الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ربما جرى كل شيء بالعكس .. منهجان في التربية ورؤية الوطن

تم نشره في الجمعة 31 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 مـساءً
ربما جرى كل شيء بالعكس .. منهجان في التربية ورؤية الوطن كفى الزعبي

 

 


كانت الأميرة جميلة للغاية

وكان الطقس بشعا للغاية

نهارا وفي الساعة الثانية ظهرا

تاهت الأميرة في الغابة.

نظرت أمامها فرأت حقلا جميلا للغاية

وفي وسط الحقل كوخا بشعا للغاية

وفي الكوخ - وحش:

تفضلي إلى الغداء،

قال ، وتناول السكين.

فبات الأمر واضحا.

لكنه فجأة انتبه: يا لها من جميلة

وعلى الفور انقلب مزاج الوحش.

انصرفي - قال لها - من هنا،

فشهيتي سيئة للغاية

ومنظرك جميل للغاية،

وسارت الأميرة بهدوء متوجهة إلى قصرها

خارجة من الغابة

هذه حكاية بشعة للغاية

عن أميرة جميلة للغاية.

ولكن ، ربما جرت الأمور بالعكس؟،

كان الطقس رائعا للغاية

وكانت الأميرة بشعة للغاية.

نهارا ، وفي الساعة الثانية ظهرا

تاهت الأميرة في الغابة

نظرت أمامها فرأت حقلا بشعا للغاية

وفي وسط الحقل كوخا جميلا للغاية

وفي الكوخ - وحش:

تفضلي إلى الغداء،

قال ، وتناول السكين.

فبات الأمر واضحا.

لكنه فجأة انتبه: يا لها من بشعة

وعلى الفور انقلب مزاج الوحش.

انصرفي - قال لها - من هنا،

فشهيتي رائعة للغاية

ومنظرك بشع للغاية،

وسارت الأميرة بهدوء متوجهة إلى قصرها

خارجة من الغابة

هذه حكاية جميلة للغاية

عن أميرة بشعة للغاية.



هذه قصيدة أطفال للكاتب الروسي سالجير هنري بعنوان "الأميرة والوحش أو: ربما جرى كل شيء بالعكس؟،". أذكر أنها سحرتني حينما قرأتها ، حتى أنني حفظتها عن ظهر قلب (خاصة وأنها بالروسية مكتوبة بلغة الشعر الموزون ) فرحت أرددها مع طفليّ - ولهما - كأغنية مرحة.

في حقيقة الأمر ما سحرني فيها لم يكن المرح أو وزن لغتها الشعرية الجميلة ، بقدر ما كانت الطريقة الذكية في إرساء منهج الشك في التفكير والتساؤل لدى الطفل. رحت وقتها أتبع كل موضوع أتحدث فيه مع طفليّ بتساؤل ينسف كل اليقين الذي يدنوان منه: "وربما جرت الأمور بالعكس؟ ،"

ما أريد الحديث عنه هو الثقافة السائدة هنا في تعليم الأطفال وتربيتهم على اليقين والمسلمات. والمادة التي اعتمد عليها هي تجربة ذاتية متواضعة أتاحت لي إجراء المقارنة بين منهجين في التربية: الأردنية والروسية. فقد كنت جلبت من الأردن مناهج الصفوف الابتدائية لتدريس طفلي اللغة العربية ، إذ كانا يدرسان في مدرسة روسية.

ولتتأملوا معي هذا المثال:

في المنهاج الأردني - للصف الثالث الأبتدائي حيث كان يدرس ابني الأكبر - هناك درس عن الوطن. حسبما أذكر تطلب المعلمة من التلاميذ فيه أن يتحدث كل منهم عن جانب من هذا الوطن ، فتكلف أحمد مثلا أن يتحدث عن المصانع فيتحدث: في بلدي الكثير من المصانع الكبيرة التي تنتج كذا وكذا ، وكلها مصانع مهمة والعمال فيها يعملون ليلا ونهارا من أجل تطور البلد. أما قاسم فقد كلفته بالحديث عن الغابة فقال أن طبيعة بلدنا الخضراء تجعل منه متعة لعين الناظر وأن الله خصنا بغابات تغطي الجبال وتنقي الهواء وترطبه وتظللنا من الشمس. وتحدث زهير عن المدارس والجامعات ، وآخر عن المستشفيات. بعدهم تحدثت المعلمة عن الجيش وحماة الوطن....وفي النهاية كتبت المعلمة بخط عريض على اللوح: "ما أجمل وطني،". كانت تلك هي فكرة الدرس الرئيسية - التي تستدعي زغرودة الفخر والاعتزاز - التي لم تتطلب جهودا من أحد كي يتوصل إليها سواء بفكره أو بمشاعره.. فقد قدمت للطلاب جاهزة وما عليهم سوى - والأدق هنا القول: المفروض عليهم - حفظها والإيمان بها. وقد انتهى الدرس حينها بجملة قالتها المعلمة ورددها الأطفال من بعدها بصوت عال: أنا أحب وطني،

يومها أذكر أنني وبعد أن طويت الكتاب وأنعمت على طفلي بالتحر من ثقل الدرس ، تذكرت نفسي في الطفولة ، حينما كنت أعود من المدرسة بحذائي العتيق وبمعدتي التي يقرصها الجوع وبجلد يدي الصغيرتين الجاف من هبوب الهواء الشرقي البارد الذي لا تكف الصحراء تنفثه محملا بالغبار. أذكر أن الجو كان كئيبا للغاية وأن كلمات الإنشاء التي حصلت بفضلها على علامة متفوقة في درس اللغة العربية كانت تعجز عن تغيير شيء في الواقع لاسيما وأنها كانت تظل حبيسة جدران الصف لا تصلح إلا للحفظ من أجل الحصول على علامة ثم سرعان ما يلتهمها النسيان.

المفارقة كانت عندما عدت إلى الأردن بعد سنوات وكان ذلك الدرس من كتاب اللغة العربية للصف الثالث الابتدائي قد غاب من ذاكرتي. لكنني وجدته ما زال جاريا في صف لم تعد تحده جدران أربعة بل حدود جغرافية على الخريطة: الكل فيه - الذين في المرحلة الابتدائية والذين تجاوزوها - يرددون ما لقنوه جيدا: ما أجمل طبيعة بلدنا الخضراء التي تجعل منه متعة لعين الناظر ، وثمة مذيع في التلفاز يتحدث بنفس لغة الطالب الابتدائي عن المصانع الكثيرة والكبيرة في بلدنا وعن العمال الذي يبنون هذا الوطن ، وهناك صحفي يتغزل بمستوى التعليم والطب في وطننا الجميل ، أما الموسيقى التصويرية لهذا المشهد فتدوي بحماسة في "تبرق وترعد" ويعج الهواء بالتصفيق والزغاريد.

ربما كان كل شيء بالعكس؟، - تساءلت وقتها في نفسي وأنا أتذكر حكاية الأطفال الروسية. ولست أدري إن كان هذا السؤال خطر ببال أحد غيري ، فضجيج الفخر كان يطغى على جميع الأصوات.

بالمقابل ، وفي الوقت الذي كنت أدرّس فيه طفلي اللغة العربية في البيت بالاعتماد على المناهج الأردنية ، كان طفلي يتلقى ثقافة أخرى في المدرسة الروسية. أذكر أن مربية صفه - الثالث الابتدائي - قد دعت أولياء الأمور إلى اجتماع روتيني في المدرسة ، فذهبت. بعد أن تناقشت معنا عن أحوال أطفالنا حدثتنا عن رحلة هذا العام للغابة ، وهي رحلة تقليدية يذهب فيها التلاميذ إلى الغابة في بداية كل عام دراسي احتفالا بالخريف الذهبي حيث يجمع التلاميذ أوراق الأشجار المختلفة الأشكال والألوان ليزينوا بها صفهم في حصة الفن بتشكيلات يبتدعونها من خيالهم.

بعد الرحلة طلبت منهم أن يكتبوا لمادة التعبير مواضيع يصفون فيها انطباعاتهم عن الرحلة ، فكتبوا وقرأت لنا في الاجتماع بعضا مما كتبوا.

كانوا وصفوا وبعمق طفولي صادق وبريء الغابة وصوت حشرجة أوراق الشجر المتعفنة على الأرض وهم يدوسونها ، وخيط ضوء دافئ يتسرب من بين الشجر ، وجفلة سنجاب فاجأه أحدهم فتسلق الشجرة حتى قمتها ، وأشياء كثيرة لم أعد أذكرها الآن ، لكنني أذكر أنني امتلأت بفعلها بمشاعر لا أستطيع أن أصفها ، مثل تلك المشاعر التي تملأ المرء حينما يسمع موسيقى ساحرة تثير في وجدانه ارتعاشة وقشعريرة غامضة.

المهم أنني لا في ذلك اللقاء ولا في أي لقاء آخر على مدار السنوات التي درس فيها ابني في المدرسة الروسية ، ولا أيضا في أي منبر آخر في الحياة العامة ، لم أسمع كلمة وطن... في الوقت الذي كانت فيه تلك الكلمة ترفرف مثل الفراشة الخفية عبر السطور التي كتبها التلاميذ الصغار... فراشة خفيفة لدرجة أنها تخترقنا دون أن نشعر بها وتعشش فينا... بلا أية أوهام ، وبلا أية بهرجة أو فخر أو زغاريد ، ومن دون حتى أن تبرق أو ترعد ، لكنها في الوقت ذاته تحمل على جناحيها تاريخا طويلا وأفقا لا يتسع له الخيال. أفق ينتمي إليه الطفل دون أن يعي ، ويحبه بهدوء صامت عميق ومتواضع ، لكن ذلك لا يمنعه في لحظة ما أن يطرح على نفسه سؤال: "وربما جرى كل شيء بالعكس؟ ،"

كاتبة وروائية أردنية



Date : 31-10-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش