الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ربط السجناء عراة في أوضاع مؤلمة... وحبسهم في غرف صغيرة وعفنة * أســاليب تعذيب السجناء الفلسطينيين في إســرائيل

تم نشره في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2007. 03:00 مـساءً
ربط السجناء عراة في أوضاع مؤلمة... وحبسهم في غرف صغيرة وعفنة * أســاليب تعذيب السجناء الفلسطينيين في إســرائيل

 

 
* الاحتجاز الإداري.. ابتكار إسرائيلي يسمح بالاعتقال لفترة غير محدودة دون تهمة ولا محاكمة
* ميشيل بول ريتشارد - "لوموند"
* ترجمة: محمود كمال آغا:
كشفت منظمتان إسرائيليتان ، معنيتان بالدفاع عن حقوق الإنسان ، الأساليب والضغوط التي تتبعها السلطات الأمنية الإسرائيلية في استجواب السجناء الفلسطينيين.
فعلى الرغم من تبني محكمة العدل العليا قرارا ، في السادس من أيلول عام 1999 ، يمنع استخدام "الاساليب الجسدية" في استجواب السجناء ، نشرت كل من "بيتسلم" و"هاموكيد" ، في السادس من شهر أيار ، تقريرا كشفتا فيه التعامل السيء الذي يقترب من التعذيب بحق السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
التقرير يستند إلى شهادات 73 فلسطينيا من الضفة الغربية ، اعتقلوا في الفترة الواقعة من تموز 2005 إلى كانون الثاني 2006 ، ويحمل عنوان "الممنوع قطعا" ، ويبين تكرار الحالات وتعرض الجميع للظروف ذاتها. وقد جرت مقابلتهم جميعا بحضور محامين وممثلين عن المنظمتين. وتحدث جميعهم عن ممارسات مشينة يقوم بها رجال الأمن والجنود وعناصر الشرطة والـ"شين بيت".
الرجال الذين احتجزوا بمحضر ضبط رسمي ، تحدثوا كلهم عن أساليب الاستجواب نفسها. ممارسات تستمر على أقل تقدير 35 يوما ، يعزل خلالها السجين عن العالم الخارجي في غرف صغيرة معتمة ينتشر فيها العفن. ويتعرض السجناء في أحسن الأحوال ، للإهانات والإذلال والبصاق. ويربطون ، وهم عراة في العادة ، في اوضاع مؤلمة إلى الكراسي ويتلقون تهديدات باعتقال أهليهم ومعاملتهم بالطريقة ذاتها.
يتألف التقرير من 92 صفحة ، ويبين حرمان المحتجزين من المستلزمات الأساسية واستهداف الحالة النفسية والجسدية للسجين "لإضعاف المقاومة" في داخلهم ، وقد أشار التقرير لأسمائهم بالحروف الاولى لأسباب أمنية. أساليب غير تقليدية السجين م. ج ، 24 عاما ، يروي حكايته.. "في الأيام الخمسة الأولى ، لم آكل أي شيء لأن الطعام المقدم كان رديئا جدا ، لقد كان يابسا وبلا طعم.. بل وحتى غير مطبوخ".
الأساليب التي استخدمت تحدث عنها السجناء جميعا ، وكأنها نظام ثابت للتعامل. "يحرم السجناء من النوم ، يضربون بقسوة ، ويقيدون بطريقة مؤلمة تدمي أطرافهم" ، يقول التقرير ، ويؤكد أن "تلك الممارسات تتكرر بتعمد للضغط على السجناء وتحطيم معنوياتهم".
هناك أساليب غير تقليدية وأخرى خاصة يتبعها أفراد الشين بيت خاصة عند التعامل مع السجناء المصنفين كـ"قنابل موقوتة". وهم السجناء الذين يشتبه أن يكون في حوزتهم معلومات خطيرة حول العمليات المحتملة أو تقود إلى إعتقال الناشطين. التقرير تحدث عن سبعة أساليب استخدمت مع أغلب المعتقلين. أهمها وأشهرها ما يطلق عليه اسم "الضرب النظيف" ، أي الضرب الذي لا يترك آثارا. أو ما يسمى "الضفدع الزاحف" الذي يجبر المعتقل على ربط اليدين بالرجلين من وضع الجلوس ليتم ضربه كلما تعب أو فقد توازنه وسقط. أما في حالة "وضع الموزة" فتربط اليدان بالرجلين من الخلف حول أحد الكراسي بحيث ينثني الجسم إلى الوراء بطريقة مؤلمة.
بعض الأساليب تتجاوز وصفها كأوضاع صعبة وترقى إلى مرتبة التعذيب الصريح ، حسب القوانين والأعراف الدولية. ومنذ بداية عام 2001 وحتى تشرين الأول من عام 2006 قدم نحو 500 شخص شهادات عن تلك الأساليب ، دون ان تفتح أي جهة او منظمة دولية او إقليمية تحقيقا بشأن تلك الادعاءات ومدى صحتها. والجهات الرسمية الإسرائيلية تعلق بأن تلك الإجراءات ضرورية "لدواعي أمنية".
"الأساليب التي يستخدمها الشين بيت في الاستجواب مدعومة بلا شك من قبل محكمة العدل العليا الاسرائيلية التي تعرف ما يحدث في تلك الزنزانات" كما تقول منظمتا "بيتسلم" و"هاموكيد".
أما وزير العدل الإسرائيلي فقد انتقد التقرير ووصفه بأنه "يتحدث عن شريحة لا تمثل الغالبية من المعتقلين" وأن "العديد من أرواح المواطنين الإسرائيليين أنقذت بهذه الطريقة".
كابوس الاعتقال في إسرائيل
منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة قبل أربعين عاما ، احتجزت إسرائيل ما يزيد على 700 ألف فلسطيني ، أي نحو ثلث عدد الرجال في المنطقتين. الأسوأ هو ما يسمى "الحجز الإداري" الذي قد يمتد سنوات طويلة دون توجيه تهمة ودون محاكمة.
عندما احتجز أمجد ياسين في الثالث والعشرين من كانون الأول عام 2003 ، لم يكن يعلم ما الذي ينتظره. أمجد طالب في قسم الإعلام في جامعة جنين بالضفة الغربية. وقد اعتقل مع عدد كبير من الطلاب عند اجتياح الجيش الإسرائيلي للحرم الجامعي.
أمجد لم يكن يخشى شيئا لأنه يعرف بأنه لم يقترف أي ذنب سوى الاعتقاد بمبادئ حركة المقاومة الإسلامية "حماس". يقول أمجد ، "بقيت هناك لعدة أيام ، كنت أعتقد بأنهم سيطلقون سراحي سريعا ، لكن أيام الاستجواب زادت وطالت معها ساعات الاحتجاز".
أمجد يبلغ من العمر عشرين عاما. استجوب لساعات طويلة وهو عار تماما مدة شهر. يقول أمجد "لقد كانوا دوما ثلاثة أشخاص: الطيب والسيىء والمراقب. يسألونني في كل مرة الأسئلة ذاتها ويهددوني بإيذاء عائلتي ومنزلي. ولتجنب ذلك كله يقدمون لي عرضا يختصرونه في كلمتين: ساعدنا لنساعدك".
نقل أمجد في النهاية إلى سجن "مجدو" شمال الضفة الغربية. وجددت مدة إعتقاله بمحاكمة عسكرية سريعة مع أنه لم توجه إليه أي تهمة كونه محتجز "لأسباب أمنية". في إسرائيل ، يسمون ذلك: "الحجز الإداري". لا وجود لأي ملفات للقضية ، ولا للمحامي ولا حتى قضية من الأصل.
يضيف أمجد ، "حصلت على محامي بعد مرور سبعة أشهر على احتجازي ، لكنه كان عاجزا عن فعل أي شيء ، الأمر كله كان مقررا في محكمة عسكرية قبل وصول المحامي" ، الذي يمنح بضع دقائق فقط للحديث مع موكله ، كما يمنع من الوصول إلى أهل النزيل.
ويضيف أمجد أن 99" بالمئة من الحالات التي تشبه حالتي ، لا يعرفون سبب احتجازهم ، هناك يتساءل الجميع لماذا انا؟ ما الأسباب التي اعتقلوني من أجلها؟ حتى أنا ، لا أعرف سبب اعتقالي. أحيانا تنتابني نوبات ضحك ثم بكاء ، عندما أفكر بكل ما حصل لي. لقد إتهموني مرة بأنني أبيع الصواريخ،،".
«لا يعرف لماذا اعتقل»
أمضى أمجد ياسين ثلاثة أعوام في السجن. أخلي سبيله دون أن يعرف حتى يومنا هذا لماذا عومل كإرهابي. يضيف أمجد "أسوأ ما في الأمر كان ذلك الشك حول مستقبلك ومستقبل عائلتك والمدة التي ستقضيها في الحجز".
هناك ، لا يعرف أحد متى سيطلق سراحه. وفي العديد من المرات ابلغوا بعض السجناء بأن موعد إخلاء سبيلهم قد حان ، وحددوا لهم الساعة والتاريخ ، لكنها كانت مجرد أكاذيب ، كانوا يأخذوننا بعد أن يخبروننا بأننا في الطريق الى الحرية ، ثم يغيرون وجهتنا ويعيدونا إلى الزنزانات الضيقة والمظلمة عندما نصبح على بعد خطوات قليلة من باب الباص. كانوا يستهدفون تحطيم روحنا المعنوية."
اليوم ، لا يعرف أمجد لماذا مر بكل تلك التجربة. لكنه يعرف بأن هناك احتمالا كبيرا بأن يعاد استجوابه عند أي نقطة تفتيش أو حاجز عسكري ، ومن الممكن أيضا أن يعتقل مجددا أو أن يخضع لإقامة جبرية في منزله الواقع في "عصيرة الشمالية" ، وهي بلدة كبيرة تقع شمال نابلس ويقطنها نحو 12 ألف نسمة.
يقول أمجد "لو حاولت الهرب الآن ، سيكون ذلك مبررا كافيا لقتلي. هنا ، وفي هذا الحي هناك نحو عشرين عائلة فلسطينية ما زال أبنائهم معتقلين في السجون. في السابق ، كانوا يعتقلوننا فردا فردا ، أما الآن فقد باتوا يأخذوننا على شكل مجموعات.
لا أحد في العالم يهتم لأمرنا ، لا يتحدث أحد عن مأساتنا ، لقد تركنا العالم معتقلين في تلك السجون اولا ، ثم معتقلين داخل منازلنا وقرانا..".
من بين 11050 فلسطينيا اعتقلوا في منتصف شهر نيسان هناك 801 قاصر ، من ضمنهم 15 شخصا تقل اعمارهم عن 16 سنة كانوا محتجزين "حجزا إداريا" ، وهو القانون ، الذي يطبق منذ بداية الإحتلال ، وبموجبه يعتقل أحد المشتبه بهم ، ثم يجري استجوابه مدة ثمانية أيام قبل أن يعرض على محكمة عسكرية تجدد آليا مدة اعتقاله التي تصل في أغلب الحالات إلى تسعين يوما ، دون تبيان الأسباب ودون توجيه تهم. بعد ذلك ، وطبقا لأولويات وأسباب "أمنية" ، تمدد فترة الحبس إلى سنتين ، ويمكن مواصلة حبس المتهم مدة أطول عن طريق تجديد الاعتقال لـ"موسم آخر" ، ثم تجديده لموسم ثاني لتمر السنوات دون حساب.
جيهان جرار ، الناشطة من منظمة "الضمير" ، التي تهتم بحقوق الانسان والمعتقلين الفلسطينيين ، جاءت بشهادة أخرى ، "بقي أحد المعتقلين الفلسطينيين ثماني سنوات دون توجيه تهمة إليه ، ويقبع عدد كبير من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية منذ بداية إنتفاضة عام "2000.
..من دقيقتين إلى أربع،
درست إحدى المنظمات الحقوقية الإسرائيلية ، محسوم ووتش (أي مراقبة الحواجز) ، المعنية بالدفاع عن الحقوق المدنية واقع المحاكمات بحق المعتقلين الفلسطينيين للفترة من كانون الاول 2005 إلى كانون الأول 2006 وخلصت إلى النتائج التالية: إن أي محاكمة إذا كانت تخص معتقلا فلسطينيا في المحاكم العسكرية الإسرائيلية تستمر من دقيقتين إلى أربع. وقد خلصت الباحثتان هاكيت شلونسكي وهافا هاليفي ، الناشطتان من المنظمة ذاتها ، بعد أن درستا 130 حالة ، إلى أن "المحامي يرى موكله في الحجز دون أن يكون لديه أدنى فكرة عن ابعاد القضية. وفي لقاء المتهم بالمحامي ، تتاح الفرصة لتبادل كلمات قليلة فقط. لا أسئلة توجه إلى المتهم ولا شهود ، ولا حتى أي أسئلة للمدعي العام أو للمحققين الذين جاءوا بالمتهم إلى قاعة المحكمة. إنها عدالة مقيدة بالسلاسل. وعندما يخرج أحدهم من السجن يأتون بواحد آخر مكانه ، لقد باتت تلك الإجراءات جزءا من بيرقراطية روتينية في التعامل مع السجناء الفلسطينيين".
أكثر من 4600 فلسطيني عرضوا على المحاكم الإسرائيلية عام 2006 فقط ، تلك المحاكم شهدت حتى الآن أكثر من 11 ألف جلسة سريعة لتمديد الأحكام. وتبعا للقائمين على التقرير ، "الكل مشمول بهذا النوع من المعاملة: الرجال والنساء والشباب والأطفال أيضا". علما بأن العمر القانوني الذي يحاسب وفقه الفلسطينيون امام المحاكم الإسرائيلية يبدأ من سن 12 عاما ، ويرسل القصّر إلى سجون الكبار حتى مع كونهم لم يبلغوا 16 عاما.
رزق عرموش ، تموز 1989 ، اعتقل مدة ثلاثة أشهر في ربيع 2005 بتهمة "رشق الحجارة". واعتقل في سجن "تلموند" القريب من حيفا. يقول رزق ، "أصعب ما في المسألة ، هو منع أي نوع من الزيارات". في المرة الثانية ، في تموز 2006 ، اعتقل وهو داخل منزله في مخيم الجلزون القريب من رام الله. نقل رزق إلى قاعدة "عوفر" العسكرية التي بقي معتقلا فيها مدة أربعة اشهر. هناك ، كانوا أربعة وعشرين معتقلا داخل خيمة صغيرة ، أغلبهم متهم بالإنتماء لتنظيم سياسي. وقد أطلق سراح رزق ، الذي ما زال يتساءل حتى الآن عن أسباب اعتقاله ، لاحقا "لعدم كفاية الأدلة".
عم رزق عرف هو الآخر السجون الإسرائيلية منذ الانتفاضة الأولى عام 1987 وحتى عام 1994 ، منها أربعة اعوام ونصف بتهمة "رشق الحجارة". اما سفيان ، والد رزق ، 42 عاما ، فيقول "في هذا المكان ، نتعرض للإهانة يوميا ، كأننا قطيع أغنام". وكان والد رزق قد اعتقل أكثر من عشرين مرة ، ومن الممكن أن يتعرض إبنه للأمر ذاته في أي لحظة ، يقول سفيان "يشيرون دوما إلى وجود أدلة تثبت تورطنا دون أن يطلعونا عليها. ويكررون الجملة ذاتها: الخطر الذي ينتظركم انتم وعائلاتكم كبير والحل هو أن تتعاونوا معنا. يجب أن يعرفوا جيدا بأننا لسنا نحن من يعاديهم لكنهم هم من يعادينا".
اعتقال متكرر
منذ حرب 1967 ، التي احتلت فيها إسرائيل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والجزء الشرقي من القدس ، اعتقل ما يقارب 700 ألف فلسطيني ، أي حوالي 20% من مجموع السكان. واذا علمنا ان الغالبية العظمى منهم كانوا من الرجال فإن ذلك يعني أن نحو 40% من الذكور في فلسطين ذاقوا طعم الذل والاهانة داخل السجون الإسرائيلية. آخر الاحصائيات تشير إلى أن حملات الاعتقال ، خلال العام 2006 ، تجاوزت 573 حملة شهريا يتكرر العديد منها مع المتهمين أنفسهم ، الذين يتجاوز عددهم 369 كل شهر.
أما جهاز الشين بيت فيعتبر ذلك نصرا للأمن بعد أن صرح أن "قرابة 5000 إرهابي فلسطيني القي القبض عليهم خلال العام "2006. أي بمعدل 13 شخصا يوميا يحتجزون في خيم صغيرة يحشر فيها عدد كبير لضيق المساحة.
بين الفلسطينيين المعتقلين في إسرائيل ، والبالغ مجموعهم 11050 فلسطينيا ، يحتجز 1829 في المعسكرات الإسرائيلية. من ضمنهم نحو أربعمائة قاصر 83و إمرأة. ادين منهم 5904 معتقلا فقط ، 636 شخصا منهم حكموا بالسجن المؤبد 472و بأحكام تزيد على عشرين سنة. أحد المحتجزين ، ويدعى سعيد العتبة ، سيكون قد مضى عليه في تموز المقبل ثلاثون عاما داخل السجون الإسرائيلية. كما ان خمسة معتقلين منهم يبلغون من العمر 65 عاما ، بالاضافة إلى اثنين في السبعين من العمر ، ونحو خمسة وعشرين آخرين عمرهم أقل من 16 عاما.
من الطبيعي أن يكون احتجاز هذا العدد الكبير مكلفا بالنسبة لميزانية السجون الاسرائيلية ، لذلك تعتمد تلك السجون على مبدأ الغرامة التي تفرض على السجين وعائلته. وبهذه الطريقة ، نجحت الحكومة الإسرائيلية في تحصيل 14,3 مليون شيكل ، (2,7) مليون يورو في العام 2005 فقط. مبالغ كبيرة تقترب من 200 دولار شهريا لكل معتقل تثقل كاهل العائلات الفلسطينية الفقيرة. كما تقول جيهان جرار من مؤسسة الضمير.
فهمي دار عاصي ، 35 سنة ، يتذكر بأن رفاقا كثيرين لم يكن لديهم أي مبلغ من المال عندما كانوا جميعا في معتقل "النقب" ، لذلك كان معظم المعتقلين يقومون بجمع العشب البري وغسله لإعداد شراب يمكن ان يشبه الشاي. أما فهمي ، الذي اعتقل مدة أربع سنوات بين عامي 2002 و 2006 ، فهو يحاول حاليا نسيان كل ما مر به من ذل واحتقار لدى استجوابه ليبدأ بصعوبة حياة جديدة. مددت فترة احتجازه ثلاثين مرة ، ولم يصدق أن سراحه أطلق حتى بعد وجوده خارج السجن ، والآن عاد إلى مهنته كعامل بناء ولا يحلم بأكثر من قوت يومه.
يقول فهمي "ما زلت أملك هذا الأثر الكبير على بطني ليذكرني بكل ما عانيته في تلك الأيام. أثر للتعذيب يدعوني صباحا ومساء إلى التذكر دوما بأن عليهم الرحيل عن أراضينا وتركنا نتدبر أمورنا ، يتحدث الناس في كل مكان عن معتقل غوانتانامو ، الوضع داخل السجون الإسرائيلية أسوأ.. ولا يتحدث عنه أحد".
«اشتقت لرؤية السماء»
لا تنتهي المعاناة بانتهاء فترة الاعتقال ، فالعودة إلى الحياة الطبيعية لا تقل صعوبة.
أحمد نضال ، الأخصائي النفسي والمعالج في مركز رام الله لإعادة تأهيل ضحايا الاعتقال ، يعرف الكثير عن تلك الصعوبات ، ففي كل يوم ، يقابل خمسة أو ستة من المعتقلين السابقين الذين يتحدثون إليه عن صعوبة التكيف مجددا مع الحياة. يقول نضال "لا يتعرض أي فرد منهم للضرب ، ولا أثر للتعذيب على أجسادهم ، لكن الآثار النفسية والمعنوية كبيرة. لا يخرج أي معتقل سليما عقليا من المعتقلات ، الكل يتأثر بطريقة أو بأخرى بطرق التعامل والضغوط لانتزاع الكلام. لا وجود لأي أثر على الجسد ، لكن الألم الحقيقي يعتصر الروح. تلك الآثار النفسية تدمر كل يوم حياة كثيرين. الوضع يسير من سيء إلى أسوأ ، الإسرائيليون يفعلون ما يحلو لهم دون رقابة أو محاسبة باسم الحفاظ على أمن البلاد".
ديما طيبي ، الأخصائية في المركز ذاته ، تضيف أنواعا أخرى من التعذيب سمعت عنه من مراجعيها. أشهرها ما يسمى "وضع الشبح" ، أي ربط المعتقل بأصعب طريقة تؤذي جسده وتركه وحده ستين يوما وليلة.
ولا يخلو هذان الشهران بطبيعة الحال من ممارسة ضغوط نفسية بحق المعتقل وهو مربوط.
التقرير الذي صدر في تموز 2006 عن السلطة الوطنية الفلسطينية يؤكد بأنه "منذ عام 1967 ، لقي 183 فلسطينيا معتقلا حتفه داخل السجون الإسرائيلية ، 69 شخصا منهم جراء التعذيب ، 42 آخرين جراء إهمال حالتهم الصحية. فيما قتل 72 منهم بدم بارد بعد اعتقالهم".
صبحة الجمل ، 23 عاما ، لم تعد تخاف شيئا. صبية بعمر الورد تتشح السواد ، خرجت بعد اعتقالها مدة ثمانية عشر شهرا بتهمة "احتمال كونها مستعدة لعملية انتحارية". طالبة في كلية الآداب بجامعة نابلس. لا تزال تذكر أيامها في المعتقل وهي متأكدة بأن كل ذلك يستهدف الروح المعنوية والمقاومة لدى الفلسطينيين.
طوال فترة احتجازها لم يكن لها حق بالزيارة سوى لست مرات. "كنت أشتاق لرؤية السماء ، تقول صبحة ، لم أكن أخرج كثيرا. لكنني تعلمت كثيرا من لقائي بأخواتي في المعتقل. صرت أملك ثقة أكبر بنفسي ، وأحاول الآن نسيان تلك المرحلة المرة من حياتي والبدء من جديد ، لكني لن انسى أبدا من بقي منهم هناك".
كنعان ، أو الملك ، رجل قوي وجسور ، يبلغ من العمر 39 عاما. اسمه مثل وصفه.. قوي كالملك. لكن الدموع تساقطت من عينيه عندما سرد لنا تجربته. عندما صعد إلى جبل عيبال ، شمال قريته في نابلس ، كان يريد فقط ان يفرح أسرته بشيء غير الطعام اليومي. كان قد وعد أطفاله بأن يأتيهم بخير الأرض الفلسطينية المعطاءة. فجأة ، أحاط به الجنود من كل ناحية وبدأوا بإطلاق الصفارات عاليا. أجبروه على التعري تماما وأخذوا منه هاتفه المحمول. يكمل الملك قصته قائلا: "كانوا يصيحون علي بصوت عال ، ويركلوني ويصفعوني ويقولون لي أن لا شيء لي هنا ، وأنني دخلت منطقة عسكرية محظورة. ثم غطوا رأسي بكيس من القماش ومشوا بي طويلا ثم تركوني عاريا في غرفة صغيرة مظلمة لا فتحة فيها ولا مخرج". كنعان يؤكد بأنه بقي في تلك الغرفة المعتمة تماما خمسة أيام دون أن يدري ماذا ينتظره ، وأن مخصصاته كانت وجبة واحدة يوميا.
"فجأة ، ودون سابق إنذار ، في واحدة من تلك الليالي المعتمة داخل الغرفة ، دخل أحد الجنود وقال لي بأنني حر الآن. لم أصدق ذلك. وكنت على يقين بأنهم سيتركوني أركض ثم يصطادوني كالأرنب. لكني أخيرا استجمعت قواي وتحركت ببطء. ومشيت حتى وصلت إلى قرية قريبة. حيث قالوا لي بأني كنت في إحدى المستوطنات".
"عند دخولي أول منزل صادفته" ، يكمل الملك ، "اتصلت بزوجتي التي كانت تظن أنني مت. وعندما وصلت إلى البيت كا ذلك أشبه بعودتي من الموت".
كنعان وكّل بعد ذلك محاميا ، لكن الجنود نفوا أصلا وجود أي جندي في تلك المنطقة خلال تلك الفترة. يقول كنعان "لم أجلب لأولادي ما وعدتهم ، لكن عودتي حيا كان بالنسبة إليهم شيئا كبيرا. لا أحد يصدقني في روايتي.
لا أحد يصدقنا أبدا مقابل شهادة الجنود الإسرائيليين. لكنني متأكد بأن هؤلاء الجنود ، الذين يبدو أنهم من أصل روسي ، قد تصرفوا بقرار شخصي دون وجود أوامر تقضي باعتقالي. لم أكن بالنسبة إليهم سوى حياة رجل آخر يلهون بها.."
عقبات أمام أهالي المعتقلين
تنص اتفاقية جنيف الرابعة ، وكل الاتفاقيات المتعلقة بحقوق السجناء ، على أن المدنيين الذين يعيشون في المناطق المحتلة هم "مدنيون يحميهم القانون". الفقرة 76 تبين أن "المدنيين الذين يحميهم القانون في الأراضي المحتلة يجب احتجازهم في الأراضي المحتلة نفسها إذا ما ثبت أنهم خالفوا القوانين. ويجب أن يقضوا فترة عقوبتهم داخل تلك الأراضي" لأن ذلك يسهل زيارة أهاليهم لهم.
إسرائيل لا تحترم أيا من تلك القوانين. كل السجون تقع داخل الأراضي المصنفة كدولة إسرائيل عدا معتقل واحد يقع داخل معسكر للجيش ، هو معسكر "عوفر" القريب من رام الله في الضفة الغربية. وجود هؤلاء المعتقلين داخل الأراضي الإسرائيلية يعرقل ويصعب مهمة الزيارة لأن الفلسطينيين لا يمكن لهم دخول تلك الأراضي دون الحصول على تصريح مسبق ، وأصعب ما يمكن أن تسعى للحصول عليه في إسرائيل عندما تكون فلسطينيا.. هو تصريح الدخول.
جمعية الهلال الأحمر الدولية تبذل جهودا استثنائية لمحاولة تسهيل عبور الفلسطينيين ، لكنها مهمة صعبة للغاية. وحتى من يحصل على ذلك التصريح ، فإنه يواجه احتمال أن تقوم السلطات الإسرائيلية بإلغاء أو تأجيل الزيارة إلى الوقت الذي تراه مناسبا "لأسباب أمنية".
"الجهات القانونية في جهاز المخابرات المركزي الإسرائيلي تصف تلك الزيارات بأنها من قبيل الخدمة التي تقدمها إسرائيل للفلسطينيين ، ولها أن تمتنع عن ذلك "إذا ما كان النزيل مشاغبا أو حتى لأسباب اخرى" ، وفق دراسة أجرتها منظمة "بيتسلم" الإسرائيلية المعنية بحقوق الانسان في الأراضي المحتلة.
ولكي يكون من حقك أن تزور أحدا في معتقل داخل إسرائيل ، يجب أن تكون قريبا من الدرجة الأولى للنزيل. وكان الأبناء والبنات والإخوان الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 إلى 35 ممنوعين من الزيارة حتى تموز من عام 2005. وقد ألغي العمل بهذا القانون نهائيا في كانون الثاني عام 2006.
ويبين تقرير آخر للمنظمة نفسها نشر نهاية العام 2006 ، أن نحو 24% من مجموع الطلبات ، البالغ عددها 30 ألف طلب زيارة ، قد رفضت. علما بأن على مقدم الطلب الانتظار ثلاثة أشهر قبل تقديم إلتماس آخر بالزيارة إذا ما رفض طلبه. وقد يكون الجواب في كل مرة الرفض "لأسباب امنية" دون أن يكون لك الحق في مناقشة ذلك. الشين بيت يسيطر على العملية برمتها ولا تستطيع أي جهة إختراق القوانين المفروضة ، ويشمل ذلك جمعية الهلال الأحمر الدولية ايضا.
عندما اختطف الجندي جلعاد شاليت ، في الخامس والعشرين من حزيران عام 2006 ، أوقفت السلطات الإسرائيلية جميع الزيارات مدة شهر كامل. ولم يعد الوضع إلى ما كان عليه إلا بعد أن تقدمت منظمة حقوقية أخرى ، هاموكيد ، بطلب إلى محكمة العدل العليا. مع ذلك ، استثني الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 - 35 سنة ، بدعوى أنهم يمثلون "خطرا على أمن إسرائيل".
أما التأخير فمن الممكن جدا أن يستمر مدة طويلة. في شباط عام 2006 ، بقي حوالي 2800 طلب قدمت قبل نحو عام دون أن تطّلع عليها السلطات الإسرائيلية المختصة. وكانت تعطي ذرائع مختلفة:
تغير الحالة الاجتماعية لمقدم الطلب ، تغير عنوان السكن ، أو خطأ في كتابة مكان السكن أو العنوان. في العادة لا يحتاج الأطفال دون سن 16 عاما لتصريح للزيارة ، لكنهم لا يملكون أصلا هويات شخصية ، ما يجعلهم ينتظرون ساعات طويلة أمام أبواب المعتقلات على امل الدخول ولقاء النزيل ، لكن الكثير من تلك المحاولات تنتهي بالفشل.
الاتصال المباشر (الجسدي) بين الآباء والأبناء ممنوع. المعتقلون السابقون لا يحق لهم زيارة أقاربهم أو ذويهم في السجون. الطريق إلى تلك المعتقلات تستمر في العادة ساعات طوال وتمر بعشرات من مراحل الاستجواب والحواجز الأمنية. "تدعي إسرائيل بأن شروط اتفاقية جنيف الرابعة لا تنطبق على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام "76 تقول منظمة "بيتسلم": "هناك العديد من الأمور الإيجابية التي تحققت بهذا الخصوص خلال السنوات الاخيرة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة إهمال تلك الأصوات ومعاملتها على أنها إدعاءات وافتراءات غير دقيقة..".
* مراسل الصحيفة في القدس المحتلة
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش