الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عبد الرزاق عبد الواحد. دوحة الشّعر العربيّ المعاصر

تم نشره في الجمعة 1 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

محمد درويش عواد *



 



كدوحةٍ راسخة بعيدة الجذور تستشرف الأفق، كشجر النخيل الباسق، أطلّ علينا النهر الثالث في العراق - كما وصفه الشاعر راشد عيسى – الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، أحد أهم رموز الشعر العربي الحديث، حيث تكرّمه الشاعرة مريم الصيفي في احتفال بهيج في صالونها الأدبي، وهو بحق احتفال لنا جميعاً معشر الأدباء،حيث كان لنا شرف لقاء هذا النهر الخالد العذب الرقراق، ومشاركته أيامه الأخيرة التي ستبقى في ذاكرتنا نرويها للأجيال ما بقينا على هذه الحياة. ليس غريباً أن يعانق عبد الرزاق العراق، وليس غريباً أن يفتح العراق مسام جلده لعبد الرزاق ليدخل فيها كالهواء في أي وقت يشاء؛ فهو القائل:

«الحمدُ للهِ يبفى المجدُ والشرفُ/ أنّ العراق أمامي حيثما أقفُ. وأنّ عيني بها من ضوئه ألق/ هدبي عليه طوال الليل يأتلفُ».

وهو الذي عانق العراق باسمه وعانقه العراق (عراق/ عبد الرزاق)، كلاهما يبدأ بحرف العين وينتهيان بالقاف، والراء والألف في كليهما، أيّة صدفة جميلة جمعت بينهما هذا العناق الأبدي، هذا التناغم والسحر، وهذا العشق الذي يعانق عنان السماء.  في مساء عذب مشبع بالنّور، جاء صوته إلينا خاشعاً، دافئاً كشمس الربيع، ممتشقاً عذاباته وأوجاعه التي أتعبته طويلاً، فراح يردّد:

«ظننتُ أني ملكتُ الكون أجمعه/ أنا المليك وأوجاعي مماليكي».  مسحَ من مآقيه دمعةً حارّة وهجرتهُ طيور الغبطة وهو يعلن حزنه الشديد على العراق وفلسطين، عراقه التي أبت الخنوع للمحتلّ وظلّت شامخة كأشجار نخيلها الباسقة، وفلسطين التي عشق ذرّات ترابها وتمنى أن يراها محرّرة من نير المحتلين.

برهبة الكهّان دخلتُ المكان مع صديقي الدكتور ناصر شبانة، تحلّقنا شعراء وأدباء حول شاعر العربية كأسراب النحل التي تتحلّق زهرة اللوتس البيضاء، كانت هذه المرة الثانية التي أستمع فيها إلى قصائده التي تبعث في أعماقنا نشوة طازجة، لقاؤنا به كالعيد، لقد كان قادراً على عقد الصداقات مع النسمة العابرة، لهذا أشرع لنا قلبه فدخلناه دون تأشيرة؛ ولا عجب فقلبه وديعٌ مثل نسمة، نقيٌّ مثل غيمة، تحصّن بالصمت لحظات، ثمّ راحت قصائده كنخلة تسافر في الفضاء تسافر بنا إلى العراق وفلسطين، إلى أماكنها التي دخلناها معه بفرح الأطفال، وعشنا مع أهلها الطيّبين لحظات عصيّة على النسيان، ثمّ انكسر صوته فجأة وتعلّقت كلماته في الهواء مبتورة ناقصة، احتمى بالبكاء كأنّه زهرة آلت إلى الذبول، جلس على أريكته وانغلق على نفسه كالمحار، رحنا ننظر إليه بنفوس شاحبة وقلوب واجفة ووجوه حائلة، عندما نفذت كلماته الأخيرة إلى قلوبنا بقسوة مُدية، قال: (تذكّروني كلما جلستم هنا ولم أكن بينكم )، نظر إليّ ناصر شبانة وقال لي بصوت خافت: أظنها الأيام الأخيرة في حياته والله أعلم.

في اليوم الثامن من تشرين الثاني مات شاعرنا الكبير عبد الرزاق، وماتت الابتسامات على شفاهنا، وبدأت حيرتنا بأي الكلمات نرثيه، وكيف نرثي شاعرا سيظل حاضراً في عروقنا! يا شجر النارنج في حياتنا، يا نخلة عتيقة تدلّ التائهين إلى كلّ الدروب، يا طائراً يشدو على كلّ الغصون، ستظلّ قصائدكَ موسيقى تهدهد الكون بايقاعها الجميل، وسيظلّ صوتك يأتينا كموسيقى عزف منفرد، ستبقى في بالنا موّال عشقٍ نردّده فوق شفاهنا، وسيبقى شِعركَ جملة موسيقيّة تدندنها قلوبنا ما دمنا على قيد الفرح، ولا نرثيكَ إلا بما رثيتَ به الجواهري، حيث قلتَ:

«أبكي الفراتين هل تدري مياههما/ بأنّ أعظم من غنّى لها ذهبا؟. يا ذا المسجّى غريباً والعراق هنا/ يشقّ قمصانهُ في البعد مُنتحبا».

نعم مات عبد الرزاق عبد الواحد، ومات الجواهري، ومات السيّاب، وماتت نازك الملائكة، لكنّ أشعارهم خالدة فينا على مرّ العصور؛ لأنهم نخل العراق الباسق، ومياهه التي لن يكدر صفوها شيئ، ولأنهم درر الشعر العربيّ المعاصر التي تؤطّر أحلامنا بالأفراح، وتغسلنا بماء النقاء والطهارة التي تجعلنا نولد من جديد.

* أديب من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش