الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الحفيدة الأمريكية» لإنعام كجه جي .. السخرية والسينما تصلحان ما أفسده الواقع

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 مـساءً
«الحفيدة الأمريكية» لإنعام كجه جي .. السخرية والسينما تصلحان ما أفسده الواقع عزت القمحاوي

 

 
بعد "سواقي القلوب" تأتي "الحفيدة الأمريكية" رواية ثانية للكاتبة والصحفية العراقية إنعام كجه جي ، لتتخذ تمثلاتها البشرية وأحداثها من عمق المأساة العراقية ، من دون أن يكون استعراض أو كشف أو تعرية ما يجري في العراق هدف الروايتين اللتين يربطهما خيط رفيع.

في "سواقي القلوب" التي صدرت عام 2005 تقوم البطلة برحلة إلى العراق كمرافقة لجثمان صديقتها المهاجرة ، ومن خلال هذه الرحلة نقف على المشهد العراقي تحت الاحتلال ، بينما يتكفل السرد الاسترجاعي باستدعاء حيوات مجموعة أصدقاء من العراقيين المهاجرين إلى باريس ، الذين نجحوا في مغادرة العراق كل بطريقته من دون أن تغادرهم جمهورية الخوف أو يتوقف النظام الصدامي عن تتبعهم في المنفى.

وفي الرواية الجديدة "الحفيدة الأمريكية" التي صدرت عن دار الجديد ببيروت نرى الوضع في ظل الاحتلال من خلال بطلة الرواية "زينة بنهام" ابنة لمهاجرين عراقيين ، هربا من العراق بابنهما وابنتهما كما حدث لكثير من المثقفين.

وفي أمريكا انفصل الزوجان وحصلت الفتاة على الجنسية الأمريكية قبل أن تنفتح لها أبواب الحظ الذي تصفه الرواية بأنه يانصيب الخاص بالأمريكيين من أصول عراقية وعربية للعمل كمترجمين في جيش الاحتلال: "سبعة وتسعون ألف دولار في السنة. ماكل شارب نايم".

وتسافر زينة إلى العراق بروح المغامرة من دون أن تخلو من مشاعر الرهبة. وفي العراق بلدها الذي غادرته من خمسة عشر عاماً تجد نفسها في وضع ملتبس تكتنفه التناقضات: بين هويتيها العراقية والأمريكية من جهة ، وبين نظرة العراقيين إلى جيش الاحتلال من جهة أخرى ، التي تتراوح بين اعتباره غزواً أو تحريراً أو لا موقف على الإطلاق،

رواية من هذا النوع مغامرة حقيقية ، وفرص فشلها أكبر من فرص النجاح ، فاللحظة طازجة ، والعديد من الوقائع معروفة سلفاً من تقارير المراسلين من كل نوع ، بكل ما فيها من قسوة مثل المداهمات العشوائية والتعذيب والقتل ، وحتى ما بها من مفارقات وغرابات مثل سكنى الجنود في قصور صدام ، التي تحولت إلى خرابات فاخرة بانقطاع الماء والكهرباء المتواصل ، إلى غير ذلك من تفاصيل ، لكن الكاتبة ركزت على تناقضات الهوية المتشابكة داخل الشابة التي تصف يوم حصولها على الجنسية الأمريكية كأنه دخول الجنة ، ثم تسافر إلى العراق تاركة وراءها صديقاً أمريكياً ليست شديدة التمسك به ، لتستيقظ هناك مشاعرها العراقية وتستعيد عبر الجدة ، وعبر سيرة جدها العسكري العراقي المسيحي القومي ، حب العراق الذي غذاها به أبوها المذيع القارئ الجيد للشعر ، واستعاراته من "شلت يميني إن نسيتك يا بغداد" ثم تلتقي بحب عراقي يقف دونه مستحيلان: فالحبيب "مهيمن" من جيش المهدي وأخ في الرضاع،

وبالإضافة إلى الاشتغال على النفس وسط هذه التشابكات ، اتخذت الكتابة من السخرية والسينما قناعين أنقذا الرواية من المباشرة ، التي كان من الممكن أن تجعل منها تقرير حالة عن وضع مأساوي.

حالة العراق ، واحدة من الحالات التي يخطئ فيها الواقع ، وعلى الفن ألا يرتكب حماقة اتباع هذه الأخطاء. وقد تكفلت السخرية عبر اللغة وعبر المفارقة بتخفيف ثقل الواقع ، منذ لحظات الفحص والتجنيد وهم بعد في أمريكا. القوائم التي كان على المتطوعين ملؤها بمعلومات تفصيلية عن الأقارب تشبه القوائم التي كان النظام الصدامي يطلبها من أنصاره. وفي يوم تجهيز الملابس العسكرية تدفع المتطوعة أمامها عربة لتلتقط مقاساتها من فوق الرفوف كما في سوبر ماركت ، وعندما تصل إلى العراق يكون من حظها الذهاب إلى تكريت والإقامة في قصر صدام ، ولكن أي قصر؟،

يتحير العسكريون في إسكانها ، لأنهم كانوا يتوقعون مترجماً لا مترجمة ، يتداولون في أمرها بينما تنتظر على عرش من ذهب ، وينتهون إلى إسكانها في مطبخ قصر الخدم ، فتبدأ في توزيع ملابسها على جوارير (أدراج) المطبخ،

سعى التناص مع الأفلام ، وذكر السينما إلى رفع الوقائع إلى المستوى الفني عبر الإيهام ، أو تحويل الموجودات إلى أطياف. يسري ذكر السينما في الرواية من أولها إلى آخرها ، فمنذ البداية نعرف أن الكمبيوتر المحمول هو أهم ما تملكه البطلة في رحلتها ، تتواصل من خلاله مع صديقها الأمريكي وتكتب ما تمر به ، وكأنها ذهبت في مهمة لحسابها الخاص تتمثل في جمع مادة فيلم أو تدوين رواية. كما تتناثر أسماء الأفلام ومشاهد منها عبر صفحات الرواية كلها ، فالبطلة منذ الصفحات الأولى تنتبه إلى غرابة وضعها عندما يمر رتل المصفحات التي تحملهم بالقرى القريبة من الموصل ، لتكتشف أن البزة العسكرية الأمريكية تفصلها عن الفتيات اللاتي وقفن أمام البيوت ينظرن في صمت ، ومن دون أن يكشفن عن مشاعر محددة ، فيستعدي ذلك الجود والحذر لديهن أفلام الحرب في السينما الأمريكية: ".. لكن أياً منهن لم تكن تبتسم أو تلوح بمنديلها ، أو تتطابق مع ما كان في خيالي من مشاهد لأفلام أمريكية عن الحرب العالمية الثانية ، وعن فتيات باريس ونابولي وهن يلوحن لأرتال الجيش الأمريكي ، أو يقفزن فوق ظهور المدرعات لكي يفزن بقبلة من فم جندي لوحت الشمس وجهه الوسيم".

وعندما تتحدث عن ذاتها الأخرى: الذات الكاتبة تقول إنها تريد أن تصنع مني شريرة أو رامبو بصيغة المؤنث ، ومن جدتي بطلة طيبة وشجاعة مثل أمينة رزق في فيلم "ناصر". وفي غير موضع من الرواية تصف العملية الأمريكية بأنها فيلم ، وصدام هو الشرير كونغ فونغ الذي طرده الأمريكيون وقبضوا الثمن بالبقاء مكانه ، كما أنها تتعامل مع الموقف حتى قبل الوصول إلى العراق كفيلم تفكر في تفاصيله وتمنحه العنوان أيضاً ، فهي تصف لحظة تزويد الطائرة بالوقود في الجو ، وحركة الاهتزاز التي خلفها امتطاء طائرة التموين لطائرتهم تقول: "فكرت بأن يكون عنوان هذا الفيلم "الخمس المرتعبات والرجال الأكثر رعباً". وعندما تستقر الطائرة على أرض مطار بغداد تعطي اللحظة ـ الفيلم عنوان "العودة المتأخرة".

حتى عندما تفكر في أبو غريب تفكر بالسينما :"السجون أماكن لا تصلح للسينما ، رغم كل ما صوروه فيها من أفلام. ليس الألم هو البطل بل الإذلال". وعندما ترى أن أمل التغيير لن يتحقق ، فهذا يعني لديها أن "الفيلم مستمر".

ولم تعالج إنعام كجه جي عبر السخرية وتقمص الحالة الطيفية عبر السينما أخطاء الواقع غير الفني فقط ، بل إنها تمكن من تخفيف سطوة الشعار القومي العربي والوطني الأمريكي عبر تداخل الهوية لبطلتها التي عادت في النهاية إلى أمريكا ، بعد ثلاث سنوات قضتها في العراق ، ليس في تابوت ، أو بمرض نفسي يستحق جلسات علاج ، بل بشجن لم يسقط مع الصابون في فوهة البانيو ، بل يعيش معها ليعيد تربيتها من جديد.

روائي وكاتب مصري



Date : 17-10-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش