الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ماري كاسـات.. لوحاتها معادل تشكيلي للأدب الأمريكي

تم نشره في السبت 23 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
ماري كاسـات.. لوحاتها معادل تشكيلي للأدب الأمريكي غـازي انـعـيـم

 

 
تعد الفنانة الأمريكية ماري كاسات التي عرضت أعمالها مرات عديدة في صالون باريس ونالت وسام شرف فرنسا واحدة من أعظم الفنانين الانطباعيين بأمريكا في القرن التاسع عشر ، ويمكن اعتبار لوحاتها المعادل التشكيلي للأدب والشعر الأمريكي في ذلك الزمن ، حيث عكست أعمالها مناظر من الحياة اليومية مثل الطفولة والأمهات بالإضافة إلى تضمينها لعائلتها التي لم ترغب بأن تدرس أو تمارس ابنتهم مهنة الرسم ، حتى أن والدها كان يردد: "أفضل الموت على أن أرى ابنتي فنانة ". لكن صاحب تلك العبارة تراجع عنها بعد أن حققت لوحات ابنته شهرة كبيرة في أمريكا وأنحاء أوروبا واقتنع بالطريق الذي اختارته ماري كاسات.

ولدت "ماري كاسات" في 22 أيار عام 1844 في بيتسبرج ببنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية ، ولما أصبح عمرها سبع سنوات ، انتقلت مع أسرتها إلى باريس ، وفيها عرّفها والدها ـ التاجر الثري والمتنور ذو الأصل الفرنسي ـ على أهمية الثقافة الفرنسية ، وقد أمضت كاسات بعض طفولتها في باريس ، وفي العاشرة من عمرها انتقلت إلى ألمانيا ، وفيها درست العديد من المواد.. منها الرسم والموسيقى.

في عام 1855 ، عادت "ماري" وأسرتها إلى الولايات المتحدة ، ولما أصبح عمرها 17 سنة بدأت دراسة الفن التشكيلي في أكاديمية بنسلفانيا للفنون الجميلة في مدينة فيلادلفيا ، وبعد تخرجها قررت الذهاب إلى باريس لمتابعة تحصيلها الفني ، لكن مدرسة الفنون الجميلة في تلك الأيام لم تكن تسمح بانضمام السيدات إليها ، فتوجهت إلى مرسم الفنان"شارلز شابلن"لتلقي الدروس الخصوصية.. كما أخذت دروس خاصة في مرسم المستشرق"جان ليون جيروم"، كما كانت من بين الفنانين الذين ينسخون اللوحات في متحف اللوفر..

في هذه المرحلة تأثرت كثيراً بـ "مانيه" وتابعت أعماله والمناقشات التي كانت تدور حولها.. وتعرفت في هذه المرحلة أيضاً إلى"ديغا"الذي نصحها ووجهها نحو الانطباعيين ، وقدم لها بعض النصائح الفنية. وعندما اندلعت الحرب البروسية الفرنسية في عام 1871 ، لسنة ونصف ، حزمت الفنانة"كاسات"أمتعتها ورجعت إلى أمريكا تلبية لطلب والديها ، اللذين خافا عليها من ويلات الحرب.. وهناك كادت أن تتوقف عن الرسم بسبب الأجواء الغير مشجعة البتة من قبل عائلتها ، وبسبب عدم قدرتها على تسويق لوحاتها رغم إعجاب النقاد بها. وحتى لا تخسر ما بنته ، قررت في عام 1872 ، العودة إلى أوروبا ، فزارت إيطاليا من أجل دراسة أعمال الرسامين الإيطاليين"كوريجيو وجيانو"ولم تكتف بذلك ، فذهبت إلى المتاحف تسأل المعلمين الكبار عن أسرار الفن.

وفي ذلك العام قبل صالون باريس إحدى لوحاتها التي حملت اسم: (في الشرفة أثناء الكرنفال) ، تلك اللوحة التي وقعت باسم مستعار (ماري ستيفنسون) ، من النوع الذي يفضله محكمو صالون باريس ، وقد عرضت"ماري كاسات"لوحاتها في الصالون لعدة سنوات ، ولكنها بدأت تملُّ من رسم ما يعجب المُحكًّمين.

وعودة إلى سبب اختيارها لذلك الاسم المستعار ، فالأرجح أنه يعود إلى عدم استجابة والديها لرغباتها في أن تصبح فنانة تشكيلية. فكانوا يطمحون في أن تكون ابنتهم زوجة وأماً ، شأنها شأن فتيات العائلات الميسورة ، التي كانت تعيش العصر الفكتوري ، إذ لم يسمع في تلك الأيام أن امرأة شابة من وسط اجتماعي عال قد زاولت مهنة معينة،

وأثناء وجودها في إيطاليا كلفها أسقف بطرس بورك برسم نسختين من أعمال الفنان كوريجيو في بارما ، وبعد أن غادرت"كاسات"إيطاليا توجهت إلى أسبانيا ، واطلعت في عاصمتها على معظم مقتنيات متحف البرادو ، وفيه توقفت عند لوحات المشاهير وبشكل خاص فاليسكيز ، ثم ذهبت إلى بلجيكا لدراسة أعمال روبنس ، وخاصة لمساته ذات الألوان الوردية ، ثم إلى هولندا للإطلاع على أسلوب فرانس هالز ، وأخيراً عادت في عام 1874 إلى باريس وانضمت إليها شقيقتها الكبرى"ليديا"التي كانت أعز صديقة لها ، وكانت الموديل الرئيس لها في ( 11 ) لوحة من لوحاتها.

في هذه المرحلة وجدت"كاسات"في أعمال"ديغا"الباستيلية ما أثار اهتمامها... وكان لتلك الأعمال أثراً في أعمالها الفنية التي امتازت فيها بمهارتها في استخدام خامة الباستيل ، وبهذا الخصوص كتبت في عام 1875 ، عندما كانت تذهب لصالون متعهد لوحات ديغا ، تقول:"كنت الصق أنفي إلى حد أن يتفلطح بنافذة متعهد لوحات ديغا ، لأمتص كل ما أستطيع من فنه".

في عام 1877 أعجبت"كاسات"بأسلوب وألوان الانطباعيين ، وفي ذلك العام أيضاً التقت مرة أخرى بالفنان"ديغا"، وبعد أن أصبحا صديقين ، كان كل منهما يزور مرسم الآخر ، ويتحدثان عن أعمالهما ويتبادلان الأفكار.. وكان لصداقتهما أثر كبير على أعمالهما ، ولو أن الجمهور كان يعتبرهما من الانطباعيين ، إلا أن اصطلاح الانطباعية لم يعجبهما رغم عرض لوحاتهما مع الانطباعيين ، ورغم تأثرهما النسبي بالمدرسة الانطباعية ، لكنهما فضلا تسميتهما بالمستقلين ، لأنهما أرادا أن يكونا حرين ، وأن يركزا على مواضيع محببة لهما.."ديغا"على الأوبرا والباليه وأفراد عائلته... و "ماري كاسات"على الأطفال.. والأمهات.. والبورتريهات.. ووحدة العائلة وحبها للأطفال.

وقد عرضا كل من"ديغا"و"كاسات"لوحاتهما مرات عديدة في أمريكا ، وبذلك ساهمت"كاسات"في تعريف بلادها على المدارس التشكيلية الحديثة ، كما لعبت دوراً أساسياً في اختيار مجموعة هافماير الموجودة حالياً في متحف ميتروبوليتان في نيويورك.

وأثناء فترة صداقتهما رسمت كاسات في عام 1878 بورترية لنفسها ، "ونلاحظ فيه استخدامها لألوان فاتحة وضربات فرشاة أكثر تحرراً ". وفي نفس العام عرَّفها"ديغا"إلى رسامين آخرين... كانوا يرسمون مناظر من الحياة اليومية ، ويسمون أنفسهم جماعة"الانطباعيين ". وأقنعها بالانضمام إليهم.

بعد ذلك هجرت"ماري كاسات"الأسلوب التقليدي الذي تعلمته في أكاديمية الفنون واستبدلته بالأسلوب الانطباعي الحديث ، وامتازت لوحاتها التي تمثل بورتريهات لأسرتها ، وأطفال أخيها ، وأصدقائها ، وجيرانها... بضربات لونية ناعمة مشرقة من خلال حركة فرشاتها التي تمتاز بسرعة وحرية ، في جميع الاتجاهات على مسطح اللوحة ، وكانت"كاسات"تعرف كيف تكتشف فيها المواضيع الشاعرية ، شأنها شأن المرأة الفرنسية التي عرفت بنعومة حسها ورقة شعورها،.

والناظر أيضاً إلى لوحاتها التي تمثل المناظر والأشياء التي كانت تستخدمها في البيت... يلاحظ أنها كانت تترك لإحساسها النقي حريته في التعبير العفوي عما تشعر به أمام أبسط الأشياء ( كالأدوات المنزلية ).

لم تسلم"ماري كاسات"التي كانت تعيش بالقرب من أحد المقاهي الذي كان يتردد عليه الرسامون والموسيقيون والكتاب ليتحاوروا حول أفكارهم... من أقلام النقاد الذين انتقدوا إشراق ألوانها والدقة المبالغ فيها في رسم الشخوص لإرضائهم ، ولكنهم مع ذلك لم يستهجنوا أعمالها كما فعلوا مع كلود مونيه ، لكن تشجيع"ديغا"ووقوفه إلى جانبها جعلها لا تهتم كثيراً بما يقال عنها لأنها واثقة بنفسها ثقة"برنارد شو"حين قيل له أن الكثيرين يهاجمونه ، فقال:"إنهم يقولون؟... دعهم يقولون،".

وفي الوقت الذي كان فيه معظم الرسامين يرسمون موديلات يقفون أو يجلسون أمامهم ليرسموهم... في المقاهي والمراسم... ظلت"ماري كاسات"التي كانت ترسم صديقاتها من النساء وهن يقرأن الصحف ـ كان هذا أمراً جديداً في الرسم ـ عضواً فعالاً في جماعة الانطباعيين حتى عام ,1886

في عام 1882 خيم شبح الحزن على"كاسات"بسبب وفاة شقيقتها"ليديا ". وفي عام 1890 سافرت مع"ديغا"إلى اليابان لمشاهدة معرض الحفر الياباني ، وهذا المعرض أثر تأثيراً عميقاً عليها ، وخاصة في رسومها.. من حيث البساطة والدقة في الخط الذي برع فيه فنانو اليابان. وولّد ذلك المعرض الرغبة لديها بتعلم الحفر وخوض غمار تقنيات الجرافيك على الخشب والحفر على المعدن ، وأنتجت من خلال تلك التقنيات ما يقارب ألـ ( 220 ) عملاً جرافيكياً سواء باللون أو بالأسود والأبيض ، كما استقت من ذلك المعرض التكوينات اللاتناظرية والخطوط الخارجية الواضحة ، التي تحدد الأشكال المظللة والتصاميم المسطحة ذات المساحات المتباينة الألوان... ".

وككل امرأة حساسة فقد كانت لوحاتها مليئة بالعاطفة ، العاطفة الأنثوية ، فأكثر مواضيعها تتحدث فيها عن الأم والأطفال ، فنجد هؤلاء ـ كما في أعمالها التصويرية ـ يحيطون بأعناق أمهاتهم بشوق وحنان ، ورغم أن هذه المواضيع قديمة ومعروفة لكنها استطاعت أن تضيف عليها طراوة جديدة بأن تنزع عنها كل شائبة إضافية ، وكل اتجاه وصفي ظاهري ".

في عام 1891 توفي والدها ، وبعد أربع سنوات توفيت والدتها ، فكانت صدمة كبيرة لماري التي لم يبقى لها سوى مديرة منزلها.

بعد خروجها من الحداد الذي خيم على حياتها عادت في عام 1898 إلى أمريكا ، وهي المرة الأولى بعد غياب دام ( 25 ) عاماً وذلك لزيارة الأهل والأصدقاء والمهتمين باقتناء لوحاتها ، وكانت زيارتها الثانية والأخيرة لأمريكا في عام ,1908

والفنانة"ماري كاسات"التي لم تتزوج أو تنجب أطفالاً ساندت الحركات النسائية التقدمية.. وطالبت بحقوق المرأة بما فيها حق الترشيح والتصويت ، إلا أنها نادراً ما عكست تلك المفاهيم في لوحاتها... ومع مع بداية الحرب العالمية الأولى عانت من أمراض عدة كالسكر والمياه البيضاء التي أصابت كلتا عينيها بالعمى الكلي ، حيث توقفت في عام م1914 ، عن مزاولة الرسم تماماً ، إلى أن توفيت في بيتها بالقرب من باريس في 14 حزيران م1926 ، وكان عمرها 82 عاماً.

- ناقـد وتشكيـلي أردني

[email protected]



Date : 23-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش