الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ما بين الاستعمار والاستحمار

د. رحيل محمد غرايبة

الاثنين 14 آذار / مارس 2016.
عدد المقالات: 524



الاستعمار مشكلة قديمة وحديثة، ولم تتوقف يوماً من جانب الدول القوية التي تبحث عن مصالح شعوبها على حساب الشعوب المستضعفة والدول الضعيفة الفاشلة غير القادرة عن تلبية طموحات مواطنيها، والعاجزة عن مواجهة أطماع الأقوياء الذين أتقنوا مهارة التخطيط والإعداد للمستقبل.

لا نستطيع أن نغفل هذا الجانب بكل تأكيد، وربما يكون من الغفلة والسذاجة إنكار تآمر الدول القوية وإنكار تخطيطها تحت إطلاق التهمة الجاهزة لكل من يتحدث عن هذا الموضوع بوصف «عقلية المؤامرة»، ولكن في الوقت نفسه تكون البلاهة ذاتها والسذاجة نفسها من الجهة المقابلة، لمن يحاول إلقاء اللوم بشكل كامل على الاستعمار والصهيونية والامبريالية، ويؤكد تآمر الدول الكبرى وينسى أو يتناسى قابلية الضعفاء لتنفيذ مخططات الكبار، كما عبر عنها المفكر (علي شريعتي) بمصطلح القابلية للاستعمار.

المسؤولية الأولى تقع على المستضعفين أنفسهم بكل تأكيد، وخطورة الاستحمار أشد بمرات كثيرة وعديدة من خطورة الاستعمار، ويقصد بالاستحمار القابلية للخنوع والذل والاستضعاف، والقابلية لأن يكون الفرد أداة بيد الدول الاستعمارية، وأداة طيعة لتنفيذ مخططات الأقوياء، ولديه القابلية لتقبل هذا الدور الخياني الذي يتمثل بتحطيم الذات، والتضحية بالمصلحة العامة والهوية الوطنية على مذابح المصالح الفردية والطموحات الشخصية الهابطة التي لا تعدو لعاعة تافهة لا تستحق التقدير.

أول خطوات التغيير الحقيقي تنحصر حتماً بخطوة البدء بالنفس امتثالاً لقول الله : «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»، فالآية تنفي إمكانية حدوث التغيير المطلوب إذا لم يتم تغيير جوهري وجذري على صعيد الذات والنفس أولاً، بما لا يدع مجالاً للشك، وقال الله أيضا في كتابه الكريم : «أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ»

ولذلك يحلو للفاشلين والعاجزين أن يسلّوا أنفسهم بإلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية، وإلقاء اللوم على الدول الكبرى، ويحاول الضعفاء العاجزون أن يدرأوا نقصهم ويبرروا لأنفسهم  وللمقربين منهم هزيمتهم؛ من خلال الحديث عن عبقرية العدو في التخطيط وقدرته الفذة على الإمساك بخيوط اللعبة بشكل كامل، وكأنه من المقبول عقلاً ومنطقاً أن يتوقف الأقوياء عن التخطيط لإدامة قوتهم وإدامة ضعف خصومهم!!

إذا كان منهج التبرير الذي يتبعه المنهزمون والفاشلون يهدف إلى انتظار توقف المؤامرات الخارجية، وتوقف التخطيط لعمليات التدخل الاستعماري فهذا الغباء المحض، الذي سيؤدي إلى استمرار مسلسل الهزائم ودوام الارتكاس في دوامة التخلف والهبوط.

الحل يكمن في فك عقدة  الاستحمار والتوجه الجريء نحو البحث المتواصل عن الأخطاء القاتلة، والقيام بعملية التقويم الشجاع لكل مفاصل المسيرة السابقة  خلال السنوات المنصرمة التي قادت هذه المنطقة وشعوبها، إلى جحيم الضعف والفرقة والذل والاحتراب الداخلي والحروب الأهلية والاستلاب الحضاري والسقوط في عملية تدمير الذات، ويجب الكف عن المضي في الاستغراق في وصف مخططات الأقوياء، وينبغي الاستغراق في محاولة الخروج من هذا المستنقع البائس.

يجب أن نعلم يقيناً أننا قادرون على التخلص من حالة الضعف، وقادرون على فك عقدة الاستحمار، إذا أردنا ذلك بشكل جماعي حاسم من خلال الأخذ بسنن التغيير وقوانين الكون التي لا ترحم الكسالى، ولا تقيم وزناً لتوسلات المنهزمين والعاجزين عن امتلاك حرية أنفسهم وتفجير الطاقات المخزونة في ذواتهم، ورحم الله الشاعر التونسي الشابي القائل : «إذا الشعــب يومــاً أراد الحيــاة فلا بـــد أن يستجيب القــدر».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش