الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في صباحُ الكرامةِ والكبرياءْ

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

 كتب: محمود كريشان



انه الجيش الاردني .. الشريف الشجاع.. يحمل دمه على كفه اناء الليل واطراف النهار.. يمضي مدججا بكتائب الابطال الى طريق النصر او الشهادة بوازع من ضميره الوطني وواجبه الايماني، وقد ابى الرجال فيه الا ان يخوضوا المعارك تلو المعارك، يعلنون  غضبا نبيلا مكتوبا بنيران البواريد كلما دنس العدو الاسرائيلي كرامة حجر عربي وشرف زيتونه..

هذا الجيش الأبي.. الذي اسرج كتائبه قبل (48) سنة، لدحر قطعان جيش العدو الصهيوني عن ارضنا العربية.. في صباحُ الكرامةِ، والعِزّ، والكبرياءْ.. صَباحُ الشهادةِ.. والشُهداءْ.. صَباحُ النَّشامى الذين افْتَّدَوْا بالدِّماءِ الزَّكيةِ ماءَ الشّريعةِ، فاْلتقتِ الأَرضُ يؤمئذٍ.. بالسَّماءْ.. ومنْ هذهِ الأَرضِ مِنْ ذلكَ الماءِ تَّبْدّأُ أولى الخُطى.. للسَّماءْ.. لتقام اعراس الشهادة وينهض الدحنون في روابي السلط والخليل واربد والقدس والكرك ومعان..

اذن.. انه «جيش الكرامة»ـ الجيش العربي المصطفوي.. نلجأ اليه، ونلوذ به.. ضُحى ومضارب عسكر.. يلتحفون النار في الخطوط الامامية للمعركة، وكان الوطن ما زال ينبض في عروقهم والحب اردنيا والرتبة على الكتف وردة، زُرعت على ثرى الكرامة، وقد كتبوا البطولة والشجاعة في دفاتر الكرامة رصاصا اردنيا حارقا، والقسم يعلو بأن الجيش سيبقى.. مؤسسة تكتب الرجال على جبهة الوطن بارودا وألقا..

لعله صباح الزنود والجنود الذين رابطوا على خط النار الاول، لدحر عدو غاشم.. وقد تعاهدوا في مطلع فجر 21 آذار 1968 على الشهادة حتى تظل جذوع السنديان راسخة في اعالي السلط، وحتى لا ينشر الغزاة القتلة سوادهم على رمالنا، واحقادهم على ابواب مدارس اطفالنا، واوقدوا قناديل الغضب والنار في البواريد الاردنية، وثأرهم المخبوء من حزيران وقد اقسموا ان دم فراس العجلوني ومنصور كريشان وموفق السلطي وصالح شويعر ومحمود الحكوم عبيدات وعلي الشبول وكل شهداء الجيش الابرار.. لن يذهب هدرا.. وكان الثأر العنيف في يوم الكرامة..



    وهنا.. يستذكر ابناء عمان القديمة تلك الحرب الخالدة وكيف عمت الاحتفالات في ارجاء المدينة فرحا بنصر الجيش العربي في معركة الكرامة ويقول احد ابناء عمان القديمة الحاج راتب الشربجي : ما اعرفه هو ان جنود العدو الاسرائيلي فروا هربا تاركين معدات عسكرية مختلفة من دبابات ونصف مجنزرات احضرها نشامى الجيش العربي الباسل لتعرض على الناس أمام المدرج الروماني بوسط البلد، وبداخل البعض منها جنود صهاينة مكبلين بالجنازير، بعد ان قتلوا خلال المعركة.

اما التربوي الدكتور محمد ابوعمارة مدير عام مدارس الرأي فيقول: ما أعرفه ورأيته كما رآه غيري اليات العدو التي تركت في أرض المعركة وتم سحبها وقد شاهدها المواطنون من كل انحاء المملكة في ساحة المدرج الروماني في عمان وسط مظاهر احتفالية وحضور فرق موسيقات الجيش وقام تجار وسط البلد بإقامة اقواس النصر في شوارع الهاشمي وفيصل وطلال بوسط المدينة وقد تزينت برايات الاردن وصور جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه.

ايضا فان ابناء عمان القديمة يتذكرون تشييع كوكبة من الشهداء الابرار في منتصف شهر شباط 1968 قبل معركة الكرامة بشهر من المسجد الحسيني الكبير اثر اشتباكات مع جيش العدو حيث تصدى رجال كتيبة الحسين الثانية الباسلة «كتيبة أم الشهداء» لقطعان العدو الصهيوني بمواجهة عُرفت بمعركة الثمان ساعات او معارك الاستنزاف بمنطقة ام قيس في شمال الاردن يوم 15 شباط عام 1968 وقد تم الصلاة على الشهداء في المسجد الحسيني بوسط البلد في مراسم شعبية حاشدة حيث اكتظت الجموع فوق الابنية المحيطة وضاقت شوارع عمان القديمة بالالاف من الذين شاركوا في تشييع جثمان الشهداء الابطال الذين تصدوا لقطعان العدو الغاشم، والشهداء هم قائد الكتيبة الرائد الركن منصور كريشان، والعريف محمود عيد قاسم النسور، والجندي اول عوض محمد ابراهيم الجراح، والجندي منير احمد ابراهيم المصري، والجندي احمد حسن عبدالرحمن، والجندي محمد عقلة مصطفى عبدالرحمن، والجندي احمد عبدالله حسين، وعلي حسين العمري.



ونتوقف هنا.. عند معطيات وبطولات مشرقة من قلب المعركة الكبرى والنصر العظيم، عند ذكاء وحنكة اللواء الركن الطيار «انذاك» عامر خماش رئيس هيئة الاركان العامة القائد العام للقوات المسلحة خلال معركة الكرامة الذي خطط ونظم وادار المعركة بحنكته العسكرية باعتباره «مدفعي محترف» لذلك كان الابداع لسلاح المدفعية الاردني، الذي تميز باصابة اهداف العدو بدقة، للدرجة التي كان العدو يقوم بنصب الجسور من اجل الانسحاب الا ان مدفعية الجيش العربي، ما تلبث الا وان تقصف كل جسر ينصبه العدو وتدمره لمحاصرتهم الامر الذي جعل اليهود يستنجدون بالولايات المتحدة الامريكية للتمكن من سحب اشلاء قتلاهم.

ويبرز هنا الاحتراف العسكري والمهنية الاستخباراتية المتميزة للواء خماش حيث يقول نجله ماهر خماش، انه وقبل يومين من بدء المعركة كانت طائرات مستير «فرنسية الصنع» تحوم فوق الاغوار الاردنية، فوصلت المعلومة على الفور من الاستخبارات الاردنية الى قائد الجيش «انذاك» خماش الذي ادرك بفطنته وسرعة بديهته، ان هذا النوع من الطائرات مخصصة للتجسس والتصوير وطلب على الفور ان تبقى المواقع العسكرية الاردنية على حالها، كما صورتها طائرات العدو وفي مساء يوم 20 آذار 1968 أي قبل بدء المعركة بساعات طلب من الدبابات ان تتحرك بهدوء وقام بتغيير اماكن جميع المواقع العسكرية الاردنية التي رصدها العدو وقام ايضا بتغيير مرامي ومواقع المدفعية فوق جبال السلط  وهذا ما اربك العدو الذي تفاجأ في يوم المعركة ان ما رصدته طائراته من مواقع اردنية قد ذهب ادراج الرياح.

وقد قال عنه رئيس الوزراء الاسبق المرحوم احمد اللوزي: لا بد لي من شهادة حق، حول سجلّ عامر خماش، كجندي باسل شجاع، وبخاصة في فترة رئاسته لأركان القوات المسلحة الأردنية أثناء معركة الكرامة، وما تحقَّقَ فيها من نصرٍ على جيش إسرائيل، وتكبيده هزيمة نكراء تمثّلت بفداحة خسائره، فكان أول نصر يسجله جيشٌ عربي منذ هزيمة حزيران 1967 وانه كان احد قادة نصر الجيش العربي في المعركة الخالدة.



شاهد عيان من الذين شاهدوا بعينهم جانبا من بطولات الجيش الاردني في معركة الكرامة موجه مبحث اللغة الانجليزية في مدارس وكالة الغوث سابقا التربوي بكر خليل ابوبكر خص «الدستور» بحديث عن هذه المعركة الخالدة وقال: قبل ان نتحدث عن ذكرى معركة الكرامة يجب ان نتوقف عند جلالة المغفور له الملك الحسين الذي علمنا اننقتدي به كونه وفي معظم جولاته وحياته يتجول بالفوتيك والزي العسكري ليرمز الى الجيش العربي المصطفوي، وكان «رحمه الله» يُصر على ان يقوم بتخريج طلاب التوجيهي في آواخر الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في كل مدن الاردن وفلسطين ويكون التخريج في معسكر للجيش الاردني، فمثلا طلبة كلية الحسين بن علي في الخليل تخرجوا على يد جلالته في معسكر كفار عصيون وكان خريجي القدس الرشيدية والابراهيمية في معسكر النبي يعقوب، وطلاب الهاشمية في رام الله وثانوية البيرة في مقر لواء الامام علي بن ابي طالب، وكان هذا الجيش العظيم مفضلا ومحببا لكل المتفوقين في العلم ان ينخرطوا في القوات المسلحة الاردنية ويفتخرون بارتداء البزة العسكرية.

هذا الجيش الذي تصدى لليهود في معارك السموع وبيت مرسم وغرندل والرهوة وحوسان في ايام الستينيات ومن ثم جاءت معركة الكرامة التي دخلتها اسرائيل بأكثر من ثلاثة ألوية على ثلاث معابر وقد كان للدبابات الاردنية من طراز باتون وسنتوريون الفضل بالايقاع بالدبابات الغازية في سهل الكفرين والشونة والكرامة وكان لمدفعية الجيش العربي وقائدها بطل من مدينة معان وهو العميد الركن محمد صالح الصلاحات الملقب بـ»الحصان» الفضل في دك الخطوط الخلفية للغزاة في ميدان العبد وعبر مخاضات «أم الشرط» وسدرة وعند معابر الجسور، وتحسبا من ان يقوم جنود العدو بالفرار من دباباتهم تم ربطهم بالسلاسل المعدنية وقد شاهد ذلك كل سكان عمان في ساحة المدرج الروماني.

واشار ابوبكر الى انه ورغم قلة الاسلحة وشح الذخائر خاصة بعد خروج الجيش العربي من نكسة 1967 فقد كان رماة الجيش يستهدفون العدو بدقة متناهية، وبرشاش متوسط استطاع احد الجنود البواسل وكان متمركزا خلف مدرسة الشونةالجنوبية الثانوية تمكن من اسقاط طائرة اسرائيلية قاذفة من طراز «سوبر مستير» عند مثلث الشونة وتم أسر الطيار ويدعي «شاؤول جلبوع»، وقد زادت حمية الجيش العربي نزول جلالة القائد الاعلى الملك الحسين طيب الله ثراه الى ارض المعركة حتى اطمأن على الهزيمة الكاملة لجيش العدو والارتداد الى غربي النهر.



ولأن الأردن هذا الحمى الذي يتعرّف وجهه في مرايا الكرامة.. ويتلألأ اسمه في كواكب الشهادة.. ومزامير النصر.. يقرأوه في فرح المغامرة، وأبجدية الاقتحام.. وعلى معاطف الجنود المسافرين إلى الكبرياء.. يقرؤوه في جراحهم المشرقة تحت الشمس كأحجار الياقوت.. وحقول شقائق النعمان والدحنون..ويكتشف الأردن صوته في رصاص مقاتليه... لا في حناجر مغنّيه !..

«مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» صدق الله العظيم.. نتوقف عطر معركة الكرامة واريج الانتصار، عند أحد أسود الجيش العربي الأردني الذين عاهدوا الله تعالى على ألا تسقط للأردن راية قبل ان تسقط الدماء في قبضة الله..انه اللواء الركن المظلي الفارس احمد علاء الدين الشيشاني، الذي لاقى وجه ربِّه قبل اشهر قليلة.. راضيا مرضيا بروحه الطاهرة البريئة من كل شيء إلا من «محبة الاردن» المغروس في وجدانه نبضا ازليا خالدا.

والمرحوم اللواء الركن المظلي البطل احمد علاء الدين شارك في معركة الكرامة التي خاضتها قواتنا المسلحة الأردنية الباسلة وكان احد فرسانها وقد كان يشغل منصب قائد سرية مشاة في منطقة وادي شعيب، وقد سجل مواقف بطولية يشهد بها الأردن ويفخر بأنه أنجب هذا الفارس الذي بمواقفه وجدارته وشجاعته استحق الترفيع لثلاث رتب عسكرية في أربع سنوات مسجلاً أنصع وأنقى الصفحات من الشرف والكرامة والرجولة فداءً لله والوطن والمليك.

الفارس البطل أحمد علاء الدِّين الذي كان صدره مغطى بنياشين الفخر والغار وقد عشق ثرى الوطن وأخلص للراية الهاشمية وكان رمزا للوفاء لجنوده من القوات الخاصة، فعلا إنهم «خاصة الخاصة» من الرجال خلقا وشجاعة وشهامة وأخوة وبطولة، لأنه المنتمي، الأمين، المخلص وقد كان بدراً مضيئا في ليالي الوطن الظلماء..كان يبحث دوما عن الشهادة في ساحات الوطن، حتى داهمه الموت ليكون عند الشهداء من ابطال جيش الكرامة.. الجيش الاردني العربي الأبي الذين مضوا على درب النصر او الشهادة وهم يذودون عن الوطن والدِّين والأمَّة.



الاغنية الاردنية في زمن الرصاص والحرب كانت بمثابة بلاغ حربي وتوجيه معنوي حقيقي كانت فيه اذاعة عمان بوصلة ابناء الوطن في كل محافظاته وقراه وبواديه، وكانت الاغنية الوطنية تبث قبل نشرة اخبار الساعة الثانية ظهرا وبعد نهاية النشرة تبث اغنية وطنية اخرى.

استذكرت المطربة العريقة سلوى العاص الزمن الجميل عقب انتصارات الجيش العربي على العدو الصهيوني في معركة الكرامة، وقالت لـ «الدستور»:  كنت انا وزوجي الموسيقار جميل العاص في منزلنا واذ برجال الشرطة يطرقون باب المنزل وابلغونا انهم مكلفون باحضار جميل العاص الى رئيس الوزراء الشهيد وصفي التل لأمر هام وبالفعل خرج معهم جميل الى مبنى رئاسة الوزراء القديم في الدوار الثالث الذي هو الان مبنى وزارة العدل وقال له الشهيد التل: يا فصيح قاعدين نبحث عنك.. وادخله الى مكتب مدير مكتب جميل النظيف وكان حينها مديرا لمكتب الشهيد التل واعطاه ثلاث علب سجائر ووضع عنده سخان قهوة سادة وقال له اسمع كلمات هذه القصيدة وقد سجلها التل بصوته نظرا لصعوبة كلماتها النبطية وطلب من جميل ان يضع لها لحنا على وزن اغنية: على الروزنا على الروزنا.. وقال له ان يقرع الجرس بعد ان ينجز تلحينها. كذلك قام الشهيد التل باحضار عازف المزمار الشهير اللبناني محمود عجروش وحجز له بفندق الاردن لمدة عشرة ايام للمشاركة بالفرقة التي ستعزف الاغنية.

وتضيف العاص:  خلال مرور كلمات القصيدة على لجنة اللغويين واثناء البروفات التي كان يحضرها بمقر التلفزيون الاردني يوميا رئيس الوزراء وصفي التل وقائد الجيش حابس المجالي، وكان مخرج الاغنية حسيب يوسف  بالابيض والاسود  وقد كتب كلماتها الشهيد التل والمشير المجالي واستعانا بالشاعر حسني فريز وتقول بعض كلماتها:.

تخسا يا كوبان ما انت ولفي الي.

ولفي شاري الموت لابس عسكري.

يزهى بثوب العز واقف معتلي.

بعيون صقر للقنص متحضري.

نشمي مجيد البأس سيف فيصلي.

مقدام باع الروح لله المشتري.



*بيرق الوطن.. رفرف

كما صدحت سلوى بالغناء للجيش والنشامى عقب معركة الكرامة برائعة الشاعر الراحل ابراهيم المبيضين قصيدة:  «بيرق الوطن رفرف»  وقام بتلحينها المرحوم الموسيقار جميل العاص وقامت بغنائها في الاذاعة وجاء في كلماتها:.

بيرق الوطن رفرف.

فوق رووس النشامى.

يوم الملاقي نعرف.

كيف نكيد الخصاما.

حنا يوم الكرامة.

يوم جانا المعادي.

بالعزة والكرامة.

فزنا يوم الجهادي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش