الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مَا لَمْ يَحْدُثْ في الربيعِ الماضِي

تم نشره في الأحد 12 شباط / فبراير 2012. 02:00 مـساءً
مَا لَمْ يَحْدُثْ في الربيعِ الماضِي * فارس خضر

 

الذينَ تحدَّثُوا باسمِ التنويرْ، في حينْ كانوا يُسوّغُونَ خِطَابَاتِ النّظَامِ البائدْ، ما أظُنُّهُمْ كانوا يتوقَّعُونَ ولو في أَسْوَأِ كوابِيسِهِمْ أنْ نجلسَ في لحظةٍ ملتبسةٍ كهذهِ لننتَظِرَ الظلامَ القادم.

لقدْ نَزَلَ السياسِيُّ عن أكتَافِ الثِقَافِي، بعد أن رَكِبَهُ لما يزيدُ على نصفِ قرنٍ، ولم يَعُدْ عليهِ بَعْدَ اليومِ أن يُقدِّمَ للعُرُوشِ الخَائرَةِ ذَرائعَ للبقاء، ومعَ هذا تبدو خُطُوَاتُهُ مُتَثَاقِلةً، ويداهُ مرتعِشَتَينِ، وقراراتُهُ إصلاحيةً واهنةً، وكنا ننتظرُهُ ثائرًا..

إنَّ مثلَ هذا الأداءِ يُذكرُنَا بالأيامِ المقبورةِ، أيامَ كانتْ كلُّ الأشياءِ مرتبةً ومتأنقةً كالديكوراتِ الكرتونيةِ، كلُّ الأشياءِ فيما يشبهُ، حتَّى صِرْنَا نعيشُ فيما يشبهُ الوطنَ.

إن نضالَ المثقفِ المصري ليسَ بحاجةٍ إلى إبانةْ، هذا المثقفِ الذي يقفُ الآن في المسافة الأبعدِ عن فكرةِ التخوينِ، وعن تناحُرِ المتناحرينَ حولَ المكتسباتِ والغنائمِ، بوسعِ كلِّ عابرِ سبيلٍ أن يَصِمَهُ بالخِيَانَةِ، بل ويشككَ في وطنيتِهِ وثوريتِهِ، وهو الذي تحملَ العبءَ الأكبرَ من الإقصاءِ والتعنتِ والمطاردةِ في الأرزاقِ، بينَما كان المأجُورُون يغرِفُونَ من بحورِ الفسادْ.

هذا المثقفُ عصبٌ مكشوفٌ يتمُّ إقصَاؤُهُ، والتقليلُ من دورِهِ، بينما يلتزمُ الصمتَ، وكلُّ هذهِ الأفواهِ تتكلمُ في نفسٍ واحدٍ بحجرةٍ ضيقةٍ وخانقةْ، والإرادةُ الوطنيةُ التي بدتْ في أنصَعِ صورِهَا إبَّانِ الخامسِ والعشرينَ من ينايرِ فتَّتَها الساسةُ ومحتَرِفُو الانتخاباتِ والائتلافاتِ والتجمعاتِ، والخارجُونَ علينا بزعيقِهِمْ من كلِّ فجٍّ عميقْ.

والدمُ الطاهرُ الذي أريقِ ستُغطِّيهِ طبقاتٌ ثقيلةٌ من التواطؤِ والصمتْ، والصوتُ الثائرُ الذي فقدَ بوصلتَهُ يتهَاوَى لتدْهَسِهُ البياداتُ الغشيمةْ..

هكذَا.. منذُ عمرِو بنِ العاصِ وهم يُحاولونَ الإمساكَ جيِّدًا بقرونِ البقرةِ، لا يهُمُّهُمْ إنْ نَزَفَتْ دمًا، وأبناؤُهِا العراةُ الجياعُ، المهانُونَ في كلِّ أرضٍ، المحرُوقُونَ في القطاراتِ والمسارحِ، والمُبعَدُونَ عن ولائمِ الساسةِ وتجارِ الأديانِ وعبدةِ الماضِي، المحكُومونَ بقوانينَ السادةِ والعبيدِ، هُمُ الذين صدّرُوا الحضارةَ الإنسانيةَ للعالمِ، منذ أطلَقَتْ طفولةُ البشريةِ صرختَهَا الأولَى.

لقدْ أفرَطْنِا في التفاؤلِ، فحمّلْنَا هذا المؤتمرَ عنوانًا ساحرًا يداعبُ أخيلةَ الشعراءِ ويُرضِي أشواقَ وطموحاتِ المبدعين، قلنا: «سقوط نصِّ الاستبدادِ».. والاستبدادُ يمارسُ جبرُوتَهُ على بعد أمتارٍ من هذِه القاعَةِ. والمتخبِّطُونَ في إدارةِ البلادِ يُجْهِزُونَ على ما تبقَّى من الإرادةِ الوطنيةِ، تاركينَ القُوَى المتناحرةَ التي تُمْعِنُ في انتهازيَّتِها بتحالفَاتِها البراجماتيةِ تعملُ بطريقةِ «فُخار يكسرُ بعضَه»!.. تاركةً تياراتِ الإسلامِ السياسي تجْنِي حصادَ السنواتِ العجافِ. ليتباعدَ الحلمُ الذي بدَا وشيكًا، ويتضاءلَ الشعورُ بأننا على أعتابِ دولةِ القانونِ، الدولةِ المدنيةِ الديمقراطيةِ التي تكفلُ المساواةَ والعدلَ والكرامةَ والحريةَ للجميعْ.

ويبقى الحلمُ ما بقينا..

* الأمين العام لمؤتمر أدباء مصر والكلمة المنشورة هي افتتاحية مؤتمر أدباء مصر.

التاريخ : 12-02-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش