الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سيريل جافاري : السماءُ تعكس ما يحدث على الأرض فإذا ساد التناغم في الأرض فهو يسود أيضاً في السماء وتتعاقب الفصول

تم نشره في الجمعة 12 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 مـساءً
سيريل جافاري : السماءُ تعكس ما يحدث على الأرض فإذا ساد التناغم في الأرض فهو يسود أيضاً في السماء وتتعاقب الفصول ترجمة وإعداد مدني قصري

 

 
سيريل جافاري Cyrille Javary ، عالمّ بالحضارة الصينية وثقافتها ، أصدر مؤخرا ، كتاباً مثيراً عن عالم الفكر الصيني عبر التاريخ ، منذ أصول الصين المعروفة:"خطاب السلحفاة" ، الصادر عن دار "ألبين ميشيل" Albin Michel. فبعد ترجمته الحديثة لكتاب اليي ينغ (كتاب التحولات الصيني) ، يقدّم لنا في هذا الكتاب ، تأملا أصيلا حول جذور وتطور كتاب التحولات الذي يعبّر عن الروح الصينية ، في جوهرها. كتاب مميز يمنح لنا فرصة التساؤل عن الرؤية العميقة التي يحملها الصينيون عن ظواهر الفوضى المناخية.

ہ يقول الطاو تي ينغ Tao Te Jing ما خلاصته أنه عندما يكون الحاكم سيئاً تسوء أحوال المناخ لا محالة ، ما رأي الصينيين في هذا الأمر؟

- من المثير للغرابة حقاً أن كلمة تحوّل (أو تغيير) في اليي ينغ Yi Jing ، أي كتاب اليي والينغ والتحولات ، نلاحظ أن كلمة "تحول" تُكتب بدمج الفكرتين الرمزيتين: شمس ومطر. ففي رأي الصينيين القدامى ، أن الصورة الأم للتغيير تكمن في تحولات الطقس المتواصلة. هذه هنا فكرة مزارع حضارية ، لم يهجر أرضه ، ويزرع الحبوب على نفس الأرض منذ أن صارت الحبوب جزءاً من حياة البشرية. للصينيين ، إذاً ، علاقة جد خاصة مع الأرض ، ومع السماء ، ومع المناخ.

هذه العلاقة ، كل المزارعين في العالم يعرفونها. هناك على الخصوص ، مَثَلّ فرنسي قديم يقول: "الطقس السيء هو الطقس الذي لا يتغير". وهذا يوضح لنا منطق فكرة الطقس الجيد ، والطقس السيء: إن من كان في عطلة صيفية يكره المطرَ الذي يسقي حقول المزارع ، لكن كلاهما يعرفان أن الطقس حين يتوقف ، إما عند المطر ، وإما عند الشمس ، إلا وأدّى ذلك إلى كوارث ، وإلى فيضانات ، كالتي حدثت في أوروبا في عام 2002 ، أو إلى جفاف حراري ، كالذي حدث في السنوات الأخيرة ، مع ما يترتب على ذلك من نتائج مأساوية على الزراعة ، وعلى الكائنات البشرية على السواء.

المناخ ، والتحول (التغير) أمران جوهريان في العقل الصيني. ومن الأفكار الصينية الكبرى ثمة أيضاً فكرة الصدى ، أو الرنين. هناك ، بالنسبة إليهم ، صدىً ما بين ما يحدث في السماء وما يحدث في الأرض. السماءُ تعكس ما يحدث على الأرض. ويعني هذا أنه إذا ساد التناغم في الأرض فهو يسود أيضاً في السماء. وتتعاقب الفصول ، كما يقول لاو تسو ، "بلا خطأ وبلا بًلى".

والحال أن الطاويين كثيراً ما غرفوا من هذا المنبع حتى يعيشوا في مزيد من التناغم ، وعلى أطول فترة زمنية ممكنة. فعندما تحدث اختلالات في الأرض ، وعندما يكون الحاكم مستبداً أو فاسداً ، أو عندما لا يتصرف السيد كسيد حقاً ، وعندما لا يتصرف الفرد كفرد حقاً ، الخ. ، فسوف يظهر ذلك وينعكس في السماء ، فنشهد حدوث ظواهر طبيعية شاذة ، تُظهر للجميع أن الدولة لا تشيع التناغم والانسجام. فالسماء تتصرف إذاً ككاشف عما يحدثُ في داخل البلاد.



ہ أما زال هذا الوعي سائداً اليوم ، أم صار الصينيون بعيدين جداً عن ذلك بما أحدثوه اليوم من تلوثات مرتفعة في الطبيعة ، ومن إزالة للغابات ، وما أنجزوه من الأعمال الكبرى؟

- لا. الصين الحالية متمحورة كلياً حول مستقبلها. وهذا هو ما يجعلها مختلفة عنا ، وهو ما يمنحها الجسارة الإيقونية المذهلة التي تطبعها اليوم ، على نحو ما يرمز إليه الجسر المتحرك بمساربه الخمسة ، وطوابقه المتعددة ، في قلب شانغهاي.

وهو فوق ذلك مطلي ، مما يحول دون التصاق التلوث به ، وهو مغلّفّ بالنباتات ، ومضاءّ ليلا باللون الأزرق. فبحكم التفاتهم إلى المستقبل ، فإن الصينيين يحملون لماضيهم من الاحترام والتقدير ما يحمله المراهقون من احترام وتقدير لآبائهم وأجدادهم. لكنْ ، صحيحّ أيضاً أننا نعاني نحن من تناذر عكسي (التناذر هو تزامن أعراض مرض من الأمراض) ، حيث أننا لا نملك تجاه الماضي إلا ما يحمله أجدادنا من احترام لذكريات شبابهم. وفي هذا ما يفسر لنا ، واحداً من أسباب التصور الحالي القائل: "فرنسا الآيلة للسقوط، فرنسا المعطلة،"... إن الصينيين يملكون الإحساس ، بل واليقين بأن أبناءهم سوف يعيشون أفضل منهم ، وهو ما ليس حالنا بأي حال،



ہ لكن أيعني هذا أنهم لا يلقون بالا ، على الإطلاق ، إلى الإيكولوجيا ، لأن الأمر ، في نظرهم ، مشكله غير صحيحة؟

- كان يمكن أن نقول هذا قبل عشرين عاماً ، لأن القلق الوحيد في ذلك الوقت كان هو السعي للثراء العام ، وثراء البلاد. أما اليوم ، فها هم يدركون أنهم يستطيعون أن يتجنبوا الأخطاء: لقد صاروا ، عند فجر القرن الواحد والعشرين ، يعرفون أنهم قد حققوا الكثير من التطور ، بحيث يستطيعون تجنّب الإسراف في التنمية المفرطة. وقد صار عندهم على الخصوص فكرة عن التحكم في الطبيعة وتنظيمها ، هذه الطبيعة التي تظل في نظرهم إمبريالية وكتاباً رمزياً. وهكذا ، ومن الأفكار الأساسية الجوهرية السائدة تقليدياً ، أن من يحكم المياه يحكم الصين حتماً.

هذا الطابع من "الحُكم" ، يُكتَب عند الصينيين ، بدمج إشارة الماء في إشارة أخرى تعني التسيير التراكمي. إن مشاريع عملاقة ، مثل السد الكبير الذي يبلغ حجم بحيرته نصف مساحة فرنسا ، تمثل اليوم ، أعمالا صناعية ، وموفرة للطاقة في آنْ ، وفي الوقت نفسه ، فهي مظاهر للسلطة. فعندما عبَر الرئيس الصيني الأسبق ، ماو تسي يونغ ، في نهاية عمره ، نهر الينغ تسي Yang Tse ، سباحةً ، قهقه الجميعُ في الغرب ، وهم يقولون بأن الغطاسين ينبغي أن يمسكوا ببطن ماو تسي تونغ ، الضخم، والحال أن هذه الرسالة ، في الصين ، لم تكن كشفاً صحياً فقط ، بل صورة إيديولوجية وإيديوغرافية (أي رسالة رمزية) تعني: "إنني أعْبُرُ نهر الينغ تسي كينغ ، وأنظم التدفقات ، وأنا السيد".

ولا شك أن هذا السد الكبير يندرج أيضاً في هذا المنظور. وقريباً سيتم تجاوزه بنقل ثلث مياه الينغ تسي كينغ إلى النهر الأصفر ، أي لمسافة 1500 كيلومتر إلى الشمال ، من أجل سقي الأراضي التي جفّت بفعل إزالة الغابات والأحراج. هذا المشروع ، قد يبدو بلا معنى ، وبلا طائل ، لكن الصينيين يملكون الجرأة والإقدام: إنهم يملكون الطاقة الاقتصادية ، والإرادة القوية في تحقيق ذلك. فهم ، إذاً ، على استعداد لإعادة هيكلة بلادهم ، أيا كانت المخاطر.

ہ هذه إذاً تصورات تختلف كل الاختلاف عن تصوراتنا الكارثية التي تدّعي أننا نعيش ما يشبه نهاية العالم ، وأن كارثة إيكولوجية تنتظر الأرض ، الخ.

- نعم ، تصوراتنا ليست مألوفة عندهم ، لكن ينبغي القول أيضاً إنهم يعرفون كيف يتعلّمون ، وكيف يتفاعلون بسرعة. ثم ، إنهم يعرفون شيئاً مُهًمّاً لا نعرفه نحن: إنهم يعرفون كيف يتعايشون. فلو لم يكن هكذا شأنهم ، هُم المليار والثلاث مئة مليون نسمة ، لكانت الكارثة، لقد كان هدف معلّمهم الكبير لاو تسو Lao Tseu وكذلك كونفوشيوس Confucius ، هو أن يُعلّما الناس كيف يعيشون معا. ففي مقابل الإيكولوجيا الطبيعية ، التي هي إيكولوجيتنا نحن الغربيين ، عاش الصينيون دائماً ، إيكولوجيا اجتماعية وحضرية. وأخيراً لا بد من القول إنها أوّل مرة ، منذ قرنين من الزمن ، يصير فيها الصينيون سعداء بعض الشيء. فبدافع الإيمان بالتطور ، فهم اليوم يعيدون بناء بيتهم الذي تدهور كثيراً. ثم ، وبحكم التسمية التي تحملها الصين ، "البلد الواقع في مركز العالم" ، فليس عندهم الآن سوى فكرة واحدة ، وهي إعادة المركز إلى مركزه. آفاقهم ، إذاً ، تتجه في اتجاهات أخرى مختلفة. غير أنه ، من غريب ما يمكننا ملاحظته ، أن ما ندعوه نحن بالتقاليد الصينية ، قد انتقل إلى الغرب. وسيعود الصينيون فيما بعد ، ويكتشفون أننا قد طورنا هذه التقاليد ، حين خبرناها وعشناها من خلال أنفسنا ، ومن خلال علومنا ، ومن خلال عاطفيتنا ، ومن خلال قيم مضافة ، مثل احترام المرأة ، والديمقراطية ، وحقوق الانسان. إننا في الوقت الحالي نتغذى بالثقافة الصينية ، كما يقول مثال رائع عما يدعوه الأميركيون بـ "حضارة التقاطع" criss cross civilization. فلا هُم ولا نحن سنذهب إلى الفشل أو الكارثة ، لأن الطاقة تسير. المهم أن نعي ذلك ، وألا ننام على ماضْ ولّى واختفى ، أياً كانت عظمته النسبية.



عن مجلة "كليه نوفيل"

ہكاتب من أسرة الدستور

[email protected]



Date : 12-09-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش