الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الوجود الإيراني في العراق.. حــقــائق جـديـدة * د. محجوب الزويري

تم نشره في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2007. 03:00 مـساءً
الوجود الإيراني في العراق.. حــقــائق جـديـدة * د. محجوب الزويري

 

 
تكشف هذه الدراسة الحقائق الجديدة المرتبطة بالوجود الإيراني في العراق. وتركز على إستراتيجية إيران الكبرى في العراق ، وعملية صنع القرار الإيراني بشأن ذلك الوجود. وتناقش الدراسة الأساليب المختلفة التي تستخدمها إيران لتحقيق أهدافها في العراق ، كما تتناول مستويات التدخل الإيراني الأربعة في العراق ، ونتائج ذلك على المنطقة بصورة متعمقة. وتتضمن الدراسة أيضا بيانات داعمة تساعد على فهم طبيعة التدخل الإيراني في العراق.
قبل اغتيال أبي مصعب الزرقاوي ، زعيم القاعدة في العراق ، في حزيران ـ يونيو 2006 ، لم يكن هناك اهتمام كبير بطبيعة التدخل الإيراني في العراق. فقد كان التركيز منصبا على إنهاء الحرب ، وتدمير حزب البعث ، وبناء عراق جديد. والأهم من كل هذا هو أنه كان هناك تصميم على ربط الحرب على العراق بالحرب على الإرهاب ، وبخاصة القاعدة.
وتركز النقاش المتعلق بالدور الإيراني في العراق في العواصم الغربية - وبصورة أكبر من العواصم العربية - حول إمكانية استخدام العداء الإيراني للعراق لإقناع إيران بالانضمام إلى التحالف الدولي في مهمته لتغيير النظام. "الإستراتيجية الكبرى" وعملية صنع القرار يمكن القول إن لدى إيران "إستراتيجية كبرى" بالنسبة للعراق مرتبطة "بالأمن القومي في إيران".
والهدف من هذه الإستراتيجية هو ضمان أن لا يشكّل العراق تهديدا لأمن إيران بأي شكل من الأشكال ، أو أن لا يتم التلاعب به بحيث يصبح خطرا على إيران. وقد برز هذا النهج نحو العراق نتيجة للحرب الإيرانية العراقية التي دامت ثماني سنوات ، و جعلت إيران تنظر إلى العراق باعتبارها خطرا على مصالحها الجيواستراتيجية ، والاقتصادية ، والدينية على المستوى الإقليمي.
وتخشى إيران أيضا "أن يواصل العراق الجديد إتباع سياسة معادية لإيران." وعليه ، من الضروري جدا لإيران حماية هذه المصالح الإقليمية عن طريق الحفاظ على وجودها في العراق. علاوة على ذلك ، يرسل وجود إيران في العراق رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة بأنها فشلت في إقامة نظام موال لأمريكا في بغداد ، كما يؤكد الحقيقة القائلة أن"مبدأ تغيير الأنظمة السياسية في السياسية الخارجية الأمريكية قد فشل".
إن عملية صنع القرار المتعلق بالعراق في إيران معقدة وصعبة الفهم. ومع ذلك ، فمن الصحيح القول أن المجلس الأعلى للأمن القومي يشارك بصورة كاملة في هذه العملية ، وكذلك دوائر صنع القرار المهمة الأخرى في إيران ، بما فيها الحكومة ، ومجلس تشخيص مصلحة النظام ، ووزارة المخابرات والأمن ,MOIS وفيلق الحرس الثوري الإسلامي IRGC ، والمؤسسة الدينية (الحوزة) ، ومكتب آية الله خامنئي.
وعلى الرغم من ضرورة موافقة مجلس الأمن القومي على الخطوط العريضة للاستراتيجيات ذات الصلة بالأمن ، إلا أن كل مؤسسة معنية تمتلك مساحة للمناورة في إطار هذه الخطوط العريضة.
الأساليب الإيرانية
لقد كانت إيران مستعدة جيدا لملء الفراغ السياسي الذي أحدثه انهيار النظام العراقي. فمنذ الأيام الأولى للتحضيرات للحملة العسكرية ضد العراق ، وبعد الاجتماعات التي تم عقدها بين المسؤولين الإيرانيين ونظرائهم الأمريكيين والأوروبيين ، كانت إيران متأكدة تماما من شن الحرب على العراق.
لذا ، كان معارضو نظام صدام مستعدين بطريقتين: الأولى هي أنه تم تشجيع الزعماء الدينيين الشيعة ، مثل محمد باقر الحكيم وغيره ، على حضور الاجتماعات التي تم عقدها في واشنطن ، ولندن ، والسليمانية في المنطقة الكردية شمال العراق.
وقد كانت هذه الاجتماعات مصادر ممتازة للمعلومات المتعلقة بالخطط الأمريكية والغربية بشأن العراق. والطريقة الثانية هي تقوية العلاقات مع شخصيات المعارضة الشيعية العلمانية ، مثل أحمد الجلبي ، ومع القادة الأكراد في شمال العراق.
وقد أقامت إيران علاقات وثيقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ، بقيادة مسعود برازاني ، بالإضافة إلى إقامة صلات طيبة مع الاتحاد الوطني الكردستاني ، بقيادة جلال طالباني ، الرئيس الحالي للعراق.
ومن خلال إقامة هذه الصلات وتقويتها أعد الإيرانيون أنفسهم لتداعيات انهيار نظام صدام. ففي الوقت الذي كانت فيه قوات التحالف تتقدم باتجاه بغداد ، تركوا الجنوب (ومعظم سكانه من الشيعة) في حالة فوضى.
وفي تلك الأثناء ، كان فيلق بدر - الذي كان معروفا بكونه الجيش العاشر في قوات الحرس الثوري الإيراني - يأخذ مواقعه في مدن جنوب العراق.
وكان هذا تكتيكا مهما لتنفيذ الاستراتيجية الإيرانية بالتدخل في الشؤون العراقية.
وكان كل هذا مصحوبا بدعاية إعلامية واسعة تهدف إلى نشر رسالة مفادها أن الشيعة العراقيين ، ولكونهم يشكلون 60 في المائة من عدد السكان في العراق وفقا للإحصائيات التي تم نشرها على نطاق واسع من قبل الدوائر الغربية والنخبة السياسية الجديدة في العراق ، يمتلكون الحق الشرعي في تولي القيادة في العراق ما بعد صدام.
في ذلك الوقت ، اعتمدت إيران تكتيكا آخر ، إذ صوّرت التدخل الإيراني في العراق بوصفه شكلا من أشكال المساعدة للنظام العراقي الجديد يهدف إلى ضمان الاستقرار السياسي. وبدا هذا جليا في التصريحات الإيرانية التي كانت تؤكد أن ما يحدث داخل العراق هو شأن عراقي ، وتقارن الدور الإيراني في العراق بدور الولايات المتحدة هناك.
ومع أن أغلبية الذين تم انتخابهم لعضوية الحكومة المؤقتة كانوا من الشيعة ، إلا أن إيران ادّعت أن هذه المسألة ليست عاملا محفزا لعلاقاتها مع العراق. وخلال الحرب التي اندلعت بين البلدين في الثمانينيات ، تبنت العراق سياسة ترحيل العراقيين من أصول إيرانية إلى إيران ومصادرة جميع ممتلكاتهم. وكانت هذه السياسة تهدف إلى تأمين العراق من خطر أي جواسيس محتملين ، ولكنها كانت فرصة ذهبية لإيران لاستغلال العامل البشري العراقي في المجهود الحربي.
وفي الوقت الراهن ، تحاول إيران تحقيق أهدافها في العراق من خلال التأكيد على ولائها للشيعة داخل العراق. بعبارة أخرى ، تبذل إيران جهدا جبارا لضمان أن يظل الشيعة داخل العراق أقوياء ، حيث أنها ترى أنه يمكن التعويل عليهم في تحقيق المصالح الإيرانية في العراق. ومع ذلك ، فإنه من المهم لإيران القيام بهذا الأمر في سياق سياسي ، لا سياق ديني.
فمن جهة ، يعني هذا دعم أولئك الذين يحكمون العراق ، مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (الذي حذف مؤخرا كلمة "الثورة" من اسمه ليصبح المجلس الأعلى الإسلامي العراقي) ، والمؤتمر الوطني العراقي ، وحزب الدعوة الإسلامي.
ومن جهة أخرى ، فإن إيران تدعم أولئك الذين يعارضون الاحتلال وبعض مظاهر العملية السياسية ، مثل آية الله السيستاني ، ومقتدى الصدر ، والمجموعات المسلحة من السنة والشيعة.
وعن طريق اتباع هذا النهج المزدوج ، يمكن لإيران إبقاء جميع القنوات مفتوحة وإثبات قدرتها السياسية على إدارة الأزمة في العراق. وتخدم هذه الأزمة المصالح الإيرانية ، لأنها تبقي الولايات المتحدة مشغولة في العراق ، وتظهر فشل أمريكا في الترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط وفي إحلال الاستقرار في العراق الجديد.
ووجود فصائل مسلحة في العراق مهم بالنسبة لإيران ، والأهم من ذلك هو أنها بشكل أو بأخر تعمل لحساب إيران.
مستويات التدخل
هناك أربعة مستويات للتدخل الإيراني في العراق :
1) العلاقات مع القادة الدينيين ، 2) العلاقات مع المسؤولين الحكوميين ، 3) العلاقات مع المجموعات المسلحة ، 4) العلاقات الاقتصادية ، بما في ذلك تقديم المعونات. وستتم مناقشة كل مستوى على حدة.
يتعلق مستوى التدخل الأول بالعلاقات الإيرانية مع القادة الدينيين العراقيين. فقد تم الحفاظ على هذه العلاقات وفقا للإستراتيجية المُعلنة بإبراز التأثير الإيراني في المؤسسة الدينية العراقية ، الذي دفع باتجاه بناء العراق الجديد وإحلال الاستقرار فيه.
ولإيران علاقة قوية مع المجموعات الدينية الشيعية ، مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ، "وذراعه السياسي ، فيلق بدر ، الذي تحوّل الآن إلى منظمة سياسية تُدعى منظمة بدر".
وقد تأسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية - والذي قرر في أيار 2007 حذف كلمة (الثورة) ليصبح اسمه الجديد (المجلس الإسلامي الأعلى في العراق) - تحت قيادة محمد باقر الحكيم ، الذي اغتيل في انفجار في مدن النجف عام 2003. وتولى شقيقه ، عبدالعزيز الحكيم ، قيادة المجلس بعد ذلك.
ويُعتبر المجلس أساس ما يُعرف اليوم بالتحالف الشيعي في العراق. ولإيران أيضا صلات مع الاتحاد الوطني الكردستاني ، كما أنها أبقت على علاقاتها مع المجموعات العلمانية الشيعية ، وبخاصة المؤتمر الوطني العراقي ، الذي كان تحت قيادة أحمد الجلبي.
وتمثّل هذه المنظمات وقادتها النخبة العراقية الجديدة ، الأمر الذي يزيد من أهمية علاقاتها الوثيقة مع الإيرانيين. ومن المهم كذلك الأخذ بالاعتبار زيارات المسؤولين الإيرانيين ، بمن فيهم وزير الشؤون الخارجية ، والسفير الإيراني ، إلى آية الله السيستاني .
ويمكن فهم طبيعة العلاقة بين إيران والمجموعات الدينية الشيعية بوصفها أحد أدوات التأثير الإيرانية. ويمكن القول أن إيران كانت تموّل بعض هذه المنظمات حين تم نفيها من العراق في ظل نظام البعث ، إلا أنه من الصعب تقديم أدلة واضحة على ذلك. وكانت إيران تشترك مع هؤلاء القادة في هدف رئيسي: القضاء على نظام البعث العراقي.
ولكن لم تكن هناك رؤية واضحة لطبيعة العلاقة حين ينجح تغيير النظام. فقد خططت إيران أن تكون لاعبا شديد الأهمية في العراق الجديد بغض النظر عن أية ضغوط قد تواجهها. وبناء على ذلك ، لم تكن هناك قيود على تدخلها.
والكيفية التي مارست فيها إيران نفوذها من خلال القادة الشيعة ليست واضحة ، ولكن قد يكون من الصحيح القول إن المصالح السياسية المشتركة تجعل الجانبين وكأنهما ينسقان جهودهما. أما مستوى التدخل الثاني ، فيحدث من خلال وسيط "رسمي" ، يتم من خلاله الحفاظ على العلاقات الرسمية مع القادة السياسيين في العراق.
وتتطور مثل هذه العلاقات على مرأى العالم كله عبر اجتماعات قد يتم عقدها بين مسؤولين من أي دولتين. ولكن من المهم الإشارة هنا إلى أن العلاقات الرسمية بين الدولتين وصلت إلى المرحلة التي يمكن فيها للجانب الإيراني اختراق المؤسسات الحكومية العراقية.
وقد قال أحد الدبلوماسيين الإيرانيين بثقة ، معلقا على هذا الوضع: "إذا اتصلت بأي مكتب حكومي في العراق ، فسيرد عليك خمسة أشخاص على الأقل يتحدثون اللغة الفارسية." بالإضافة إلى ذلك ، يلجأ المشرّعون الشيعة إلى الحديث باللغة الفارسية في كافتيريا البرلمان العراقي إذا كانوا لا يريدون أن يتم سماع محادثاتهم."
ولطالما دعمت إيران جميع الحكومات العراقية المُنتخبة. وقد كان هذا الدعم مهما ، وفقا للمواقف العربية السنية ، لأن جميع أولئك الذين فازوا بالانتخابات في العراق مرتبطون بإيران من نواح عديدة.
ودائما ما كان المسؤولون العراقيون ، عند تولي مناصبهم في الحكومة ، يحرصون على أن تكون زيارة طهران على رأس قائمة المهام الخاصة بهم.
وقد تبنى معظم السياسيين العراقيين هذه السياسة خلال الأربعة أعوام الماضية ، التي نشأت من العزلة السياسية التي عانى منها هؤلاء السياسيون ، وبخاصة من الحكومات العربية.
ورئيس الوزراء السابق ، إبراهيم الجعفري ، الذي يمثل حزب الدعوة الإسلامي - المدعوم والممول من قبل إيران - زار إيران في تموز ـ يوليو 2006.
كما زار نوري المالكي ، رئيس الوزراء الحالي ، إيران في أيلول ـ سبتمبر 2006. وفي تشرين الثاني ـ نوفمبر 2006 ، زار الرئيس العراقي ، جلال طالباني ، طهران أيضا. وإلى جانب هذه الرحلات ، فإن هناك رحلات منتظمة يقوم بها أعضاء البرلمان ، والوزراء ، والعسكريون.
ومن الجدير بالذكر أيضا أن مقتدى الصدر ، الزعيم الشيعي البارز ، زار طهران والتقى بمسؤولين إيرانيين عام 2005. والاستثناء الوحيد هو رئيس الوزراء المؤقت ، إياد علاوي ، الذي تمت دعوته لزيارة إيران ، ولكنه لم يقبل الدعوة. وقد اتضح تدريجيا أنه يشعر بالقلق حيال الدور الإيراني في العراق.
لقد أظهرت أزمة المحتجزين الإيرانيين الخمسة الذين اعتقلتهم الولايات المتحدة في كركوك تأثير الحكومة الإيرانية على كبار السياسيين العراقيين.
وردا على احتجازهم ، قررت إيران عدم المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ في 3 - 4 أيار ـ مايو 2007.
وأرسلت العراق وزير خارجيتها إلى طهران لتأمين المشاركة الإيرانية. وعلى الرغم من أنه تم رفض هذه المبادرة من قبل الحكومة الإيرانية ، إلا إن إيران غيرت لاحقا قرارها وشاركت في المؤتمر.
كما نجحت جهود المسؤولين العراقيين أيضا في إقناع الولايات المتحدة بالموافقة على زيارات عائلية إلى المحتجزين الإيرانيين. وأشارت التقارير إلى أن هذه الأزمة "أوجدت صدعا بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة".
ويحدث المستوى الثالث من التدخل الإيراني في العراق من خلال الطيف الأمني. ويتجلى ذلك في إنشاء خلايا تعمل في إطار المجموعات المقاتلة في العراق. ويعتبر جهاز المخابرات الإيراني العراق بوصفه أحد التحديات الرئيسية التي يواجهها ، وعليه ، يرى أن الوجود الإيراني داخل المجموعات المقاتلة هناك أمر بالغ الأهمية. وتقدم إيران بعض العناصر إلى العراق مع الدعم اللوجستي تحت ذريعة مواجهة الاحتلال أو مواجهة المجموعات السياسية التي تعمل لتهميش الشيعة في العراق. وهذه المجموعات سرية للغاية في طبيعتها ، وقد تمكنت من اختراق فيلق بدر ، بالإضافة إلى مجموعات عراقية شيعية أخرى تم تشكيلها لحماية المناطق والمؤسسات الشيعية.
ومن الصعب التنبؤ بعدد المتسللين في العراق: إلا أن حالة الفوضى التي تسود جنوب العراق ، وعدم القدرة على السيطرة على الحدود الإيرانية العراقية ، تسهّل تنقلاتهم ، وتجعل من اليسير عليهم الاختباء داخل العراق.
من المهم الإشارة هنا إلى الدور الحيوي الذي يؤديه العنصر البشري فيما يتعلق بالمستوى الأمني. فالعائدون العراقيون مثلا تربطهم علاقات قوية بأجهزة الأمن الإيرانية. والمثير للاهتمام هو أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR أشارت إلى أن عدد المهاجرين العراقيين في إيران انخفض بشكل ملحوظ ، بعد سقوط بغداد - من 300,000 إلى 70,000 شخص. ويدل انخفاض عدد المهاجرين العراقيين في إيران على أن أولئك العراقيين الذين عادوا إلى العراق كانوا مرتبطين ، بصورة ما ، بالدوائر الإيرانية ، بما في ذلك الأجهزة الأمنية.
وفي الواقع ، كانت هذه الرابطة أحد الأسباب وراء عدم الثقة بين أولئك الشيعة ومقتدى الصدر.
وعليه من المنطقي الافتراض أن العائدين العراقيين مستعدون للتعاون مع أجهزة الأمن الإيرانية. علاوة على ذلك ، فإن لدى إيران أكبر مجموعة من الأجانب الداخلين إلى العراق. وبموجب اتفاقية وقعتها إيران مع العراق ، يُسمح لـ 1500 حاج إيراني بالدخول إلى العراق يوميا.
وتتبع إيران النهج نفسه في التعامل مع العراقيين من أصول عربية وفارسية.
ويبدو أن إيران تتعامل مع القضية وفي ذهنها حقيقة واحدة: من هم الأشخاص الذين من المرجّح أن ينفذوا الإستراتيجية الإيرانية ويساعدون على تحقيق الأهداف الإيرانية في العراق؟ إن كان هؤلاء الأشخاص هم السنة ، فلن تتردد إيران في دعمهم. ومن الممكن القول إنه يمكن فهم الروابط بين إيران والمجموعات المسلحة من السنة ، بمن فيهم القاعدة ، بوصفها وسيلة للتسبب بتدهور الأوضاع في العراق ، بحيث تواجه الولايات المتحدة تحديات أعظم في التعامل معه. ومرة أخرى ، من المهم فهم التدخل الإيراني في العراق ضمن سياق سياسي ، وبغير ذلك ، سيبدو من الصعب تتبع وتقييم مثل هذا التدخل.
أما مستوى التدخل الرابع ، فيحدث من خلال "المساعدات".
فقد وعدت طهران تقديم أكثر من 100 مليون دولار لإعادة بناء العراق ، شريطة أن لا يتم دفع هذه المساعدات إلى الحكومة العراقية مباشرة ، بل يتم استخدامها بدلا من ذلك في إقامة مشروعات للبنية التحتية في النجف وكربلاء. ووعدت إيران بالمساعدة في إعادة بناء مطار النجف ، ووصل شبكة سكة الحديد التي تصل إيران بالعراق ، وذلك كخطوة نحو زيادة التجارة والسياحة الدينية.
"تمنح إيران النجف 20 مليون دولار سنويا لبناء وتحسين المرافق السياحية للحجاج.. وتحصل كربلاء على حوالي 3 ملايين دولار سنويا".
وفي كانون الأول ـ ديسمبر 2006 ، وقعت إيران اتفاقية تضمنت دفع مبلغ مليار دولار للعراق ، وسيتم دفع جزء من هذا المبلغ لدعم ميزانية الحكومة العراقية. إلا أنه سيتم إنفاق بقية المبلغ على تطوير مختلف القطاعات العراقية ، بالإضافة إلى تدريب الموظفين في القطاع العام في العراق. وتلقت إيران بالفعل آلاف المتدربين في قطاعات البريد ، والصحة ، والتعليم ، والأمن.
كما وقع البلدان اتفاقية أمنية ستؤدي إلى تبادل المعلومات الأمنية. وبما أن الحكومة في بغداد عاجزة عن معالجة التحديات الأمنية ، فمن الصعب جدا معرفة التقدم الحقيقي الذي تحرزه الدولتان على المستوى الاقتصادي ، وفيما إذا تم تنفيذ هذه الاتفاقيات أم لا. تؤدي إيران دورا مهما في اقتصاد العراق.
وعلى الرغم من حقيقة عدم وجود إحصائيات دقيقة حول حجم العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق ، إلا أن التجارة بين الدولتين نمت بنسبة 30 في المائة منذ عام 2003.
وتؤكد الإحصائيات المتوفرة أن صادرات إيران غير النفطية إلى العراق تتجاوز مليار دولار. وقد صدرت إيران منتجات حيوانية بقيمة تتجاوز 79 مليون دولار إلى العراق في الأربعة أشهر الأولى من عام 2006. وتجاوزت قيمة المستوردات العراقية من المواد الصحية والأدوية الإيرانية مبلغ 5 ملايين دولار.
وتوفر إيران للعراق أيضا 150 ميغاواط من الكهرباء ، التي سيتم زيادتها قريبا إلى 1650 ميغاواط. إلى جانب ذلك ، أقامت إيران علاقات اقتصادية مستقلة مع الأكراد في العراق. ونتيجة لذلك ، "تأتي نسبة تقارب 30 إلى 40 في المائة من الصادرات الكردستانية من إيران. كما يعتمد أكراد العراق على مستوردات الغاز من إيران."
علاوة على ذلك ، تشير التقارير إلى أن 200 شركة إيرانية بدأت نشاطاتها في مجالات مختلفة في العراق. وقد وقعت منطقة كيش التجارية الحرة في إيران مذكرة تفاهم مع كردستان العراقية لتوسيع التبادلات الثنائية ، التي تشتمل على اتفاقية لإقامة خط جوي بين منطقة كيش التجارية الحرة وكردستان العراقية.
ولا شك أن إيران لم تكن لتستطيع تحقيق كل هذا دون إقامة وجود ملموس لها في العراق. وسفارة إيران الرئيسية اليوم موجودة في بغداد ، بالإضافة إلى قنصليتين مهمتين جدا في كربلاء والبصرة. وهناك كذلك مكتب دبلوماسي في شمال العراق سيتم تحويله إلى قنصلية بحلول نهاية هذا العام. وعلى الرغم مما تفعله في العراق ، إلا أنه يبدو أن هذا هو رد فعل لإيران.
ومع ذلك ، فإن المتابعة الدقيقة لهذا التدخل ، ولطبيعة العلاقة مع النخبة العراقية الجديدة ، والمستويات المتعددة لهذا التدخل الإيراني ، لا يترك مجالا للشك في أن هناك نوعا من التخطيط والمبادرة من الجانب الإيراني.
لقد تحول العراق أداة جديدة للصراع العربي الإيراني على النفوذ الإقليمي.
وقد عزز من ذلك الخلفية التاريخية للسياسيين والانقسامات القائمة على الطموحات الدينية والسياسية. فقد جاء معظم أفراد الطبقة السياسية الجديدة في العراق من المهجر ، وفي الوقت الذي تم فيه إقامة علاقة صداقة قوية مع الحكومة الإيرانية ، فأن العلاقة مع العمق العربي تكاد تكون ضعيفة أو غير موجودة.
وربما تكون الكويت ، التي تمتلك علاقات قوية نسبيا مع المجلس الإسلامي الأعلى في العراق ، استثناء من ذلك ، إلا أن النفوذ الكويتي في العراق لا يقترب أبدا من مستوى التدخل الإيراني.
إن إصرار إيران على تطوير برامجها الخاصة بتخصيب اليورانيوم أدى إلى تعرضها لعقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وتتصور إيران أن الدول السنية العربية تعمل مع الولايات المتحدة في تشكيل تحالف جديد كخطوة تمهيدية لمهاجمة إيران. ووفقا للمسؤولين الإيرانيين ، فإن هذا السيناريو يجبر إيران على تعزيز وجودها في العراق. ويبدو أن جميع المحاولات السابقة التي قام بها النظام الإيراني لإقناع جيرانه العرب بنواياه الحسنة فيما يتعلق بكل من البرنامج النووي والتدخل الإيراني في العراق قد فشلت. فلم يكن لاجتماع شهر آذار ـ مارس 2007 في بغداد ، الذي حضرته كل من إيران والولايات المتحدة ، تأثير فعلي على الأوضاع في العراق أو على العلاقات الإيرانية الأمريكية.
واستنادا إلى الفهم الإيراني ، فإن الاجتماعات السابقة قد أثبتت أن جبال الشك بين الدول السنية المجاورة وإيران تحتاج إلى الكثير من العمل لهدمها ، وذلك ببساطة بسبب العامل الأمريكي.
وعليه يبدو من الصعب تصور إيران تعمل مع الدول السنية المجاورة والولايات المتحدة ، حتى حين يكون هناك مصالح مشتركة. لكنها تفضّل العمل بصورة مباشرة مع تركيا وسوريا فيما يتعلق بالقضية الكردية.
اليوم ، هناك قلق حقيقي في الشارع السني العربي اليوم بشأن الدور الإيراني في العراق ولبنان.
وهناك ظاهرة جديدة يمكن تسميتها "الخوف من إيران" أو "الخوف من الشيعة". وتتسبب هذه الظاهرة بالمزيد من الانقسامات في المجتمعات العربية في الشرق الأوسط ، وبخاصة بين السنة والشيعة. ولا شك أن هذا سيؤثر سلبا في وحدة المجتمعات ، ويؤدي إلى المزيد من الانقسام.
وبالنسبة لإيران ، فإن الأهم هو الحفاظ على علاقات قوية مع السكان الأكراد في العراق. وستوجد مثل هذه السياسة سوء الظن بين أكراد إيران والأكراد في العراق. كما تسهّل هذه السياسة مهمة إيران المتمثلة بالسيطرة على الأكراد في إيران ، الذين قد يتم استغلالهم من قبل الولايات المتحدة في أي نزاع مستقبلي بين إيران والولايات المتحدة.
لقد نجحت الإستراتيجية الإيرانية في العراق في إبقاء جميع اللاعبين السياسيين - الدينيين والعلمانيين - مرتبطين بطهران. إلا أن هذا الإنجاز استند إلى عوامل جغرافية وجيوسياسية أخرى. ففي الماضي ، استفادت إيران من التصور القائل أن العراق يشكل التهديد الرئيسي على الأمن الإقليمية ، ولكن في الوقت الحاضر ، يتم تصوير إيران بوصفها خطرا جديا على الأمن لإقليمي والدولي.
وقد أسهم البرنامج النووي الإيراني ، والتصريحات التي يدلي بها الرئيس الإيراني ، محمود أحمدي نجاد ، بشأن إسرائيل ، على تشكيل تحالف دولي جديد ضد إيران. وهذا التحالف ، الذي تقوده الولايات المتحدة ينتقد باستمرار للتدخل الإيراني في العراق ، وقد حذّر إيران من العواقب الوخيمة لذلك التدخل.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش