الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السيرة الذاتية لآخر ملكات مصر

تم نشره في السبت 19 نيسان / أبريل 2008. 03:00 مـساءً
السيرة الذاتية لآخر ملكات مصر

 

 
تواصل الدكتورة لوتس عبد الكريم ذكرياتها مع الملكة فريدة قائلة : إن الملكة فريدة"كانت ضحية ذكائها وملكاتها وطاقاتها بل كانت تلك الطاقات والثورات الداخلية أقوى مما يحتمل الجسد الرقيق فخر تحت وطأة كل ما احتمل. لقد عانت هذه الانسانة معاناة فوق احتمال اى بشر وربما كان عذابها فى الفترة الاخيرة ( من حياتها) مضاعفا مما أدى الى سرعة موتها. فبعد يومين من وصولها مصر تدهورت حالتها تماما ونقلت الى مستشفى النيل بدراوى المطل على كورنيش النيل بالمعادى وكان آخر حديث لها معى هاتفيا من المستشفى عن مفتاح شقتها وأشياء كان"نيفل" يعرف مكانها هناك(،) مع قطرات المحلول البطيئة كانت تتسرب منها قطرات الحياة . الأطباء يروحون ويفدون أمام غرفة الانعاش والتى رقدت فيها. فلم يعد مسموحا لاحد بالزيارة واثار ذلك سوء تفاهم شديد فقد حضر اقارب لم نرهم ابدا واصدقاء لا نعرفهم والكل يريد مشاهدتها ، التفرج عليها(،) أمن أجل مشاهدة ملكة فى النزع الأخير أم هو التاج على فراش المرض ، أم شفقة مؤجلة ، أم حقد وتشف؟. كل ذلك مر بخاطرى وأنا أقرأ وجوه زوارها كلهم وإلا فأين كان هؤلاء أثناء حياتها. ساعة او سويعات يكف الالم وينقضى العذاب. يدخل علي ابن سعيد الشقيق ويجلس الى جوار الفراش يقرأ القرآن وتنفرج جفونها للمرة الأولى والأخيرة . ثم تمد يدها لتمسك بيده ووجها يتألق وهى تردد :"لا اله الا الله ". هكذا أراد الله ان ينطقها بالشهادة لتعود إليه خفيفة طاهرة الذيل ، بريئة من كل شئ ، طهرها المرض وغسلها العذاب. وكانت شهيدة المرض والالم الجبار والظلم والعذاب الطويل.

وتذكر الدكتورة لوتس عبد الكريم في كتابها الجديد"الملكة فريدة وأنا سيرة ذاتية لم تكتبها ملكة مصر": "وأعلن الخبر الرهيب فى الرابعة صباحا ، وكنت فى فراشى بعد أن عدت إلى منزلى مرهقة منهارة ، اتصلت بى تليفونيا ابنة عمها "نيرفانا" لتبلغنى النبأ. ولم تكن مفاجأة فالكل يتوقع ويعلم. والكل ينتظر ويرى نهاية العذاب لها راحة وسترا . ولكن كان لوقع النبأ فى نفسى لون وطعم ورجع فريد لايحسه ابدا سواى ، أنا صديقتها وألصق الناس بها وأقربهم إليها فى آخر سنوات حياتها ، وفى أقسى أيامها حتى كان وجودها جزءا لا يتجزأ من أيامى ومن حياتى"."فجأة وجدتنى فى ملابس الحداد ، فى شقتها وسط إخوتها سعيد وشريف ذو الفقار وبناتها فريال وفوزية وفادية وهم يتلقون العزاء. رنين الهاتف لا يهدأ وجرس الباب لا يكف ، فى حياتها لم يكن الباب يدق ولا الهاتف يسأل ولا الزوار يحضرون. كان الصمت دائما يخيم على تلك الشقة المتواضعة ولكن الأمر تبدل اليون بموتها فالضجة تعالت واللغط ازداد والزوار الكثيرون قدموا وكأن الجميع لم يعرفوا أنها ملكة إلا اليوم .

وتشير لوتس الى أن الملكة فريدة "طالما شكت إلى الوحدة ، وطالما طلبت الى الجلوس لأهون عليها وحدتها". رأيت "فوزية الابنة المريضة تتهاوى وفادية تمسك بها - الخادمة الفلبينية "دوريس" تنتحب وهى تمسك بطرف ذيلى قائلة : كانت طيبة.. وألتفت فأرى شقيقها سعد يرتمى فى سيارته محمر الجفون" وكانت لدى الملكة فريدة سيارة لادا صغيرة بيضاء قوية وقيادتها متعبة ، ولكنها تستمر فى قيادتها لأنه ليس هناك بديل حتى فى أيام المرض. كنت أسندها وأساعدها على النزول أو يساعدها غيرى من الخدم إذا لم أكن موجودة وحين اشتد بها المرض كنا نحملها بالكرسى إلى معرضها أو مرسمها . أسمعها تصيح فى الممر وتراب المعادى كثير ..لماذا تكرهون النظافة؟. هكذا كانت تنتقد باستمرار وبغيرة حقيقية وحب وحزن القذارة والاهمال والكسل وسوء النظام ، وكانت تقول مسكين هذا البلد الذى لا يحبه أهله.

ذات مساء قمنا ببيع إحدى اللوحات لسيدة عربية حضرت واختارتها بنفسها وأخذت موعدا فى اليوم التالى لتحضر وتستلم اللوحة وتدفع ثمنها - وفى الميعاد المحدد جاءت الملكة وغلفت اللوحة بعناية وانتظرنا ، فإذا السائق يحضر بالنقود ليدفع ويتسلم اللوحة بدلا من السيدة وثارت الملكة قائلة: ترسل السائق بالنقود ، لا لن يأخذ اللوحة وردى إليه نقوده أنا لا أتعامل بهذه الطريقة. وجاءت السيدة بعد ذلك لكنها لم تأخذ اللوحة وكانت الملكة فريدة تحتفظ بمفاتيح قاعة الشموع جميعها فى شريط طويل تعلقه فى رقبتها.

كانت تغلق الأبواب عدة مرات كأنها تخفى كنوزا لا تقدر بثمن تعرف تماما كل ما نسقته بيديها ولا تقبل عبث أى إنسان حتى عملية التنظيف كانت تقوم بها خشية أن يلحق لوحاتها أى ضرر ذات مرة دخلت الى المكان ثم نظرت إلىّ باتهام قائلة: من دخل الى هنا؟ إن بعض اللوحات قد تحركت من مكانها وبعض النظام قد تغير ، وأقسمت لها أنه مامن مخلوق قد خطا إلى الداخل ولا أحد يستطيع ذلك ، معها وحدها مفاتيح المكان. وأثناء تنقلنا بالمكان اكتشفنا أن قطة كانت مختبئة بالداخل وهذا سبب التغيير وضحكنا كثيرا. كانت دقيقة منظمة فى عملها على حد الوسوسة. وكانت الملكة فريدة تقول :"لماذا تخافون الموت وهو انتقال من مرحلة الى مرحلة كالحياة تماما". وهى القائلة" لا يخاف الموت من عاش حياته فى صراحة وصدق. وهى القائلة الملك يزول أما الفن فتخلده . هذه اللوحات لا يموت". وتؤكد د. لوتس عبد الكريم في كتابها وهى تستعرض ذكرياتها مع الملكة صافيناز ذو الفقار التى تحمل اسم"فريدة" طبقا لتقاليد عائلة محمد علي التى تبدأ أسماؤها بحرف الفاء لمن هم من العائلة ولمن انتسبوا اليها بالزواج - إن الملكية فى ناحية وفريدة فى ناحية أخرى تماما ورغم ذلك فقد دفعت أخطاء الملكية حتى بعد تركها الملكية .. ولم يكن لها ذنب فى كل ما حدث لها. أحزننى وأحزن الجميع ذلك كثيرا. ورحل فاروق ومعه الأميرات وبقيت هى فى قصر الهرم حيث بدأت رحلتها مع الفن ومع العذاب. وهيأ القدر يوما فرصة وجودى فى باريس فى الوقت ذاته الذى كانت تقيم به أحد معارضها الكبرى ، هكذا قرأت فى الصحف . وطرت فرحا ، سأذهب ، سأراها وسأحادثها ، تلك الاسطورة التى ارتبطت صورتها فى خيالى قديما بالطهر والكبرياء والجمال الرفيع. وذهبت ورأيتها. رشيقة جميلة تماما كما تخيلتها ، إحدى ملكات الأساطير ، لكن حديثى معها كان عابرا ، مبتورا ربما لاضطرابى الشديد أو خجلى أو احترامى. كنت ضمن العشرات من الحضور . اللقاء الثانى كان ايضا بتدبير القدر ورغبتى . فى البحرين حيث اعتدت السفر مرارا كانت هناك وسط لوحاتها وجماهير محتشدة ترحب بها ، لم تمكننى الظروف من البقاء ومحادثتها أكثر من دقائق. وظللت أتابع اخبارها حتى حانت الفرصة ، فى معرضها الأخير بالقاهرة عرفتنى ، وجدتها منهمكة فى ترتيب الحوامل وتنسيق الأضواء واللوحات ، ودهشت أنها تعمل بيدها كل شئ وتجلس على الارض تعاون العمال وتتسلق الدرج فى نشاط لترفع شيئا أو تنزل أشياء. بسيطة طبيعية ، شعرت بالارتياح ، كان هدفى أكثر من مجرد الكتابة عنها فى مجلتى" الشموع" وحددنا موعدنا للقاء فى شقتها صباح أحد الايام. ومرضت ولم أذهب لكنها بادرت بالاتصال ودعوتى للذهاب . شجعنى ذلك ، وأسعدنى فذهبت.



Date : 19-04-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش