الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خطـوطـه تـغـني وألوانه تدخـل القلـب: تجربة التشكيلي محـمد العامري

تم نشره في الجمعة 18 تموز / يوليو 2008. 03:00 مـساءً
خطـوطـه تـغـني وألوانه تدخـل القلـب: تجربة التشكيلي محـمد العامري غـازي انـعـيـم

 

 
قبل الدخول في عالم الفنان التشكيلي "محمد العامري"المولود في الغزاوية ـ الغور الشمالي عام 1959 م ، نود أن نشير بأنه شاعر قبل أن يكون ناقد ، وهو فنان لأنه ما زال يبدع بنفس الدهشة الأولى ، دهشة الفنان التي تبدأ معه ولا تنتهي.

إنه دائم الإبداع والإنتاج والحركة والمشاكسة الايجابية ، لا يمر يوم بحياته في مجالات الثقافة المختلفة إلا ويخط خطاً أو يكتب رأياً أو يرسم لوحة ، فهو يرى في كل ما ذكر ملاذه وهدفه الدائم ، لذلك شاهدناه في السنوات الأخيرة منطلقاً بفنه إلى الأمام ، بعكس ما كان يتصوره المعاشرون له من الأصدقاء ، وبثقة عالية شق طريقه بين الحداثة والتجريد ، وبدأبه المستمر جدد ذاته وأضاف إلى عالم التشكيل رؤى جديدة ، وقدم من خلال هذه الرؤى عالم غني وزاخر بتنوعاته في نطاق الشكل واللون والحركة.

وقبل التطرق لتجربته التشكيلية الجديدة ، نشير بأن العامري بدأ خطواته الفنية الأولى بالميل الشديد نحو الواقعية والتعبيرية الرمزية ، مستخدماً تقنية الألوان الشمعية ـ منظومة الألوان البنية ـ وهذا التكنيك يعتمد على إذابة الألوان بدرجة حرارة عالية ، بعد ذلك تسكب الألوان على المسطح الأبيض ، وبعد أن تجف يقوم العامري برسم مواضيعه التي تمثل شخوص وبيوت عتيقة ، وبعض المفردات مثل الأبواب الخشبية والشبابيك الحديدية والترابيس والمفاتيح الغليظة القديمة ، من خلال كشط السطح بأداة ما.. مستفيداً بملء فراغ اللوحة بتفاصيل حروفية ، أو تعويذات وعلامات ومؤشرات تثري العمل الفني دون أن تطغى على المضمون ، تلك المفردات استنطقها فناننا فقالت الكثير وأعطته المغزى والمعنى فاستخلص منها الجوهر العميق.

والباحث في فنه يلاحظ أن العامري استخدم هذا التكنيك إلى جانب تجربة الغرافيك بذكاء وفطنه ومهارة ، كما أظهر من خلال خطوطه حساسيته ومهارته وتمكنه من أدواته الفنية.



مقامات اللون والشكل

بعد ذلك سعى"العامري"إلى اكتشاف نسق فني جديد في رؤاه الجديدة ، تتجاوب فيه مقامات اللون والشكل ، فجاءت أعماله ـ التجريدية ـ شاهداً على خبرة عميقة استحوذ بها على أسرار اللون وكيميائيته المرتكزة في المقام الأول على عنصر الخط الذي يغني ، والألوان التي تدخل القلب.. تلك الألوان لعبت دوراً ايجابياً على المسطح الأبيض ، فأخذت أشكالاً متعددة ، مثل دوامات أو بقع أو قطرات لونية متناثرة ، متفرقة أو قريبة من بعضها ، أو تتدفق بنعومة أو بخشونة للإيحاء بالحركة ، وتارة أخرى تتلوى أو تتصادم مع بعضها بحساسية وحيوية فائقة.

ولعب الخط دوراً أساسياً في هذه التجربة ، حيث تتقارب الخطوط الرفيعة والثخينة مكونة في تقاربيهما خطوطاً أفقية عرضية متموجة وحلزونية أو خطوطاً رأسية مائلة ، كما لم يترك خطاً إلا وقد وصله بخطوط وتشابكات أخرى ، وكأنه يعكس الشحنة الموجودة في كيانه وعقله الباطن على مسطح لوحاته.

وتلك الخطوط تندمج مع الطبيعة ـ الحاضرة بتسطيح شبه مطلق ، وراء التقنيات واللون والخطوط ـ اندماجاً يوحي بانتمائها لها ، ولكنها تجنح في فضاء اللوحة لتخلق أجواء تسودها الحركة والسرعة وأحياناً تتشكل كعواصف لونية تموج وتنفجر على المسطح.

لقد أوجد"ألعامري"على مسطحات لوحاته أنغاماً جديدة تولدت من ترديد الخطوط وضربات الفرشاة التي ثملت بخمر الأضواء والظلال ، فكانت لوحاته مجتمعة تردد سيمفونية متآلفة النغمات والألحان ، كما أن تصادمية الخطوط والألوان على مسطحات لوحاته أوجد حيوية بينهما نتج عنها قدرة هائلة من التدفق والفوران الفني الجميل.



حيوية وحركة وإيقاع

اتخذ الفنان العامري من اللون موضوعاً للوحاته لخلق عالم ملئ بالحيوية والحركة والإيقاع الفني المميز ، وجاء الحوار بين الألوان لجذب العين وشد الانتباه ، والأكثر من هذا هو نشوة الاستمتاع ، فمثلاً البقعة البيضاء المحاطة بدائرة لونية سوداء ، أو البنية المفروشة على أرضية صفراء ، أو البياض الذي يطل من أرضية اللون البني ، أو الخلفية البرتقالية أو النيلية وغيرها من الألوان لعبت دوراً أساسياً لإبراز الضوء وبلورته كقيمة داخلية نابعة من تجليات اللون نفسه.

ويظل اللون الأسود بهيمنته بؤرة الإيقاع في التكوين ، والنقطة المحورية التي تخرج منها وإليها بقية العناصر التي تحاول مجابهته بتدرج لوني شفاف من عدة ألوان.. وهناك بعض الأعمال تكون فيها بقعة أو مساحة لونية تفرض نفسها في المقام الأول بقوة ، وقد تتردد أصداؤها بشكل محسوب ومتزن في أكثر من مكان في العمل وتأخذ الدرجة الأولى في الاهتمام البصري للمتلقي كما هو الحال بالنسبة للبقعة اللونية الحمراء وغيرها من البقع اللونية الأخرى التي تكررت في كثير من الأعمال داخل مساحة من الألوان ، هذه المساحة مع بقية الخطوط ذات الاتجاهات المختلفة والإيحاءات المتنوعة ، فسحت المجال لهذه البقع لكي تعيش فيها ، ففي التقائها كل في مقابل الآخر له دلالة فكرية وقدرة انفعالية أضفت على سطح اللوحات بهجة وثراء ، جمع بين أطراف العمل الفني كله ، كما أبرزت الانفعالات الخاصة عند الفنان كالحب والغيرة ، والهدوء والقسوة ، والعزلة والوحشة..

ورغم تجريديتها إلا أنها محملة بنقوش غائرة للروح المحلية تجهد المتلقي في الوقوف عليها.. إنها أعمال تعكس إلى جانب ما ذكر ، الطمأنينة والقلق ، وبهاجس ألذات وغيرها من الانفعالات التي يثيرها العمل الفني.



استدعاء بعض الرموز والمفردات

وإذا دققنا النظر في مجمل لوحات الفنان محمد العامري الأخيرة ، نجده يستدعي بعض الرموز والمفردات التي تمثل حيواناً ما أو شارع أو هضبة أو وادي أو سهل أو شيئاً يدل على أثر تركه الإنسان ، وهو هنا يعكس المؤثرات البيئية في الشكل واللون والعناصر ، التي يلقاها ويعايشها في بيئته اليومية ، لذلك يمكن قراءة اللوحة عند ألعامري كروح خاصة لمجموعة بشرية كانت تعيش في تلك المناطق المذكورة حيث أعطتها شيئاً من أحلامها وأمانيها.

واستخدم الفنان في بعض أعماله ( الكولاج ) ، حيث قام بقص ولصق بعض قصاصات ورق الصحف على مسطح لوحاته ، وقام أيضاً بكشط معظم سطوح أعماله تقريباً بعد الانتهاء من عملية التلوين وذلك لحصر اللون في سبيل الحفاظ على أشكال المساحات في الفراغ ، كما لجأ إلى نبش السطح تاركاً خطوطاً خفيفة وثخينة لتتسرب إلى ما تحت عتبة الوعي ، لإعطاء ألواناً جديدة تكشف النقاب عما يخفي ذلك الواقع خلفه ، لتظهره على حقيقته أولاً ولتأكيد الاتجاه أو الحركة ثانياً ، كما أضاف النبش تأثيرات على تنغيم سطح اللون.

لقد اتجه الفنان محمد العامري في تجربته الأخيرة إلى التجريد وقدم رؤية حديثة من خلال عناصره وخطوطه المجردة فربط ما بين الرؤية والحركة فيها ، وجعل من اللوحة في كل جزء من أجزائها وفي كل خط من خطوطها ذروة للرؤيا.

والمدقق في لوحاته يلاحظ افتتانه بالأرض وما عليها بعيداً عن تناول الإنسان ، حيث لا وجود له في أعماله ، وكأنه قد غادر المكان منذ زمن طويل حتى أصبح مهجوراً ، ولكنه يعوض ذلك الغياب ببعض الطيور والحيوانات ، وبروح الإنسان الحاضره من خلال ما ترك من أثر في الأماكن التي كان يقيم فيها أو يرتادها ، ولكن نلمس الحضور الأكثر له من خلال اللون ، بمعنى أن اللون لدى"العامري"يُغني ويحل محل الإنسان في الأمكنة التي رسمها والتي تحتوي على ماضيه وحاضره ، على تاريخه وذاكرته.

ويواصل العامري تجربته الفنية ـ ملاحة بصرية ـ ونراه يلقي بنفسه في أحضان الطبيعة يعايش السهل والجبل والصخر والماء على نهر الأردن ، مسجلاً الحياة على ضفتيه ، حيث يشعرنا من خلال خطوطه وبقع ألوانه بأنفاس ونبض البشر التي تزرع وتقلع وتقطف الثمار ، وتأتي هذه المرحلة تتويجاً لبحثه الفني المتواصل الذي أخذ في هذه المرحلة شكلاً مميزاً لشخصيته الفنية.

وإذا تناولنا أعمال فناننا بالتحليل ، نصل إلى نتيجة مفادها أن المعطيات التي يرى من خلالها رؤيته التشكيلية تتمثل في: ( الحلم ، والخيال ، والواقع ) ، والبحث هنا هو بحث في أعماق وأغوار الإنسان ، وفي أحاسيسه ووجدانه ، وفي صلته بالواقع المحيط به ، بما يتضمن من جماليات تنبثق من النفس والحلم.

ـ قدم الفنان من خلال لوحاته ظلال وألوان تكتنفها الأسرار ، ويلوح فيها نوع من السراب الشعري ، وحاول من خلالها أن يجسد مجموعة من الرؤى البعيدة في أصول الأشياء والأشكال.

ـ اعتمد الفنان في لوحاته على التناغم اللوني وما يحدثه من أثر في نفس المشاهد ، ذلك التناغم الذي يحقق النسيج العضوي في لوحاته ، ويربط بين الأشكال والخطوط وجميع العناصر والمفردات في اللوحات ، كما أن التناغم الخطي في العلاقات الرأسية والأفقية حقق الاتزان في لوحاته ، بالإضافة إلى الاتزان الناتج من توزيع الكتل والمساحات وتناغمها.

أخيراً استطاع الفنان"محمد العامري"أن يرسم بالشعر ، وتمكن وباقتدار على ترويض وجدانه وتطويع أدواته التشكيلية ليعبر عما تجيش به روحه وعالمه الفني.. عالم الحلم والألوان.

ہناقـد وتشكيلي أردني

[email protected]



Date : 18-07-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش