الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فيلم ينطوي على سخرية مرّة : «قائمة الأماني».. الهروب من الموت لصالح التشبث بجماليات الحياة

تم نشره في الجمعة 6 حزيران / يونيو 2008. 03:00 مـساءً
فيلم ينطوي على سخرية مرّة : «قائمة الأماني».. الهروب من الموت لصالح التشبث بجماليات الحياة أحمد طمليه

 

 
ما الفرق بين أن تموت فجأة وبين أن تعرف أنك سوف تموت بعد أسبوع إن الفرق يكمن في أنك في الحالة الأولى سيباغتك الموت دون أن تدركه ، أما في الحالة الثانية فأنك ستعيش معضلة محاولة إدراك الموت ، وستبقى بالتالي في حالة انتظار ، دون أن تتمكن من هذا الإدراك؟ ثمة أشياء في الحياة تفوق التصور ، تفوق قدرتنا على تصورها أو تخيلها ، فما بالكم التفكير بها. إن الفكرة ملهمة ، كثيراً ما داعبت خيال السينمائيين وحاولوا أن يقفوا تلك الوقفة ، أن يجسدوا الحالة على الشاشة: شخص ما سوف يموت قريباً بسبب مرض عضال. ولكنها ، أي ، السينما في جميع حالاتها لم تصل ليس فقط إلى مستوى إدراك الفكرة ، بل حتى إلى مستوى القدرة على وصف الوجع ، فأخذت مثل هذه الأفلام في الكثير من الحالات بعداً رومانسياً: الهروب من فكرة الموت الصالح إبراز جماليات التشبث بما تبقى من حياة.

في فيلم "فوريست جامب" بطولة توم هانكس حاولت الفتاة أن تخبر حبيبها البسيط إلى حد السذاجة ، أنها في غنى عن العيش معه ما تبقى لها من عمر ، وأن عتمة القبر عليها أن تبدأ من الآن من خلال أن تعيش وحدها في الحياة. في فيلم أمريكي آخر تقرر الفتاة أن لا تقيم علاقة مع أي كائن لأكثر من شهر واحد خشية أن تتعلق به أو يتعلق بها ، فتزداد لديها صعوبة الرحيل عن الحياة. وقرارها هذا لا يتصل فقط بالأشخاص العاديين ، الأصدقاء ، والأهل ، والمعارف ، بل حتى بالحيوانات الأليفة ، فهي مثلاً تحب اقتناء القطط ، ولكنها لا تقيم علاقة طويلة ، فما هي إلا أيام حتى تسلم قطتها إلى أسرة ما متذرعة بإحدى الحجج ، وتتأزم مشكلة هذه الفتاة حين يخترق حياتها شاب تعجز عن إنهاء علاقتها به بعد شهر لأنها ببساطة أحبته ، وعندما تحاول أن تقمعه بالقوة بعد أن يعلم بمرضها ، ترجوه أن يرحل حتى تحفظ لنفسها على الأقل ذكرى جميلة.

من الأفلام الأمريكية الحديثة في هذا السياق التي ما زالت تعرض في دور السينما العالمية ، ويتابعها المشاهدون عبر الـ DVD ، فيلم "قائمة الأماني" للمخرج روب رينير وهو المنتج أيضاً ، وبطولة جاك نيكلسون ومورجان فريمان. نتابع في هذا الفيلم كيف يحاول المخرج أن يتفوق على نفسه في وصف الوجع والوقوف على حالة شخصين مصابين بمرض عضال ، وكل التقارير الطبية تقول أنهما سوف يموتان بعد أيام. يبدأ الفيلم مع الميكانيكي (مورجان فريمان) رجل في الستين من العمر ، لم يعهد حياته خارج الكراج الذي يعمل به ، مهتم بالثقافة والمعلومات ، ويمضي وقته في حلّ الألغاز ، والكلمات المتقاطعة ، نلاحظ عبر المشاهد القليلة الأولى أن السيجارة لا تختفي من بين أصابع هذا الرجل ، إلى أن يرن ، ذات يوم ، وهو في عمله هاتفه الموبايل ، وواضح أن المكالمة كانت موجزة. يرد الرجل ويسمع كلمة أو كلمتين من الطرف الآخر ، ثم يجيب بحيرة: أنا لا أفهم معنى هذا ، فيأتيه الرد سريعاً موجزاً ، تسقط السيجارة من بين أصابع الرجل ولا نراها ثانية ، ونعلم أنه مصاب بالسرطان.

في جانب آخر من المدينة ثمة رجل ستيني أيضاً ، ثري يدير عدداً من المستشفيات الخاصة ومعه من النقود ما يكفل له أن يدير اجتماعات وهو يسخر من فكرة وجود من يشاركه الاجتماع ، وفي احدى تلك الاجتماعات يصاب الرجل بحالة سعال شديدة ، وكم كانت مفاجأته صاعقة حين يلاحظ أن ثمة دم في المنديل. هذا الرجل الثري يعيش وحيداً ، وقد جعل مستشفياته تحمل شعار كل غرفة يتشارك فيها مريضان وكأنه كان يبحث عن مؤنس إذا اقتضى الأمر أن يدخل ذات يوم احدى تلك المستشفيات. نتابع فيما يلي الرجلان ممددان على سريرين في غرفة واحدة ، ونلاحظ كيف يمض الرجلان أوقاتهما ، فالميكانيكي لديه زوجة وأولاد وأحفاد ، وهو أكثر هدوءاً وطمأنينة ، يمضي وقته على السرير في قراءة الصحف والمجلات ، أما الشخص الآخر فلا يوجد لديه عملياً علاقة خاصة مع أحد ويمضي هذا الرجل وقته وهو يتقلب على جنبيه معبراً عن تذمره من كل شيء ، مواصلاً إصدار أوامره لطبيبه الخاص أن ينهي هذا الأمر فوراً ، ويعيده سالماً معافى. نلاحظ أثناء المتابعة كيف يحظى الرجل الثري بعناية طبية حثيثة فيما زميله الآخر لم ير وجه طبيبه الذي يكتف عن بعد باعطاء تعليماته للممرضة.

ومن المشاهد الموحية: الرجل الثري في الحمام ، وعندما يهمّ بالمغادرة يلاحظ أن زوجة زميله في الغرفة ما زالت تجلس بجواره ، فيأبى الخروج من الحمام ممتعظاً ، وحين تغادر يسأل نيكلسون زميله: هل غادرت ، فيرد الآخر بالإيجاب فيقول نيكلسون بسخرية: أني أعجب من اولئك الذين يحرصون على زيارة المرضى. وكأن لسان حاله يقول: ما هو الممتع للأصحاء عندما يتابعون تردي الأحوال الصحية للآخرين.

يعرف نيكلسون من طبيبه أن وضعه ميئوس منه ، وأن ما تبقى له أيام فقط ، فينظر الرجل الستيني بأسى إلى زميله الذي يرقد إلى جواره ، ويأمر بمتابعته ومعرفة وضعه الصحي ، فيكون الجواب أن حالة الرجل الآخر أيضاً ميؤوس منها وأن ما تبقى له هو أيام فقط ، من هنا تبدأ العلاقة تتوثق بين الرجلين ، ويقررا أن يعدا قائمة بالأشياء التي يمكن أن يقوما بها أثناء ما تبقى لهما من وقت: استئجار طائرة والسقوط بمعية مظلي مختص من ارتفاع عال ، فيتحقق لهما ما يريدان ، ولكنهما على باب الطائرة المحلقة عالياً يخافان السقوط في الهواء ، ويمتزج خوفهما بضحكات متداخلة بالعويل: خائفان من فكرة السقوط من ارتفاع عال؟ خائفان من ماذا؟ من الموت؟ يضحك الرجلان ويسبحان في الفضاء.

ثمة مغزيين لتصرفات الرجلين في هذه المرحلة ، مغزى إجراءي ومفاده: علينا أن نستمتع بجماليات الحياة ما أمكن ، فيسافران من بلد إلى بلد ، وفي كل مرة نراهما في الطائرة ينظران من النافذة إلى الأسفل فتبدو الأرض من الارتفاع الشاهق صغيرة ، وكأن في هذه إشارة إلى أن الحياة أيضاً صغيرة ، وإذا أردت أن تعالج مشكلة فعليك أن ترتقي عنها ، أن تترفع عنها ، أن تبعد كثيراً ، أو تحلق بعيداً ، تماماً كما فعلها (توم هانكس) في فيلم "فوريست جامب" عندما قرر في لحظة انكفاء أن يركض إلى ما لا نهاية ، وظل يركض قاطعاً أثناء رحلته مدناً وولايات.

أما المغزى الآخر لتصرفات الرجلين فلها بعد فلسفي: إذا كان عليك أن تموت فهذا أمر يخصك وعليك أن لا تشارك أحداً به ، هذا ما يعبر عنه الثري ، فيما يرى الآخر أن المكان الأفضل الذي عليك أن تلفظ أنفاسك الأخيرة فيه هو في فراشك وبين أهلك وأحبائك ، يعود "فريمان" إلى أسرته ليموت بسلام ، وبالفعل يموت بعد أيام ، أما نيكلسون فأنه يموت بعد عشرين عاماً أثناء رحلة شاقة على الجليد وليس معه سوى موظف يعاونه مقابل أجر.

هذا أحد الأفلام التي حاولت أن تقف ، أو تصف أو تطل على شتاء في عز الصيف ، فبهذا بدت الصورة في المشهد الأول بالفيلم طقس خريفي يتداخل فيه الشتاء مع الصيف ، وصوت نيكلسون يعبر عن صعوبة الشتاء في عز الصيف ، عن صعوبة التداخل في الفصول ، أو بالأحرى بالمشاعر والأحاسيس ، أو بمعنى أدق صعوبة العيش بين الحياة والموت. عموماً ، الموت فجأة أرحم بالتأكيد ، فهو على الأقل يعفي صاحبه من محاولة إدراك ما سوف يعجز حتماً عن إدراكه ، ويريحه بالتالي من عناء كبير،

كتب الفيلم جاستن زاكهام ويقال أنه على وشك الاستسلام ومغادرة هوليود بعد أن باءت محاولات حصوله على فرصة عمل بالفشل ، إلى أن التقى المخرج روب رينير الذي تحمس للفكرة وقرر أن ينتجها على حسابه. ومن المفارقات أن الفيلم صنف من قبل النقاد بالكوميدي رغم أنه يعالج حالة في منتهى القسوة ، ويعود هذا إلى الطابع الساخر الذي غلب على الفيلم سواء السخرية من الحياة ، أو سخرية أن يرد في أجندتك الخاصة موعد اليوم الذي ستموت فيه ، وعندما سئل جاك نيكلسون عن قائمة الأماني الخاصة به فعلياً قال ربما أتمنى أن أعيش قصة حب رومانسية كبيرة وتكون هي الأخيرة في حياتي ، أما مورجان فريمان فقال أنه يتمنى أن ينتج فيلماً يفوز بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم.



ہ كاتب وناقد سينمائي أردني

Date : 06-06-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش