الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«لكم أنتً بي ـ نكهة وطن ، لرشاد أبو داود»

تم نشره في السبت 16 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 مـساءً
«لكم أنتً بي ـ نكهة وطن ، لرشاد أبو داود»

 

* رانة نزال

أبعد من عمر ، وأدق من رحلة ، وأمطر من سحابة ، لربما هكذا يمكنني أن ألج عالم "لكم أنتً بي ـ نكهة وطن" ، إذ لست متأكدة تماماً ما يمكن قوله في كتابة لا قول بعدها ، إذ هي تستكمل تحضيرك ، وتستنفر أعصابك ، ثم تقودك في سلاسة إلى حيث تشاء لتتركك عقب حرفها الأخير ، معلقاً بالأسئلة أو مفرغاً من الشحنة التي أصابتك ، فالأسئلة الاستنكارية في المادة الكتابية تحمل في طياتها كُلَّ الأجوبة ، لذا أنت هنا في حال هو حالك مع أي مقال صحفي تقرأ ، بل ما يفعله المقال العجالة ، التبعثر والتنقل من فكرة إلى فكرة مربوطة حسب الكاتب ، والانشغال بهمّْ جمعي قاتل ، أو أنت محمول عبر افتتاحيات المقالات المختلفة لتعرف ما يُمرّ به الكاتب حبّاً أو هجراً ، ميلاً أو بغضاً.

المقال مأزق ، مأزق الكاتب ومأزق القارئ ، كلاهما يستسلم للآخر ، يفكر به ، يقرر عنه ، يلتصقان في منطقة يقتضي الأدب من حيث هو فعل كتابة ألا يحصل هذا الالتصاق بل يستدعي التماهي ، لا التلاصق الوجداني والشعوري والعقلي والتأملي الذي تمليه الكتابة الصحفية ، لكنك وأنت تقرأ "لكم أنتً بي" تتحصّل على معادلة مختلفة ، أنت هنا مستلب بالكامل ، مستسلم بإرادتك ، منساب بحرية واعية ، ولكأن مقالات الكتاب زيارة تذهب إليها بملء جوارحك.

أنت في وقوعك بين دفتي هذا الكتاب الذي جمعت أوراقه مقالات كاتبه رشاد أبوداود وتقسمت داخل جسمه إلى ثلاثة أجزاء أو أقسام هي: "هنا ، هناك ، هؤلاء" ، ولكأن الكاتب يتصرف بملء وعيه في هذا التقسيم ، ويشتاق أن يقدم خلاصاته الصحفية في ثلاثية تكثف رحلته الممتدة ، وانهمامه الباذخ بالصحافة حتى صارت له بمثابة الأم والأب والأخ والأخت وكل ما في الحياة ، بل جسده في اعتكافه على الصحافة مهنة وحرفة واختصاصاً ، ولقد أبدع فيها ، لكن الحنين الذي ظل طوال الرحلة يطاول برأسه ، ويسأل صاحبه أيني فيك وأنت الكاتب؟ أين صوتك الأدبي ، وحرفك الإبداعي ، وهنا كان الرد دمعاً قاصماً بأن لا مكان لك إذ لا وقت في الوقت يسمح بوجودك ، ولكن الأديب حاضر متجلّْ لذا تكاد تكون بعض المقالات في الكتاب قطعاً أدبية مكتملة ، وكل الكتاب هو رصيد هام وضخم من حيث أهميته يضاف إلى رصيد "فن المقالة" ، وما به يدرس ويعتمد كمادة مرجعة تطبيقية للعديد من الأمثلة على المقالة سواء السياسية أو الثقافية الاجتماعية والوجدانية.

لقد أطل الكاتب برأسه ، واعترف بقصوره في فنون الأدب الأخرى قصة ورواية وخاطرة ومسرحية ولكنه جسد هذه مجتمعة في مقالاته ، مؤكداً على أن المقالة في هذا الزمن أم الفنون أجمعها.

قدم قاسم حداد الشاعر البحريني للكتاب بكلمات هي الأعمق والأقدر على ضبط الحالات الشعورية والوجدانية العميقة في نفس الكاتب فقال: "هذا صباح يبدأ عن الظهيرة ، هكذا سيتأخر الصديق رشاد أبو داود عن الالتفات الأدبي في نصه الصحفي ، لمؤانسة وحشته في ورشة عمله المهني ، الذي ظل يستغرقه معظم النهارات والليالي في انهماك ماراثوني لا يرحم".

ويتابع: "لكأن بين الأدب والصحافة مسافة مقالة واحدة ، مقالة ما علينا إلا أن نتيقظ لندركها ، ونتدارك بها شهقة الغريق بشرفة كريمة من الإصغاء".

وفي كتابة قاسم كشف حقيقي عن واقع الحال ، عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الصحفي المحترف الذي تأكل الصحافة روحه وإبداعه يقول: "لكأن رشاد أبوداود يسعى لمقاومة الخسارة الفادحة بربح خجول ، كأن الكاتب هنا يأتي إلينا من دفتر الأدب مباشرة ، ليس لكي يستعرض لنا معرفته الأدبية وثقافته النشيطة ، لكن كمن يريد أن يملأ رئتيه بشهيق عميق يغتسل به من جراء الصحافة ومن جرائرها على حبّْ أول ، هو الأدب" ولا أتفق تماماً هنا مع قاسم في كشفه إذ أني أرى أن الميزة التي يمتاز بها قلم رشاد أنه كاتب مقالة باحتراف ، أي أن الرغبة في الأدب حاضرة والكتابة الأدبية حاضرة باقتدار وان كان قالبها المقال ، وهذا ما فعله رشاد عبر مسيرته الصحفية والأدبية ، إنه أديب المقالة وهي بين يديه مقالة الأديب ، أنت تقرأ مقاله السياسي والوجداني والاجتماعي بذات البصمة ، بذات اللغة التي تنسجها أنامل خبرت الدنيا والحياة فانتصرت روحها للقيم العليا ، وارتضت أن تظل بها ولها رهينة ، وهنا يقول قاسم:"الرشاقة الرصينة في أسلوب هذا الرجل ، وعليك أن تصغي إليه وهو يتحدث كمن يقول الكلام لنفسه ، ليس مجازاً ، ولكن بالفعل ، لكي تلتقط منه أطراف الخيوط مجدولة بالأقانيم الثلاثة: العاطفة والمعرفة والتأمل إنه أي رشاد "تتفلت لغته الصحافية من تخومها فتصبَّ لنا أقداحاً منتخبة من نهر غير بعيد عن الأدب ، وربما الشعر أحياناً" وإنه ليكتب "بامتياز المحترف ، وولع الناسك ، ولا مبالاة المكترث" وأنت إذ تقرأ فإنك لتستسلم في استرسال وسنْ ، ولن يمكنك إلقاء النص عنك ، لن تشبع ، يظل بك جوع للمزيد ، لا على طريقة النار ، بل على طريقة الماء العذب الزلال يروي فيزداد العطًش عطشاً ، تنكب على الكتاب وتقرأ نكهة الوطن بالمعنى الوجودي ، بالمعنى الإنساني ، بالمعنى الذي تصير فيه زيتونة فلسطين كل زيتون الأرض ، وتسافر.. تسافر دون أن تقطع تذكرة ، أنت مدعو إلى رحلة تصطحبك منها القصص المودعة بطون المقالات أشخاصها يحضرون يتبادلون معك أطراف الحديث ، وتكاد تشمّ روائحهم ، وتمسك خيط أحلامهم الرفيع وهو يمر أمام عينيك. يقول رشاد: "نحن يا ابن دمي ، مؤتمنون على الزيتونة والنخلة والنملة. نلملم حبات القمح والعرق. نضمها إلى صدورنا.. تنمو سنابل من جديد.. وعندما نتعب نهرب إلى حضن أمنا لنعود.. مضت تسع وخمسون سنة. تعبنا ولم نهلك.. لن نهلك" في المقالات يقين ، هو يقين الحق ، هو الصولات والجولات التي يمر بها التاريخ بأحداثه ورجالاته ، هو الثابت اللامتحول ، وهي الأرض والسأم في نواميسها الأزلية ، ففلسطين عربية مسلمة ، زيتونها كنعاني ، وهي اللغة العذبة ، ترفل في ثياب الأدبي ، فتزدهي بما فيه من بلاغة وبيان ، وتنساب إنسياباً ، هي لغة من عرف بصمته ، واختار لغته الرائقة يقول: "الغضب هو استسقاء الخطأ بالخطأ ، واسدال للستارة على بسمة فجائبه هو إبكاء الفرح وإغلاق المرافئ أمام مراكب الحياة المتدفقة كنبض النهار".

ويتابع ساحباً إياك من يدك إلى عوالمه حيث الذاتي فيها جمعي ، كل ما في كتابة لكم أنتً بي ، جمعي في إنسانيته ، ورهافته ، ونبله يقول:

"تمر الدقائق ، لا يأتي الطبيب. ترى في الأفق الذي يضيق كحدقة عين تفقد نورها.. هل هو الوداع الأخير. يا إلهي من تودع؟ فقد أتقنت طيلة هذه السنين أن تكون ابناً وأباً ، زوجاً ومحباً وصديقاً ، ونسيت أن تكون أنت. أين أنت الآن؟"

مقالات يتمازج فيها فن القصة القصيرة دونما قصدية ، هي إنسابية الدواخل وهي تسرد ، هذا السرد التداعي ، هذا التزاوج والتلاقح بين الفنون الأدبية مشتبكة حين يحتضنه قالب المقال فيقصر المقالة تركيبة سحرية تجمع بين القصة والخاطرة وتنجمع في قالب المقال ، وبلغة لا صنعة فيها ولا تكلف ، لغة تنحصر على جسم الورق برائحة الفل والياسمين في رقة لغوية تندلق ولا تحكي الواقع بخشونته فتجرح ، لغة وسط في تنقلها بين هذا وذاك.

"لم تكن علاقتي بأندونيسيا تتعدى معرفتي بأحمد سوكارنو ثم ابنته ميجاواتي. ولم أكن أتخيل أن يشهد بيتي في ضاحية الرشيد قصة اندونيسية الشخوص عالمية الأبعاد.. وأن أكون شريكاً ، رغم أنفي في أحداث تلك القصة" في الكلام ثقة بالخير عالية ، ثقة بالبياض ، ثقة بالحق ونورانيته ، هي نقطة ارتكاز في الرؤية التي يصدر عنها الكاتب ، لذا تأتي كتابته سخطاً كان أو غضباً أو ضيقاً أو ألماً مضاءة بماء الورد ، معجونة بالمحبة والأمل ، تتساوق فيه وتتعالق الحروف في دراميتها أو تصعيدها مع البساطة المقالية. إن صح التعبير - بساطة الحياة وجمالياتها الرفيعة في أشيائها الصغيرة مع عفوية صادقة مفعمة بالأمل ، هذا الصدق لن يمكنك أبداً أن تفلت من عقاله ، سيحاصرك بودّْ وألفة ويأخذ عليك بتلابيب روحك ، ويودعك منه فلّة أو ياسمينة: "أراك تنضجين - والحديث لابنته دالية - سريعاً كما لو كنت حبة بطاطا نبتت بلا تراب. كيف أشرح لك الطريقة الحديثة في زراعة البندورة في الهواء ، وكيف جعلوا فقراء الطبقة الوسطى يحرثون الهواء حتى تعبت أيديهم فمدوها للتسول. زمان كان الفقير يتسول رغيفاً أو قطعة لحم أو قميصاً فيه متسع لرقعتين أو ثلاث ، اليوم يتسول قسط سيارة ، أو موبايل يا محسنين".

ولكن .. تبكي بصمت ، تبكي بحرقة جوانية لاذعة وسخيفة وحارة حين يحكي فلسطيني من قلب فلسطين مطعم بالجراحات وأن ظل وسيظل ملؤه اليقين بأن لا عروبة بلا فلسطين ولا إسلام بلا فلسطين ولا فلسطين بلا فلسطين:

"بيت حانون صبيحة الجمعة.. لا صباح ولا جمعة ولا طابور الصبيحة أمام بائع الفول والحمص ، ولا رائحة فلافل تدغدغ الشهية. صبحة الجمعة لن تجمع الأولاد والبنات حول طبلية الفطور والخبز الساخن وأكواب الشاي الأحمر. لن تستحم الأمهات بماء البحر.. صبيحة هذه الجمعة حتى البحر أغلق عيونه" والحديث عن "أولئك الذين يفتحون بيت عرس لا بيت عزاء للشهداء. الشهداء الأحبة والرضع والأطفال والأمهات والآباء.. فرادى وجماعات ، في الحارات وفي غرف النوم ، على شاطئ البحر وتحت ظلال الزيتون".

التاريخ : 16-01-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش