الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«نخلة على الحافة» لجميل عطية ابراهيم

تم نشره في الجمعة 1 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
«نخلة على الحافة» لجميل عطية ابراهيم محمد فرح

 

 
متولي عجورة في الثانية والسبعين ، يناقش ، يختلف ، يخاصم ، يعمل ذهنه في كبريات امور العالم ، يضع خططا للحرب والسلام ، يقوم بكل هذه الاعباء الجسام ، اولها شراء الخضار الطازج من عند نفيسة ، واعداد لقمته بنفسه ، لكنه ميت ، قال : "تشبث بموتك يا متولي ودافع عنه بالحجارة والاسنان والمخالب".

رجل قانون ، لكن لشهرة ابنه في الطب اصبح يشغل نفسه بمسائل الغذاء الى جانب فنون الطبخ .. اخبار الحرب في فلسطين وافغانستان تطارده الى جانب المسلسلات والتعليقات السخيفة التي تفوّر الدم.

خرج الى الجبل يطارد الثعابين والعقارب ، صادق المطاريد ، حمل السلاح في صغره ، في القاهرة خرج في المظاهرات ضد الانجليز وقفز من فوق كوبري عباس ونجا من الغرق ..شبّ على متابعة الصحف والمجلات ، تشغله في شيخوخته السياسة الداخلية والخارجية والاحداث في العالم وغالبا ما ينتهي حديثه في السياسة الى القول :"اعمارنا اطول من اعمارهم اولاد الكلب"فلا يعرف احد اذا كان يسب الصهاينة او الاستعمار القديم والجديد او العولمة او رجال الاحزاب ، او الحكام او رجال الاعلام اورجال الامن او رجال الاقتصاد او رجال البنوك ، واذا سأله احد قال : "هو الشعب له طول العمر" .

متولي كشهرزاد حينما يدركها الصباح تسكت عن الكلام المباح ، وعجورة عند صياح الديك يصمت كابي الهول ، عمل بالاصلاح الزراعي ، ثم تولى منصبا مرموقا في الادارة القانونية ، شغل بعمليات توزيع الاراضي على المعدمين ، وواجهته مشاكل قانونية في طياتها مشاكل سياسية مع اصحاب الارض من الاثرياء ، فتوزيع اراضي الباشوات لم يكن سهلا ، اذ كانت هناك صدامات مسلحة بين الاثرياء والمعدمين ، و مع تصفية الهيئة في السبعينيات احال نفسه على المعاش المبكر وتابع الكتابة ، رفض عروضا مغرية من اصحاب النفوذ بكتابة مذكرات قانونية دفاعا عن اصحاب الارض القدامى في مواجهة الفلاحين في المحاكم .

عجورة ابن منتصف القرن الماضي ماله وتقنيات بداية القرن الجديد ، رجل طاردته اغنية"بز الزمان الهابطة ، هل يصلح للدفاع عن حق مراق ؟ كلا . نسمعه يصرخ : اه يا متولي الطائرات والصواريخ تدك جبال افغانستان على ناسها ، وفي اولى حروب القرن الحادي والعشرين وانت في مرقدك ، صفحات ثورة 1952 طويت ، جيفارا مات ، وتفتت الانحاد السوفييتي بسبب حرب النجوم والكوكا كولا ، ولم يتبق على الساحة سوى قوانين السوق ، وبن لادن ، فماذا تريد ان ترى ؟ الظلم من القاهرة الى افغانستان مرورا بفلسطين والعدل لا يعرف المعايير المزدوجة .

في زمن العولمة اصبح يقول لنفسه :"القضية خاسرة يا متولي ، كمال مسيحة معه حق ، كان يردد في الزمن القديم في حسرة الدودة في جذر الشجرة منذ ايلول 52 ، الشجرة معطوبة يا متولي والصفقة ليست عادلة ، كان متولي لا يصدق حتى تبينت الحقيقة وماتت الشجرة".

متولي ضيع احلى سنوات عمره متبنيا مصالح المزارعين بينما كانت البئر بلا قرار وهو خير العارفين ، تسلم الفلاحون الارض بعقود رسمية وماذا بعدها ؟ لاشيء افترستهم بيروقراطية عمرها الف عام ، وتابعتهم الادارة بكتائبها المسلحة ، ولاحقتهم اجهزة متعددة وضاعت الفرحة وحلت عليهم الديون ، وخربت الارض وتسرب كدهم وعرقهم وتبقى لهم الشقاء والديون والخوف .

الرواية تقول في زمن العولمة وسيادة قوانين السوق المتوحشة لا وقت لحراسات او تأميم ، السياسات الزراعية اصبحت محلا لمباحثات دولية عسيرة ، لا وقت للحلم ولا امل في تغيير..ففي زمن العولمة يستمع متولي لاخبار الحرب في افغانستان ، ويسال اين جيفارا العصر الحديث ؟ ويقول : بن لادن وبعدها يضحك .. بن لادن وصحبه تشغلهم امور السماء والنساء ، مثلهم مثل عشرات الفرق المندثرة .

ومن الشخوص اللافتة الجنرال ابو طرطور ، نصفه بني ادم ونصفه الآخر خيش واعلام وخيوط طائرة وورق ملون وشخاليل ، مقلد كبير يأخذ القرش ويقلد السادات وعبد الناصر والخديو اسماعيل والملك فاروق ومحمد عبد الوهاب وام كلثوم ويوسف وهبي .. ابو طرطور يضرب الممثلة صباح ويذهب للشرطة ، يعرفه المحافظون الجدد والقدامى وضباط الجيزة .. مهرج نصف عاقل ونصف مجنون ، لكن صياحه بن لادن تجاوز الخطوط الحمراء المسموح بها ، ابو طرطور خف عقله وقل ادراكه بسبب مصيبة 1967 ، رأى قتلى النابالم عبر ضفاف السويس وفظائع الجيش الاسرائيلي ، فقد رشده ودار في الطرقات يردد :"جاءوا من الغرب وكنت اظنهم يأتون من الشرق ، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".. هتف بحياة عبد الناصر وسقوط السادات حجز فهتف بن لادن بن لادن ، تارة يظهر نفسه عبد الناصر ، سعد زغلول ، بن لادن .. لا يشبه الرئيس بوش ، ملامحه تشبه كوندوليزا رايس.

وفي زمن السوق نجد نفيسة وزوجها الزبال يخرجان من عالم بيع الخضار والزبالة الى عالم السوبر ماركت فاي قوى وراء ذلك كتابات ماركس وانجلز عن فائض القيمة وتراكم الثروة لا تفسر ما يدور ، الامور بحاجة الى منجمين وقراء طالع فالسلم الاجتماعي بات مقلوبا اللي فوق تحت واللي تحت فوق ونوعيات رجال الاعمال الجدد صوت اجش وملامح انثوية خليط بين الحلم والواقع .

متولي عجورة في عالم جديد اكله معلبات وشعاراته اغنيات ساقطة ، مذهبه الخصخصة .

اختار راوي نخلة على الحافة اسلوب المشاهد الفرعية والحكايات المتفرقة ، حيث جمع في شخصية متولي عجورة جملة موضوعات ، وغياب الحدوثة الرئيسة يجعل القارىء يقرأ اي فصل من فصول الرواية دون ان يستطيع الحدس او المعرفة المسبقة للموضوع الجديد او الشخصية او الحكاية التي سيدور حولها السرد لاحقا انها طريقة اللاتوقع .

الراوي شبه حال متولي عجورة وهو يعيش على حافة الاحداث والحياة نفسها بحال النخلة الوحيدة التي ترتفع هي الاخرى على حافة الحارة .. ووظيفة النخلة ورمزيتها ظاهرتان ، فالنخلة تبدو في بعض الصور الروائية كأنها الشيخ متولي نفسه تشاركه في اداء وظائف سردية لعل ابرزها المشابهة والمفارقة والمقارنة والتوكيد :"اليوم الاثنين والناس جياد في سباق وهو ؟ اجاب متولي مبتسما كلب سكك لا همة ولااهمية .. اعجبه القول وهو يقف على جانب الترعة تحت نخلة عاليةميتة ص 77 .

وتتأكد وظيفة المشابهة في صورة ثانية :"سار وعاد ووقف تحت النخلة ، نخلة ميتة وحيدة ، لا تصد شمسا في الصيف ، ولا تحمي من المطر في الشتاء ، نخلة بلدي لا تطرح عجوز ، تلف جذعها ، وسقط جريدها .. يانس متولي لهذه النخلة ، ولا يقف في انتظار التاكسي الا تحتها ربما لانها وحيدة ، او لانها من علامات المنطقة"ص 78 .

في موقف آخر نجد النخلة تقوم بمهمة انسانية مؤثرة حينما وقف متولي جاهلا مستسلما امام عوالم الكمبيوتر التي يسبر الطفل فتحي ابن زوجة ابنه الدكتور اسرارها :"وقف الاستاذ متولي في المحل الذي يبيع آلات الكمبيوتر صامتا والطفل سيدالكلام ، هذه ليست بضاعته ، وهذه ليست ايامه ، غمرته الدهشة غرق في الصمت يتأمل حاله طوال عملية الشراء والفحص .. سرح راى نفسه نخلة واقفة على حافة الترعة نخلة مائلة ، نخلة اسود سعفها حرقته الشمس نخلة سقطت قشرتها وبان لحاؤها ومن جانب كبر الولد فتحي في نظره اعواما ص 127 .

النخلة اصبحت بديلة عن شخصية متولي كما يبدو هو بديلا عنها ، كل منهما شبيه ومفارق وتوكيد للآخر .

انطلى لغز السلاح على وكيل النيابة مثلما انطلى على القارىء لكن يمكن استخلاص ان الجريمة حدثت لان متولي كان قد اخطأ في التمييز بين مسدس المهنة ومسدس ابن عمه وهذا الاحتمال غير بعيد بدليل الاضطراب الذي وقع فيه متولي نهاية الرواية حينما لم يعد يثق في زيف مسدس ابن عمه كما ان اشارات الرواية تذكر ان مسدس المهنة هو الذي كان داخل ارواب المحاماة اي المسدس الحقيقي علما ان المسدس الذي وقعت به الجريمة كان استخرج من بين ارواب المحاماة .

الجريمة حدثت لان المعلم عبد الجبار لم يستبدل المسدس لاسباب ربما سياسية غامضة او لانه منحاز الى الاختيار الذي اراده متولي بقتل كمال ومع كل الاحتمالات تظل النهاية البوليسية قائمة ومفتوحة لكن نتساءل هل كانت النهاية ضرورية ومناسبة لشخصيةمهووسة بالاسئلة الوجودية الكبرى وهل تنسجم والتكوين الجمالي للرواية النهاية غير مقنعة فكمال يقتل خطأ الطفل ومتولي يقتل نفسه وكمال يقتل نفسه ، النهاية مماثلة لنهاية مسرحية برانديللو"ست شخصيات تبحث عن مؤلف" صبي يقتل نفسه بمسدس كان يلهو به.

ہ كاتب من أسرة الدستور

Date : 01-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش