الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الكرامة في سياقها السياسي

د. رحيل محمد غرايبة

الأربعاء 30 آذار / مارس 2016.
عدد المقالات: 524



حظيت معركة الكرامة بحديث المحللين العسكريين بإطناب، وتم تخليد ذكرى هذه الموقعة في كل عام بطريقة وجدانية، وبكل تأكيد فإن موقعة الكرامة تستحق التمجيد والحديث والنظر والتحليل؛ لأنها استطاعت أن تحدث هزة كبيرة في موازين القوى التي كانت باتجاه ترجيح كفة الكيان الصهيوني المحتل بعد حرب (1967)، التي كانت تحمل قدراً كبيراً من المفاجآت الضخمة.

محطة الكرامة جاءت في سياق الصراع العربي مع الاحتلال الصهيوني، ولا مجال لفهم هذه «الموقعة» وأبعادها الحقيقية بطريقة مجتزأة من هذا السياق الطويل والمستمر الذي بدأ منذ تم وضع «فلسطين» تحت الوصاية والانتداب البريطاني، في مسار مخطط له سلفاً لتكون وطناً قومياً لليهود، بنص وعد بلفور المشؤوم، ويمكننا القول: إن أصل الصراع وجذر البلاء لكل ما جرى ويجري في الأقطار العربية من اقتتال وحروب أهلية وتطرف وإرهاب هو : «الاحتلال الصهيوني لفلسطين»، ويتضح أن التعامل الدولي مع المنطقة العربية كان يجري بهدف تهيئة البيئة المناسبة لرعاية هذا «الكيان» الوليد وتطويره وتقويمه وحمايته ليكون قادراً على العيش والاستمرار في هذه البيئة الغريبة عنه، ثقافةً وتاريخاً ومستقبلاً، ومن أجل تمكينه من مواجهة القوى العربية مجتمعة، إذ يقتضي ذلك إضعاف كل الأطراف العربية بشكل استراتيجي دائم ومستمر.

«الكيان الصهيوني» يشكل رأس الحربة للتحالف الغربي مجتمعاً، الذي يهدف إلى السيطرة على هذه المنطقة المهمة جيو إستراتيجياً، والغنية بمقدراتها، ومواردها؛ ما يؤشر بوضوح على معالم المخطط الإستراتيجي في تقسيم المنطقة وتجزئتها، وإثارة مكامن النزاع بين مكونات شعوبها، وكان الهدف الأول لدى الكيان الصهيوني وحلفائه، تمزيق الجبهة العربية الواحدة إلى بضع جبهات منفردة ومتناقضة ومتنافرة، بالحرب أو بالسلم، وسارت الأمور كما نشاهدها خطوة خطوة، فبعد تمزيق العالم العربي، يجري الآن تمزيق الشعب الواحد في القطر الواحد.

معركة «الكرامة» جاءت بعد تسعة أشهر من هزيمة 1967، وأراد الكيان الصهيوني أن يستثمر النجاح الذي حققه بمزيد من المكتسبات السياسية والعسكرية، مستنداً إلى حالة الهزيمة المعنوية القاسية السائدة في الوسط العربي، فوقع الاختيار من قبل «موشيه دايان» وزير الحرب «الإسرائيلي» على الأردن؛ لأنه بحسب رأيه القطر العربي الأضعف، بالإضافة إلى الاستثمار في حالة الخصومة السياسية بين الأردن ومصر «عبد الناصر»، وكذلك بين الأردن وسوريا «الأتاسي»، ولذلك دعا (دايان) الصحفيين والإعلاميين إلى تناول الفطور في قمم جبال السلط، كما كان يتوقع أن الحرب لن تستغرق سوى بضع ساعات، وسوف تكون عبارة عن نزهة.

معركة الكرامة كانت مفاجأة بمعنى الكلمة، حيث استطاع الجيش الأردني أن يحقق أسطورة ثبات غير متوقعة، عندما ألحق هزيمة ساحقة بالقوة «الإسرائيلية»، التي اخترقت الحدود وفق ثلاثة محاور معروفة في الغور الأوسط، ويمكن القول إن الآثار السياسية لهذه الموقعة هي الأكثر أهمية، إذ إن القيادة «الإسرائيلية» بأحزابها الكبيرة والصغيرة مجمعة على حل ما يسمّى (بالخيار الأردني)، ولكن الخلاف بينهم في كيفية الإخراج والتنفيذ وفي المدة المتدرجة لذلك، حيث يرون أن الأردن تمثل ما يطلق عليه الوطن البديل، وأرادت الحكومة «الإسرائيلية» أن تفرض هذا الحل بالقوة، والهيمنة على شرق الأردن بإضعاف النظام والجيش، ومواجهة ظاهرة العمل الفدائي، التي بدأت تزدهر في غور الأردن، ولذلك يجب تطهير الغور بحسب رأيهم من بؤر المقاومة والقضاء عليها قبل نضوج عودها عسكرياً، ونقل المخيمات الفلسطينية من الغور إلى المدن الأردنية في العمق الشرقي، وهذا ما حدث فعلاً.

الأثر السياسي الأكثر خطورة تمثل في اختراق المنظمات الفلسطينية، وتوجيه طاقاتها بعيداً عن مواجهة الاحتلال، ولذلك فقد توجهت المنظمات الفدائية إلى المدن الأردنية وبدأت الاستعداد لمعركتها القادمة مع الدولة الأردنية والنظام الأردني، وهذا ما حدث فعلاً في عام (1970)، ضمن غطاء عسكري وسياسي عربي تحت شعار تحرير فلسطين يبدأ بتحرير عمان.

معركة الكرامة وجهت ضربة لهذا المخطط بكل تأكيد، وشكلت حرجاً شديداً لكبرياء عبد الناصر المجروحة، ووجهت إحراجاً شديداً لسوريا أيضاً، وأحدثت معركة الكرامة جدلاً سياسياً وعسكرياً في الجيوش العربية المجاورة، ولذلك يمكن القول أن حرب (73) كانت إحدى محطات الانقاذ لسمعة هذه الجيوش، وانقاذ القلاع القومية التي تتبنى الخطاب القومي من انهيار التأييد الشعبي العارم الذي كانت تتمتع به قبل (1967).

لم يتم استثمار «محطة الكرامة» سياسياً وعسكرياً بشكل استراتيجي على المستوى العربي، ولو تم ذلك لأمكن إعادة بناء الجبهة العربية سياسياً وعسكرياً من أجل إعادة بناء القدرات المعنوية والعسكرية لدول الطوق، بطريقة موحدة قادرة على الثأر لو أرادت، كما تقول معركة الكرامة، ولكن المؤامرة كانت وما زالت أكبر من العرب، ولذلك لا بد من إنجاز المشاريع الوطنية على مستوى الأقطار العربية أولاً، ومن ثم الذهاب إلى إنجاز المشروع العربي المتكامل، على مستوى المنطقة، من أجل امتلاك القدرة الجماعية على مواجهة المشاريع الإقليمية التي تستثمر في ضعفنا وتفرقنا، وغياب المشاريع الوطنية، وغياب المشروع العربي الكبير، ولن يتم هذا الأمر إلّا بفهم أصل البلاء وجذره الذي تتفرع عنه كل المشاكل والاخفاقات الكبيرة والصغيرة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش