الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رواية تحاكي القصة الشعبية : «المدينة المحرمة» لمحمد جبريل

تم نشره في الجمعة 6 حزيران / يونيو 2008. 03:00 مـساءً
رواية تحاكي القصة الشعبية : «المدينة المحرمة» لمحمد جبريل د. ابراهيم خليل

 

 
بعد رواياته : الأسوار (1972) وإمام آخر الزمان(1984) وأوراق أبي الطيب المتنبي(1988) وقاضي البهار ينزل البحر (1989) ورواية الصهبة(1990) ورواية قلعة الجبل (1991) ورواية النظر إلى أسفل (1992) ورواية الخليج (1993) واعترافات سيد القرية(1994) ورواية زهرة الصباح(1995) ورواية الشاطئ الآخر (1996) ورباعية بحري ، التي تقع في أربعة أجزاء روائية ، صدرت تباعا بين عامي 1997( - )1998 وبوح الأسرار (1999) والميناء الشرقية( )2000 ونجم وحيد في الأفق (2001) وزمن الوصل (2002) وصيد العصاري(2004) وغواية الإسكندر (2005) ورواية رجال الظل( )2005 ورواية مواسم الحنين( )2006 وغيرها.. صدرت لمحمد جبريل - الكاتب المصري المعروف - رواية جديدة عن دار مجدلاوي للنشر والتوزيع في عمان بعنوان المدينة المحرمة. وقارئ هذه الرواية يكتشف من النظر الأول الطابع الرمزي لها.

فالمؤلف لم يسر على عادة كتاب الرواية في بناء رواياتهم باستعادة الراوي لحوادث قصة متخيلة جرت في الواقع ، أو تخيلها المؤلف تخيلا ينبني على فكرة المحاكاة المألوفة في الأدب الدرامي والسردي. فقد لجأ محمد جبريل إلى اختراع حكاية لا يمكن أن تكون مما يحدث في الحياة اليومية لكنها ، لا تعد - في الوقت نفسه - من الأدب الغرائبي ، أو من قصص الخوارق . وإنما هي حكاية تدور حول أشخاص غير واقعيين تماما. ومن نسج الحوادث التي هي غير واقعية يتم إبلاغ القارئ المتلقي مضمونا معينا عن طريق الرمز والتلميح ، لا عن طريق المباشرة ، أو التقرير ، أو التصريح.

من العتبة إلى البهو

في بداية الرواية نجد المؤلف يأخذ بيد القارئ ، كأنما يرشده من خلال نصه الموازي الذي قدم به للطريق الصحيح لفهم الرواية ، مما يذكرنا بكلام الكثيرين عما يسمى بعتبات النص . وهي الملاحظ والكلمات التي يجدها القارئ في الكتاب قبيل بداية الحكاية بالمعنى النقدي الاصطلاحي. فقد استهلّ محمد جبريل روايته المدينة المحرمة بعنوان لا يخلو من إيحاءات وظلال تخدم مضمونه الرمزي. فهي محرمة على من ؟ ولمن؟ ولم هي محرمة ؟ هذه الأسئلة بالطبع تتصل بمدلول العنوان ، فهو الدال ، والتساؤلات هي المدلول ، وقد جاءت الشذرات ، التي وطـّأ بها للحوادث ، لتميط اللثام عن مدلول هذا العنوان ، ولتخفف من عناء القارئ الذي لا بدَّ أنْ يحاول ابتداءً تأويل النص.

فإهداء المؤلف روايته إلى"صديقي الشاعر الفلسطيني هرون هاشم رشيد(1)"إهداءّ لا يخلو من إشارة تضع حكايته التي تشبه الأليغورة على بداية الطريق. فالنتيجة المستخلصة من هذا الإهداء ، والإشارة المستفادة منه ، هي أن الكاتب يتوجه بحكاية روايته الرمزية هذه إلى قارئ لديه عناية ، بل اهتمام ، بالوضع الفلسطيني. وهل ثمة مدينة محرّمة على منْ يحاول دخولها مثل مدن فلسطين؟ ثم يذكر المؤلف ، بُعيْد هذا الإهداء ، ثلاث فقرات أدبية تعد نصوصاً موازية لنصّه الحكائي ، أولها أبيات لفدوى طوقان تخاطب فيها جريحا ، أو شهيدا ، يحتضن بصدره بساتين الوطن ، وسماءهُ : (أنتَ يا ملقىً بلا أهل ، بلا أرض ـ على أرصفةً الغربةً ـ ملقىً نازفاً تحضن في الصدر بساتين الوطنْ ـ وسماوات الوطنْ).

ثم يضيف محمد جبريل إلى هذه الأبيات ملاحظة أخرى اقتبسها من خطاب لرئيس فرنسا الأسبق شارل ديغول الذي يقول في كلمات محدودة :"إذا ظللت حيا فإني سأقاتل حيث يجب ، وحين يجب ، ومادام يجب ، حتى نهزم العدوّ ، ويُزال العار الذي يلطخ الوطن(2)"وهي كلمات قالها ديغول عندما كان يقود المقاومة الفرنسية لاحتلال الألمان باريس في أثناء الحرب العالمية الثانية . وزاد محمد جبريل ، إلى ما سبق ، جملة اقتبسها من أقوال الكاتب والناقد الفلسطيني العالمي إدوارد سعيد ، يقول فيها: "نحن محكومون بالمقاومة ومواصلة القتال "(3) فمثل هذه الملاحظ لم يذكرها المؤلف ذكرا عابثا ، وليست لمجرد الزخرفة ، واللعب بالكلمات ، وإنما هي كلماتّ تسهم في بلورة الفكرة التي يدور حولها السرد المتخيل في هذه الرواية. ويذكرنا تقديمه هذا بما كان ذكره الغيطاني في بدايات روايته الزيني بركات ، وبما قدم به نجيب محفوظ لروايته من ليالي ألف ليلة ، وما ذكره واسيني الأعرج في تقديم روايته نوار اللوز (4). فمثل هذه الإشارات تضاف إلى ما يتضمنه نسيج النص السردي من إشاراتْ كاشفة عن محتوى الخطاب .

المبنى الحكائي

يحاكي المؤلف في بناء روايته هذه الحكاية الشعبية التي يضطلع البطل فيها بوظيفة أساسية هي اقتحام الحواجز ، وتحدي العقبات للوصول إلى هدفه ، على الرغم مما يحيط بمسعاه هذا من خطر مجهول . لكنه يواصل ذلك ، ويظهر من يقدم له المساعدة ، أو المساندة في منتصف الطريق. فقد حصل على النصيحة من قبل أن يبدأ رحلته(5).

يندفع زياد - بطل الحكاية - في طريقه لتحقيق الهدف ، مهملا التحذيرات المشفقة ، والمخيفة ، من كلاب البراري ، والضفادع ، والثعابين ، والسناجب(6). فثمة ثأر يسعى لإنفاذه. القاتل هو السلطان ، والقتيل هو أبوه ، وهو من نذر نفسه للقصاص من قاتل أبيه.

يستعيد في أثناء اندفاعه ما قيل له عن المدينة المحرمة ، فقد طرد منها ذووه ، ودفعوا دفعاً ليتخذوا من إحدى المدن الساحلية ملاذاً. فالسلطان ، وقبيلته ، يحتكرون الإقامة في المدينة المحرمة ، التي كانتْ مدينته ، ومدينة قبيلته في السابق. وعندما يقرر الذهاب إليها يخبرونه في الطريق بوجود مخاطر ليس أولها ولا آخرها الجنود والتأشيرات التي لا تسمح بدخول من يرغب في زيارة المدينة التي أصبحت مدينة السلطان.أما الشيخ هادي الصباغ فيقيم هو وقبيلته في خيام قريباً من المدينة المحظورة.

فأبناء القبائل الذين تم طردهم منها لا يسمح لهم بالعودة إليها ولو على سبيل الزيارة ، إلا إذا كانوا من قبيلة السلطان. ومع الزمن يفقدون حق العودة مثلما أخبره أحد الشبان في الطريق.بعد هذا يتحول الراوي بالحكاية إلى استرجاع خارجي يروي فيه حكاية الأب النازح اللاجئ إلى مدينة أخرى لا يأمن فيها على نفسه وهو في المنفى(7). وتتلاحق مشاهد الرحلة عبر المسافات الشائكة الطويلة ، بما يتخللها من جداول وتلال وجبال صخرية وعرة وقمم شاحبة يلفها الضباب. وطرق رملية ملتوية وكثبان من التراب . وفي الفصل التالي ينحو الراوي - ثانية - منحى السَّرْد الاسترجاعي ." لم يكن السلطان في حكايات أبيه هو أول من غزا المدينة ، سبقته سلاطينُ أخر ، قدموا من مدن بعيدة ، وأخرى قريبة(8) .." وهذا السلطان ، بقبيلته التي استعانت بقوىً أخرى ، لم يكتف بالاستيلاء على المدينة تلك ، بل أغار أيضا على ما جاورها من مضارب ، واقتحم بجيوشه الجرارة حياة القبائل ، وضم السلطان إليها ما ضم حتى تمددت وابتلعت ما حولها من مدن صغيرة وقرى (9).

وبتأثير السحر الذي ينفثه من فمه ، والنار التي تنطلق في زفيره ، أخضع كلّ ما حوله ، وامتد حكمه ، وطغيانه ، واتسع حتى صار كالليل الذي يصعب الفرار من ظلامه. ولم يكتف السلطان بذلك بل قام بمحو أسماء رؤساء القبائل ، وشيوخها الذين عرفوا فيها من قبل ، أي أنه محا تاريخها منذ أقدم العصور ، واستبدله تاريخاً آخر. ثم أمر ببناء جدران التفافية ، وأسوار ، وخنادق لحماية المدينة ، وإحاطتها بالطلاسم التي تكشف من يحاول اقتحام ذلك السياج المعدني الشائك ، وزاد على ذلك بأن أصدر مراسيم تمنع أبناء ، أو أفراد ، قبيلة الصباغ من العودة .

الشخص المساعد

في أثناء الرحلة التي تعترضها المخاطر يواجه زياد ما يظنه لأول وهلة شيطاناً أو عفريتا أو ماردا يتربص ، ويتحين منه غفلة للإيقاع به.ولم يكن ما خشيه في حقيقة الأمر إلا فتاة صدمته بعينيها السوداوين ، وشعرها الكثيف الحريري المنسدل على الكتفين.اجتذبته بجمالها الساحر ، لكنها فرت منه مذعورة فرار غزالة من ذئب مفترس. اختفت في دغل من شجر ملتف متكاتف. هذه الفتاة(فدوى) تصبح حبيبته في الرحلة المضنية التي تكتنفها المصاعب. الشيء الوحيد الذي يخفف من معاناته هو توقه لرؤيتها على النحو الذي اختفت فيه وغابت عن ناظريه. ثم يظهر له بعد حين من البحث راع شيخ يحاول أنْ يستعين به - وأما المؤلف فقد أسند لهذا الشخص وظيفة النموذج المساعد - فهو - أي الراعي - يستمع لحكاية زياد ، وما جرى له منذ غادر المدينة الساحلية (منفاه) حتى وصل إلى هذا المكان ، حيث البنايات التي تتراءى له في مقدمة مدينة(البركة) ويخبره الشيخ الراعي بأن ما يريده شيء صعب المنال ، فكم من طارق لأبواب المدينة المحرمة دفع حياته ثمنا لجرأته هذه . فجنود السلطان ، وعساكره ، ينتشرون في كل مكان ، وليس في المدينة المحرمة وحدها ، وإنما في المدن الأخرى المجاورة. ويعرض عليه الشيخ أن يرافقه إلى المدينة على الرغم مما في ذلك من خطر يتهدد حياته.

وأخيرا ، وبمعونة الشخص المساعد ، اقترب البطل زياد من الهدف .فلم يتنبّه الجنود لهويته . ومع أن الهدف بات قاب قوسين ، أو أدنى ، من التحقيق ، إلا أن البطل سرعان ما واجهته عقبة جديدة تضاعف من توتره ، وتزيد من حجم التحدي الذي يقابله. فلم يكن يعرف أحداً في المدينة يمكنه أن يلجأ إليه ، أو يختبئ عنده ، ريثما يحقق هدفه ، وهو الثأر من قاتل أبيه السلطان. وعلى الرغم من كثرة ما حدثه أبوه عنها ، إلا أنه لم يذكر له أسماء أشخاص يعرفهم ، ويستطيع أنْ يلجأ إليهم :"حدثه أبوه عن المدينة ، ولم يحدّثه عن شخصية ، أو شخصيات ، يلتقي بها."(10).

ومع أن زياداً يحتفظ في ذاكرته ببعض الصور التي رسمها أبوه عن المدينة ، إلا أنه وجدها متغيرة تغيرا كبيراً. فكلُّ شيء فيها تم تشويهه ، المقهى الذي يقع على ناصية الطريق الصاعدة ، التلال المحيطة بالجامع ، البيوت ذات الأسقف القرميدية ، النوافذ المتشابهة ذات المشربيات في البيوت ذات الطوابق."(11) كلُّ شيءْ تغيّر ، وتبدل ، بما في ذلك البشر ، والحجر ، والشجر ، ومعاصر الزيتون.

في الوقت القصير الذي قضاه البطل في التعرف على المدينة هاله ما فيها من بشاعة التسلط ، وما ارتكب فيها من مجازر وحشية ، وما سنّ من قوانين ظالمة جائرة ، وما سمعه من حكايات العنف والدم والرعب والموت(12) . وتحقق من أنّ الشيطان نفسه لا يستطيع أن يكون - لو أراد - أكثر قسوة من هذا السلطان.. وعلى نحو مفاجئ ، وبعد أن اعتاد الدخول والخروج من المدينة متى شاء ، ذاع في المدينة أنَّ غريبا استطاع أن يتسلل إليها ، وأن على الجميع التعاون لإلقاء القبض عليه. ولم يعد للسلطان ، ولا لجنوده ، من هدفْ سوى تعقـّب هذا الغريب (زياد) وإلقاء القبض عليه ، وزجّه في السجن. وتزايد نتيجة ذلك البطش بالناس ، ونشر الجنود في كل مكان ، على سطوح الأبنية والبيوت ، وفي الأزقة ، والأحياء ، وعلى الأسوار ، وفي المداخل ، وامتلأت المساجد بعملاء السلطان ، وعيونه ، وجواسيسه.

ذلك لأنّ السلطان يخشى أن يقوم هذا الغريب بتحقيق هدفه ، واغتياله ، لذا لم يعد يطمئن إلا إذا أغلقت أبواب قصره بالمزاليج ، وسدت الطرقات إليه بالمتاريس ، ووقف الحراس على أبوابه مدجّجين بالأسلحة النارية وغير النارية. وحوصرت مضاربُ قبيلة الصباغ ، التي تقيم في المناطق المجاورة ، وجيء بالفتاة (فدوى) إلى قصر السلطان ، وطلب منها بعد التهديد والوعيد أن ترشد جنوده إلى مخبأ الغريب (زياد) وعندما أنكرتْ معرفتها له شمل تهديده قبيلتها:"إن أردت الحياة لك ولقبيلتك بعيداً عن ضغطة يدي ، فما عليك إلا أن تيسري لنا الوصول إلى الشاب ."(13) وعلى هذا النحو تحولت الفتاة من شخصية مساندة لزياد - بطل الحكاية - إلى نقطة ضعف يمكن أن تكون وظيفتها على صعيد المبنى الحكائي مثل وظيفة كعب أخيليوس في الإلياذة. وكان ما توقعته ، إذ رأت الشاب في الغابة وهو ينظر إليها نظرة تودد ، فأربكته حين قالت :

لماذا تصرّ على مطاردتي؟ - واعترف لها ردا على هذا السؤال بحبه القوي .فطلبت منه صداق ذلك الحبّ ، وهي تتذكر ما قاله لها السلطان. وعرفته بالشيخ( السبحي) وبعد أن توطدت العلاقة بينهما اختفت من الغابة طويلا حتى بدأ الشك يساوره. وأخيرا حذرته من البقاء في الغابة ، مؤكدة أن الجنود يبحثون عنه ، وقالت: - لا تعدْ للغابة حتى لا تواجه خطر الموت.(14).

- في تلك اللحظة غاب ، أوْ غيّبَ خنجرّ قذفت به يد خفيه إلى ظهرها فسقطت صريعة على الأرض. ولاذ زيادّ بالفرار ، متجها إلى قصر السيد الصباغ لعله يجد فيه ما لم يجده لدى غيره من أمان. لكن زيادا وجد الصباغ كالمحجور عليه الذي لا حول له ولا قوة ، بعد أن رهن نفسه للسلطان مقابل الاعتراف بزعامته الاسمية التي لا تتعدى طبع الخاتم على الأوراق والاستئثار بالثروة.(15) وعندما طلب منه زياد إعلان الحرب على السلطان ردّ عليه الصباغ قائلا"ما دام لا يعلن الحرب على الإسلام فلا تجوز له إلا الطاعة"وعندما سأله عن الثأر للفتاة(فدوى) أجاب : - ذلك ما تستحقّ .

وعندما أحبط بسبب هذه الردود ، لجأ إلى الشيخ السبحي ، الذي رفض عطاء السيد الصباغ ، ورفض الالتصاق بالحكام والسلاطين ، منقطعا للقراءة ، متفرغا للتأمل فيما يقرأ. ويخبره زياد بأخبار قبيلته التي فرّت من المدينة المحرمة خوفا من طغيان السلطان ، وبطش جنوده الذين لاحقوا أباهُ في منفاه وقتلوه .(16) فوعده الشيخ بالمزيد من المسرات في الآخرة ، وسأله الشاب زياد : - أريد أن تدلني على طريقة أدخل بها قصر السلطان.

وهنا يتحول الشيخ (السبحي) مثلما هي الحال في الحكاية الشعبية إلى نموذج مساعد ، فالوظيفة التي أسندها إليه المؤلف هي تمكين البطل ومساعدته في تحقيق الهدف ، والوصول إلى غايته المنشودة ، لكنْ بعد تحذير شديد ، وتنبيه على خطورة المهمة ، التي تضمن له - مع ذلك - الجنة ، إذا لقي الشهادة . وبعد أنْ حلت به بركة الشيخ السبحي ، قيل: إنّ زياداً على صلة بمخلوقات خفية ترى الناسَ ، ولا يروْنها ، وأنه يصادق الجان ، ويكلمهم ويكلمونه بكلام الإنس.

وعندما أزفت ساعة الهجوم على قصر السلطان ، قال له الشيخ السبحي :"حصلت على وعد من الريح بأن تعينك على الطيران ."(17).

بعد أن نفذ زياد شروط الشيخ السبحي ليكون قادراً على الطيران ، وهي أن يصلي ألف ركعة دون توقف ، وفي أثناء ذلك شعر بجسمه يتغير ، فجلده أخذ يكتسي بالريش ، وذراعاه تحولا إلى جناحين . وحلق مجتازاً الأسوار ، ثم واصل طيرانه إلى أن ارتطم بالقصر فتعلو بسبب ذلك أصوات الانفجارات ، وألسنة النيران.

التحليل الوظائفي

من ينظر في الرواية مجددا ، بعد هذا العرض لمفاصل السرد فيها ، يكتشف بيسر أن المؤلف محمد جبريل نحا فيها نحو السرد الشعبي التراثي ، في الاعتماد على الوظائف لربط السارد بالحبكة. فالبطل (زياد) رجل ذو هدف هو الأخذ بثأر أبيه من السلطان الذي يحكم المدينة المحرمة عليه هو وغيره من أبناء القبائل التي أجلاها هذا السلطان بالقوة ، ودفع بها دفعاً للعيش في المهاجر والمنافي على السواحل وفي البقاع الهامشية والمضارب.

وفي طريق تحقيق هذا الهدف تنهض العقبات الكثيرة : جهله بالطريق ، كثرة السباع والوحوش والرمال الرجراجة والغابات الكثيفة ، كثرة الجند والعيون والحراس الذين يحيطون بالهدف ويمنعون البطل من الاقتراب ، ظهور شخصية مساعدة الراعي الشيخ ، ظهور الفتاة (فدوى) نقطة الضعف ، ظهور شخصية معيقة (السيد الصباغ) ، ظهور شخصية مساعدة أخرى تؤثر في مسيرة البطل وتؤدي إلى تحول ، نجاح الشيخ السبحي في تقديم المساعدة للبطل وتمكينه من الطيران ، تحقيق الهدف بقصف القصر واستشهاد البطل زياد.

من ناحية أخرى ثم سلسلة تحولات تقع في الرواية ، من بين هذه التحولات اكتشاف البطل ما حل بالمدينة المحرمة من تغيير يؤدي إلى محو تاريخها واستبداله تاريخا آخر. واكتشافه الحقيقة الكامنة والخفية لشخصية السيد الصباغ الذي بدا له محجورا عليه لا يد له في أمور الدولة وقراراته رهن بيد السلطان.ومن ذلك أيضا حقيقة الشيخ العابد الزاهد العارف المتمكن من الكرامات والمعجزات الذي يأخذ وعدا من الريح بترك البطل قادرا على الطيران كالطيور. وربما كان هذا من التحولات التي تقترب بالرواية من السرد الغرائبي ، والعجائبي. إلى ذلك بث المؤلف إشارات تعين القارئ المتلقي على تفسير الكثير من رموز الحكاية.ومن ذلك - على سبيل المثال - ذكره للغزو القديم الذي تعرضت له المدينة والغزاة الذين جاءوا من مدن بعيدة في إشارة للصليبيين. كذلك ذكره لطقوس العبادة ورجال الدين الذين يرتدون ملابس سود وقبعات عالية ويطيلون شعور سوالفهم في إشارة واضحة لأحبار يهود . كذلك ذكره عبارة الجدار في إشارة إلى جدار الفصل العنصري. وذكره غير مرة عبارة حق العودة الذي يحرم منه أبناء المدينة المحرمة بينما هو من حظ أتباع قبيلة السلطان. ذلك كله إلى جانب الإشارات الواردة في مقدمات النص ومداخله وإهدائه تؤكد أن هذه الرواية حكاية رمزية نسجها المؤلف من الخيال وحشد لها عناصر البناء السردي لتكون بنية دالة مدلولها هو مأساة فلسطين.



ہناقد وأكاديمي وكاتب أردني



الهوامش:

(1 ـ محمد جبريل: المدينة المحرمة (رواية) مجدلاوي للنشر والتوزيع ، عمان ، ط أولى ، 2008 ص 3 ، 2 ـ المصدر السابق ص 5 ، 3 ـ نفسه ، 4 ـ للمزيد انظر : فوزي الزمرلي: شعرية الرواية العربية ، دار قدموس للنشر ، دمشق ، ط أولى ، 2007 ص 31 وما بعدها ، 5 ـ المدينة المحرمة ص 7 ، 6 ـ السابق ص 7 ، 7 ـ السابق ص 14 - 15 ، 8 ـ السابق ص 23 ، 9 ـ السابق ص 24 ، 10 ـ السابق ص 43 ، 11 ـ السابق ص 45 ، 12 ـ السابق ص 52 ، 13 ـ السابق ص 79 ، 14 ـ السابق ص 97 ، 15 ـ السابق ص 104 ، 16 ـ السابق ص 117 ، 17 ـ السابق ص 135).

Date : 06-06-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش