الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرواية العربية. من التراث إلى العولمة

تم نشره في الجمعة 25 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

د. عماد الضمور *



تعتمد المجتمعات الإنسانية في وجودها وتطورها على الثقافة والمعرفة، فالثقافة لم تعد تعني فقط التراث ومجموعة العادات والتقاليد لدى جماعة معينة بل توسعت وأصبحت تتعلق بكل جوانب الحياة فهي في ظل التطور التكنولوجي لوسائل الاتصال وانتشار نظم المعلوماتية باتت ضرورة لإشباع الحاجات الإنسانية ومواكبة العلم والمعرفة.

المبدع ابن بيئته وطالما محكوم عليه مواجهة مستجدات العالم المحيط به سلباً وإيجاباً وعلى المستويات كافة . كما أن من خصائص الثقافة أنّها انتقالية وتراكمية تنتقل من جيل إلى آخر ومن تجمع بشري إلى آخر وذلك عن طريق الاستعمار والإعلام ممّا يؤدي إلى حتمية التراكم من المعارف.

تعتمد ثقافة العولمة على الصوت والصورة بهدف التأثير في الأفراد والجماعات وتوجيه الرأي العام.

ولما كان الأبداع بشكل عام يعتمد على التقصي والاكتشاف لتصوير الواقع فإن فن الرواية بشكل خاص بوصفه يعتمد فعل القراءة يعتمد على ما يمكن تسميته بكسر النمط المألوف فلا يتبنى نسقاً ثابتاً يشيد عليه عالمه، فهو بنية احتمالية تكتسب مقومات الجمال فيها من خلال خصوصية تشكيلها، إذ يسعى الروائي من خلال الاتجاهات الواقعية والفنية واللغوية إلى إبداع سردي يعيد صياغة الواقع وفق رؤى خاصة.

الروائي الأردني صبحي فحماوي هو ابن لفن القص الذي يلتقي عنده الواقعي بالمتخيل لإنجاز فعل سردي قائم على نظام هندسي يسير عليه البناء الدرامي للرواية، لتكريس انحياز الروائي للواقع بكلّ معطياته الجديدة.



لا نتكلم في هذه الدراسة عن العولمة بمظهرها الفني القائم على ذوبان النوع الأدبي الذي جعل عملية تجنسيه تكاد تكون صعبة، بل نتحدث عن العولمة بأثرها المادي القائم على التغيّر في مظاهر الحياة كافة وانعكاساته على العمل الأدبي، إذ يقدم صبحي فحماوي في روايته « الحبّ في زمن العولمة « تجسيداً لما يمكن تسميته بأدب التحولات الذي يرصد أحوال التغيّر الذي تمر به الذات الفردية والجمعية على السواء.

تتبدّى ملامح هذا التحول عبر خط مرجعي فاصل رصده الفن وفقاً لرؤية مبدعه، ألا وهو تغلغل العولمة في حياة المجتمع، ممّا أثّر بشكل بالغ في تركيبة المنظومة القيمية للجماعة وفي تماسك المجتمع يقول: « ومدينة العولمة هذه ليست في مصر أو سوريا أو الأردن أو فلسطين أو العراق أو المغرب العربي أو بلاد الجزيرة العربية ولا حتى في الصومال أو جيبوتي بل هي واقعة داخل الحدود المشتركة لهذه الدول في مساحة مستباحة فتمَّ الاختلاف عليها بين العربان الأعراب العاربة والأعراب المستعربة»(الرواية ص26).

وهكذا فإن شخوص صبحي فحماوي في روايته شخوص مأزومة بواقعها تسكنها هواجس العولمة وتسيطر عليها تبعات الواقع، ممّا أسهم انفلات السرد من قيود الواقع ليمعن في بيان تفصيلات العولمة وآثارها النفسية، كما في تصويره لواقع ثريّا:» شعرت ثريا بخوف شديد! ومن شدة خوفها تذكرت أخاها سفيان فقالت :» أين هو سفيان، لا يشاركنا همومنا؟ فمنذ أن جاء من لندن، لم يجلس معنا سوى مرتين أو ثلاث مرات ثم اختفى! وكأن الأمر لا يهمه... لقد أنهى دراسته الجامعية هذا الصيف! معنى ذلك أنه رجل قادر على تحمل الأعباء!» (الرواية ص 36).

إنّ رواية العولمة التي يسعى صبحي فحماوي إلى بيان أثرها ورسم معالمها في ذهن المتلقي تمارس سطوتها الواقعية وبنياتها الفنية، فهي شاهد على تحول مكاني واضح، وتغيّر في نمط الحياة، ممّا يُضيف للشخوص أعباء جديدة لم تكن بالحسبان، كما في حديثه عن مدينة البطين التي تحولت بشكل كامل بفعل العولمة:» قامت أبنية وبيوت وعمارات وازدادت الدكاكين واكتظّ السوق بالبائعين والمشترين والمارقين وصار في مدينة البطين شيء اسمه الزحمة! ولكنها بقيت تحتفظ بشوارع شبه ترابية وغبار ومياه منسابة في الطرقات، اختلط الحابل بالنابل، وعامت الأشياء على بعضها!» ( الرواية ص 83).

تتحرك العولمة في الرواية باعتبارها جزءاً من تفكير الكاتب يتحرك من خلالها محاولاً الاتصال بالواقع من خلال توظيف أثارها عليه، ليكتسب الفعل المسرود طابعه المتميّز، وهذا ما ظهر على تصرفات الشخوص كما يظهر سائد الذي كان يعمل مساحاً للأراضي في بلدية البطين. كذلك في شخصية اسمهان وانتقالها الطبقي الذي غيّر مجرى حياتها.

لعلّ قراءة الرواية قراءة تفاعلية تستجيب لمتطلبات العصر وضروراته جعلت صبحي فحماوي يوظف مهنته هندسة الحدائق في كتابته الروائية فهو جزء من هذه العولمة وأحد شخوصها الفاعلين، وهو من ناحية أخرى ـ بوصفه أخد المثقفين ـ أرداد المشاركة في صيرورة إيجابية للتطور العربي وذلك بولوج عالم التكنولوجيا وجعله من وسائط التفاعل، ممّا جعله يسقط عالمه على شخصية مهران، حيث يقول:» عند انتهاء درس علم النفس الاجتماعي قال مهران لثريا:» إن حديقة قصركم جميلة ومدهشة وفيها أكثر من طابع واحد للحدائق، فأيدته ثريا قائلة : أنا مثل أبي أحبّ الحدائق الفرنسية، لقد زرت معه حديقة فرساي في باريس، إنها تأخذ العقل! أشكال هندسية متناظرة ، وأزهار وألوان ومعالم مائية ونوافير وتماثيل وطرقات وغابات ساحرة. ففرك أذنه التي كانت تنمنمه وهو يقول:» هل تعلمين أن الحدائق والعمارة الفرنسية مأخوذتان من الحدائق والعمارة العربية الأندلسية؟ لقد أخذوا فنوننا وعلوم حدائقنا وحضارة عمارتنا الأندلسية، ثم قتلوا الأندلس، ومن أقام الحضارة فيها» ( الرواية ص96).

لقد انتقل أثر العولمة في الرواية لينال من طبيعة الشخوص وتصرفاتها وطعامها وكيفية تفكيرها حتى باتت مرضاً يُعدي الجميع ولا يمكن النجاة من أعراضه المأسوية التي خلخلت البنية الاجتماعية والسلوكيات، ممّا جعل اروائي يتدخل لضبط إيقاع الفوضى التي اجتاحت الواقع بفعل العولمة؛ لضبط إيقاع الواقع وانقاذه من السقوط في وحل الرذيلة، كما في تعليق (روزا) على كلام( رالف) الهدّام:» أرى أن الحب الرومانسي أجمل وأنقى وأمتع من هذه العمليات التجارية في الجنس والتي ليس فيها عنصر الأمان والثقة وصدق المحبة وعناصر التشويق والإثارة والانتظار والمفاجأة» ( الرواية 219).

أسلوب السرد في الرواية اعتمد على الرؤية الخارجية (السرد الموضوعي)، وعلى الأسلوب السردي الذي يعتمد الرؤية الداخلية والراوي المشارك بـ (السرد الذاتي). وهما أسلوبان رئيسان في السرد الروائي. وقد تتضافر الرؤيتان: الخارجية والداخلية في تقديم مادة الرواية، فتكون (الرواية ثنائية) تتداخل فيها الرؤيتان أو تتكاملان.

لقد قام الراوي بوظيفتين هامتين في روايته: الوظيفة الوصفية، التي يقوم فيها (الراوي) بتقديم مشاهد وصفية للأحداث، والطبيعة، والأماكن، والأشخاص، دون أن يُعلم عن حضوره، بل إنه يظل متخفياً، وكأن المتلقي يراقب مشهداً حقيقياً لا وجود للراوي فيه.

والوظيفة التأصيلية، وفيها يقوم الراوي بتأصيل رواياته في الثقافة العربية والتاريخ، ويجعل منها أحداثاً للصراع القومي، ويربطها بمآثر العرب المعروفة في الانتصار على الخصوم، مبرزاً الصراع الحضاري في أبهى صوره.



* أكاديمي وناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش