الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التنوير بين فكر رفاعة الطهطاوي وفوكوزاوايوكتيشي

تم نشره في السبت 16 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 مـساءً
التنوير بين فكر رفاعة الطهطاوي وفوكوزاوايوكتيشي

 

* سمير الشريف

منذ وقت ليس بالقصير وأصحاب الفكر المهتمين بالشأن الحضاري يتساءلون عن السبب المباشر لنهوض اليابان خلال فترة قياسية نسبية ووقوفها ندا للدول الكبرى في مجال التكنولوجيا والتصنيع رغم خروجها مثخنة بعد هزيمتها في حرب كونية كبرى تعرضت فيها لقنبلتين نوويتين مدمرتين بينما مصر لم تحظ بمثل هذا النجاح ولم تقترب من حدوده تكنولوجيا رغم استقلالها خلال نفس الفترة الزمنية تقريبا.

في هذا الإطار ذهب المفسرون مذاهب شتى ولجأوا لتبريرات كثيرة أحدثها ما قام به الدكتور رؤوف عباس في كتابه الصادر عن مختارات ميريت ـ القاهرة.

لمتابعة جذور هذا اللغز يحاول المؤلف الوقوف مع رائد النهضة الياباني (فوكوزاوبوكبتشي) مقارنا رحلته مع تجربة رفاعة الطهطاوي في مصر. يلفت هنا أن اليابان تمكنت أن تزاوج بين أنساق اجتماعية مختلفة جدا وبين امتلاكها الوسائل والأوعية التي استقتها من الغرب دونما خلل أو اضطراب ، في الحين نفسه تخرج علينا مقولات تشكك في أن العرب لا يستطيعون ، بحكم خلفيتهم الدينية وموروثهم الثقافي الذي يتعارض مع الأخذ عن الغرب.

لماذا نجحت اليابان في المحافظة على مقومات وسمات مجتمعها التقليدي وارتقت صناعيا ، بينما لم نحافظ نحن على إطار مجتمعنا وبقينا متخلفين صناعيا؟

يعرض المؤلف خلفيات( فوكوزاوا )التاريخية مبينا أنه نشأ في عصر تمثلت فيه إرهاصات النهوض خلال حكم (ماجي) و(طوكوجاو) - هذه المدة التي اتسمت وبوضوح ببدء اليابان في فك عزلتها مع الخارج وبدأت تفتح منافذها أمام التجارة العالمية واستعادة سلطة الإمبراطورية من أيدي النظام الإقطاعي ثم التوجه الجاد للإقبال على علوم الغرب وفك عقدة الخوف من استيراد الكتاب الأجنبي ، ولعل الأهم من ذلك كله المباشرة بتشكيل الدروس العلمية في (نجازاكي) والبدء بمزاولة التصنيع ، هذه الخطوات يقارنها المؤلف مع حال مصر ابتداء من سنة 1517 - 1797 وحتى 1805 تاريخ دخول العثمانيين والحملة الفرنسية ودخول محمد علي ، على الترتيب.

يتوقف المؤلف هنا مع مشروع محمد علي التعليمي ـ التصنيعي مقارنة بمشروع (ماجي) ويلحظ التوافق والاختلاف بين المشروعين ، خاصة أن أهم نقطة يؤكد عليها في عصر محمد علي هي تنامي دور الدولة بينما استطاع الإقطاعيون في اليابان التخلص من الاحتلال الأجنبي والسبب كما يرى المؤلف أن اليابان نجحت لأن التجربة فيها اعتمدت على النخبة العسكرية التي أخلصت نواياها لإنقاذ البلاد ، في حين أن تجربة محمد علي اعتمدت على جهد فردي يبحث صاحبه عن الشهرة والمجد الشخصي ، كذلك فان إصلاحات اليابانيين جاءت جذرية في حين إصلاحات محمد علي ترقيعية ظلت بعيدة عن الجذور.

في وقفة أخرى يعقد المؤلف مقارنة بين حيوات الرائدين (الياباني والمصري) فيشير إلى أن الرائد الياباني عاش في بيئة شعبية وكان توجهه أن يصبح كاهنا ، لكنه التحق بمدرسة محلية ثم ترك( تاكانو) وعمره تسعة عشر عاما ليتعلم الهولندية ثم سافر إلى (طوكيو) حيث درس الإنجليزية ومن ثم سافر للولايات المتحدة ليعود موظفا في الخارجية ثم عاد لأوروبا وزار فرنسا وإنجلترا وهولندا والبرتغال والقاهرة وبعض مدن مصر ، وهكذا تمكن الرائد الياباني برحلاته تلك من الإطلاع على منجزات العالم حيث لخص رؤاه في كتابه ذائع الصيت (أمور غريبة) وطبع منه ما يزيد على (150) ألف نسخة ، بيعت بعد نزولها السوق مما تسبب في ضجة كبرى نتيجة تزامن صدور الكتاب مع وجود حركة عداء للأجانب الذي وصل الأمر بأعضائها درجة اغتيال كل من يدرس أو يتعامل مع ثقافة الغرب ، هنا التزم(فوكوزاوا) الحياد الموضوعي حتى تمر العاصفة دون أن ينهزم أو يتراجع وقد ظل مخلصا لرؤيته مكبا على الدرس في مدرسة (كيو) التي بدأ طلبتها يغادرون فارين بسبب فظاعة الأحداث التي لم يبق من طلبتها المواظبين غير18 طالبا فقط.

تجلى إخلاص الرائد الياباني في عكوفه على التأليف فأصدر مجموعة كتب أهمها (تشجيع التعليم) طبع منه أربعة ملايين نسخة ، وكتابه (نظرية الحضارة) وكتابه(الخطاب الشعبي حول الحقوق الوطنية) ، كما اصدر مجموعة دراسات عن المرأة وأسس صحيفة يومية لتخدم أفكاره وتوصلها لأكبر قطاعات الشعب.

إذا ما توقفنا أمام خطوط في حياة الطهطاوي ، نجد أنه ولد في الصعيد في عائلة أزهرية غادرها إلى القاهرة حيث عين إماما لجيش محمد علي ومن ثم رحل لفرنسا ثم عاد منها مترجما وكاتبا ومفكرا ، يسعى لزرع بذور التنوير في التربة العربية.

من خلال المقارنة بين الرجلين ، يرى المؤلف أن الياباني اعتمد على جهده الذاتي أولا ولم يكن تابعا أو مندمجا بعمق ، لا في ثقافته التقليدية ولا في الثقافة الأوروبية ، على العكس من الطهطاوي الذي تعمق في ثقافته وثقافة الغرب.

سياسيا ، كانت ظلال الفلسفة التي تؤمن بالخضوع للسلطة وعلاقة الأبناء بالآباء هي السائدة في اليابان ، ورغم أن (فوكوزاوا)عمل على تشجيع الحريات لكنه في الآن نفسه ظل مخلصا للبيت الإمبراطوري مدافعا عنه ومعتبرا إياه رمز الأمة وحارس هويتها ، الأمر الذي اضطره إلى التراجع عن مناداته بالحرية والديمقراطية والدفاع عن الهيمنة اليابانية في الخارج ، هذا في حين أن الطهطاوي عرف بالتحرر ولم يتوقف عن الإشارة إلى أن الدين الإسلامي نفسه يطالب بالتحرر دون أن يحسب حساب التوسع الغربي الذي امتدحه وأشاد به.

التقى الرائدان على المبدأ البراجماتي وعلى نقد اضطهاد المرأة وعلى أن التعليم يجب أن يتجاوز الحفظ والتلقين إلى التطبيق المخبري التصنيعي.

هذه أهم الملامح التي تناولها كتاب الدكتور رؤوف عباس وهو بلا شك محاولة للإجابة على السؤال الكبير:

- : لماذا نجحوا وأخفقنا.

ولعل ما بين السطور يشير إلى حقيقة خطيرة أن اليابانيين أخلصوا لأنفسهم ولحضارتهم في حين كانت توجهاتنا مزدوجة الولاء والإخلاص أما انفصامنا الفكري والسلوكي فظاهر للعيان ولا يحتاج لكبير جهد حتى نرصد كل التشوهات التي تحيط بوجودنا.

التاريخ : 16-01-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش