الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فيلم «ظلّ الغياب» لنصري حجّاج والبحث عن قبور الشهداء

تم نشره في الجمعة 25 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 مـساءً
فيلم «ظلّ الغياب» لنصري حجّاج والبحث عن قبور الشهداء طلال حمّـــاد

 

 
عندما دعاني نصري حجّاج لحضور العرض الأوّل لفيلمه الروائيّ الطويل (البعض يعتبره فيلماً وثائقيّاً ، وهم محقّون من وجهة نظر سينمائيّة بحتة) ، قال لي: ستكتب عنه؟ يجب أن تكتب، قلت له: طبعاً سأكتب. وكيف لا أكتب يا نصري ، وأنا لا أعرف أين سأموت ، وأين سأبحث لاحقاً عن رفاتي ، في أيّة تربة ، من هذا الشتات الذي لا آخر له ، لكنّني أعرف ، كما أنت تعرف ، بدءه وأوّله ، فلسطين التي في قلبي ، وقلبك ، وقلب كلّ من يحبّها ، لاجئاً كان ، أم منتسباً. وكان العرض في قاعة سينما فنّ إفريقيا (أفريكا) ، بتونس العاصمة ، في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطينيّ 29( نوفمبر) ، مذهلاً. منذ بدايات علمي بفكرة الفيلم ، ومتابعتي لخطوات تنفيــذه ، من نصري نفسه ، وأنا أنتظر بشوق مشاهدته في قاعات العرض.

كنت أعرف بأنّه لن يكـــون فيلماً تجاريّاً ، وإنّما سيكون فيلماً ، لكم نحـــن بحاجة إليه ، اليوم ، أكثر من البارحة. لماذا؟ لأنّني كنت أرى ، وقد تحقّق لي ذلك ، بمشاهدته ، كما كنت أشتهي ، بأنّه سيروي حكايتنا ، الفريدة ، بشكل مختلف ، لم يكتبه روائيّونا ، ولم يصوّره سينمائيّونا ، من قبـــــــــل. قد يكون لأنّ نصري الذي جرّب الكتابة ، ولم يكتف بها ، ربّما لعدم استيعابها لما يريد قوله ، كان يحلم على الدّوام بالسينما ، ليصوّر بها ظلماً ، لا يعيره أحد ـ غير الفلسطينيّ ـ بالاً ، أو أنّه ينقص من فداحته ، لمعرفته ـ أي نصري ـ بموقع الصورة في عالم اليــــــــوم ، بعد تصاعد استغلال هذه الصورة كأداة ، وسطوتها على الذاكرة ، وعلى اتّخاذ القرار ، وتبريـــــــــــر الأهداف ، والوسائل المستخدمة للوصول إلى هذه الأهداف ، هادفاً ـ أي نصري ، لا إلـــــى مواجهة الصورة بالصورة ، وإنّما إلى مواجهة التزييف ، والرياء ، والمراء ، والنفاق ، فيما يتعلّق بالموتــــــــى ، وبالموت ، في صورته المجرّدة ، وفي صورته التي تتجاوز الرمز ، باعتباره موتاً هو في غالب الأحيان لا ميتافيزيقيّاً ، بفعل تدخّل القتلة ـ في تعدّدهم ، وتنوّعهم ـ فيــه ، وربّما أيضاً ، لأنّ الأبطال في الفيلم ، ليسوا هم الأحياء اليــــــــــــــــوم ، فلن يتقاسموا القضيّة الفلسطينيّة ، كقالب حلوى ، فيتفاوضون على القسمة ، أو يختلفون عليها ، وقد يقتتلون ، وهــــــــــــم لا يفكّرون ، باللغم المختبئ في الحلوى. ولأنّهم ، أي هؤلاء الأبطال ، سيظلّــــون متّفقين ، حتّى بموتهم الخالد ، وبقبورهم المؤبّدة ، على وحدة القضيّة الوطنيّة ، ومشروعها الأوحد: فلسطيــــن. بهذا يبدأ الفيلم ـ الفكرة ، من وجهة نظري ، وهذا ما ينتهي إليه.

"لا تعرف نفس بأيّة أرض تموت" ، أمر نتّفق عليــــــــــه جميعنا ، بدون استثناء. ودفنها في مكان موتها ، أمر معقــــــول ، ومقبول ، لكنّه في الخصوصيّة الفلسطينيّة ، يأخذ ـ وليعذرني من لا يتّفق معي في الرأي ـ معنى آخر ، ومنحـــــــــى مقصوداً ، إلغائيّّ في غالب الأحيان: "عيشوا كما تعيشون في المنفى ، وموتوا كما تموتون ، لكـــــــــــــن لا تعودوا". فالفلسطينيّــون ـ في غالبهم ـ لم يرحلوا ، ولم يهاجروا ، ولم يسافروا من بلادهم كما يسافر الآخرون. الفلسطينيّــــون ـ في غالبهم ـ اقتلعوا من أراضيهم ، ومن بيوتهم ، ومن هوائهم ، ومن مائهم ، ومن قبورهم ، وألقـــــي بهم خارج حدود هذا الوطن الذي هو وطنهم ، واسمه فلسطين ، لتقام عليه ، هذه الدولة التــــــــي اسمها الآن"إسرائيل". وعندما فكّروا بالعودة ، فكّروا بالنضال الصعب والشاق ، الذي عليهم أن يعانوه ، لتحقيـــــــق تلك العودة ، فتعرّضوا للقتل ، وللملاحقة ، وإلى الطمس ، فلا هم عادوا أحيـــــاء ، ولا هم يعودون أمواتاً. ومن عاد منهم ، بعد اتّفاق أوسلو ، عاد إلى مناطق محدّدة من فلسطين( أقلّ من عشرين في المائة) ، تقرّ "إسرائيل" ، بعــــــــــد أكثر من كرّ ومن فرّ ، بأنّها مناطق ، وحدها فقط ، محلّ نزاع مع الشعب الفلسطينيّ ، وها هي ـ أي "إسرائيل" ، لم تقرّ بعــــــــــد ، بحقّ هؤلاء الفلسطينيين ، بالسيادة فـــــــــــــي تلك المناطق ، المحتلّة دائماً ، والخاضعة للسيادة العسكريّة الإسرائيليّة المطلقة ، ومن يدخل إليها ، أو يخرج منها ، لا يفعل ذلك حرّاً ، لا حيّاً ، ولا ميْتاً.

يحدث اليوم ، في أكثر من مكان من العالم ، أن يعدّ الحــيّ جنازته ، وتابوته ، وقبره ، ويدفع ثمن ذلك ، وهو يعرف أين سيحدث. وحده الفلسطينــــــــــيّ لا يعرف. ووحده لا يجد الوقت ليفكّر بموته. ربّما لأنّه يفكّــــــــر أكثر من الموت بالحياة. ربّما لأنّه يفكّر بما خلّفه ، وسيخلّفه وراءه ، من شقاء ومن معاناة. وربّما أيضاً ، لأنّه يفكّـــــــــــــر بأنّه لم يستعد بعد فلسطينه ، ولم يعد إليها بعــــد ، كما يعود الابن إلى أمّه ، يقبّل يديها ، وربّما قدميها ، ويطلب منها المغفرة ، عمّا سبّبه لها من عذاب. ربّما.. وربّما.. لكنّه يمــوت ، دون أن يعرف كيف ، أو متى ، أو أين. يمـــــــوت مثقلاً ، بما يحمله على ظهره ، من محامل ، أودعه إيّاها الأحياء بحياتهم ، والموتى بموتهم.

هل هذا كلّه ، ما فكّر فيه نصري حجّاج ، عندما رسم الفكــــــرة في رأسه ، وحدّدها: القبور؟ والملاحظ أنّها قبور بعيـــــدة. قبور في أمكنة أخرى. قبور قد تشبه القبور ، أو هي في كثير منها تشبهها. لكنّها فـــــــي أغلبها تحمل فيها سرّاً ، لم يكن سرّ الميت ، أو القتيل ، وحده. إنّه سرّنا جميعاً ، أحياء وموتـــــى: كيف نموت؟ وأين نموت؟ ولماذا نموت؟ وتخبّئ رمزاً ، لا تخفيه ، ولكن تحميه: فلسطينيّتنا التي نمـــــوت من أجلها ، لكنّها لا تموت ، فكيف ، ولماذا لا نعود؟ إلى أين؟ سيظلّ السؤال معلّقاً إلى أن تعــــود إلينا الحياة ، طالبة من موتانا المغفرة. هل هذا ما أراد أن يقوله نصري حجّاج بفيلمه؟

ربّما. لكنّه من المؤكّد ، لم يصنع فيلماً وثائقيّاً ، يتحدّث فيـــــــه الأحياء عن القضيّة الفلسطينيّة: الطرد والتشريد واللجوء والشتات والعذاب. الجوع والقتل والنفي فـــي الزمان وفي المكان.

وهو لم يصوّر لنا المخيّمات ، والمذابــــــــــح ، والدّماء ، وذلّ المعابر ، وإهانات الحواجز ، ولا ما تلتهمه المستوطنات الاستعمارية من أرضنا ، وما يصنعه جدار الفصـــــــل العنصريّ من خنق ومن عزل ومن تشتيت ، حتّــى لأبناء العائلة الواحدة. ولم يكن هذا فيلماً عن المقاومة ، أو الأسرى في السجون ومعسكرات الاعتقال ، أو عن النّكبة بحدّ ذاتها ، وإنّما عن واحد من تفاصيل الفاجعة الفلسطينيّة بعدها: الموت الفلسطينيّ بعيــداً عن فلسطين ، أيّاً كانت الأسباب ، والقبر الفلسطينيّ ، المنفيّ فـي شتّى بقاع الأرض. لكنّه يعلمنا ، أنّه وبمثل ما أنّ العودة أحياء إلى فلسطيـــــــــــن بحاجة إلى نضال شديد وطويل المدى ، فإنّ عودة رفات فلسطينيّ إلى مسقط الرأس (راشد حسين ، وإبراهيم أبو اللّغد كمثل) ، تحتـــــاج هي الأخرى إلى نفس النضال ، ونفس الصبر ، ونفس الأمل ، مؤكّداً فـــــــي الوقت نفسه ، أنّ تشتّت القبر الفلسطينيّ ، في أكثر من مكان ، فــــي فلسطين ، وخارجها ، ليس حدثاً ، وإنّما تاريخ يصنعه هؤلاء المحاربون ، في مدافنهم ، من أجل حقيقة فلسطين ، وحريتها ، وخلود شعبها.

هل أرادنا نصري حجّاج أن نستعيد تاريـــــــــخ القضيّة الفلسطينيّة ، من خلال قبور الموتى ، أو مدافنهم ، المنتشرة فــــي أكثر من مكان ، عن حقّ ، وعن ظلم ، وأن لا ننسى أنّهم أحياء في الذاكرة ، لا بل يجب أن لا ننسى؟ هل أرادنا أن نفهم ، مرّة واحدة ، وإلــى الأبد ، بأنّ القضيّة الفلسطينيّة لا تموت؟ حقّ العودة ، حقّ تقرير المصير ، حقّ إقامة الدولة الفلسطينيّة المستقلة ذات السيادة ، حقّ اختيــــار العاصمة واستعادتها ، حقّ دفن الموتى حيثما يجب أن يكون: أي حقّ اختيار القبر والمقبرة ، بأيّ ثمن؟ وهل أغلى من الحيـــــاة ثمناً لقبر نختاره ، فنعدّ له دون اعتداء ، أو تصريح ، أو منع ( منع الموتـــــــــى من الدّفن ، مثل منع الأحياء من الحياة،)

طوبى لنصري حجّاج الموجع بهمّه (همّنا). شكـراً ، ألف شكر ، لفاميليا للإنتاج (فاضل الجعايبي ، وجليلة بكّار ، ومن معهما).

وفي النهاية ، لا بدّ من التنويه بالدّور الذي قام به المصوّرون في الفيلم ، ضمن فريقي التصوير التونسيين بإدارة كلّ من خالد بلخيريّة ، وعلي بن عبدالله ، وكذلك بميشيل تيّان ، اللبنانيّة ، مركّبة الفيلم ، الذي كتب نصّه وأخرجه باقتدار نصري حجّاج ، وقدّم لنا فيه برؤية ، بدت لي روائيّة ، أيضاً ، إضافة إلى وثائقيّتها غير المعهودة ، في السينما المناضلة ، والفلسطينيّة منها بشكل خاص ، ليحكي لنا فيها ، بعاميته الفلسطينيّة الممزوجة بلبنانيّة لاجئ فلسطينيّ من مخيّم عين الحلوة ، في لبنان الشقيق ، بحث فلسطينيّ ، لا يعرف في أيّة أرض سيموت ، وأيّ تراب من هذا الشتات الواسع ، ما بين لندن ( آه يا ناجي العليّ،) ، وباريس ( محمود الهمشريّ) ، وفيتنام في الهند الصينيّة ، وهو(نصري) ابن قرية "الناعمة" الفلسطينيّة ، الممحوة من الخارطة الفلسطينيّة.



ہ قاص فلسطيني يعيش في تونس

Date : 25-01-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش