الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرباعية.. مجموعة أصدقاء لأميركا تحولت فعليا من جهة لتشجيع التفاوض الى هيئة لفرض العقوبات * الولايات المتحدة دفعت الى مواجهة بين فتح وحماس على مدار عام * 2 - 2 * ترجمة: عدنان نايفة

تم نشره في الاثنين 9 تموز / يوليو 2007. 03:00 مـساءً
الرباعية.. مجموعة أصدقاء لأميركا تحولت فعليا من جهة لتشجيع التفاوض الى هيئة لفرض العقوبات * الولايات المتحدة دفعت الى مواجهة بين فتح وحماس على مدار عام * 2 - 2 * ترجمة: عدنان نايفة

 

 
عمان - الدستور
يقول دي سوتو في تقرير أعده في نهاية مهمة دامت قرابة عامين في غزة والقدس ، انه كان منسقا خاصا «بالاسم» نظرا لعدم تخويله اجراء اتصالات مع الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس أو مع سوريا.ويتساءل باستغراب ما اذا كان منصبه السياسي هذا قد افرغ من مضمونه بسبب الموقف الضعيف للسكرتير العام كوفي انان. ويقترح في هذا المقام ان يبقى من يشغل هذا المنصب في مقر الامم المتحدة الرئيسي في نيويورك بدلا من ارساله الى المنطقة اذ لا فائدة ترجى من اقامته هناك.
ويؤكد دي سوتو البيروفي الجنسية في التقرير الذي يقع في 50 صفحة ووضعه على مكتب السكرتير العام في ايار الماضي ، أن منعه من السفر الى سوريا وعدم حصول اي اتصال من جانبه مع حكومة السلطة الفلسطينية ، أعاقا بشكل لا حدود له مقدرته على اداء واجباته المتعلقة بالنزاع الاسرائيلي - الفلسطيني.
ويستعرض المسؤول الدولي في تقريره أبرز ثلاثة احداث حصلت خلال سنتي عمله في غزة والقدس وهي الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة واجزاء في شمال الضفة الغربية ، وخروج شارون من المسرح السياسي بسبب مرضه ، وفوز حماس في الانتخابات التشريعية ، وتأثير هذه الاحداث منفردة أو مجتمعة على عملية السلام في المنطقة.
ويوجه الدبلوماسي البيروفي الذي ابلغ السكرتير العام برغبته في الانتقال الى موقع عمل اخر مع انتهاء مدة عقده في السابع من ايار الماضي ، نقدا صريحا مرات وضمنيا مرات اخرى ، لدور الامم المتحدة الضعيف في عملية السلام المتعثرة في الشرق الاوسط ، ولموقف اسرائيل الرافض لبدء مفاوضات الا بشروط مسبقة ، وكذلك لمواقف واشنطن المنحازة للموقف الاسرائيلي داخل اللجنة الرباعية الدولية.
وحاول المنسق الخاص في التقرير الذي حمل صفة«سري» سبر أغوار تفاصيل الاحداث وتداعياتها بامانة وموضوعية تاركا للسكرتير العام للامم المتحدة مسؤولية اتخاذ ما يراه مناسبا.
وحرصا منها كعادتها في تقديم كل ما هو جديد ومفيد لقرائها ، تنشر «الدستور» ملخصا شاملا ومكثفا لتقرير دي سوتو ادراكا من الصحيفة لاهمية المنصب الذي شغله.
فوز حماس وردود الفعل
فوز حماس في الانتخابات التشريعية التي اجريت في كانون الثاني 2006 ، وتوزيع مقاعد المجلس التشريعي(البرلمان) الجديد كليا وبهذه التشكيلة غير المتوقعة ، اصاب الفلسطينيين ، وبضمنهم حماس نفسها على الارجح ، بالدهشة.
اما على الصعيد الدولي ، فقد كررت اللجنة الرباعية الدولية في اجتماع عقدته في لندن بعد خمسة ايام فقط من الانتخابات موقفها من حماس مطالبة الحركة بالاستجابة للمبادئ الثلاثة التي وضعتها حتى تصبح جزءا من العملية السياسية.وتنص هذه المبادئ على نبذ العنف ، والاعتراف بحق اسرائيل في الوجود ، وقبول الاتفاقات والتعهدات السابقة بما فيها خريطة الطريق.
وفي البيان الذي صدر عقب الاجتماع ضمنت اللجنة فقرة تنص على انه «لا بد ان تخضع اي مساعدة في المستقبل لأي حكومة فلسطينية جديدة ، الى مراجعة من جانب المانحين»فيما يتصل بالتزام هذه الحكومة بالمبادئ الثلاثة».
ان اللهجة العقابية غير المرغوب فيها لبيان اجتماع الثلاثين من حزيران 2006 التي لم ننجح في ابعاد انفسنا عنها حتى يومنا هذا ، والتي حولت اللجنة الرباعية فعليا من جهة تشجيعية للمفاوضات تسترشد بوثيقة مشتركة(خريطة الطريق) الى هيئة مهمتها الوحيدة فرض عقوبات على حكومة منتخبة بحرية من شعب تحت الاحتلال اضافة الى وضع شروط مسبقة للحوار غير قابلة للتحقيق.
ان الخطوات التي اتخذها المجتمع الدولي اعتمادا على موقف الرباعية مع هدفه المفترض بإنشاء كيان فلسطيني يعيش بسلام مع جارته اسرائيل ، قد ادت الى نتيجة عكسية تماما.
واضافة الى الضرر الناجم عن وقف المساعدة الدولية ، هناك ايضا الضرر الذي تتسبب به اسرائيل على الرغم من مسؤولياتها تجاه السكان بموجب القانون الدولي كقوة محتلة:قتل مئات المدنيين في عمليات توغل متواصلة ، وتدمير البنية التحتية بما فيها محطات توليد الطاقة الكهربائية والجسور ، ووقف تحويل عائدات الضرائب والجمارك الى السلطة الفلسطينية.وبينما يطالب المجتمع الدولي الحكومة الفلسطينية بضرورة قبولها «الاتفاقيات والالتزامات السابقة» ، تحرم اسرائيل السلطة الفلسطينية من قدرتها على تقديم الخدمات الاساسية لمواطنيها في انتهاك لواحدة من هذه الاتفاقيات السابقة ولالتزاماتها المنصوص عليها ايضا في القانون الانساني الدولي فيما يتعلق برفاهة السكان الرازحين تحت الاحتلال.ويتساءل المرء باستغراب ما اذا كان من المعقول الحكم على مقدرة اداء حكومة ما في الوقت الذي تحرم فيه من اكبر مصدر دخل لها ، في اشارة الى عائدات الضرائب والجمارك التي تحتجزها اسرائيل وترفض تحويلها منذ وصول حماس الى الحكم.
بوجه عام ، كانت النتيجة الاخرى لسياسة الرباعية تقضي بإزالة كل ضغط عن اسرائيل.ومع التركيز الكامل على اخفاقات حماس ، فإن مشروع الاستيطان الاسرائيلي وبناء الجدار العازل استمر في كامل قوته.
الاصطفاف الفلسطيني وتشكيل حكومة وحدة وطنية
مباشرة وبعد فوزها في الانتخابات ، اعربت حماس عن رغبتها بتشكيل حكومة عريضة.ولكن قبل حصول اي تقدم في هذا الشأن ، اوضحت الولايات المتحدة موقفها بأنها تريد من الحركة الاسلامية وحدها ان تشكل حكومتها.وابلغنا ان واشنطن ضد اي «ضبابية»في الخط الذي يفصل حماس عن القوى السياسية الفلسطينية الملتزمة بحل الدولتين.ورغم قرار فتح عدم المشاركة في حكومة تقودها حماس وعزوف المستقلين عقب تلميحات اميركية بمقاطعتهم ، شكلت حماس حكومة تضم بعض المستقلين ، لكنها كانت ذات اغلبية واسعة من الحركة.ومنذ تشكيل حكومة وحدة وطنية وحتى التوصل الى اتفاق مكة بعد عام ، دفعت الولايات المتحدة بوضوح الى مواجهة بين فتح وحماس مع استمرار حملة الضغط لعزل الحركة الاسلامية.وترافق ذلك مع تهديدات اطلقها عباس بإجراء استفتاء وانتخابات مبكرة بضغط اميركي ، ووقوع مواجهات بين الحركتين جعلتهما قريبتين من هاوية حرب اهلية.على مدى اشهر استمرت التوترات السياسية والمواجهات المسلحة قبل لقاء قادة الحركتين في مكة تلبية لدعوة سعودية ، ما تمخض عن توقيع «اتفاق مكة المكرمة» ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم وزراء من حماس وفتح ومستقلين ، برئاسة اسماعيل هنية.في الوقت نفسه ، تواصلت اللقاءات بين عباس واولمرت ، استجابة لرغبة اميركية ، لكنها لم تحرز اي تقدم لأنها كانت تركز على مسائل ترتبط بالأمن والجوانب الانسانية بدلا من بحث قضايا الحل النهائي وخصوصا اللاجئين والقدس والحدود.
من الواضح ان اسرائيل لن تسمح ابدا بقيام دولة فلسطينية من دون الحصول على تأكيدات معقولة بأن هذه الدولة لن تصبح بعد قيامها مباشرة منصة دائمة لانطلاق الهجمات ضد اسرائيل سواء من قبل حكومة هذه الدولة أو العناصر «الارهابية» فيها والتي تتلقى الدعم من قوى خارجية.
لكنه صحيح ايضا ان السياسات الاسرائيلية سواء كانت مقصودة ام لا ، تبدو خاطئة بصورة متكررة بحيث تعمل على تشجيع مواصلة ما يقوم به المسلحون الفلسطينيون.
ومن المؤسف القول ، ان الرباعية تتحمل حصتها من المسؤولية في تغذية اليأس الذي تسبب به «الحصار» المفروض على الفلسطينيين منذ انتخابات كانون الثاني 2006 والذي يعتبر على نطاق واسع في الاراضي الفلسطينية المحتلة وفي «الشارع العربي» بمثابة عقاب جماعي على خيار الفلسطينيين الديمقراطي ، وان الرباعية هي الجهة التي تعاقبهم وتؤذيهم.وهناك الكثير من الادلة المعتمدة على التجربة بأن الحصار عمل فقط على تغذية التطرف الفلسطيني وخلق نوع من الفوضى المؤسسية والمعاناة الاجتماعية التي تقوي العناصر المتطرفة.
وعلى التوالي ، يجب ان تتحمل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واسرائيل مسؤولية الاجراءات التي اتخذت بحق الفلسطينيين.وبمشاركتنا جميعا في ما اصاب الفلسطينيين منذ بداية عام 2006 ، نحن(اطراف الرباعية:الامم المتحدة ، الولايات المتحدة ، الاتحاد الاوروبي وروسيا) مذنبون بعدما وجهت الينا الاتهامات في محكمة الرأي العام الفلسطيني والعربي.
وفيما يتعلق بالاعتراف باسرائيل ، كنا نعرف انه ليست هناك فرصة بأن توافق حماس على المضي قدما مسافة ابعد من الموافقة ضمنا على ما قبلت به منظمة التحرير الفلسطينية صراحة في اتفاقات اوسلو عام 1993.
وفي محاولتنا لدفع حماس للمضي قدما أبعد من ذلك ، فإنه سوف يكون هدرا لجهد دبلوماسي كبير ولنتيجة مشكوك فيها.لذلك ، فقد ركزنا على الحاجة لانهاء العنف وناشدنا الاطراف الفلسطينية المختلفة بأن تعلن ان الاولوية امام حكومة الوحدة الوطنية هي المحافظة على وقف اطلاق النار وتوسيعه.
الامم المتحدة والرباعية
المواقف التي اتخذتها اللجنة الرباعية منذ نهاية 2005 ، وبعد الانتخابات الفلسطينية في كانون الثاني 2006 ، على وجه الخصوص ، قادت الامم المتحدة الى الجلوس فوق جليد رقيق ، ووضعت موظفيها في الميدان في موقف غير مريح في محاولتهم لتخفيف اثار «الحصار» بينما ينظر اليهم على انهم من بين من فرضوا هذا الحصار ، أو على الاقل تغاضوا عنه ، وانهم ايضا جزء من الجهود الدولية للابقاء عليه.
قد يختلف اشخاص عقلاء مع رأيي بأن الرباعية ، كمسألة عملية اذا لم تكن شرعا ، هي مجرد مجموعة من الاصدقاء للولايات المتحدة اكثر من اي شيء اخر.احدى الطرق لمعالجة موضوع اللجنة في المستقبل يجب ان يكون بتخفيض تمثيلنا فيها ، ومناقشة اعادة تنظيم اولويات السكرتير العام للامم المتحدة حول النزاعات التي يمكن ان يحرز فيها شيئا مختلفا من الناحية الدبلوماسية ، وان يكون التمثيل بالنسبة له في المستقبل على مستوى مساعد للسكرتير العام يشارك ليس كعضو كامل ، بل كمراقب.
الاتصالات مع حكومة السلطة الفلسطينية
تتضمن صلاحياتي بصفتي الممثل الشخصي للسكرتير العام لدى منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ، اجراء اتصالات مع حكومة هذه السلطة بصفتها الذراع التنفيذية لها والتي تعامل معها من سبقوني ثم أنا في وقت لاحق بصورة منتظمة حتى تشكيل حكومة بقيادة حماس.باستثناء مكالمتين هاتفيتين بناء على تعليمات محددة من السكرتير العام كوفي أنان ولقاء مصادفة تحت اشراف عباس ، لم اجر اي اتصال مع رئيس وزراء حكومة السلطة الفلسطينية اسماعيل هنية ولا مع اي عضو اخر في حكومته.
قرار ترك العمل في الامم المتحدة اتخذته لعدد من الاسباب مجتمعة ، ولكن في استعادتي للاحداث الماضية والتأمل فيها ، كانت النقطة الحاسمة على الارجح ، هي التوصل الى نتيجة مؤداها ان جهدي الشاق لن يكتب له النجاح.
الاتصالات مع سوريا
هناك قول قديم مأثور «لا تستطيع خوض حرب في الشرق الاوسط بدون مصر ، وأنك لا تستطيع صنع سلام بدون سوريا».الشق الاول من هذا القول لم يعد صالحا ، لكنني اعتقد ان الشق الثاني ما زال صحيحا.بالنسبة للمنسق الخاص للامم المتحدة لعملية السلام في الشرق الاوسط ، فإن ابقاء سوريا على مدى الذراع مسألة مثيرة للسخط بشكل واضح.من يدافعون عن هذه المسألة يعتقدون انه من الممكن السير في مفاوضات على المسار الاسرائيلي - الفلسطيني بينما يتم عزل دمشق.
اعلم ان هذا هو تفكير الاخرين ، حيث اوضح مبعوث الولايات المتحدة بجلاء لزملائه في اللجنة الرباعية ، بأنه خلال بحث المبادرة العربية مع اطراف «اللجنة الرباعية العربية» كان الرد ايجابيا حيال توصل اسرائيل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين فقط - وهو ما يتعارض مع ما نصت عليه قرارات قمة بيروت عام 2002 «بانسحاب شامل من جميع الاراضي العربية المحتلة بما في ذلك مرتفعات الجولان السورية كشرط لاقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل».
كما اود الاشارة الى ان لجنة فينوغراد انتقدت المؤسسة الاسرائيلية بسبب موقفها الفاتر حيال محاولة صنع سلام مع سوريا(ولبنان ايضا).
وبينما ولم يعطني احد سببا واحدا مقنعا لماذا كان علي تجنب التحدث مع دمشق طوال عامين ، سمعت في بعض الاحيان من مصادر سرية للمعلومات بأن المهمة الرئيسية مع سوريا مرتبطة بدورها في لبنان وخصوصا تنفيذ قراري مجلس الامن الدولي رقم 1559 و .171
وبعد ان توقفت جهودي الدؤوبة ، التي كانت تلقى معارضة من المقر الرئيسي للامم المتحدة ، لتوفير قناة اتصال جيدة مع سوريا حول النزاع العربي الاسرائيلي ، من سخرية القدر ، ان وزيرة الخارجية الاميركية ، وعشية مغادرتي المنطقة ، عقدت اجتماعا مع نظيرها السوري ، وأن اعضاء في الرباعية الدولية التقوا مسؤولين سوريين بصفتهم اعضاء في لجنة المتابعة حول المبادرة العربية في شرم الشيخ.آمل من كل قلبي ان لا نستمر في عزل سوريا بعد الان ، وأن نضمن بأن يحافظ من سيتعامل مع عملية السلام في الشرق الاوسط نيابة عن الامم المتحدة ، على الحوار وعلاقة مع دمشق.
انصح السكرتير العام للامم المتحدة بان يضع في اعتباره بانه ليس مجرد لاعب مشترك على المسرح الدولي.يقول سلفي في شرحه لقيمة اللجنة الرباعية ، انها تضم معا بشكل تعاوني قوة الولايات المتحدة ، والنفوذ الاقتصادي للاتحاد الاوروبي ، والدور التاريخي لروسيا في المنطقة ، والشرعية التي تمثلها الامم المتحدة.حسنا ، طالما ان الامم المتحدة تمثل حقا هذه الشرعية ، وانها في وضع يكفل ذلك فإنها سوف تحظى بالاحترام في مواقف وعمل اللجنة الرباعية.وفي الوقت الذي يقيد القانون الدولي جميع الدول بنفس المبادئ والقانون التي تقيد السكرتير العام للامم المتحدة ، فإن السكرتير العام يتمتع بمسؤولية دعم هذه الشرعية الفريدة والتي تضعه في دائرة الضوء بطريقة لا يكون فيها حالة من القوة الرئيسية أو حتى الوسطية ، أو منظمة اقليمية.السكرتير العام هو الوسيط المعياري من غير منازع ، وعليه يجب ان يكون عمله الدبلوماسي في الشرق الاوسط محكوما في جزء منه على الاقل بالمدى الذي يستطيع فيه ممارسة هذا الدور المعياري.واذا كان سلوكه في الرباعية مثل باقي اللاعبين(الاطراف) - الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا - فإنه يسرع باتجاه المجازفة في خيانة الثقة التي تعد جزءا من «روح النظام»لعمله كسكرتير عام.هذه ليست مسألة مبدأ فقط ، بل لها عواقب عملية يمكن ان تؤثر على دور السكرتير العام وممثليه بصورة عامة. كثيرون لفتوا الانتباه الى المادة 99 على انها اهم مادة في ميثاق الامم المتحدة فيما ينعلق بدور السكرتير العام.لا اشك في ان هذه المادة مهمة جدا(ليس بسبب السلطة التي تمنحها للسكرتير العام لتقديم مسألة ما الى مجلس الامن ، ولكن لأنها تتضمن بداهة وجوب امتلاكه القدرة لاتخاذ قرار حول ما يجب نقله الى مجلس الامن). في رأيي ان اهم فقرة شرطية في ميثاق الامم المتحدة فيما يتعلق بالسكرتير العام كصانع سلام ، هي في الحقيقة الفقرة الثانية من المادة 100 الواردة في الفصل الخامس عشر «الامانة العامة» والتي تنص على «ان تتعهد كل دولة عضو باحترام الميثاق الدولي فيما يخص السكرتير العام والموظفين على وجه الحصر ، وان لا تسعى الى التأثير عليهم اثناء قيامهم بانجاز مسؤولياتهم».
وبصورة اكثر تحديدا وتركيزا ، فإن ما يسمى «المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الاوسط» ممنوع حتى من التحدث الى رئاسة حكومة السلطة الفلسطينية(مع انه الممثل الخاص للسكرتير العام لديها).وطالما ان الامم المتحدة تتحدث «تقليديا» الى كل لاعب هي بحاجة للتحدث معه ، وأنه لا توجد سياسة للرباعية تحظر الاتصالات على اعضائها ، وطالما ان السكرتير العام له ممثل شخصي معتمد لدى السلطة الفلسطينية ، وطالما ان عضوا واحدا فقط من اعضاء الرباعية(الولايات المتحدة) يعمل بنشاط على منع اي اتصال معها ، فإن من حق قيادة حكومة السلطة الفلسطينية ان تتساءل ما اذا كان هذا العضو لا يقف وراء قرار السكرتير العام «نبذ»هذه الحكومة.
على نحو مشابه ، لا يوجد قرار في مجلس الامن يحظر اجراء اتصالات مع الحكومة السورية.اراض سورية ما تزال محتلة في انتهاك للقانون الدولي وقرارات مجلس الامن الذي يؤيد تسوية شاملة للنزاع في الشرق الاوسط - بين اسرائيل وجيرانها - وهذا التأييد يجعل انهاء الاحتلال للاراضي السورية جزءا لا يتجزأ من مثل هذه التسوية الشاملة.وعليه ، في ضوء كل هذه الملابسات ، فإن من حق الحكومة السورية ان تتساءل ما اذا كانت سياسة السكرتير العام مستوحاة من القانون الدولي بما في ذلك قرارات مجلس الامن ، ام انها بأوامر من عضو أو اثنين من الاعضاء الدائمين في المجلس.
ناصر القدوة ، وزير الخارجية الاسبق في حكومة السلطة الفلسطينية التي شكلها احمد قريع اخبرني مرارا «بانه يتعين على الامم المتحدة ان تكون الامم المتحدة وتنسحب من اللجنة الرباعية» ، اي ان تواصل اداء عملها كحارس للمنظمة الدولية والقانون الدولي ، وأن لا تحاول ان تكون لاعبا سياسيا.وأضاف القدوة ان القاعدة موجودة بالفعل في غزة وأنها تقوم بتعزيز وجودها ، رافضا الخوض في تفاصيل.
مبعوث جديد
بأي حال من الاحوال ، إذا لم يسمح لممثل السكرتير العام إلى المنطقة - أنا ما زلت في هذا المنصب الى الآن - بالتحدث إلى كل واحد هناك ، فلا أرى فائدة نسبية ترجى من وجوده في المنطقة وانه يمكن أن يؤدي عمله من مقر الأمم المتحدة في نيويورك كما هو الحال بالنسبة للمبعوث الروسي أو مبعوث الاتحاد الأوروبي غير المقيمين مثلي في الشرق الأوسط.وأنصح بقوة بمراجعة السياسة الأساسية والاحتمالات في هذا الشأن واتخاذ موقف مدروس.
في غياب تغير حاد في سياسة الأمم المتحدة ومواقفها من اللجنة الرباعية ، والقيود المفروضة على الاتصالات مع حكومة السلطة الفلسطينية ومع حماس نفسها ، إضافة إلى سوريا بالطبع ، فإنه يتعين على السكرتير العام للأمم المتحدة إلقاء نظرة واقعية جيدة على سياسة المنظمة الدولية في الشرق الأوسط قبل اتخاذ أية خطوات إضافية بما في ذلك القرارات التي تتعلق بمجموع الموظفين في المنظمة.
لا أعتقد بشكل أكيد أنه من المستحسن تعيين شخص يخلفني في منصب المنسق الخاص للأمم المتحدة سواء على المستوى الحالي(مساعد السكرتير العام)أو على مستوى أدنى ، ما لم ترفع القيود الحالية بالكامل ، أو ما لم تتم إزالة كل الذرائع حول الشخص المتواجد في الميدان وهو «المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط».ربما يكون من الأفضل قصر صلاحيات المنسق الخاص في غزة والقدس على مهمات تنسيق المساعدة ، وهي المهمات التي يقوم بها حالياً نائب المنسق الخاص.وسوف تكون هذه الخطوة أكثر طريقة معقولة للمضي قدماً إذا تم تعيين مبعوث في مقر الأمم المتحدة.

وجهات النظر الفلسطينية
اتخذ الفلسطينيون خطوة مهمة جداً بتشكيل حكومة وحدة وطنية.واتجهت اسرائيل والولايات المتحدة إلى التعامل مع حماس كما لو أنها ظاهرة ثانوية ، وفي رأيي أن هذا تقييم خاطىء:حماس ذات جذور عميقة ، وعزفت على أوتار عديدة بما فيها عدم احترامها لعملية أوسلو ، ومن غير المحتمل أن تختفي عن الساحة.المعاملة الخاطئة لحماس قد يكون لها تبعات تتجاوز الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب علاقات الحركة مع الإخوان المسلمين الذين قد يتوصل ملايين المسلمين من مؤيديهم في العالم الإسلامي الى نتيجة مفادها ان الوسائل السلمية والدبلوماسية ليست الطريقة المناسبة للتعامل مع الوضع.حماس في حالة انفعال ولديها طاقة كامنة تمكنها من المشاركة في اتجاه براغماتي يسمح بانجاز الحل القائم على اساس الدولتين - لكن فقط اذا تم التعامل معها بطريقة صحيحة.
في الجانب الآخر ، من الصعب ان تكون متفائلا حول فتح التي يبدو انها فقدت البوصلة قبل فترة طويلة من هزيمتها المنكرة في انتخابات كانون الثاني 2006 ويبذل ابو مازن قصارى جهده لإبقاء الامور في مسارها وإعادة بناء الاجماع الفلسطيني الواسع لصالح اوسلو عن طريق محاولة إغراء حماس ، لكنه من غير الواضح ما اذا كان يحظى بدعم اساسي بين مستشاريه.
لوحة اللاعبين الفلسطينيين على الساحة السياسية اكثر تنوعا وتعقيدا ، وكسبت نسيجا جديدا بالكامل جراء خسارة فتح وصعود حماس الى الحكم.وهذا يفرض مشاكل خطيرة بخصوص تعاملات الامم المتحدة مع الآراء المختلفة في السلطة الفلسطينية والذي يحتاج تقريبا الى رسم بياني لقياس الأعماق من اجل الابحار في هذه الآراء.
قبل اتفاق مكة ، تعاون بعض مستشاري ابو مازن في عزل حكومة السلطة الفلسطينية وتآمروا في الواقع على الاحاطة بها.وقد تغير هذا الشيء بعد مكة في العلن على الاقل.إلا ان التحفظات بقيت مع ذلك ، وظل بعض هؤلاء الاشخاص يأملون بأن يبقى اعضاء حماس في الحكومة مستبعدين في تعاملات المجتمع الدولي مع السلطة الفلسطينية.
من الجدير إدراكه ان انهيار المؤسسات الدستورية للسلطة الفلسطينية والتوسع الاستيطاني الاسرائيلي يخلقان قناعة متنامية بين الفلسطينيين وعرب اسرائيل ، وكذلك بعض اليهود في اسرائيل ، بأن افضل الايام للحل القائم على اساس دولتين قد اصبحت في الوراء ، وان حل «الدولة الواحدة» لشعبين يحظى بقبول متزايد ، وأن الخاسر الاكبر في هذا الحل هي اسرائيل التي تريد دولة يهودية ديمقراطية.
في رأي الكثيرين ان الطريقة الوحيدة لحل النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني تكمن في انهاء الاحتلال على مراحل - اولا:ازالة المستوطنات القائمة واقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة ، ثم اكمال الصفقة النهائية من خلال مفاوضات دولة مقابل دولة.السبيل الوحيد الممكن حتى يكون هذا المشروع خطوة نحو السلام تكمن في اتفاق الاطراف اولا على تفاصيل التسوية النهائية ثم تنفيذها على مراحل.الافتراض ان هذا الهدف هو ما يدور في خلد رايس مع جهودها التي تركز على «افق سياسي» ، وانها للاسباب السالفة الذكر لن تنجح على الارجح.

وجهات النظر الاسرائيلية
في الوقت الذي تواجه الحكومة الاسرائيلية برئاسة ايهود اولمرت مصيرا مجهولا لأسباب داخلية اولا واقليمية ثانيا ، ويقترب التأييد لرئيس الوزراء من الصفر ، لجأت اسرائيل الى ملاذ آمن - حسب إعتقادها - وحبست نفسها في موقف مبدئي رافض فيما يتعلق بالتعامل مع الفلسطينيين ، وذلك بالاصرار على شروط مسبقة يتعين عليها ان تعرف بأنها غير قابلة للتحقيق.من المفارقة انها تطالب بانهاء العنف بينما تقوم بعمليات عسكرية لا تتوقف في الضفة الغربية ، وبينما لا تلتزم بتعهداتها المنصوص عليها في خريطة الطريق وتقوم بتفكيك البؤر الاستيطانية غير الشرعية وتجميد النشاط الاستيطاني ، وتواصل خلق حقائق على الارض يتعذر إلغاؤها تقريباً بما في ذلك بناء الجدار الامني على الاراضي الفلسطينية ، بينما تواصل احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية والاستمرار في تضييق الخناق على التنمية الفلسطينية عن طريق نظام الاغلاق.وعلى نحو غير واقعي مشابه المطالبة بالاعتراف بإسرائيل او بحق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية ، على الرغم من حقيقة غياب وجود إجماع في اسرائيل نفسها حول طابعها اليهودي ، وعلى الرغم من احتلال اسرائيل للاراضي الفلسطينية واستعمار اجزاء كبيرة من تلك الاراضي.
لسوء الحظ ، وافق المجتمع الدولي ومن خلال سياسة بنيت بسرعة على الرفض الاسرائيلي ما جعل من الصعب جداً عليه التحلل من هذا الموقف حتى لو قررت اسرائيل التراجع عنه.
هذا الرفض الاسرائيلي يمتد الى سوريا ايضاً ، حيث إتخذت تل ابيب موقفاً ، يردد موقف الولايات المتحدة ، يقول إن دمشق تعرف ما يجب عليها فعله لتثبت انها شريك تفاوضي مقبول ، ويصر على ان تلتزم بهذا قبل اي إتصال او تفاوض معها.الكثير من الذين زاروا سوريا عادوا خالي الوفاض.واتساءل:هل كانوا يعتقدون حقاً ان سوريا يمكن ان تتخلى عن اوراقها التفاوضية مجاناً خارج اطار عملية تفاوضية؟ لو كنت اعتقد ذلك لكنت اتعمد إهانة المخابرات لديهم.
في اعتقادي لو كان مسموحاً لي التحدث الى حكومة السلطة الفلسطينية وحركة حماس وسوريا ، لكنت حظيت بإحترام اكبر من جانب محاوري الاسرائيليين ، ولاستطاعت الامم المتحدة لعب دور موثوق ومفيد في اللجنة الرباعية ابعد كثيراً مما قامت به.
انا ارحب واشجع الجهود المبذولة لتحسين العلاقات بين الامم المتحدة واسرائيل عموماً ، وبوجه خاص حول مسائل مثل الهولوكوست ومعاداة السامية ، التي يتعين ان يكون للمنظمة الدولية موقف قوي وواضح منها.لكنني لا اعتقد بصدق ان المنظمة الدولية تسدي لاسرائيل اي معروف البتة بعدم التحدث معها بصراحة حول اخفاقاتها فيما يتعلق بعملية السلام.لن نكون(الامم المتحدة) صديقا لاسرائيل اذا سمحنا لها بالسقوط في خداع الذات بان الفلسطينيين وحدهم هم الذين يوجه اليهم اللوم ، او انها تستطيع بحماقة الاستمرار في تجاهل التزاماتها بمقتضى الاتفاقيات الموجودة من دون ان تدفع ثمنا دبلوماسيا دوليا على المدى القصير ، وثمنا قاسيا فيما يتعلق بامنها وهويتها على المدى الطويل.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش