الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشباب في مواجهة الفكر المتطرّف

د. محمد طالب عبيدات

الاثنين 4 نيسان / أبريل 2016.
عدد المقالات: 240

الشباب في مواجهة الفكر المتطرّف هو عنوان مؤتمر إعلان نتائج الدراسة الوطنية التي أعدّها صندوق البحث العلمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وبمشاركة باحثين أكاديميين متخصصين من مختلف الجامعات الأردنية والمؤسسات الشبابية الوطنية، هذه الدراسة العلمية الرصينة والنوعيّة والتحليلية وغير المسبوقة والتي أطّرت الأسباب الرئيسة لإنتشار ظاهرة التطرّف الدخيلة علينا وأشّرت لحلول وخطط عمل واقعية وعملية ستساهم في كبح جماحها وبتشاركية مؤسسية وشعبيّة.

 الدراسة قسّمت العمل لأربعة محاور بحثية: تربوية وتعليمية وثقافية، وسياسية وإجتماعية وإقتصادية، وإعلامية، ودينية، وهي المحاور الرئيسة للواقع الذي يشكّل بيئة الغلو والتطرّف، فشخّصت أدبيات نظرية لهذه المحاور كما شملت مسوحات ميدانية للمجتمع الشبابي الجامعي وكذلك المدارس والهيئات الشبابية ودور العبادة من خلال المقابلات والإستبانات والعينات والشبكات الرقمية ووسائل التواصل الإجتماعي والتي تعتبر هذه الأيام البيئة الرئيسة التي تجعل الشباب فريسة التطرف والغلو والإرهاب وتجعلهم كأدوات وضحايا بنفس الوقت.

 وفق الدراسة شملت أسباب التطرّف عناوين رئيسة ربما تكون معروفة للعامة ولكن أطرتها الدراسة لتشمل الجهل واللامسؤولية والفراغ الفكري وقلّة التحصين للشباب من خلال أسرهم، وغياب دور المؤسسات الإجتماعية والتربوية والدينية، وضعف وسائل الوقاية والقلق النفسي، وغياب لغة العدل والنزاهة والحوار وتقبل الرأي الآخر، وإختلال منظومة القيم والإقصاء، وقلّة فرص العمل وبيئة الفقر وتقلّص الطبقة الوسطى، وضعف البرامج الإعلامية لتحصين الشباب والغزو والهجمات الفكرية والثقافية خلال الفضائيات والتواصل الإجتماعي، والقائمة تطول كشمّاعات لأوتار التطرّف، لكنّ الجهل فيها يعتبر العامل الأساس للتطرف.

وبالمقابل أشّرت الدراسة لعلاج ظاهرة التطرّف من خلال إجراءات مؤسسية وخطط تنفيذية قابلة للتطبيق لتشمل تكامل عمل المؤسسات التربوية والمجتمعية والدينية لمواجهة الجهل، وتفعيل لغة القانون والعدالة المجتمعية والحوار، ومحاربة الفساد وتعزيز هيبة الدولة، وترسيخ الإنتماء وإجراءات الوقاية، وتوفير فرص العمل وتوزيع مكتسبات التنمية بعدالة، والصدق والأمانة والنزاهة والثقة بالوجوه الإعلامية والدينية، وتفعيل أدوار المنابر التربوية والدينية والثقافية والشبابية والإعلامية، وتبني قيم رسالة عمّان، وغيرها. وهذه عناوين وخطوط عريضة لوسائل العلاج والتي تحتاج بالطبع لإستراتيجية وطنية تأخذ بعين الإعتبار الإجراءات والأهداف والإطار الزمني والجهات المنفّذة، ومنها يحتاج لإجراء فوري وبعضها لزمن طويل وأجيال للتغيير في الثقافات المجتمعية والأفكار ومواجهة الفكر المتطرّف بالفكر الوسطي والمعتدل.

فالتطرف يعتبره الجميع الآن بمثابة حرب عالمية ثالثة وإفراط في الفكر والسلوك وإنحراف يؤدي للإرهاب، وهو إنحراف عن الوسطية والإعتدال وخروج عن كل الأعراف المستقرة في المجتمع مما يؤدي للعنف، وقناعاتي بأنه يبدأ من الأسرة والمؤسسات التربوية من خلال التعنيف اللفظي والإقصاء والتهميش والإنغلاق والتقوقع وغيرها، لكن رغم ذلك يجب أن تنصب جهود مكافحة التطرّف على التفكير ونمطيته الإيجابية لا السوداوية.

أرقام ونسب ظهرت في الدراسة ربما تكون مبالغ بها نسبياً لكن التحوّط واجب وأخذ الإحتياطات وإستخدام أسلوب الوقاية والتحصين يجب أن يؤخذ على محمل الجدّ، فالأرقام والنسب صادمة وأخطرها ليس من هم واضحون بتطرفهم بنظر الدراسة بل المتأرجحون بين المتطرفين وغير المتطرفين لأنهم مع الزمن سيتخذوا قرارهم ليكونوا ضمن اليمين المتطرّف أو الرجوع لجادة الصواب، ولهذا فإن هذه الفئة تحتاج لعمل فكري دؤوب وممنهج.

مطلوب فوراً تشكيل مجلس أعلى لمكافحة التطرّف ليأخذ على عاتقه رسم السياسات العامة لمكافحة التطرف ومتابعتها على الأرض، ومطلوب بناء إستراتيجية وطنية تشاركية لمكافحة التطرّف لأن تضافر الجهود هو الأساس في القضاء على الفكر المتطرّف ومواجهته من خلال بناء فكر الإعتدال والوسطية عند الشباب، فالأمور لا يمكن أن تؤخذ بالفزعة أو العمل الفردي وتحتاج لجهد وطني مؤسسي.

مطلوب أيضاً نشاط دؤوب للمنابر الدينية والإعلامية والتربوية والثقافية والشبابية لمخاطبة الشباب وتحصينهم، ومطلوب إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي الأقرب لعقول وذهنيات الشباب لغايات بث الرسائل التوعوية والحوارية ورفع درجة الوعي لديهم.

نعم بهذه الطرق نستطيع مواجهة الفكر المتطرف بالفكر الوسطي والمعتدل ونكون جميعاً رديفاً لأجهزتنا الأمنية وجيشنا العربي المصطفوي ونحصّن جبهتنا الداخلية، فجلالة الملك حفظه الله ورعاه حدد منذ مدّة محاور ثلاثة لمكافحة الإرهاب والتطرف هي العسكرية والأمنية واللتان هما دور أجهزتنا الأمنية والمبدعة في ذلك، ويبقى دورنا جميعاً في المحور الثالث الفكري الذي نتحدث عنه هنا، فهو واجب وطني على كل أردني ليأخذ دوره الطليعي في ذلك ومن خلال مأسسة لمكافحة التطرف.

بصراحة دراسة صندوق البحث العلمي حول التطرّف تسجّل في ميزان وطنيته وجاءت في وقتها وأبدع الصندوق وإدارته في إختياره للموضوع ودراسته وتحليله ومعرفة أسبابه وطرح الحلول العملية للقضاء عليه، والكرة الآن في مرمى الحكومة لإستكمال تنفيذ التوصيات على الأرض ومأسستها.

     *وزير الأشغال العامة والاسكان الأسبق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش