الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حين ينبت لصدى اليأس أظافر : قراءة في ديوان إبراهيم الجرادي «دع الموتى يدفنون موتاهم»

تم نشره في السبت 18 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 مـساءً
حين ينبت لصدى اليأس أظافر : قراءة في ديوان إبراهيم الجرادي «دع الموتى يدفنون موتاهم»

 

 
خالد زغريت ہ

لم يكن إبراهيم الجرادي شعرياً في يوم من الأيام بحاجة إلى إذن من تراث الفجيعة ليكتب فضائحها على هوى يأسه ، ولم يكن عنوان ديوانه" دع الموتى يدفنون موتاهم"تجلياً إنجيلياً للتمتع بموت ذاته ، فصوت القتلى يضج في روي قصائده التي تشقّق سكونها ، وتحيا صدى كل مَن دفن روحه في فضاء تائه ، فالشاعر يرفع - بدءاً من عنوان الديوان ثم الإهداء الذي يقول فيه"إلى اليأس آخر قلاع الأمل" - سقف مرثاته التي لا تغادر متردم خرابه ، وطلول العالم على جناح روحه ، تتلفت بكماء خرساء إلى منازل لا قلوب في منازلها ، فيأس الشاعر أعلى نبرة من سمات الموت ، ولغته أكثر سواداً من لغة الرثاء ، فقد أخذته شعرية اللحظة إلى لوحة فناء متوحشة الألوان الدامية ، فراح يصوغ الواقع كوناً لا متناهياً من الكم التراجيدي في صيرورته الأزلية ، وكان على الشعر أن يهندس هذا الكم نوعاً شعورياً ينضح أذى وجوده في الموت ، يقول الشاعر مختصراً سمات تجربته في اليأس:

كان عليّ: أن أفضل الأشياء ـ من أسمالها

وأهندس اكتئابي

أن أرتضي البلا

وأن أنام في ثيابي ـ ضبعاً أليفاً

خائراً كالورق المقوى

شيخاً جلياً

نائماً في التقوى

أن أعلن الخراب ـ مسكني وبابي

وأنسج البلوى

وأن أصيح باليقين ما بي.

يتّحد إبراهيم الجرادي مع لغة الفناء ، ويتجلى بها ، فيكابد ذوباناً صوفياً عريقاً في متنه الدلالي ، هو أليف للذات المسترسلة في موج أسئلتها ، فيبدأ الشعر في تشكيل صوري غنائي مصفى تزدهر فيه لغة الحنين و البكاء الدفين ، ويظلّ الشاعر يبحر في عوالم حزنه بصفته الشاعر الذي يرى بلغته ما لا تراه عين ثالثة قط ، ويفرد ديوانه لغناء يأسه وقهره الأصيل ، وإن يكن الشاعر قد قسّم الديوان إلى قصائد ، لكننا نجد أن الديوان معلقة غنائية تطفو حول أوثان اليأس المتوحد بالقهر والاضطهاد والهزيمة الوجدانية لأمة أراقت من الدم ما لم ترقه السماء من مطر في سبيل صيانة رسالة درست أحرفها في الواقع المعاش ، لذلك يكتب إبراهيم الجرادي معلقته بعنوانات متعددة على جدران تاريخ مبهم لا يقوى الهم الشعري على بناء أغنيته بالتفاؤل الثوري الذي له صنّاجاته في شعرنا العربي ، لكن الجرادي يسرّب نبوءته الشعرية من خلال قوافي الدمع المتحركة على الزمن القادم في خبر عاجل عن أسماء المعارك الماضية والمتن الإعلامي للهزيمة والنكسة والنكبة ، ففي قصيدته الأولى "نجمة الإسفلت "التي يهديها لمحمود درويش يفتتحها بغناء وجوده في وقت خارج التاريخ الإنساني على أنه"وقت" : كان وقتاً كما كل وقت" له ليله وصباح له وخلائق تسعى وسابلة" لكن ، ثمة أعمى يقود البصير الموشى بأوصافه نحو هاوية التيه" . وبذلك يوفّ معنى وجودنا في هذا الوقت ، ولا يفتأ أن يتابع الجرادي إسراءه في عوالم الموتى الذي يستريح العرب على حافته ، بينما :"تمرّ القصيدة كالعربات محملة بالجثث" .

وينتقل إلى القصيدة الثانية"من مأساة الرجل"صفر" ، ليغنّى عدمه الوجودي وتلاشي ذاته في منازل الخراب :"من مقاصير منسوجة من دمي\ من بقايا الكلام ـ ومن خيبة الشعر من يأسه" ، ويتابع الشاعر قصيدته وفق هذه الصياغة التي يتعدد الإخبار فيها بلا ابتداء ، فتبدو صوره صوراً منفلتة بلا أجنحة في فضاء العدم الذي لا يدرك فيه حدوداً لكينونته أو يأسه ، أما في القصيدة الثالثة التي يعنونها بـ"قصيدة فئة ج"فإنه يخصّ أهل الأرض المحتلة بإهدائه فيرد لهم بضاعتهم من القهر وذبائح الحلم العربي على خبز النضال ، فيعدد الذبائح الوطنية في الشارع المعاصر وزقاق التاريخ : "لحوذي يقود حصانه للموت ـ للأجداد ، مغلولين بالأحفاد ، لحاكمة تزيّن شعبها بالحبل" ، لكن الشاعر ، وهو يبدع لغة شعرية جديدة من حيث التركيب النحوي يغفل لغوياً ماهية الهدية ليبقي المعنى في قلب الزمن الذي ينسى أن يسمى أسماءه بحسنى أسماء اليقين ، كذلك يفعل في قصيدته الرابعة"ظل اليقين" يفسح للغة أن تمسرح دلالاتها على خشبة أكبر من أحرفها لكنها تنبش جذور اليأس والندم الشعري على قلق القوافي في اليقين الخارج على الزمن العربي لأنه كان على الشاعر"أن يكوّن الأشياء من خيبته ويعلن العزاء" وتأتي القصيدة الخامسة"تباً لي .. تباً لسواي" ليكيل الهجاء لذاته ولسواه من خلال استحضار الأزمات الطارئة و العريقة لتلعن مغنيها وشاربها وساقيها وفق شتيمة موقعة بغنائية صافية "تباً لأهليك الذين توارثوا موتين" ، ويختم الشاعر ديوانه بقصيدة المحنة التي يطلق عليها"لست محظوظاً لأغفو على وتر وناي" التي يفتتحها بافتتاح جرحه على شراسته"لست محظوظاً لكي أغفو على وتر وناي". هكذا يتوحش اليأس في الشاعر فيستعيد بتناص مظلل ، استنئناس الشاعر الصعلوك الحميري بصوت الذئب وتفضيله على البشر ، فقد بحَّ صوت الشاعر وجرس حروفه ، وهو يغني بكاء اليأس حتى تحولت حروفه إلى عواء يستوحش ذاته ، ثم يعلن الشاعر في متن القصيدة أنه استسلم لليأس"شاخ القلب شاخ الرأس ، وأنا أمسي إلى رمسي ، وتسبقني عصاي". هكذا حفر الجرادي قبره بأظافر صدى اليأس الذي تردده أحرفه شعراً معلّقاً بمعنى لا ترسمه الصور كما ينبغي ، فقد أكمل الشاعر موته في خاتمة ديوانه على أمل أن يدعه الزمن يدفن موتاه.



ہ ناقد سوري



Date : 18-10-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش