الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شعر بلا مخالب

تم نشره في الجمعة 6 حزيران / يونيو 2008. 03:00 مـساءً
شعر بلا مخالب د. ناصر شبانة

 

 
ما فتىء الشعر على مدى الزمان يؤدي دوراً بطولياً مؤثراً في حياة العربي ، حتى استحق لقب «ديوان العرب» ، وتعددت وجوه البطولة فيه ما بين ثنائيات الحرب والسلام ، أو الماضي والحاضر ، فهو تارة شعر محبة وسلام ، وتارة اخرى شعر حرب وقتال ، وهو تارة شعر وقوف على الاطلال ، وتارة اخرى شعر نبوءة ورصد لما هو آت.

ولقد ظلت القصيدة بكيميائيتها العجيبة قادرة على ان تمطر حباً وقمحاً حين يتطلب الأمر ، او ان تؤدي دور الافتراس حين الضرورة فينبت لها أنياب ومخالب ، وتغدو قوة كاسحة لا رادّ لها. وواهم حينئذ من يرى أنياب القصيدة فيظن انها تبتسم. اذ هي تتهيأ للافتراس والفتك:

إذا نظرت نيوب الليث بارزة

فلا تظنّن ان الليث يبتسم

وابتداء بشاعرنا الاول الذي يعد اول من هلهل الشعر بقصيدته التي كتبها بدم أخيه المقتول. ومروراً بالمتنبي الذي تخذ من الحرف سيفاً يصول به ويجول. وليس انتهاء بمحمود درويش الذي جعل قصيدته كابوساً يحتل لاوعي السجّان. فقد كان على القصيدة ان تمتلك مقومات بقائها او اسلحة الدفاع عن حياضها وحماها ، حتى ظهر الشاعر بازائها كفارس لا يشق له غبار ، فالجميع يتجنب قوته المرعبة ، ولسانه اللاذع ، حتى بات يحتل مكانة ليس وزارة الاعلام كما يقولون وانما وزارة الدفاع بكل تشكيلاتها.

وان ما ورد على لسان عمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة يجعلنا على يقين بأن الشاعر اذا وعى حجم قوته الذاتية ، وطاقته الكامنة ، فانه لن يكون بمقدور احد ان يلحق به الهزيمة او ان يوازيه في قوته.

ونشرب ان اردنا الماء صفوا

ويشرب غيرنا كدراً وطيناً

وحين يغدو الملوك والأمراء بعضا من حاشية الشاعر. وجزءاً من جمهوره ومريديه ، فانهم يسعون الى كسب وده ، وينل رضاه ويبدو الشاعر هو الحاكم الفعلي على مملكة الكلام:

«وان بُليتُ بودْ مثل ودكم

فاني بفراق مثله قمنُ»

وخلال القرن الماضي ظلت القصيدة العربية وفية لرسالة المقاومة ، قادرة على الحاق الأذى بالاخر ، فباتت مستهدفة من قوى الشر في العالم ، ووجدنا الشعراء يتساقطون على مذابح القوة الغاشمة ، غير ان صوت الشاعر ظل حرا نزيها. وظل يحلق بأجنحته كالعنقاء عبر غمام السماء ، وباتت قصيدته تقف ندا للدبابة والصاروخ:

تقدموا

كل سماء فوقكم جهنم

وكل ارض تحتكم جهنم

يموت منا الشيخ والطفل ولا يستسلم

والا فكيف نفسر شيوع مصطلحات تربط بين قوة القتل والقصيدة كقولهم «القصيدة القنبلة»؟

وكيف تحتمل القصيدة قرار الشاعر الجريء بتحوله الى فدائي حين يقول:

سأحمل روحي على راحتي

والقي بها في مهاوي الردى

فاما حياة تسر الصديق

واما ممات يغيظ العدى

وبعد ، فماذا لدينا الان من بقايا الشعر. ان القصيدة التي بين أيدينا الان قد خلعت اضراسها وأنيابها صرعات الحداثة. ونزعت اسلحتها مقولات النقاد المحدثين ، حتى باتت القصيدة كرة مطاطية متجانسة لا حواف مسننة لها ، ولا نتوءات تحدد معالمها. ولا زوايا حادة تقرر شكلها. فبات يتقاذفها الاخرون دون ان تبدي اي ضرب من الاحتجاج او الاعتراض على تزييف وعيها ، او نقلها من خندق الممانعة والمقاومة الى متحف الموت والمترفين ، فها هو العالم يضج بالقتلة والأشرار. وها هي البلاد تنتهك ، والاطفال يسقطون قتلى على موائد الافطار الزهيد ، وليس ثمة شعر ولا من يشعرون ، ترى. هل فقدت القصيدة عذريتها؟ وهل فقد الشعراء رجولتهم ومخالبهم التي سلموها طائعين لاعدائهم ، ولم يعودوا قادرين سوى على إحناء رؤوسهم امام سكين المقصلة.

اعتقد جازماً بأن الشعراء بحاجة الى عملية جراحية لابراز أعضائهم الغائضة في أجسادهم المطاطية لعلهم يعودون الى ميدان الشعر بالكلمة الحرة والأنياب الزرقاء.



ہ اكاديمي وشاعر اردني



Date : 06-06-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش