الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قصّتان

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً



خميس النجار *

 غربة

دخلت عالما غريبا أبحث عن الأمل المفقود أخذت أشتمّ شذى الزهور الذابلة، و كأني اول من دخل هذا العالم، خيوط عناكب ولوحة دون ألوان.. مقطوعة موسيقية فوق كمان مثقوب.

مكتبة تضم الكثير من الكتب، ظننتها كتبا قيمة، أخذت كتابا من المنتصف، وكانت الحروف مبعثرة، ونافذة تطل على ليل بلا نجوم.. أبحث عن مخرج.. التفتّ الى المرآة فلمحت ظلا.. كاد قلبي يسقط خوفا، وضعت يدي على قلبي، وقلت في نفسي تقدم، فبدأت أمشي نحو ذلك المنعطف بخطوات هزيلة.. إنني أراه ضوءا خافتا لعله المخرج.. ما هذا؟ صوت الموسيقى الصاخبة يرتفع، فقدت تلك الرائحة، لم أعد أرى أيّا من تلك اللوحات او المكتبة، أمشي خطوة فخطوة، وأعدها عشرون، تسعة عشر، ثماني عشر.. ثلاث اثنان واحد.. وانطفئت الشمعة..

 حافلة

يتأخر حضور الحافلة التي تقل الموظفين حتى الثواني الأخيرة قبل الانطلاق، يتثائب العمال في هذه الدقائق العشر في أحد المجمعات الصناعية في المدينة الساحلية، بين ختم بطاقات العمل، وقدوم الحافلة، لكن البعض يتحدث مع رفيقه، محاولا كسر هيبة الوقت، أفرع الأغصان ساكنة، وحرارة الجوع تتشابك مع حرارة الطقس، ورائحة حامض الكبريتيك تغزو المكان.

قرب مكتب الدوام، نبتت بعض نبتات الريحان، شذية الرائحة، البعض يلمسها ويشتم يده، واخرون يقطفون غصنا ناعما، يهدونه لأزواجهم، اللائي يستعملنه أحيانا لإنتاج صحن سلطة أفضل، أو يضفنه مع الثوم والفلفل بعد القلي لطبخة البامية اللذيذة، أو يسحقنه على المناطق المطروقة من أجسادهن.

وفجأة تنطلق الحافلة، يركض الناس يحاذونها، وهي تنعطف للداخل، أدركت أن حركة خاطئة، ستتسبب في دهس أحدهم. حاولت أن أوضح رأيي، إلا أن أحدا لم يأبه، فمن يسمع؟

صرت أقف على مسافة كافية، أرقب المشهد الخاطئ، يتكرر كل يوم.

وفي يوم حدث ما توقعته، وصعدت الدواليب الخلفية، على صدر الرجل الذي سقط، وباب الباص مشرّع بإزائي، صرخت على السائق: قف، وأشرت بكف يدي. وهو لا يعلم شيئا عما يجرى، لكنه أدرك أن أمرا غير محمود العاقبة قد حدث، فتوقف، وبهدوء تام أشرت له: ارجع أخي للخلف، وأشرت له بكلتا يدي، مسافة تبدو نصف متر، وهي كافية لتحرير الرجل من ثقل الحافلة، ففعل. قلت له اسحب المكابح اليدوية وانزل.

الجميل أنه تم إنقاذ الرجل، بعد أن كسرت له ثلاثة أضلاع، وسلمه الله. وعادت الحافلة تقف قريبا من العمال، يصعد مباشرة كل من ختم بطاقته، فلا خطر من تكراره مرة اخرى.

وبعد سنتين، قيض لي أن أعود لنفس المكان، فوجدت الحافلة قد عادت تهاجم العمال، تبحث بينهم عن ضحية جديدة.



* باحث وروائي من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش