
- هنا الخطأ، أنت بهذا المثل الذي ضربته تؤكد المفهوم العربي الجلوس منتظراً الآخرين. أنت نسيت أن تقوِّم وتحاكم السلوك الفلسطيني والعربي منذ أوسلو إلى ظهور الانتفاضة، هل تصرفوا بشكل صحيح؟ هل أحسنوا التصرف؟ هل انتهزوا الفرص وهل اغتنموها؟ كيف تعاملوا مع الموضوع؟ هل كانت الانتفاضة المسلحة الرد الطبيعي لذلك أم كان هنالك خيارات أخرى؟ هذا ما ينبغي أن يسأل ويحلل حتى تصل إلى نتائج . المسألة ليست بهذا المنطق البسيط، أن ست سنوات لم تؤد لشيء فكان علينا أن نذهب ونقاتل، ليس بهذه البساطة .

* لكنهم - الإسرائيليين - »وضعوا الحراب في جدول الأعمال«؟
- هذا الكلام يجب أن تراجعه القيادة الفلسطينية على الأرض، هم لديهم معلومات أكثر منا، ويقيمونه ليؤكدوا هل هذا هو الطريق أم ليس هذا هو الطريق ! أنا شخصياً عن بعد كمراقب أقول أن عليهم أن يعيدوا النظر .

الحوار العربي - الأوروبي
* شاركت في ندوة الحوار الأوروبي - العربي، هل المسألة بيننا مسألة سوء فهم، أم عجز عن ترتيب المصالح؟
- الحوار الأوروبي العربي بدأ في وقت مبكر، في آخر السبعينات، لكنه لم ينتج شيئاً، وتحول إلى عقد صفقات تجارية وأعمال . تطور مفهوم الحوار العربي الأوروبي مؤخراً في السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، وأصبح له أبعاد جديدة غير الأبعاد الأولى التي أنشأته وولدته. في أوروبا مسألة الجاليات العربية والإسلامية. كيف يتعامل الأوروبيون مع جاليات عربية وإسلامية أنشأت أو أنتجت فيما بينها أو من بينها أناساً يؤمنون بالعنف؟ ولا أريد أن أستخدم كلمة إرهاب . كيف حفزت وغذت ما يسمى الكراهية للأجنبي وعدم التسامح مع الأجنبي في أوساط الشعوب الأوروبية؟ كيف حفزت وشجعت وغذت انتعاش القوميات ؟ بالمناسبة عندما تقول قومي في بلد مستقر فهذه تهمة لأنك تعني التعصب ضد الآخر، قومي مقبولة فكرياً فقط في حالة التحرر، أي أنت تجمع الناس من أجل أن تتحرر وتستقل، إنما وأنت مستقر وعندك نظام ثابت فلماذا تستعملها ؟ لأن لا معنى لها إلا العداء للغريب الجالس بجانبك . لذلك عندما تقول فلان في النمسا وطني أو قومي لا يعني وطني بمعنى أنه يحب الوطن، إنما وطني معناها أنه يكره الآخر، ولدينا مشكلة في اللغة العربية بالنسبة لهذه المصطلحات، لأن كلمة وطني عندنا لها 3 - 4 مضامين، في الخمسينات كان هناك معنى وطني ضد الإنجليز، وضد الذين تربوا في أحضان الإنجليز.
وأيضاً وطني بمعنى أنه يحب الوطن، وهذه سمة جيدة، والوطني أيضاً بمعنى الذي يكره الآخر (المتعصب). الآن في أوروبا نشوء وانتعاش الحركات السياسية الوطنية ليس بالمعنى الإيجابي بل بالمعنى السلبي، أي كراهية الآخر . هذه تعتبر أولوية أساسية في أوروبا الآن، لأنها تمس بنية المجتمع ونسيجه، من هنا خوفهم . فلذلك لديهم مشكلة، الباحثون والدارسون يقومون بدراسات حول هذا الموضوع ويحاولون أن يقرأوا توجهاته في المستقبل والخط البياني له، وأين تتجه الميول التطورية حتى يتصدوا لها ..الخ . هناك مشكلة أخرى وهي الهجرة من الشرق الأوسط، من العالم العربي، إلى أوروبا، وهي هجرة في الأساس اقتصادية، وهذه ظاهرة عالمية، فالهجرة الاقتصادية ليست محصورة بأناس من شمال إفريقيا إلى أوروبا، أيضاً من الفلبين إلى أستراليا، ومعظمها من دول الفقر في الجنوب إلى دول الشمال الصناعي، حتى من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية، الهجرة ظاهرة دولية وأصبحت مادة دائمة على جدول أعمال الجمعية العامة في الأمم المتحدة، ونسمع عنها الكثير، فبين وقت وآخر نسمع عن سفينة غرقت وهي تحمل مهاجرين ...

استحقاقات العولمة
* ولكن أليس هذا من استحقاقات العولمة ؟ ألا تتضمن العولمة تدفق الرساميل والسلع والمعلومات ؟ فلماذا لا تتضمن انتقال الأيدي العاملة ؟ هذا يعكس انتقائية أنانية ؟
- هذا بالنظرية، لكن العمال الذين يعتقدون أن المهاجر يأتي ويأخذ وظيفتهم، لا يفهمون العولمة، أصلاً هم ضدها وهذا أحد أسباب وقوفهم ضدها، المظاهرات التي تراها في العواصم الغربية جزء منها لهذا السبب، فإذا كنت مع العولمة فستقف ضد هؤلاء العمال، وإذا كنت ضد العولمة فستقف مع هؤلاء العمال، لأن هذا هو دافعهم الأساسي، مصالحهم ! فأوروبا هكذا، لديها مشاكل داخلية هم يعطونها عنوان »عدم التسامح«، »نمو نزعة عدم التسامح« أو »كراهية الغريب«، ومشكلة الهجرة وفشل الأنظمة أو فشل المهاجرين في الإندماج بعد أن يأخذوا المواطنه .

* هذه المشكلة موجودة في فرنسا فقط بسبب إصرارها على تعريف نفسها كدولة علمانية ضد »التّديّن«، في بريطانيا لا توجد هذه الإشكالية، وتم استيعاب جماعات وثقافات متعددة ؟
- المهم، المسألة مطروحة في هولندا والدنمارك والنمسا وكل المناطق الأوروبية، هم يبحثون الآن ونحن لا نفرض على أحد شيئاً، نحن مصدرون للمهاجرين، فلا نستطيع أن نصدر لهم مهاجرين ونقول لهم كيف يتعاملون معهم ..

الاخلاقي والسياسي
* هم يطالبوننا بفتح أسواقنا، وتعديل أبنيتنا، وإعادة صياغة هيكليتنا الاقتصادية والإدارية لتتواءم مع مصالحهم، وهناك إرث الحقبة الاستعمارية، فهم يتحملون مسؤولية في استنزاف مواردنا .. في مؤتمر »ديربان « رفضوا أن يدفعوا أي تعويض لدول إفريقيا عن فترة العبودية وهم يفرضون أجندتهم فقط، هم الآن - الأوروبيون - يتصارعون مع أميركا على مسألة دعم المزارعين، فلماذا علينا أن نقبل دائماً منطقهم؟
- هذا حكم أخلاقي أنت تصدر حكماً أخلاقياً على تصرفاتهم وهم مدانون حسب هذا الحكم الأخلاقي وهذا صحيح، فمن ناحية أخلاقية هذا صحيح، لكن من ناحية سياسية فهذا لا »يمشي« ولا »يصرف«!

الهجرة والعنف والأمن
* ونحن لسنا معنيين بأن نحل مشكلاتهم هناك مشكلات مشتركة يمكن أن نبحثها ...
- أنا لا أتكلم عن دورنا في حل مشكلاتهم، أنا أتحدث عن المشاكل بالنسبة لأوروبا، يقيمون حواراً معنا لأن لنا صلة بهذه المشاكل، سواء كمصدرين للمهاجرين أو مصدرين لأناس يمكن أن ينتجوا قوى عنف في الداخل . طبعاً هذا يوضع إلى جانب الانفتاح الاقتصادي والتعاون الأمني . والتعاون الأمني بعد نهاية الحرب الباردة أصبح هو العنوان وليس التعاون العسكري. الآن الأمن بالنسبة للدول الكبرى والتعاون الأمني أهم من التعاون العسكري لأن الاتحاد السوفيتي انتهى وبقي الناتو . التعاون الأمني من القضايا التي يحبون أن يبحثوها معنا دائماً . وطبعاً هذه لا تدرس معنا نحن، أي مع الناس الذين ليسوا في الحكم، هذه تتم على مستوى رسمي بين الحكومات، الشعوب ليس لها علاقة بالموضوع . في حوارهم معنا يحاولون أن يفهموا أكثر أسباب الظواهر التي تهدد أمنهم . فالحوار العربي - الأوروبي أخذ هذا الاتجاه الآن، اتجاه الأمن .

* هذه موضوعات وأجندة تخصهم، فما الأجندة العربية المطروحة ؟ يفترض أن الحوار يسير في اتجاهين؟
- الأجندة العربية، مع الأسف، تبحث عن المعونات الاقتصادية والمالية ..

* أي مقابل مادي هو ثمن أكلاف المهمات الأمنية ؟
- نعم، الذي يسيطر علينا هو كيف يمكن من خلال التعاون، أن نكسب منهم مالاً واقتصاداً، وهم مستعدون. ويقدمون لنا المعونات ويرون في هذه المعونات وسيلة من وسائل حفظ الأمن الذي يتأثر بأوضاعنا لأنه إذا عولجت مشاكل الفقر ومشاكل البطالة يخف انتاج المهاجرين الذين يهددونهم، وينشئون عندهم عدم التسامح، ويخفف أيضاً انتاج العنف، فالأمور مربوطة في بعضها، وبالتالي من هنا تأتي المرحلة الثالثة، القضية الثالثة وهي الإصلاح، حيث يعتقدون أن الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي أيضاً وسيلة من وسائل تعزيز أمنهم .

الإصلاح بين أوروبا وأميركا
* وما الإصلاح المطلوب ؟
- الإصلاح المطلوب هو المشاركة الديمقراطية، لكن حتى في هذا الموضوع أوروبا تختلف عن أمريكا، فهي -أوروبا- أكثر فهماً والهدف المضمر عندهم أقل خبثاً !

* لا يستهدف تفكيك المنطقة كما هو المشروع الأميركي ؟
- في المشروع الأميركي الديمقراطية محدودة حسب تصورهم، الديمقراطية أقرب إلى الشكلانية .

* هدفها أن تأتي بجماعاتهم إلى السلطة ؟
- نعم أن تأتي بجماعاتهم إلى السلطة وأن لا يتغير جماعاتهم، وإذا لم تكن جماعاتهم أن تأتي بأناس مسايرين لهم في تنفيذ مصالحهم . لأن الديمقراطية - من عيوبها بالنسبة لهم - أنها قد تنتج أناساً ضدهم ! ومن هنا عدم جديتهم، في رأيي في الإصلاح الديمقراطي، بالمعنى الذي نفهمه نحن.

الاحتلال وفقدان الأمل
* لنتحدث عن »العملية السلمية«، المواطن العربي لا يلمس، بعد خمس وعشرين سنة على اتفاقية كامب ديفيد وعشر سنوات على اتفاقية وادي عربه واتفاقية أوسلو أن العملية السلمية قد عادت عليه بالفائدة ؟
- صحيح ..

* والعنف ليس فقط إنتاجاً عربياً، العنف العربي في جانب كبير منه رد فعل على عنف هائل إقصائي مورس عليه وضده؟
- طبعاً استمرار الاحتلال، العنف سببه الرئيسي استمرار الاحتلال الإسرائيلي وفقدان الأمل لدى الناس، من أن العدالة أخيراً ستتحقق، يعني نحن نحس جميعاً بما أسميه أنا شخصياً »الجور الدولي«. يتعامل البعض معه بطريقة الغضب والعنف . بسبب عدم الاهتمام بالشأن العام لم تتولد عندنا قوى سياسية قادرة على أن تنشىء تيارات سياسية تستطيع أن تغير في السياسات الوطنية لكن قوى الأمر الواقع ترفض التغيير بطبيعتها . جدلية تغيير الأمر الواقع جدلية مستمرة استمرار حياة الإنسان، والوضع في العالم العربي ليس خروجاً عن هذه القاعدة، لذلك أقول أن ثمة مشكلة في عدم نشوء قوى سياسية وطنية تهتم بالشأن العام وتقيم حواراً مع الحكومات وقوى الأمر الواقع، قبل أن تجري حواراً مع الآخرين من اجل تأكيد الأرضية المشتركة لصالح الطرفين، أي لصالح الحكم ولصالح الناس، حتى يستطيعوا تبني سياسات تقف فيها الشعوب وراء الحكومات وتستطيع الحكومات أن تناور بموقف الشعوب من حولها بصدق وليس بادعاء.

قوى الواقع وقوى التغيير
* أليست هذه دعوة مثالية ؟ فالواقع أن أناساً همهم أن يستبدوا بالسلطة والثروة وأغلبية يتم إقصاؤها؟
- ليست دعوة مثالية، هناك أمثلة صارت في أوروبا الشرقية . والظاهرة التي تتحدث عنها موجودة في كل مكان، فهذه الظاهرة إنسانية عالمية وليست محلية، قوى الأمر الواقع في العالم تتمسك بالسلطة، ولكن إلى جانبها هناك ظاهرة التغيير، فهاتان ظاهرتان إنسانيتان، لكن المهم فتح الحوار والاستجابة للمحاور من أجل التغيير للأفضل عبر الحوار . توجد قوى أمر واقع وقوى تغيير، الذي يحسم الموقف الديمقراطية، والديمقراطية غير موجودة ولذلك الموقف غير محسوم، قوى الأمر الواقع في برجها وقوى التغيير في ساحتها ولا يوجد تفاهم على النقلة التالية . ولذلك هي مرحلة حوار بين قوى الأمر الواقع وقوى التغيير، من يجري الحوار ؟ نحتاج لأحزاب سياسية .

بوش والتشاؤم
لنتحدث عن أميركا التي عادت وجددت انتخاب بوش الإبن، أميركا الدولة الأقوى والفاعل الرئيسي في العالم، ما الذي تعتقد أن بوش سيفعله في المنطقة وما توجهه ؟
- التنبؤ صعب، لا أستطيع، فمثل هذه الأمور تقع في دائرة التخمينات، الولاية الجديدة للرئيس بوش ولاية جديدة .

* ولا يشترط أن تكون استمراراً لولايته الأولى ؟
- صحيح لا يشترط لكن قد تكون بنفس القدر من الاحتمال .

* ألا نستطيع استقراء مؤشر من تعيين كوندوليزا رايس وزيرة للخارجية؟
- قد يكون مؤشراً سيئاً أو جيداً . يكون سيئاً إذا اعتبرنا أن كولن باول كان حمائمياً ..

* أمريكا لديها مشروع الشرق الأوسط الكبير، ولديها مشروع اتخاذ العراق »قاعدة عمليات« لإعادة هيكلة المنطقة، وهي أكثر إدارة أميركية متوافقة مع إسرائيل؟
- أعتقد أنها ستواصل سياستها في العراق، لأن الرئيس الذي أمر بالحرب على العراق واحتلال العراق هو نفسه، ويريد أن يقطف ثمارها، ولا يستطيع أن يخرج منها مهزوماً بعد خسارة البلايين، لأنه سيحاسب.

* والاهم خسارة التوجه والرهان على حكم أميركا للعالم ؟
- هذه ليست فكرة مهمة كثيراً الأهم البلايين التي أخذها من دافع الضرائب الأميركي من أجل هذه الحرب، فلا يمكن أن يترك ويقول لهم أنني هزمت، أو لم أحقق الغرض الذي ذهبت من أجله، ولذلك أعتقد أنهم سيواصلون محاولاتهم فهم لم ينجحوا بعد إنما سيواصلون حملتهم للنجاح، وفي هذه الزاوية أنا لست متفائلاً . بالنسبة لفلسطين أقول لك إني متشائم لكن تشاؤمي لا يعني أنني لا أدعو الفلسطينيين إلى تغيير منهج الانتظار، فالمناهج في العمل السياسي توضع لخدمة الأهداف .

هراوة أميركا
* غداة الانتخابات الأميركية، كتبت صحيفة »السفير« اللبنانية: »إلى الملاجئ أنه بوش« هل تعتقد أن أميركا سترفع الهراوة ضد سورية؟
- ترفع الهراوة ولا تضرب بها، نفس الشيء مع إيران بسبب الورطة في العراق. لو نجحوا في العراق بالسهولة التي تصوروها لما ترددوا بأن يستخدموا الهراوة فعلاً. لكن هراوتهم ليست هراوة قوة فقط، هراوتهم سياسية ومالية أيضاً. فأميركا تسيطر على المؤسسات المالية والدولية والسياسية، وهي القوة الرئيسية النافذة التي تسيطر أو تؤثر على الأقوياء الذين هم دونها قوة، هذه هي المشكلة، ولذلك هراوتها ليست هراوة عسكرية فقط.

لا حزب!
* سؤالنا الأخير: هل ستنشئ حزباً؟
- لا، جربت في أوائل التسعينات، وانتهى الأمر الآن. فعمري لا يسمح لي لا بإنشاء حزب ولا بالانتماء إلى حزب. أنا كما ذكرت مواطن أراقب وأعطي رأيي بما يجري.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش