الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة واقعية في أحاديث الخوارج

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

 د. عصر محمد النصر

على الرغم من اختلاف التفاصيل في المظاهر الاجتماعية إلا أنها متشابهة من حيث أصولها وأسبابها ومآلاتها, فهي متجددة عبر التاريخ بتجدد تلك الأسباب, ومن هذه المظاهر مظهر الاختلاف وما يصدر عنه من أحوال, وما نراه في واقعنا اليوم لهو خير شاهد على هذا التجدد, وإدراك هذا القدر من التجدد يلقي بظلال الواقعية على كل حلٍ يمكن أن نلج من خلاله إلى واقع الأزمة التي نعيشها اليوم, بعيدا عن الحلول المبتورة أو ردود الأفعال التي من شأنها تعسير الحل, أو خطف الواقع إلى ساحة الجدل وتصفية الخصومات لحساب توجهات شخصية أو أغراض معدة في سالف الأيام, وهذا بعينه الذي جرى ويجري مع كل حادثة يمر بها مجتمعنا, ومنها ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية وهو ما عرف إعلاميا « بخلية داعش في مدينة إربد», حيث بات التدين عند البعض هو المتهم الأول وأهله كذلك, وعاد الحديث مجددا عن مناهج التعليم والكتب الدينية, وليس ذلك إلا مزيد إمعان في الخطأ ومصادرة للهوية الوطنية والمجتمعية.

يعد الاختلاف العام الذي يكتنف المجتمعات من أسباب ظهور الأفكار وانتشارها, حيث مثل هذا الاختلاف منذ القدم سببا لظهور أصناف الفرق والأفكار, ومن ذلك ما ظهر في الحقبة الأولى من عمر الأمة الإسلامية, وقد جاء وصفه بالحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم : «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ» فكان هذا الاختلاف سببا لظهور فرقة الخوارج, وهكذا يعقب كل اختلاف عام ظهور لأمثال هؤلاء, ولعظم ما يجري على يد هذه الطائفة من شدائد جاء وصفها في الأحاديث النبوية بما يعين على حسن التعامل معها, وقبل ذكر هذه الصفات لابد من التنبيه على الأصل الذي تنطلق منه هذه الطائفة والذي أوجب لها جملة الصفات الواردة, وهو الغلو في الدين, فالغلّو مجاوزة حد الاعتدال وتعدي حدود الله التي أمر بها?  وهو سلوك إنساني له استعداده النفسي ومحفزاته الواقعية؛ وقد جاءت النصوص الشرعية محذرًة منه بصور متعددة, وهو يسير في اتجاهات مختلفة? ولا يرتبط بسبب واحد? بل تدخل فيه مجموعة أسباب, فقد يكون المحفز للغلو هو المحافظُة على الهوية المعبرة عن الأمة? في مقابل التيار التغريبي المنضوي تحت جناح الغرب؛ أو يأتي في سياق حضاري في وقت اشتدت فيه سطوة الحضارة الغربية على بلاد المسلمين؛ كما قد تكون مشكلة الغلو مشكلة دينية على اعتبار أن الدين أعظم محفز للنفس? وهو الأساس في كل مطلب, فالغلو لا يرتبط بشريعة معينة ولا وأمة, ونسبته إلى أمة من الأمم أو شريعة من الشرائع من المجازفة والقول الزور فضلا عما فيه من تعسير للحل.

عند التأمل في صفات الخوارج نستطيع أن نصنفها ضمن ترتيب موضوعي يعين على فهم هذه الظاهرة كظاهرة اجتماعية تاريخية متجددة, من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث :» يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ « وفي حديث آخر : «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَة»وفي حديث :«حَتَّى يَخْرُجَ فِي عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ» فمن تأمل في هذه الأحاديث رأى أنها تدل على ظهور هؤلاء القوم ابتدءً, وأن ظهورهم متكرر من خلال التعبير بالفعل المضارع «يأتي, وسيكون» والتعبير بحادث متأخر «كخروج المسيح الدجال», كما دلت الأحاديث على أن خروجهم مرتبط بقلة العلم وانتشار الجهل وضعف الإيمان، ويدل على هذا تقييد الخروج بأخر الزمان حيث يأتي عادةً للتعبير عن الفتن، ولذلك قال في الحديث الآخر «اختلاف وفرقة» والفتن والفرقة والاختلاف لا تكون إلا عند انتشار الجهل وقلة العلم وضعف الإيمان, ومن صفاتهم أيضا: قوله:«حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ»،«سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ»: فقد جعل الله في هذا الخلق لكل شيء قدراً ، كما جعل لكل عُمرٍ أحكاما تتعلق به، والأصل في هذا أن العقل الذي انعم الله به على الإنسان شرط في صحة التكليف ولزومه ومناطه المعتبر، فَرَفَعَ الشرعُ القلم عن الصغير حتى يبلغ, وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، ومن تأمل في الصفات المتقدمة رأى أنها من اظهر الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الخطأ، لما تقتضيه من قلة الممارسة وضعف العلم، وخفة الطبع، وعند النظر في عموم السلوك الذي يظهر عند الإنسان تجد أن مرده إلى هذه الصفات أو ما يقابلها, فكما أن الحلم والأناة يدلان على رجاحة العقل و زكاء الطبع، كذلك الصخب في الأسواق يدل على غلظة الطباع وقسوة القلب، إن من أعظم ما تقتضيه هذه الصفات هو الاعتداد بالنفس والاستعلاء على الغير فيميل صاحبها إلى شيء من التميّز بالملبس والصورة الظاهرة، ومن هنا ورد كثير من الأحاديث الدالة على اتصافهم بالحلق والتسبيد، وقد عرف عنهم لبس الخشن والزهد في الدنيا، ومحل الذم هنا التدين بما لم يرد به الشرع واتخاذ هذا عادة يتميز بها أصحابها من دون الناس, ومن الصفات : قوله:«يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ », « قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ »،«لَيْسَتْ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ شَيْئًا», « يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ» لا يستقيم للإنسان اعتقاد ولا يصح منه قول إلا إذا صح قصده ومتابعته، فإن مدار الأعمال كلها متوقف على صحة القصد والإتباع، ولما كان حال هؤلاء أنهم حدثاء أسنان, وسفهاء أحلام, لا يرفعون بأحدٍ رأساً، فلا يأخذون بقول عالم ولا يعتبرون بمرجعية، كان استدلالهم مشبع بأهواء أنفسهم، فهم يقرأون القرآن إلا أنهم لا ينتفعون به، وهذا دليل على عدم توفيقهم وقلة فقههم حتى وصف سلوكهم بالتيه والضياع, ومن ذلك : قوله « يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ» حيث يعد الغلو سبباً من أسباب الخروج عن الدين، وقد نص على هذا جمع من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن هنا اختلف أهل العلم في تكفير الخوارج على قولين, والصحيح عدم كفرهم, وعليه جماهير أهل العلم وهو محل اتفاق بين الصحابة, مع اتفاقهم على قتالهم، وقد تقرر أن  من علامات صحة الإيمان حُسنُ السلوك واستقامة العمل؛ ذلك أن الإيمان إذا رسخ في القلب ظهر أثره على الجوارح والعكس كذلك, ومن صفاتهم : قوله :«هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ», حيث عظَّمَ الشرعُ أمر الدماء، ورتب على منتهك حرمتها أشدَّ العقوبات الرادعة والزاجرة, وما أجاز قتل المعصوم -لمن يجوز له قتله- إلا بأسباب توجب ذلك كالقصاص أو الزنا في إحصان ونحو ذلك, حيث يعدُّ خلقُ الإنسان في الدنيا ووجوده فيها مراداً لله تعالى، كما في قوله:«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (البقرة:30)، وقوله :«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات:56), فمما تظهر به صفات الله وأسماؤه هو هذا الخلق، فعلمنا بذلك سعة رحمته وشدة عقوبته وغضبه ورضاه ورزقه ومكره بأعدائه إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال، فوجود الإنسان إذن مراد له سبحانه، ومن هنا كان من أعظم الذنوب وأوجبها لغضب الله إفناء الإنسان وتعطيل وجوده حيث يعد اعتداء على حق الله سبحانه.

إذن هذه بعض الصفات الواردة في الأحاديث النبوية والتي توضح حقيقة هذا الفكر وتبين واقعه, وأنه في أصله فكر غير مستقيم لا يتعلق بشريعة معينة أو أمة, يتأثر بجملة عوامل نفسية واقتصادية وسياسية, يغذيه ضعف العلم, وإنما يكون علاجه علاجا عاما شاملا دون الاقتصار على جانب دون آخر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش