الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سلام عليك بشير العاني، وسلام على حروفك بللت خد الفرات <br /> لؤ ي طه

تم نشره في الأحد 13 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

لم يرحل، ولم يجمع حقيبة عمره ليهاجر. ظلَّ ملتصقاً بالأرض، وبما بقيّ من شجر الصفصاف. ظلَّ مع حروفه المنقوعة بوجع المدينة. يساوره الأمل، تراوده الأحلام؛ بأن الظلم لابد وأن ينتهي. ظلَّ هناكَ ينتظر عند بوابة دير الزور، يجلس مع ابنه عند « الدلة» يتكئون على أكتاف بعضهما. يأملان بعودة الغيّاب، يشمان ما يفوح من قبور الأحبّة. يقرأ لابنه قصائد بنكهة فراتية. يضحكان قليلاً، يبكيان كثيراً. بقيّ بشير العاني مثل جذور الأشجار. ومن عادة الأشجار أنها تموت وهي واقفة. ومن طبع الأشجار أنها لا تخون جذورها. أعدموا جسده وظلت حروفه تصفع وجوه خوفهم؛ أعدموك نعم، لكن كيف لهم أن يعدموا  قصائد تسكن الذاكرة يا بشير؟!  

أي مادة هي أقوى من الصملاخ يسد بها العالم أذنيه عن صوت الحق؟ وهل هناك من مفردة تحمل معنى أكبر من معنى العار، نلصقها بهذا العالم المنحاز وبكل تطرف للباطل؟ هل يُعقل بأن هناك كائنات ما تزال تصدق بأن « داعش» لها أية صلة بالدين؟

من ذا الذي سيعتنق ديانة كهنتها يقتلون الشعراء، ويهدّمون التراث، ويشنقون شاعر ذنبه الوحيد أنه يعشق الله بطريقته الخاصة، ويمارس طقوس عبادته في قلبه. أيهما أبشع جرماً وقبحاً؛ أن يُقطع رأس إنسان على الملأ، أم إنسان لا يصلي؟ هذا التشويه للدين وماهية الإسلام هو ما تسعى إليه داعش، وقد تقاضت الأموال الطائلة ممن خططوا مسبقاً لمثل هذا التشويه.

الموساد ومن يحالفه يضعون مبلغاً لتأسيس مثل هذه الجماعات، يدّربونها وينفقون عليها، ويتكّفلون في تسهيل دخولها إلى البلاد. من ثم يرسلون الضوء الأخضر لبدء الجنون، وبعد أن تصبح في أعين العالم الساذج على أنها جماعة إرهابية، يطلبون مبالغ مضاعفة من الدول التي تأثرت من هذه الجماعات لمكافحتها ويطلقون على المشروع « مكافحة الإرهاب» هم يستردون رأس المال مع الأرباح. يخربون البلاد ويُضعفون البنية التحتية للأمة العربية، يخلقون الفوضى فيها، يعقدون صفقات استثمارية كبرى، يسرقون خيرات البلاد، ومن ثم يتركونها تحترق إلى أن تصبح كالرماد. من خلال هذه الجماعات المنحرفة. استطاعوا أن يشوهوا ملامح وتعاليم الدين في عيون الديانات الآخرى ليظهره على أنه دين متطرف وإرهابي.

وإن صدّقنا بأنهم فعلاً هم الوكلاء عن الله في الأرض، وبأنهم يغارون على الدين، وبأنهم يسعون لمنع المنكر. كيف لمثل هؤلاء أن يخافوا من قول شاعر، تُفرعهم بضعة حروف، يخافون من وجه امرأة مكشوف. يقيمون الحد على طفلٍ لم يتجاوز العاشرة بالقتل لأنه لم يصم يوماً من رمضان؟  

 سوف نحتاج إلى ملكات هائلة، إلى معجزة؛ لإعادة رسم الملامح الحقيقية لملامح البشر الحقيقيين، لكي نستطيع أن نميزها عن المخلوقات المشوهة. علينا أن نعترف بأننا غير قادرين؛ لأن أحداث بهذه الكثافة وبهذه القباحة، وبتلك القسوة لا يمكن أن تُصور ولا  أن تُوصف. فكيف يمكن لإنسان، أو لحيوان، لأي كائن أن يشنق الابن أمام أبيه. وما هو الجرم الذي اقترفاه ليفعلوا بهما ما فعلوا؟ هل انتهت الرذيلة بإعدامهما؟ هل صار الجميع على السراط المستقيم بشنقهما؟ هل الأرض العربية هي أرض الله المختارة ليكون عليها كل هذا الدمار والصراع ويصير ترابها مأوى الموت؟

الشاعر السوري ابن مدينة دير الزور المحاصرة بالجوع بشير العاني، ليس إلا عندليباً يصدح بصوت مبحوح على شط الفرات يقول في قصيدته:

«نطأطئ الرؤوس ونمضي

لا ندري أين نُسقط آخر الدمع

وأين تدمعُ فينا عناقيد الختام

نخالُ الحراب نجوماً

هنا يستريح الغريب فلا نستدل إلا جثث الرفاق

نقول هنا بعد طعنة في الظهر أو طعنتين

هنا بعد أن نمشي وراء جنازة هذي الأرض أو تلك..‏

هذا الشعب أو ذاك..‏

هنا يستريح الغريب

هنا بعد أن تكلَّ عصا الطاغية...‏

 بشير، بالأمس أنتَ سافرت، وكم من شاعر وبلبل وعندليب سيذبحون من بعدك. وأغلبنا يرى وأغلبنا يعرف، لكن الخرس والجبن يسكن أحشاء عقولنا. من سيصرخ من بعدك ليموت شنقاً، وكم من مرة نحن الأحياء نموت صمتاً وقهراً؛ كل ما نقدر عليه هو أن نكتب ثم ننسى ومن ثم نكتب ونفقد الذاكرة ولا شيء نفعله إلا أن أكتب والريح تأخذ حروفنا تنثرها في وجه النسيان ورغم ذلك نكتب: إلى روح الشاعر وابنه بشير العاني سنكمل الصراخ من بعدك ونكتب!



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش