الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجلوس مع الجميع .. وإخضاع الجميع

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 مـساءً
الجلوس مع الجميع .. وإخضاع الجميع جمال ناجي

 

 
ثقافة الحوار جزء من الثقافة الديمقراطية ، وأسلوب استكشاف وتقارب بين المتحاورين بهدف الوصول إلى قواسم مشتركة وصيغ تفاهمية قابلة للتطبيق والاستمرار. غير أن هذه الثقافة تقدم الآن كما لو انها غاية لا وسيلة لتقريب الشعوب من بعضها أو لحل ما قد يعلق من إشكالات فيما بينها.

حوار الأديان الذي انطلق في نيويورك أواسط الشهر الجاري وضم مجموعة من رجال الديانات السماوية الثلاث ، هذا الحوار يعد جزءا من حوار الحضارات ، وربما اتخذ مسمى الأديان لغايات تحديد بؤرة الخلاف بين معتنقي هذه الديانات ، ذلك لأن الشعوب لا تختلف على أنماط العيش ولا على حرية التعبير أو ضرورة العمل والإنتاج والحب والتعاون والترفيه والقراءة .. الخ ، إنما هي تختلف على الإضافات والتأشيرات الروحية التي يحرص كل دين على إبرازها كعلامات فارقة تميز أتباعه ، من دون أن يعني ذلك وجود شروخ في العلاقات الفردية أو الإجتماعية ، إذا استثنينا ما تنادي به الجماعات المتطرفة وتحاول فرضه ضمن رؤى متشنجة تحتاج إلى إعادة تأهيل.

الحوار بين الديانتين الإسلامية والمسيحية ليس جديدا ، وهو قائم منذ زمن بعيد بأشكال ووسائل كثيرة ، ويكفي أن ننظر إلى التعايش اللافت بين معتنقي هاتين الديانتين في غالبية بلدان العالم كي ندرك بأن الكثير من غايات الحوار قد تحقق على شكل سلوك قبل بدء الحوار الذي نحن بصدده ، لكننا لا نستطيع قياس أو تطبيق هذا القول حين يتعلق الأمر بالديانة اليهودية التي لم تقترب من الديانة الإسلامية ولم تحاورها إلى الآن ، وربما يعود السبب إلى أن أفكار عقد الحوارات قد تزامنت مع ممارسات إسرائيلية لا تشير إلى أدنى رغبة في الإقتراب من الآخرين أو تحقيق السلام معهم.

ففي الوقت الذي يجتمع فيه ممثلو الأديان الثلاثة على مائدة واحدة ، نجد بأن المرجعيات السياسية والعسكرية الرسمية في اسرائيل تمارس أقسى أنواع التنكر لمتطلبات الحوار والتسامح بين أتباع الأديان. وليس أدل على ذلك ما تقوم به من حصار مروع لمليون ونصف المليون إنسان في قطاع غزة ، بصرف النظر عما إذا كانوا مسلمين أم مسيحيين ، هذا عدا عن قصفها للمدن الفلسطينية قبل ثلاث سنوات ، ومجازرها التي ارتكبتها بحق المدنيين في فلسطين ولبنان ، واعتدائها على المساجد والكنائس ، من دون أي اعتبار لما قد تخلفه هذه الإعتداءات من آثار كفيلة بإجهاض أي استجابة شعبية لمفهوم الحوار الذي يبدو - في هذه الحالة - معزولا ومغيبا عن حقائق التناقضات والوقائع القائمة على الأرض.

ونحن نرى أن لا تناقض شعبيا ولا رسميا بين أتباع الديانتين المسيحية والاسلامية ، واذا كان ثمة دعوات لاختلاق هذا التناقض فهي محض ثرثرات تصدرها جماعات متطرفة عاجزة عن استيعاب مفاهيم التواصل والتعايش ، لا عن المجتمعات التي يعيش فيها أتباع الديانتين في وئام حقيقي ، أما الإسرائيليون فيعيشون حالة احتدام مع الجميع ، ليس هذا وحسب ، إنما هم يريقون أفكار الحوار والالتقاء ، ويعمقون الخلاف ، ويغذون التطرف ، ويوفرون المناخات الكفيلة بتنميته وتجذيره ، وفوق كل هذا فهم لا يعترفون بما تمارسه دولتهم من إرهاب ، وفي الوقت ذاته ، لا يكفون عن المطالبة بمحاربة "الإرهاب الفلسطيني والعربي والإسلامي".

إن من يحتاجون إلى التأهيل في عصر الحوارات ، هم أولئك الذين يتخذون من الحوار وسيلة للجلوس مع الجميع ، وزيارة بيوت الجميع .. من أجل إخضاع الجميع.

روائي وقاص أردني

Date : 28-11-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش