الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كلود ليفي - شتراوس .. حول ميدان الدراسات الأدبية من حال إلى حال

تم نشره في الجمعة 19 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 مـساءً
كلود ليفي - شتراوس .. حول ميدان الدراسات الأدبية من حال إلى حال علي بدر ہ

 

 
"كلود ليفي شتراوس أكبر عقل مقارن في التاريخ ، ومع ذلك كانت دراساته ولا سيما في العرق والتاريخ قد تجاوزت بمراحل عديدة الفكرة التبسيطية أو العنصرية أو الكولنيالية للأعراق ، إنه رائد الدراسات الأثنلوجية ، والدراسات اللسانية ، وهو الذي وضع البنيوية كمدرسة وتيار في إطار مرحلة تاريخية مهمة في الغرب."



Jack Dobrovesky

La destinژ de l'histore

من الأثنلوجيا إلى اللسانيات ، ومن اللسانيات البنيوية إلى الأنثربولوجيا ، من اللغة إلى أنظمة القرابة ، ومن البنيوية إلى ما بعدها ، مسيرة طويلة وحاسمة في فكر "قديس المجتمعات البدائية" اللقب الذي أطلقه عليه عالم الأنثربولوجيا جون غودلييه ، فمن هذا الذي نقل الدراسات الأدبية ولا سيما في مقالته الشهيرة"قطط بودلير" مع عالم اللسانيات الروسي رومان جاكوبسون والتي حولت ميدان الدراسات الأدبية من حال إلى حال؟

ولد العالم الأنثربولوجي كلود ليفي شتراوس في مدينة بروكسل ، عاصمة بلجيكا في العام 1908 ، وكان جل أفراد عائلته من الفنانين ، فوالده كان رساما وعمه كذلك ، إلا أن هذه العائلة لم تمكث طويلا في بروكسل حيث انتقلت في العام 1914 إلى باريس ، فعاش هناك طفولة متأملة مستوحدة ، كان لها الأثر الكبير في صياغة أفكاره اللاحقة. وقد كتب شتراوس في المدارات الحزينة وهو الكتاب الذي حقق له شهرة واسعة -بتركيبته الغريبة ، وطابعه المتميز ، وأسلوبه الحر - مقاطع عن حياته وذكريات طفولته بأسلوب شيق يخلط بين اليوميات والتفسيرات ، بين الملاحظة المدققة وبين التأمل العميق ، بين الحقيقة الشعرية والتداعي الحر. فقد أمضى ليفي شتراوس سنوات طفولته في الأرياف المتاخمة للعاصمة الفرنسية منهمكا في القراءة والتفكير ، ومستسلما كليا للتجوال الروسوي الرومانطيقي في المساحات الشاسعة الخضراء ، جامعا من الأرض ما يجده من أحجار مشكلة بتناظرات هندسية ، أو ملتقطا من الأشجار شضايا جذوع يابسة ليخلق منها قطعا فسيفسائية ، وهذه العملية التي أطلق عليها بالترقيع شكلت جزءا لا يتجزء من منهجه الأنتربولوجي فيما بعد.

كانت حياة ليفي شتراوس العملية مضطربة أول الأمر ، حيث أخذ يدرس القانون بعد أن أنهى دراسته في الليسيه ، إلا أنه سرعان ما تخلى عنها لصالح دراسته للفلسفة ، وفي العام 1923 حصل على الليسانس التي هيئته للتعليم في الليسية بضعة سنوات. ثم تخلى عن هذه المهنة بعد حصوله على منصب أستاذ علم الاجتماع في سان باولو ، وهناك أخذ ليفي شتراوس يطوف في أدغال وغابات البرازيل بصورة ميدانية ، باحثا عن المجتمعات البدائية والحياة الطبيعية والأعراق القديمة ، وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية ، التحق ليفي-شتراوس بالخدمة العسكرية إلا أن باريس سقطت بيد الألمان فرحل إلى نيويورك حيث أخذ يدرس الانتربولوجيا في المدرسة الجديدية للبحث الاجتماعي ، وهناك في مدينة نيويويرك البعيدة عن الحرب تقريبا - حيث كانت تدور رحاها في قلب أوربا - التقى ليفي شتراوس لقاء تاريخيا بعالم اللسانيات الروسي الكبير رومان جاكوبسون ، حيث أثر هذا الأخير على عالم الأنتروبولوجيا الشاب تأثيرا بالغا ، وساهم مساهمة فعالة في صياغة أفكاره البنيوية بعد أن جعله يدرس اللسانيات دراسة معمقة وساعده على نقل ثورة اللسانيات البنيوية من عالم اللسانيات إلى حقل الأنتربولوجيا. فنشر أول مقال نظري له في مجلة حلقة نييورك في العام 1945 تحت عنوان (التحليلي البنيوي في اللسانيات والأنتربولوجيا) وقد كان هذا المقال هو الممهد النظري لأعماله اللاحقة: "الحياة العائلية والاجتماعية للهنود في ناميكورا La Vie familiale et sociale des Indiens Nambikwara" في العام 1948 ، "الأبنية الأولية للقرابة Les Structures ژlژmentaires de la parentژ" في العام 1949 ، "العرق والتاريخRace et histoire"في العام 1952 ، "المدارات الحزينة Tristes Tropiques" في العام 1955 ، "الأنتروبولوجيا البنائية1 Anthropologie structural" في العام 1958 ، "الطوطمية اليوم Le Totژmisme aujourd'hui" في العام 1962 ، "الفكر البري La Pensژe sauvage" في العام 1962 ، "دراسات ميتالوجية1: النيء والمطبوخ Mythologiques,I "في العام 1964 ، "دراسات ميتيولوجية2: من العسل إلى الرماد Mythologiques, t. II:Du miel aux cendres" في العام 1966 ، "دراسات ميتيولوجية3: أصل أدب المائدة Mythologiques, t. III:L'Origine des maniڈres de table" في العام 1968 ، "دراسات ميتيولوجية4: الإنسان العاري" في العام 1971 Mythologiques, t. IV:L'Homme nu, ، "الأنتروبولوجيا البنيوية2" في العام 1973 ، "سبيل الأقنعة La Voie des masques," في العام 1975 ، "النظرة البعيدة Le Regard ژloignژ" في العام 1975 ، "كلمات ملقاة Paroles donnژes" في العام 1983 ، "الخزافة السوداء الحسودة La potiڈre jalouse"في العام ,1985

لقد خلق كلود ليفي شتراوس ثورة منهجية في العلوم الإنسانية والاجتماعية ، وذلك بتطبيق المنهج اللساني البنيوي على حقل الأنتروبولوجيا ، كما ساهم بتطوير الاتجاه البنيوي في الثقافة الأوربية بشكل خلاق ، وسنحاول في هذه المقدمة أن نلقي الضوء على المنهج البنيوي الأنتربولوجي وعلاقته باللسانيات البنيوية وإسهامة نظريات شتراوس في مجالات الأتنلوجيا والثقافة والفن:

لقد أراد شتراوس أن يبطل التفسير السببي للأحداث التاريخية الذي كان مهيمنا على الدراسات الأنتروبولوجية ردحا من الزمن ، وذلك باستبدال هذا المفهوم بمفهوم آخر هو مفهوم النسق أو مفهوم النظام غير أن هذا النظام لا يكمن بشكل مجسم في الواقع إنما هو نموذج منطقي يمكننا بواسطة استخدامه الوصول إلى الكشف عن ما وراء المعطيات المباشرة والنفاذ إلى ما وراء المعطيات المحسوسة والمجسمة ، أي بعبارة أخرى أن نصل إلى ذلك الشكل المجرد بوساطة البحث عن البنية اللاشعورية التي تحكم الوقائع ، والذي لا يمكن الكشف عنه إلا بوساطة هذا النموذج المجرد. إذن تستعير البنيوية الأنتربولوجية من البنيويات اللسانية بحثها عن البنية اللاشعورية للغة ، وتحاول جاهدة إهمال البنية الشعورية وإزاحتها ، وترسم لنفسها منهجا يقف بالتقابل التام مع المناهج الوظيفية والسوسيولوجية الأخرى ، وذلك باستحداثها لجهاز مفاهيمي علمي متطور ، وممنهج خارج التفسير الذاتي والنفسي والتأويلي للمفسر.

إن البنيوية هنا وبهذا المفهوم هي نوع من إعادة بناء المجتمع بوصفه نمطا من العلاقات المنطقية وإن هذه العلاقات هي علاقات غفل ، تحاول البنيوية تشييدها بوصفها نماذج تعبر عن بنية الموضوع الواقعية.

إذن يمكننا أن نستنتج بسهولة ، أن بنيوية ليفي شتراوس الأنتربولوجية تولي اهتماما خاصا للنماذج التي تم استبناؤها عن الوقائع أكثر من الوقائع ذاتها ، وإن الوقائع لا يظهر منها - على الإطلاق - سوى السطح ، أي لا يظهر منها إلا خارجانياتها ، وعلى المنهج أن يبحث في البنية العميقة للظاهرة ، وفي بنائها الخفي ، وأن يبحث عن العلاقات الكامنة وراء المعطيات التجسيمية ، وأن يتقصى ما هو كامن وراء المعطيات الظاهرة.



نماذج شتراوس البنيوية

لقد حاول شتراوس في جميع مؤلفاته دون استثناء أن يبني نماذج ، وأن ينشأ خطاطات تجريدية ، وأن يستقصي التغايرات التي تطرأ على هذه النماذج من أجل الوصول إلى ما يحدث ، وذلك لأن طبيعة الظاهرة لا تشبه العمق شبها تاما. ولكن كيف ينشأ شتراوس نماذجه:

إن نماذج شتراوس في دراسة الظاهرة الثقافية تملك انسجاما داخليا وانتظاما في ذاتها ، وهذا هو الذي يجعل بناء نموذج واحد كافيا لأن يوحد مجموعة من الظاهرات المتعددة في داخله والمتغايرة فيه ، وكذلك يتوافق ويتطابق مع مجموعة المعطيات المحسوسة والمدركة ، وعلينا أن لا ننظر إلى هذا النموذج بوصفه نموذجا متكاملا ، إنما هنالك على الدوام حالة نقص ، وهنالك على الدوام حالة اضطراب ، أو حالة من اللاإتزان تنشأ بشكل طبيعي بين الحدث وبين نموذجه ، وتتشكل بين البنية العميقة وبين الظاهرة ، حيث تكون الأحداث والانقطاعات التاريخية شديدة إلى درجة يتغير فيها كل شيء ، وبصورة كلية أحيانا ، وإن المنطقة الأساسية التي يجب ملاحظتها هي نسيان النموذج ، وذلك لأن النموذج في واقع الأمر لا يتسم بطابع متسام أبدا ، ولا يتسم بأي طابع علوي أو معقولي مجرد ، إنما هو في حقيقته خاضع لتأويل إنساني ، وهكذا نجد أن بناء النموذج يختلف من عالم لعالم ، ومن مؤول إلى مؤول ، ومن مفسر إلى مفسر ، كما أن الأتنلوجي في واقع الأمر يحاول أن يبني نموذجا ملائما لموضوعه.



لقاء شتراوس وجاكوبسون

ولكن ما الذي أراده عالم الأنتربولوجيا بالضبط من منهجه الأنتربولوجي البنيوي؟ في الواقع أراد شتراوس أن يفجر ثورة العلوم الإنسانية بالتوازي مع الثورة في العلوم اللسانية ، وذلك بسحب ميدان الدراسة العلمية من مجال اللغة إلى مجال الأنتربولوجيا ، وكان ينظر إلى كتاب "محاضرات في علم اللغة العام" للعالم السويسري فيردناند دو سوسور بوصفه مرجعا يقوم على أساس فرضي مهم ، وهو التسليم الكلي بعلاقات فاعلة تصل نظام اللغة مع نظام الكلام. وحاول شتراوس كذلك أن يجذر العلاقة بين الدال السوسيري الذي هو صورة صوتية والمدلول السوسيري الذي هو صورة ذهنية بلغات الأساطير القبلية القديمة ، وحاول أيضا أن ينقل مجال الدراسة السانيكرونية (الحالة) إلى مجال الدراسة الداياكرونية (التعاقبية).

وهكذا توصل ليفي شتراوس إلى نوع من المقاربة بين هذه الثنائيات ، وبين نموذج التحليل الفونيمي عند جاكوبسن ، وهو الانجاز الذي حققته علوم اللسانيات البنيوية والأبحاث الفونولوجية التي تحققت على يد كل من رومان جاكوبسن وتروبسكوي وذلك بإثبات أن بنية أية لغة تتبع على الدوام سبيلا ثنائيا من التراكيب المتوازية ، وقد كان للاكتشافات التي نشرها رومان جاكوبسون في الأربعينيات من هذا القرن أهمية كبرى في مجال العلوم الإنسانية ، حيث قام جاكوبسون وبالاعتماد على المصابين بمرض الأفازيا (الحبسة) اكتشاف تقابل محوري في الأداء اللغوي أحدهما عمودي والآخر أفقي ، فعزز رومان جاكوبسون ما توصل إليه فرنناند دو سوسور في نظريته اللسانية حول المحورين البرادغماتي أو المحور الترابطي ، والمحور السانتغماتي أي المحور التتابعي في اللغة ، وقد توصل جاكوبسون بالفعل إلى اكتشاف الأساس التقني لتوليد الصور البلاغية والاستعارية والكنائية وذلك بوساطة التجريب على نوعين من الاضطرابات التي تصيب المعاقين بالحبسة أو الأفازيا وهما اضطراب المشابهة واضطراب المجاورة. فالاستعارة لدى جاكوبسون هي في واقعها مشابهة افتراضية بين موضوعين أحدهما حرفي والآخر مستعار ، ولذا فإنه وصفها على مستوى المحور االترابطي لأنها قائمة بالأساس ضمن علاقات رأسية أو عامودية ، أما الصورة الكنائية فهي في واقعها مجاورة افتراضية بين الموضوعات ، لذا فإنه وصفها على المستوى التتابعي لأنها قائمة بالأساس ضمن علاقات أفقية في اللغة.

وهكذا توصل جاكوبسن إلى مفهومين مهمين: هما مستوى الانتقاء ومستوى التأليف ، حيث يقع هذان المستويان بالأساس بين المحورين العمودي والأفقي للغة ، ويؤسسان وجهيها الرئيسين. وهكذا وجد شتراوس في هذه الثورة التي تستقل بدراسة الأنظمة اللاواعية للغة ، والتي تستقل بدراسة بنية اللغة التحتية ، وتبتعد عن أنظمتها الواعية ، ميدانا جديدا مطورا لا لعلم اللغة وحسب إنما للآنتروبولوجيا أيضا ، بل ولجميع العلوم الإنسانية على السواء. وكان أيضا قد سحره ما في البنيوية من التخلي عن المادة الملموسة بوصفها كيانات مستقلة ، والتعامل معها على أساس العلاقات التي تنظمها ، وسحره أيضا ما في هذا المنهج من البحث عن كليات أو قوانين كلية للثقافات وللغة. وربما كانت دراسة جاكوبسون وتروبسكوي للأنساق الفونيمية أثرا بارزا في كتابه الأبنية الأولية للقرابة ، فقد وجد ليفي شتراوس أن هذه الأنساق المتشابهة (أنساق الثقافة وأنساق التنظيم الاجتماعي) هي أنساق رمزية ، ولذا ركز في عملية نقده للابحاث الأنتروبولوجية الكلاسيكية على عملية تفسيرها للظاهرات الاجتماعية أو الانتربولوجية ، ووجد أنها قيم مجسمة ومحسوسة أو بتعبير أدق كيانات ، كما أنه استبدلها بمجموعة من العلاقات الرمزية كما هو الحال في الأنساق الفونيمية ، وقد وضح بأن هذه العلاقات الرمزية هي علاقات في حالة انشباك دائم بين اللغة والثقافة ويمكن تحليلها من خلال طريقة سرد المجتمعات القبلية لأساطيرها ، وبذا فإن ليفي شتراوس هو أول من كشف عن لغة الثقافات المختلفة وأساطيرها ، وكشف عن الطريقة أو الوسيلة التي تنبني بها هذه اللغات أو الأساطير في طرز متماثلة ، واستنتج أنها تتأسس بطريقة واحدة ، حيث نجد أن الأحداث تتكرر بصورة لا حصرية ، وقد بين أن النظام الذي يحكمها هو نظام واحد ، وإن طريقة السرد مختلفة ، وهنا نتوصل إلى ثنائية سوسور في اللغة والكلام ، فاللغة لدى سوسور هي نظام تجريدي واحد ، يتسم بالثبات وعدم التغاير ، أما الاختلاف فهو في الحقيقة يقع على مستوى الكلام ، وهو خاص بالفاعل المتكلم الذي ينشئ من هذه القواعد جملا لا حصر لها ، لأنه صورة من صور التمظهر الفردي لكل شخص متكلم في اللغة.



الوحدة التكوينية في الأساطير

لقد خلق شتراوس في عملية دراسته للأساطير واحدة من المفاهيم الفعالة في دراستها ، وهو المفهوم الذي أطلق عليه مفهوم (الوحدة التكوينية). وهو عبارة عن أصغر وحدة ملفوظية في نص الأسطورة ، وقد وجد أن الوحدة التكوينية تتوسط في الزمن بين الحاضر والماضي والمستقبل ، كما استطاع شتراوس أن يفيد من التعارضات الثنائية التي اكتشفها رومان جاكوبسون وتروبسكوي بين الصوائت والصوامت من جهة ، وبين العلاقات السايكولوجية المتضادة من وظائف اللغة ، أي بين البعد الانفعالي والبعد الطلبي أثناء الحادث الكلامي في اللغة. وبعد إفادته من هذه التقابلات وجد شتراوس صورة لها من خلال التعارض والتناقض بين العلاقات في الأسطورة وبين العلاقات المتضادة في اللغة ، فأخذ يحلل كل الروايات التي تصاغ في الأسطورة ، ثم أخذ يفكك كل أسطورة إلى جمل قصيرة ليصنفها بعد ذلك ، بحيث يمكن لكل واحدة من هذه الوحدات التكوينية أن تنتج معنى ووظيفة عند التقائها مع غيرها في الوحدات في حزم تكوينية ، أطلق عليها (حزم العلاقات التكوينية) ، ثم رتبها طبقا إلى نوعين من الأزمنة ، أولا: (الزمن المطرد) ، ثانيا: (الزمن المرتد) ، حيث تتأسس هناك أغلب العناصر الأولية وفي أغلب الأساطير.

وهكذا اكتشف ليفي شترلوس أن هنالك قراءتان ، الألى قراءة أفقية للأسطورة ، تفيد بناء حكاية الأسطورة ، وهناك قراءة عامودية تفيد في الكشف عن معنى الأسطورة.



ميتيولجيات ، ثنائيات ، وتراتبات عنيفة

أما في كتابه "دراسات ميتيولوجية" بأجزائه الأربعة (النيء والمطبوخ) ، ( من العسل إلى الرماد) ، (أصل آداب المائدة) ، (الإنسان العاري) ، فقد كشف لنا شتراوس عن الأنظمة المسؤولة عن انتقال المجتمعات من الطبيعة إلى الثقافة ، وذلك بوساطة التحول المطرد في العادات الغذائية تبعا للمجتمعات القديمة وحياتها ، فقد كانت عادات الطعام هي واحدة من أهم ما ركز عليه شتراوس في كتبه الآنفة الذكر ، فتحول المجتمعات من الطبيعة إلى الثقافة يتبع سلسلة من العادات المطبخية: ذلك أن الطعام لم يعد يؤكل نيئا بل مطبوخا ، ولم يعد يؤكل بالأصابع بل بأدوات المائدة ، وقد كان شتراوس يجمع هذه الأساطير في مناطق القبائل الأميركية ويحاول دراسة أبنيتها اللاواعية من خلال النفاذ إلى أبنيتها المحتجبة ، وهو يعارض على الدوام بين نظامين من أنظمة الغذاء (نظام النيء) وهو الطبيعة ، و(نظام المطبوخ) وهو الثقافة ، (نظام العسل) وهو الطبيعة ، و(نظام الرماد - استخدام النار) وهو الثقافة ، وبين آداب الأكل على الأرض وهو الطبيعة ، وبين ترتيب المائدة وهو الثقافة ، كما أنه أخذ يقابل بين العاري وهو الطبيعة ، وبين الكاسي وهو الثقافة.

كان شتراوس يرمي من دراسته هذه ، أن يصف التغيرات الفعلية وأن يفسر المكونات العامة للأساطير ، وأن يكشف عن وحداتها التكوينية ، ومن خلال الكشف عن العلاقات التي توحد بين كتلة كبيرة من الأساطير وذلك من خلال ربط حزمها التكونية ، وحاول شتراوس النفاذ إلى البنية العميقة التي تتحكم بها وهو ما أطلق عليه بنظام الأنظمة ، فقد كان تحليله يشكل نوعا من التحليل السايكولوجي الثقافي للمجتمعات البدائية ، ذلك التحليل الذي يفضي إلى مغالق المجتمعات الرمزية من خلال الإسطورة وأن يعيد بناء التاريخ الثقافي لهذه المجتمعات.

وهكذا نجد أن كتاب الميتيولوجيات هو عبارة عن نوع من الكشف عن الآليات التي سمحت لانتقال المجتمعات من الطبيعة إلى الثقافة ، وذلك من خلال تأشير هذا الانتقال بوساطة تتبع غياب المطبخ وحضوره. وقد وجد شتراوس أن الاستعارة المطبخية تبشر بولادة أخلاق ثقافية جديدة ، وأنها خط فاصل يؤشر نوعا من التقابلات الصرفة بين نظامين من الحياة ، وهو نظام الطبيعة ونظام الثقافة ، ونجد في الوقت ذاته ، أن الأسطورة تبرز بجلاء ظاهر مناطق التحول والتغير من دلالة إلى دلالة أخرى ، وهو التحول داخل الأساطير الذي يبرز من منطقة إلى منطقة أخرى ، ومن عائلة لسانية إلى عائلة لسانية أخرى ، ومن زمرة ثقافية إلى زمرة ثقافية أخرى ، فنجد أن التحول في بعض مناطق في العالم لا يتم إلا بوساطة الانتقال من النيء إلى المطبوخ ، بينما نجده في مناطق أخرى يتم من خلال الانتقال من العاري إلى الكاسي ، وبمعنى آخر أن بطل الأسطورة يجد نفسه في أميركا الاستوائية في وضع النيوءة قبل بلوغه الثقافة ، بينما يشعر البطل في أميركا الشمالية في وضع من العري ، وقد أظهر شتراوس في النيء والمطبوخ الصفات المحسوسة الأولية ، وهو التعارض بين النيء والمطبوخ ، بين الطازج والعفن ، بين اليابس والرطب ، بين الأعلى والأسفل ، وهي الصفات المستخدمة من قبل الفكر الأسطوري بوصفها صيغا رمزية ، يمكن توزيعها على نواح مختلفة ، وتمكن كذلك -وإن كان على نحو أولي - من صياغة بعض القضايا ذات الطابع المنطقي ، والتي ترتبط مع بعضها على مدار الأجزاء الأربعة بوساطة تطور التحليل ، وإلحاق أساطير أخرى بأخرى ، بغية تتبع الظاهرات والتعارضات البسيطة التي تنسحب أمام تعارضات جديدة ، حيث تنتقل هذه التعارضات من الحدود إلى العلاقات القائمة بين الحدود ، وهذا ما صوره في الجزئين التاليين من الكتاب (أصل آداب المائدة ، والإنسان العاري) حيث حاول شتراوس أن يجعل من المنطق أكثر مرونة ، وفي الوقت ذاته أكثر تعقيدا ، ثم تتبع تطور هذه الأشكال المنطقية الثلاثة في كتابه الأخير (الإنسان العاري).



كتاب الإنسان العاري.. التقابل بين الطبيعة والثقافة

في كتابه الشهير "الإنسان العاري" وهو الجزء الأخير من كتاب الميتيولوجيات ، طور شتراوس إنشاءات منطقية تمتلك حتميتها الخاصة بها ، وذلك من خلال علاقاتها مع البنية التحتية ، أو البنية التكنواقتصادية ، أي إن هذا التحول في الكتاب وهو التحول والانتقال من النيوءة إلى العري ، يضع في واقع الأمر مشكلة المطبخ في المؤخرة ، ويلح على إنشاء تبادلات تجارية واقتصادية بوصفها رموزا للانتقال من الطبيعة إلى الثقافة ، لقد أبرز شتراوس ضمن الأساطير التي درسها ترميزات تحدد بها الأسطورة وتتحدد هذه الترميزات بعدد معين من المقولات وهي الثنائيات التي تؤسس القاعدة الرئيسة لكتبه الأربعة ( العاري والكاسي ، النيء والمطبوخ ، العسل والرماد ، المائدة والتقاط الجني من الأرض) وقد كانت هذه الثنائيات نسبة لشتراوس أشياء موجودة وليست أمرا تخيليا ، أو علاقة هشة تنظم عناصر متعارضة بهيئة أزواج ، وقد كانت تتوازى مع الثنائيات اللسانية: أي مع اللغة والكلام ، ومع الدال والمدلول ، ومع التعاقبي والسكوني ، ومع الترابطي والتتابعي.



اتجاهات نقد شتراوس والبنيوية الأنثروبولوجية

في الواقع تعرض شتراوس في حياته إلى هجوم شرس ، وتصدت لها الكثير من الفلسفات والمذاهب والإيديولوجيات ، كما أنه كان نجم القرن العشرين بلا منازع في المادة الصحفية والتلفزيونية. كما أن الأنتروبولوجيا في عهده لم تتحول إلى مادة علمية جافة لها صناعها المخفيون ، إنما مادة ثقافية عامة يقرأها كل الناس ، ومن هنا أصبحت مادة إغراء للحديث أو للمساجلة.

لقد أجج شتراوس أكبر الساجلات في الثقافة الغربية وأعمقها أيضا ، أما أكثرها شهرة فهي مساجلته مع سارتر ، ثم مساجلته مع روجه غارودي ، وأخيرا مع جاك دريدا. أي بمعنى آخر هنالك ثلاثة اتجاهات رئيسة حاولت التصدي للبنيوية الأنتروبولوجية وتفنيدها ، وهي (الاتجاه الوجودي ، والاتجاه الماركسي ، والاتجاه التفكيكي).

بالنسبة للتيار الوجودي فقد كان سبب هجومه على البنيوية واضحا ، فالحرب العالمية انتهت بهيمنة التيار الوجودي على الأوساط الثقافية والمجتمعية في الغرب بصورة كاملة ، بل أصبحت الوجودية هي خيال الشباب المثقف المرهق من الحرب ، وذلك من خلال فلسفة الوجود ، أي التركيز على الحرية والمعاش وسبق الوجود للماهية ، وتدمير كل ما هو مجرد لأنه يعيق الفردية ، فأحلام الفردنة كانت ذات عذوبة خاصة ، وكان لها هذا الذيوع والانتشار هو بسبب تركيزها على أحلام الوجود والمعاش ، أما بالنسبة للماركسية فهي الأخرى نغمة خاصة لمداعبة الفكر الثوري ، والتغيير الشامل ، وتدمير المجتمع البرجوازي ، وقد أسهم تشكل الكتلة التي أطلق عليها آنذاك المعسكر الاشتراكي في خلق نوع من التوازن وحالة من الحرية النسبية في ظروف الحرب الباردة ، أدى هذا التوازن في ما بعد إلى إنعاش الأفكار الماركسية واليسارية على السواء ، وربما تحالفت الأيديولوجيتان إن صح التعبير على الهجوم على البنيوية في نطاق اتهامها بأنها إيديولوجيا سياسية تعبر عن مصالح البرجوازية الجديدة السائدة والمهيمنة ، وإن هنالك بين البنيوية وبين البرجوازية تحالف من شأنه إقامة السد الأخير أمام التيار الماركسي ، ومما لا شك فيه أن هذه الانتقادات ركزت على جوانب معينة من المنهج البنيوي مثل:

الاتهام الأول هو لا تاريخانية البنيوية ، أي أنها فلسفة ضد التاريخ ، فالتاريخ نسبة للبنيوية يتهدم بينما النظام يتصف بالثبات والاستقرار ، كما أن الوجودية والماركسية كلاهما يتهمان البنيوية أنها فلسفة تدعو أن يكون النظام هو سيد الإنسان ، بل أنها فلسفة موت الإنسان على حد تعبير روجيه غارودي ، وبما أنها تستبعد المعاش فهي لا شك تؤمن بأن الإنسان في التاريخ مفعول لا فاعل ، وما المبادرة التاريخية لدى البنيوية سوى محض سراب ، ولذا فإن التقدم هو خداع بصري وأنها بالنتيجة منهج بارد يفتقر للحس ، وأخيرا أنها بعيدة عن الذات الفردية ، ولا تؤمن بالفكر إلا كونه سهما يخترق الإنسان كومضة البرق دون أن يعرف له بداية أو نهاية.



نقد جاك دريدا لكلود ليفي شتراوس

أما الاتجاه الثالث فهو الاتجاه التفكيكي ، وهو التيار الفكري الذي عاش على هامش البنيوية ونقدها ، والتفكيكية جهاز اصطلاحي وستراتيجيا تقوم على تفكيك البنى وإعادة تشكيلها وتركيبها ، أوجدها الفيلسوف الفرنسي من أصل جزائري جاك دريدا ، وقد بدأ جاك دريدا بسلسلة متتابعة من الأبحاث في نقد بنيوية شتراوس ، اشتهر منها بحثه الشهير (البنية ـ العلامة ـ اللعب في خطاب العلوم الإنسانية) الذي قرأه في مؤتمر عقد في جامعة هوبكنز (بالتيور) في العام 1966 ، ثم تم نشره في كتابه (الكتابة ولاختلاف) الصادر في العام ,1967

أراد جاك دريدا أن يؤشر قضيتين في اعتراضاته على منهج الأثنلوجيا وهما مركزية البنية في أبحاث شتراوس ، ولا سيما التراتب العنيف بين مركزين: مركز الطبيعة ، ومركز الثقافة ، والثانية هو تهميش شتراوس للكتابة مقابل الاحتفاء بالكلام ، وعد دريدا الأنتربولوجيا منتمية للتمركز اللوغوسي الغربي والميتافيزيقيا الغربية ، لأنها لم تنفلت من جهازه المفاهيمي وتراتبه العقلي ، فاستحال على البنيوية التفكير خارج نطاق المركز. ولذا فإن بنيوية شتراوس كانت مهتمة بشكل كلي مع ما يمكن أن نطلق عليه بعمليات اختزال البنية ، إذ تقتضي البنيوية الأنتروبولوجية التفكير بالبنية ، وبمركز البنية ابتداء من حضور تام ، فلا يتم هذا الحضور بشكله وهيئته إلا خارج هذه اللعبة المنتظمة ، الساكنة ، والمستقرة في المركز ، ومن هنا يتوصل جاك دريدا إلى أن بنيوية شتراوس هي عملية إدراك وتصور مفهوم البنية ، ضمن فلسفة التمركز اللوغوسي والعقلي الغربي ، حيث يتأسس هذا المركز على سلسلة من استبدالات مركز بمركز ، وابتداء من تحديدات تخوم المركز الذي يستقر في نقطة ثابتة ، ويتعلق بمفاهيم استعارية متعاقبة ، تتوالى بالكيفية ذاتها وبالصورة نفسها ، فالتعارض الذي أقامه شتراوس بين الطبيعة والثقافة ، هو لتقييد نفسه في مركز الطبيعة لإدانة الثقافة ، وإن هذا التعارض ليس له وجود على الإطلاق إنما هو من اختراع الأتنلوجيين ، وأنه ليست هنالك من ثنائيات متراتبة تراتبا عنيفا إلا في حدود الميتافيزيقيا الغربية والعقل الغربي ، وليس هنالك من تعارض بين المجتمعات الطبيعية والثقافية ، أو بين المجتمعات التي تعيش في ظروف طبيعة ، وبين المجتمعات التي تحيا في ظروف ثقافة ، ويعتقد دريدا بأننا يمكننا أن نلمس وجود ثقافة في عمق الطبيعة ، كما أنه يرى أن انتروبولوجية شتراوس تعتمد على تعارض طبيعة ثقافة ، لأنها تدخر المقدمات الأولية لميتافيزيقيا غربية ، وهكذا جعلت هذا التعارض كما في الميتافيزيقيا الغربية وهو التعارض بين طبيعة - قانون ، وطبيعة - فن ، وكذلك التعارض بين كل ما هو طبيعي مع كل ما هو ثقافي ( قانون مؤسسة فن تقنية) تعارض أصليا.



رد شتراوس على الانتقادات

في الواقع استشعر شتراوس في كتابه الأول البنيات الأولية للقرابة ضرورة استعمال هذا التعارض واستحالة الاعتماد عليه في الوقت ذاته ، وذلك لأنه ينطلق من المسلمة أو التعريف الآني ، وهو أن كل ما ينتمي إلى الطبيعة هو كوني ، وعفوي ، وغير مرتبط بمعيار محدد ، ومع ذلك فإن الثقافة هي الخضوع إلى المعايير الضابطة للمجتمع ، إلا أن شتراوس يصادف ما أطلق عليه "فضيحة" ، وذلك لأن حضر المحارم هو حضر كوني ، وقد وجد شتراوس في عمق الطبيعة ما هو ثقافي ، فهو طبيعي طالما هو كوني وعفوي وشمولي ، وكما أنه في الوقت ذاته ثقافي لأنه يخضع مثل المظاهر الثقافية الأخرى إلى الحضر والمنع والتقييد ،

ويرد شتراوس بقوة على جاك دريدا ، فعندما كتب دريدا أن الثنائيات التراتبية عند شتراوس هي ثنائيات مستعارة من الميتافيزيقيا الغربية ، ومن مركزية اللوغوس العقلي الغربي ، وهي من اختراع الأتنلوجيين أيضا ، سخر منه كلود ليفي شتراوس ذلك لأنه كان يرى أن هذا التعارض هو تعارض قائم ، وغير مفترض على الإطلاق ، وما كان بمقدور أتنلوجي اختراعه لو لم ينوجد على واقع الأرض ، ويرى أيضا أن التعارض القائم بين القرية الآهلة والدغل ، بين الغابة والميدان المستصلح ، بين الطهي والنيوءة: هي علاقات قائمة وكائنة وليست ميتافيزيقيا أو خيالا ، ويرى شتراوس أن هذا التعارض هو القاسم المشترك أو القاسم المشترك الأصغر في العلاقات المتراتبة في المجتمعات البدائية والمتحضرة ، وذلك حينما يتعلق الأمر بتجربة ذهنية معينة ، وقد لا تتضمن وجودها الطبيعي إلا من خلال سهولتها ، كما أنها تسمح لنا بالإنتقال من مكان إلى مكان آخر. وذلك من خلال احتوائها على ترميز عال يمكننا هذا الترميز من الانتقال من لسان إلى لسان آخر ، ومن مرسلة إلى مرسلة أخرى ، وهكذا يمكننا العثور على عناصر مشتركة بين رسالتين وبين لغتين وبالتالي بين مجتمعين. وقد قدم شتراوس في الجزء الرابع من الأسطوريات ردا على من أطلق عليهم الفلاسفة الذين هاجموا البنيوية الإتنلوجية.

الاعتراض الثاني من اعتراضات جاك دريدا هو أن شتراوس أراد تهميش الكتابة وإدانتها لصالح الكلام ، ولصالح الكلمة المنطوقة ، وأنه جعلها أداة شر في المجتمعات البدائية ، وإن امتياز الصوت الممتلئ والكلي على حساب الكتابة المدانة والمهمشة هو خصيصة من خصائص التمركز اللوغوسي الذي لا يقدم الكتابة إلا بوصفها كلاما ، أي مادة تحتفظ بوظيفتها التقنية فقط ، وهي نقل الصوت وتمثيله بوصفه حضورا تاما ، وعند ذلك تعمم الميتافيزقيا تاريخها الثقيل والمتعالي للتقابلات الثنائية كتابة ـ صوت ، طبيعة ـ ثقافة.

بينما يرى شتراوس أن موضوعة تهميش الكتابة وجعلها عملية مدانة لصالح الكلام وللكلمة المنطوقة كانت إحدى ركائز الأتنلوجيا البنيوية ، فالهندي الساحر لا يستطيع أن يكتب دون أن ينطق ، وإن ما يميز هذه المجتمعات المتوحشة ، الحرة ، هو غياب الكتابة وحضور الكلام ، لأن الكتابة تجلب لهذه المجتمعات طالعا نحسا وسيئا ، وإنه جعل من إقصاء الخط التعبيري طابعا ذا شرعية كلية لأن الكتابة حين تولد تنتج عند ذاتها الزيف والاستغلال والقهر والرعب والتدمير ،

وهكذا انتقد دريدا المثالية العميقة التي تظهر في نصوص كلود ليفي شتراوس:

"إنها صورة مجتمع يحضر مباشرة أمام نفسه ، دون اختلاف ، مجتمع كل يكون جميع أعضائه في مرمى السمع ، في مجتمع خال من العنف ، ويتحمل الاقتحام الخارجي للكتابة" (الكتابة والاختلاف لجاك دريدا).



شتراوس أخيرا.. ولكن ماذا عن شتراوس بعد المئة؟

لقد عاش شتراوس كما لو كان شاهدا على عصرنا ، كما أنه هو الذي خطا بنا خطوات متقدمة ليقودنا إلى الانسحار بكل ما هو بريء وشمولي وعفوي في المجتمعات التي أطلقت عليها الثقافة الغربية المجتمعات البدائية ، لقد قادنا إلى الحنين نحو المجتمعات البريئة والمرحة ، وإلى تمجيد جمال الطبيعة ، والصورة الأزلية للإنسان البدائي وبرائته الأصلية ، إن الأتنلوجيا التي صنعها هي حنين روسوي ، ونوستالجيا إنسانية لكل ما في الروح من حنين للهرب من الثقافة والعودة إلى الطبيعة ، إنها نشيد للهرب من الإذلال والقهر والرعب والانفلات من التعسف والظلم ، من أجل البحث عن جزيرة للصفاء والسلام والراحة الأبدية ، والبحث عن طفولة عرقنا الضائعة ، لقد كان ليفي شتراوس يحرص في كل جملة من جمله أن يوقظ المعنى الإنساني في تأريخيته الخاصة في عالمنا المعاصر ، وهذا ما يمكننا أن نراه في كل كتبه من المدارات الحزينة إلى الخزافة الحسودة.



ہ روائي وناقد ومترجم عراقي



Date : 19-12-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش