الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تسونامي بنما

د. رحيل محمد غرايبة

الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016.
عدد المقالات: 524



تناقلت وسائل الإعلام العالمية مؤخراً خبراً فضائحياً مثيراً يتعلق بعدد كبير من المشاهير والقادة والرؤساء على مستوى العالم، ومنهم ما زال على رأس عمله في تسنّم أعلى الهرم السياسي في بعض البلدان النامية والمتقدمة.

لقد تم الإعلان عن أكبر عملية تسريب وثائقي في التاريخ من قبل نخبة من الإعلاميين الاستقصائيين الذين استمر عملهم لمدة أعوام، واستطاعوا نشر ما يقارب (11) مليون وثيقة، بدأت تفاعلاتها تأخذ أثرها سريعاً في بعض الدول الديمقراطية المتقدمة، وربما يتأخر هذا الأثر في الدول المتخلفة التي تفتقر إلى النزاهة، وتفتقر إلى نظام المحاسبة الشعبي الفاعل، والتي تحظى بنوعية رديئة من الزعماء، من ذوي الإحساس المتبلد، أو الذين يرتدون واقيات مدرعة، تمنع دقة الحساب وتحول دون عملية التقويم والعزل.

الأسماء توزعت على دول عديدة في العالم، ونالت بعض الدول الكبرى مثل الصين وروسيا، وكذلك بعض الزعامات والشخصيات العربية، الذين كانوا يبحثون عن ملاذات آمنة لشركاتهم السرية وأرصدتهم الخيالية غير الخاضعة للضرائب، من خلال شركات قانونية مختصة تقدم الاستشارات القانونية المدروسة.

الغريب في الموضوع أن الأسماء التي تم الإعلان عنها هي في أغلبها من قائمة الأثرياء، وأصحاب الملايين والمليارات والأرصدة التي لا تأكلها النيران، ولن يستطيعوا إنفاقها في حياتهم وأعمارهم الطويلة التي تقترب من خط النهاية، وما زالوا يعمدون إلى تكثير أموالهم عن طريق غسيل الأموال والطرق غير المشروعة، ويعمدون إلى التهرب من دفع الضرائب والامتناع عن الإسهام في تنمية اقتصادياتهم الوطنية ولو بالنزر اليسير.

الملاحظة الأكثر استحواذاً على الاهتمام هم أولئك الذين يحتلون مواقع سياسية مرموقة، ويعمدون إلى الجمع بين الإمارة والتجارة، ويستغلون نفوذهم ومواقعهم في السلطة، من أجل الإثراء الفاحش، والاستيلاء على المال العام ومقدرات الشعوب المنكوبة بمثل هذه النوعية من أصحاب البطون الجرباء التي لا تعرف الشبع، ويشبهون الآبار المكسورة التي تبتلع مياه الأمطار الغزيرة التي تأتي من كل حدب وصوب، ولا تمتلىء ولا تشعر بالرّي، ويبقى شعارها (هل من مزيد).

بعض الزعامات العربية التي غادرت الحياة، تزيد تركتها بعد عمليات التقويم الطويلة والمضنية عن (85) ملياردولار أمريكي، والقائمة طويلة من أولئك القلائل الذين ابتلعوا ثروات الشعوب عبر مسارب التيه والضياع، والتي تذهب أحياناً إلى تغذية صناديق استثمارية خارجية تصب في خدمة دول غنية بعيدة استطاعت أن تشكل الملاذات الآمنة للأرصدة الخفية والمال المنهوب والمال القذر الذي لم يتم امتلاكه بطرق مشروعة، فثروة شخص واحد من هؤلاء الكبراء تحل مشكلة العالم العربي كله وليس دولة واحدة فحسب، وتستطيع أن تحل مشكلة الفقر والبطالة لـ (30) مليون عربي عاطل عن العمل.

عندما يكون هناك مشكلة اقتصادية، فيجب الجزم قطعاً بأن هناك «معضلة فساد» تسبقها، والفساد له أشكاله وأنواعه ومراتبه، فبعضه يتمثل في هذا المسلك من الاستيلاء على المال العام بطريقة جشعة وبشعة، وبعضها يتمثل بالعجز عن إدارة الموارد العامة بطريقة سليمة، ولا يخرج الإشكال عن هذين الصنفين من الفساد، ويجب التأكيد بطريقة يقينية أيضاً أنه لا مجال لمعالجة المشكلة الاقتصادية دون معالجة معضلة الفساد بصنفيه الشهيرين، وردم البواليع وإغلاق الآبار المكسورة، لأن بئراً واحداً مكسوراً أو بالوعة واحدة مفتوحة قادرة على التهام مقدرات دولة، وتضييع جهود سنوات في لحظة.

أصحاب التجارب السياسية الناجحة على مستوى العالم يقولون: حل المشكلة الاقتصادية ليس معجزة، ولا ضرباً من ضروب السحر والشعوذة، فالحل واضح وبسيط؛ يقوم على ركيزتين أساسيتين: الركيزة الأولى تتمثل بالقضاء على الفساد والتخلص من الفاسدين، والركيزة الثانية تتمثل بتحسين التعليم وإعادة بناء الإنسان وتربية الجيل بطريقة صحيحة، وبغير ذلك سوف تستمر عمليات طحن الماء وعصر الهواء، وإثارة الغبار وذر الرماد بالعيون.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش