الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بلقيس الكركي. شحوب الحياة ووهج الكتابة

تم نشره في الجمعة 15 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

نضال برقان *



مزيج من «الميكانيكيّة المنظمة»، التي تتيحها خبرة نوعية في القراءة والبحث المتخصص في الآداب، على اعتبار أن «نصف الطريق على الأقل هو في فهم قواعد النظام واحترافها»، ومن ثمّ انحراف أصيل عن «العمومي» لصالح «الخاص»، من أجل تحقيق رحلة آمنة «من الخطأ (الذي هو ليس كذلك بالنسبة للنظام) إلى الصواب: إلى صورتك التي أردتها»، والتي ستعمل على ترسيخها في الوعي الجمعي من خلال الكتابة، تلك «الرؤية» للكتابة، بوصفها كينونة وإرادة حياة، بعيدا عن إملاءات الآخرين المباشرة وغير المباشرة، ستجد لها مصداقا واقعيا عبر «إرادة الكتابة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013)، لبلقيس الكركي، في تجربتها الأولى في الكتابة، بعيدا عن الكتابة الأكاديمية بطبيعة الحال.



خلال الكتاب تقف النظرية إلى جانب السرد، جنبا إلى جنب، من دون أن يمنع أحدهما الآخر من التنفس بحرية، ويتيح فرصة للدخول إلى (المشغل الفني) للكتابة الإبداعية بعامة، وفيه بوح شفيف وصادق وحار فيما يتعلق بتجربة إنتاجه، وخبرة صاحبته في الحياة والناس. ويتيح، في الوقت نفسه، لمن خَبِر الكتابة، مسح شيء من الغبار عن عينيه، ليرى الحقيقة، حقيقة سواه وحقيقته في آن.

ولكن؛ كيف تكون التجربة الأولى في الكتابة من خلال كتاب كامل عن الكتابة نفسها؟ ألم يطرق هذا الباب كتّاب كبار بعد تجارب طويلة في الكتابة؟ أليست «الكتابة عن الكتابة نوع من الإفلاس»؟ بحسب تعبير الكاتبة، التي تضع نفسها أما التساؤل التالي: كيف تكتب عن حرفة لا شيء يثبت أنك لها سوى ما تكتب عنها الآن؟ كيف تخاطر كل هذه المخاطرة؟ بيد أنها تكتفي بالإجابة: «لا هموم لك في الحياة تأسرك قدر صورتك في الكتابة،.. عنده غيرك قد تكون الكتابة وسيلة للتعبير عن هم سواها. عندك هي الهم الوحيد ووسيلته». الفكرة مقلقة، كما تراها المؤلفة، و»لكنك تعاند وتستمر..».

في فضاءات الكتاب كلها ثمة ذات تُراقِب، وأخرى تُراقَب ، وكلتاهما تخاطب الأخرى بصيغة المذكر، ودائما «أنت لا تستطيع أن تفصل بثقة المراقِب عن المراقَب فيك، تقول المؤلفة، وتتابع: «طالما أنك تكتب عن نفسك وفوضاها لترتب صورتك»، ليكون لك في النهاية ما «للأدباء الخالدين من صورة وحب»، ومن هنا يستطيع القارئ أن يدرك رغبة الكاتبة من الكتابة، حيث يكمن أن تُذكر صورتها الخاصة وتُتذكّر دائما بالكيفية التي ارتبطت بإرادتها نفسها لا بإرادة الآخرين، فواحد من التعريفات المهمة التي اجترحتها المؤلفة للكتابة، (والتي منها: تصحيح أخطاء، وخلاص من جحيم الآخر، وترتيب للصورة/ الذات)، هو: أن تُذْكر وتُتَذكّر..

الكتاب تضمن ثلاثة عناوين رئيسة: «الهاجس الأكبر: الصورة»، و»في جحيم الثنائيات»، و»حتمية الاختراع»، وتحت كل منها ثمة عناوين فرعية، تحاول قراءة العنوان الرئيس من جوانب عدة، وقد تمحور أول تلك العناوين حول فكرة «العالم خشبة مسرح، لكن المؤلف غير موهوب، فالمعاناة إذن من نصيب الممثّل؛ من نصيب الإنسان»، الذي هو، دائما، «كائن نصف مكتمل، مسلوب الإرادة في جزء كبير منه»، وقد رُمي إلى العالم «مشوها وناقصا» بعد أن ألّفته «آلهة الفوضى شخصية ناقصة غير مكتملة المعالم لا تشبه أبطال لروايات»، وعليه؛ يكون «الله، بشكل عام، ليس روائيا جيدا أبدا، بل كاتب مسلسلات متواضع يندر أن ينزل عليه وحي المفارقات»، تلك التي تحد من الرتابة والتكرار وتآكل الأعصاب المجاني، وهي المفارقات التي نجدها عادة في عوالم: تولستوي أو ماركيز أو فلوبير مثلا، بحسب استشهادات المؤلـِّـفة.

و»في جحيم الثنائيات» تتوقف صاحبة الكتاب مع ثنائية «الكتابة - الحياة» بداية، وفيه تتأمل صورتها بين الحياة في «الفن الجميل» وبين الحياة الواقعية، حيث «جعلك كلّ هذا الجمال تشتهي حياة غير تلك الواقعية المضجرة»، ولكن؛ في المحصلة «أصبحت حياتك معسكر تدريب صارم غايته انتصار ساحق لفريق التأليف [الكتابة] على فريق الارتجال [الحياة الواقعية]، بيد أن أيا من الفريقين لن يحقق انتصارا في النهاية، على الرغم من الجنود المجندة التي تنضوي تحت لواء كل منهما.

وفي ثنائية «الأدب - الحياة» تغوص الكاتبة عميقًا في الأساطير، في رحلة بين المتخيل والواقعي، متنقلة بين: بلقيس، شولميث، إنانا، عشتار وأختها آرشيكيغال التي نزلت إلى العالم السفلي. ولا تتوقف في الاستدلال إلى أفكارها بالعودة إلى الأسطورة فقط، بل تتناول أبيات شعر للمتنبي، وقيس بن الملوح، وابن زيدون، وتظل في هذا «الجحيم» محملة بهواجس عاطفية ضمن التوقف عند مفهوم الحب، واللذة، الحنين، والفراق. وإن كانت الكاتبة تعتبر أن «بلاد الأدب هي بلاد العجائب»، فإنها تنهي هذا الجزء من الكتاب بأن تشبه نفسها بأنها تجلس مثل «أليس» في الحديقة بعدما ضاع منها باب العجائب، ولكن ظل معها توقها للكتابة: «عزائي الوحيد إن لم أجد [باب العجائب] هو القلادة، أي الكتابة، رغم أنها ليست وحدها ما حقا أريد..».

العنوان الرئيس الأخير من الكتاب «حتمية الاختراع»، يعيد سؤال الكتابة إلى الواجهة: لماذا الكتابة؟ وفي سبيل الإجابة على هذا التساؤل تضع الكاتبة القارئ أما أحد عشر دهليزا، «قد لا يوصل أي دهليز إلى حقيقة مطلقة، لكن بعضها قد يوصل إلى تصورات محتملة، تشبع فضولا ما، ويمكن بعد إشباع اختبارها، وتصل إلى خلاصة: «إرادة الكتابة تأتي من صورة متخيّلة متشوّقة، وهي هنا صورة الكاتب، رغم وجود (حركات مضادة) سببها اختلاف بين (أنحاء النزوع)، فإن النزوع نحو الصورة المشتهاة (ينتصر) بلغة نيتشه. الصورة تُدرك، تُتخيل، فتتحرك القوة النزوعية، تحرك (الحارّ الغريزي)، الذي يحرك الأعضاء بعد حال تسمى (الإجماع)، أقرر عنده أنني حتما (أريد)، فأكتب..».

وتختتم المؤلفة الكتاب بـ»سفر التكوين»، حيث تعاود تحليل وتفكيك رؤيتها لفعل الكتابة، من خلال شهادة تخدم صورتها، بوصفها كاتبة، و»تهزم ارتجالها وفوضى الحياة».

وإذا كان الكتاب افتتح باقتباس «في البدء كانت الفوضى» (هسيودس، أنساب الآلهة)، فإنه يختتم، بعد عصف ذهني طويل، بعبارة تختزل رؤية الكاتب للكتابة ودوافعها: «في البدء كانت الكلمة. الكلمة تخلق الصورة. في المنتهى تبقى الصورة. والحقيقة أبدًا هناك، فقط هناك، رغم كل الاختراع».

وبعد؛ الكتاب رؤية عميقة للكتابة، رغبة بداية وفعلا تاليا..



* شاعر وإعلامي من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش