الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك ـ الحلقة الرابعة والعشرون

تم نشره في الثلاثاء 29 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك ـ الحلقة الرابعة والعشرون

 

 
دمرت الحرب الكبرى حياة الناجين كما سحقت حياة الموتى

يبدو أن الشرق الأوسط العربي يمدّ إليّ أخباره. فها هو شابّ جزائري ـ يخاف من حكومته ويخشى بلاده ـ ويقبع
في رُدهة فندق رخيص بباريس

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

لقد اكتشفتُ أن ذاكرة "بيل" قد تخونه أحياناً. فقد جاء في سجلّات الكتيبة الرابعة ما يلي: "دويزون" في 11 حزيران ـ يونيو 1919 ، تولّت فرقتان تهدئة الاضطراب الذي حصل في المجمّع الصيني في أرَّاس... وبقي منهما ضابط وفصيلة للحراسة. وأظنّ أن هذه هي الصيغة الرسمية التي تمّت مراقبتها بشأن إطلاق النار الذي حصل في المجمّع الصيني ، وأن الضابط كان "والدي". ولكن التاريخ كان عام 1919 لا 1918: فقد أخطأ أبي في تذكّر السنة. لكنه تذكّر لو؟نكور بكامل وعيه. وفي يوم صَقًع من أيام الشتاء ، كانت فيه جوانب الريف مكلَّلة بالثلج ، والحقول بمثابة مقابر عسكرية بيضاء ، سافرت على الطريق ذاتها التي سلكتُها مع أهلي منذ أكثر من أربعين عاماً ، عائداً إلى لو؟نكور في منطقة "الصوم". وكانت معي الصورة المستلّة من محفظة العائلة ومن مجموعة والدتي ، والتي تُظهر المنزل الذي سكنه والدي. وها أنا الآن أيضاً لا أدري ماذا أتوقّع أن أجد. ربّما شخصاً يتذكّره؟ ـ لا أظنّ ذلك. لقد غادر أبي "لو؟نكور" منذ ستّين سنة خلت. فهل هناك معلومات موثوقة عن تحوّل ذاك الشاب ، الطليق الروح ، كما يظهر في صورة عام 1918 ، إلى رجلْ مسنّْ أتذكّره يهدّد بضرب "يغي" ، عندما بدأت تظهر عليها إمارات مرض "اركنسون". والذي آساها إلى درجة ارتاحت فيها عندما رأته ينتقل إلى بيت العناية بالمسنّين: ولم تزره هناك ، كما أنها رفضت أن تحضر جنازته؟ عثرتُ على ذلك البيت في "لو؟نكور" ، وكان سطحه لا يزال مائلاً ، لكنّ الجدران تجمَّلت بنوافذ ومصاريع جديدة. وعلى خلاف سلوك "بيل" عام 1956 ، قرعت الباب ، ففتحته سيدة فرنسية عجوز ، ولدت عام 1920 ـ ذلك العام ذاته الذي ولدت فيه والدتي "يغي" ـ وبالتالي لا يُحتمل أنها عرفت والدي. ولكنها تتذكّر جدّتها المسنَّة ـ أي المرأة العجوز التي ذكرها والدي ـ التي كانت تعيش في ذلك المنزل. وكانت أرض غرفة الجلوس مكسوّة بالآجرّ الذي لا بدّ أنه لبث هناك أكثر من مئة سنة: ولا بدّ أن يكون "بيل" قد مشى عليه بحذائه المُمَسْمَر والضمادة الملفوفة حول ساقه. ثم وجدتُ القصر عند آخر ذلك الشارع البارد ، بعد الكنيسة ، ونصفه أطلال وراء الجدار القرميدي الأصفر والأحمر ، وقابلت الرجل الأكبر سنّاً في القرية ـ كان قد بقي له ثلاث أسنان فقط في مقدّمة فمه ـ الذي تذكّر تماماً وجود الجنود الإنكليز هنا. أجل ، لقد سكن الضابط آنذاك في القصر(*) .
الليالي الباردة
واتّخذوا من بيته مستوصفاً صحّياً للكتيبة. وكان عمر الرجل إذ ذاك ستّ سنوات: وكان الجنود الإنكليز يعطونه "الشوكولاتة". وربّما لذلك فقد أسنانه، صعدتُ الطريق عائداً: فوجدت مقبرة حرب بريطانية صغيرة أخرى ، مقابل البيت الذي قضى فيه والدي تلك الليالي الباردة. وكان هناك قبران لجنديّيْن قتلتهما فجراً فرقة الإعدام ، وهما: "هاري ماكدونالد" من فرقة "وست يوركس" الثانية عشرة ـ وهو أب لثلاثة أولاد ـ الذي أُعدم لفراره بتاريخ 4 تشرين الثاني ـ نوفمبر عام 1916: و"ف.م. برَّات" من فرقة الرشّاشات الملكيّة الذي أُعدم أيضاً لفراره بتاريخ 10 تموز ـ يوليو 1917.
وكان قبراهما لا يبعدان أكثر من عشرين متراً عن نافذة الغرفة التي كان يسكنها الملازم الثاني "بيل فيسك". فهل عَرف من هما؟ وهل أسرَّ قبراهما إلى ضميره بشيء ، لقربهما منه ، عندما طلب منه أن يترأّس فرقة الإعدام لقتل الجندي الأسترالي؟ ومن باريس ، خابرتُ بالتلفون أمين المحفوظات المسؤول عن سجلّات الحرب في كامبيرّا: فقال: لم يُعدم أيّ جندي من الفًرق الأسترالية المشتركة في الحرب العالمية الأولى. فلم يُرًد الأستراليون أن يعدم رجال "هايغ" شبابَهم عند الفجر. ولكن عندما انتهت الحرب ، كان هناك أستراليان محكوم عليهما بالموت ، أحدهما لأنه قتل مدنياً فرنسياً.
وقد شكّ موظّف المحفوظات في أن يكون هذا هو الرجل الذي تكلّم عنه "بيل" ، ولكنّه غير متأكّد. وقد يُسرّ أبي لو علم أن الرجل المُدان ، قد عُفي عنه.
الحقيقة اقسى
. ولكنّ الحقيقة كانت أقسى من ذلك بكثير. وقد كتب إليّ قارئ آخر لجريدة الإندبندنت ، يشير إلى أن هناك حالة لجندي أسترالي ، من فًرقة المدفعية في الجيش البريطاني ، حُكم عليه بالإعدام ـ لأنه قتل شرطياً عسكرياً بريطانياً في باريس ، وليس لأنه قتل دركياً فرنسياً. وكان اسمه فرانك ويلز: وقد فُتح ملفّه الآن في المحفوظات الوطنية في لندن. فعدتُ إلى ما كان يُسمّى "مكتب السجلّات العامّة": حيث استُبدلت برنَّة الحاسوب شاشة. وعندما قرأت عليها أن الملفّ ذا الرقم (WO17/286) ينتظرني ، علمت أن تلك الأوراق تحتوي على قسم من حياة والدي "بيل". ولو لم يقرأها ، فلا شكّ في أنه كان على دراية بمحتواها. فلا بدّ أنه كان يعرف قصّة "غنَر وًيلز". كانت القصّة بمنتهى البساطة. وقد لُخّصت محاكمة "غنر فرانك ويلز" ذات الرقم 253617 ، من كتيبة مدافع الهاون الملكية التابعة للفرقة 50 ، في صفحتين مضروبتين على الآلة الكاتبة. لقد فرّ من الجيش البريطاني بتاريخ 28 تشرين الثاني ـ نوفمبر 1918 ـ بعد أكثر من أسبوعين من تاريخ الهدنة ـ وقُبض عليه في باريس بتاريخ 12 آذار ـ مارس 1919. وأُوقف مع زميله في شارع "فوبور دو تامل" ، في الدائرة الباريسية الحادية عشرة ، من قًبل شرطييْن عسكريين بريطانييْن هما "وبستر" و"كوكسون" ، وكلّ منهما برتبة وكيل عريف. وكانت قصّته قصّة الفارّين المألوفة ذاتها. هاتً أوراقك. فقال "ويلز" إن أوراقه موجودة في فندقه ذي الرقم 66 بشارع "مالت". فذهب الأربعة إلى "فندق البريد" ليُحضر ويلز أوراقه. وبحسب تقرير المدّعي العامّ: "صعد المتّهم مع وكيل العريف وبستر الدرج ، وسُمعت على الأثر طلقتان ناريّتان... ثم نزل المتّهم وركض هارباً وبيده مسدّس ، فتبعه وكيل العريف كوكسون ، فرماه المتّهم بثلاث طلقات ، جرحته إحداها جرحاً بسيطاً في ذراعه. وهرب المتّهم... ولكنّ بعض رجال الدرك والمدنيّين طاردوه: فقُبض عليه ، وجُرًّد من مسدّسه الذي كان قد أطلق منه خمس خرطوشات. ووُجد وكيل العريف وبستر ملقًى على أعلى الدرج ، مصاباً في صدره ، وبطنه ، وإصبعه. فنُقل إلى المستشفى حيث مات بعد ثلاثة أيام...". لا بدّ أن يكون هذا الرجل هو الذي أُمر "بيل" بأن يترأّس فرقة إعدامه. فهو جندي أسترالي ، والمقتول هو شرطي ، والمشتركون هم الدرك الفرنسي ، والمكان هو باريس. وقد التحق "غنر ويلز" بالجيش الأسترالي عام 1915 في عمر السادسة عشرة ـ كان عمره من عمر بيل ـ وأُرسل إلى مصر ، وصحراء سيناء ، والدردنيل. وعلى شاكلة الجندي ديكنز ، شارك "ويلز" في حملة تشرشل الهالكة إلى غاليولي. فقد حارب هو أيضاً الأتراك العثمانيين. ولكنه أُرسل إلى المستشفى عام 1916 بسبب "الحُمَّى المصريّة" ـ التي خلَّفت لديه مشكلات عقلية وثُغرات في ذاكرته. ولم يجادل المدّعي العامّ في هذا الأمر. وقد سُرًّح "فرانك ويلز" من الجيش الأسترالي عام 1917: فسافر إلى إنكلترا وسُمح له ـ بسبب يأس الجيش البريطاني في تلك المرحلة من الحرب ـ بأن يتطوّع في فرقة المدفعية الملكية في نيسان ـ أبريل عام 1918.
محارب سابق
ووصل إلى فرنسا قبل "بيل فيسك": لكنه اختلف عنه بكونه محارباً سابقاً. وبحسب منطق دفاعه ، كان "ويلز" يعاقر الخمرة. وقد جاء إلى باريس من أجل فورة انغماس في الشراب... ولم يكن قد أفطر صباح 12 آذار ـ مارس ، ..1919. لكنه لم يكن ثَمًلاً ، بل كان على طريق السكر. ولا يذكر إذا كان قد أطلق النار على كوكسون أم لا. لكنه كان يعلم أن المسدّس محشوّ ، منذ تشرين الثاني ـ نوفمبر 1918. وقد كتب شهادته بيده على ثماني صفحات ، ومهرها بتوقيعه تزيينياً "ف. ويلز": وشرح فيها كيف سأله الشرطيّان عن الإذن الذي يحمله لزيارة باريس ، وكيف وصل معهما إلى الفندق: "صعدت الدرج بسرعة إلى غرفتي: فوجدت الباب مُغلقاً. وسمعت خلال ثوانْ أحداً يصعد الدرج.
وكان معطفي على ذراعي في ذلك الوقت. وكان لديّ في إحدى جيوبه مسدّس ذو ستّ طلقات. وقد أُعطيته في فرقتي... سحبت المسدّس من جيبي كي أخفيه تحت السجّادة حالما أدخل. فلم أشأ أن أُوقف وبحوزتي مسدّس ، إذ كنت أحمل كمّية كبيرة من المال ، وكنت ألعب لعبة "التاج والمرساة". وبالتالي ، قد يتعاظم اتّهامي. ولم أكد أسحب مسدّسي حتى جاء أحدهم صاعداً الدرج... فركض إليّ هذا الرجل ، وتبيّن أنه العريف "وبستر". لم نتحادث. أمسكني "وبستر" بمًعصمي الأيمن: فخفت واضطربت: وعندما لوى معصمي انفجرت من المسدّس طلقتان.
فترك العريف "وبستر" معصمي ، وضربني على رأسي فتدحرجت على الدرج. صُعقت من الضربة التي أصابت رأسي... ووجدت المسدّس على الدرج أمامي.
فأمسكته. وكنتُ أظنّ أن العريف "وبستر" يجري ورائي على الدرج. كنتُ مرتبكاً متحيّراً وشديد التأثر. وعندما وصلت إلى الشارع ، سمعت طلقة ناريّة. ولم أعد أذكر ما حدث بعد ذلك حتى أُوقفت".
كانت شهادة ويلز شهادة شابّ صغير السنّ وغير ناضج ، إذ كتب يقول: "عندما تركت فرقتي ، لم أرغب في أن أبقى بعيداً عنها. قابلت بعض الأصدقاء الذين أقنعوني بأن نذهب لتناول دورة شراب: ثم وصلت إلى باريس. وكنتُ أنوي العودة إلى فرقتي حالما أرى باريس: فلم يكن هناك في الفًرقة أيّ عمل يذكر في ذلك الوقت ، وكان سير الأمور وئيداً. وتورّطت مع جماعة سوء ، وصرت أقامر وأشرب بإفراط..." وقد كرّر "ويلز" اعترافه بمشكلة معاقرته للشراب في شهادته الأخيرة: وادَّعى أنه لا يزال يشكو من انقطاعات في ذاكرته. لم يكن لديه إذن بزيارة باريس ، وقد عاد إلى فندقه ليجمع حوائجه.
الشرطة الفرنسية
وانفجرت الطلقتان لأن العريف وبستر لوى معصمه. وقد كتب أنه بعد توقيفه ، أخذته الشرطة الفرنسية بسيّارة أجرة ، ولم يستعد ذاكرته حتى ضربه أحد رجال الشرطة بحربته. وعبّر عن ذلك عندما كتب قائلاً: "لم أكن ثملاً بل كنتُ على طريق السكر مع العلم أن الشرب يعطّل الذاكرة...". ولم يكن صعباً تصوّر الشابّ ثملاً ، يائساً ، مُدركاً ببطء المصير المروًّع الذي ينتظره. أردت أيضاً أن أرى ذلك المكان ، إذا كان لا يزال موجوداً: الفندق ، والدرج والطابق الثاني ، حيث جرح "ويلز" الشرطي العسكري البريطاني جرحاً مُميتاً ، والشارع الذي أوقف فيه الدرك الفرنسي "ويلز". سافرت إلى فرنسا من جديد: ووجدت أن شارع "مالت" الضيّق ذا الاتجاه الواحد ، الذي تقطعه جادَّة ، لا يزال موئلاً لمجموعة من الفنادق الصغيرة الرخيصة. ودُهشت لأن الرقم 66 لا يزال فندقاً ولكنّه يحمل اسماً جديداً. فندق "هيبيسكوس" بدلاً من فندق "البريد". فماذا أتوقّع أن أجد هنا؟ كان موظف الاستقبال جزائرياً ، فطلبت منه استئجار غرفة في الطابق الثاني ، أقرب ما يمكن إلى الدرج ، تلك الغرفة التي سكن فيها "ويلز". وعلمت أن الفندق جُدًّد مرّات عديدة ، وكُسيت جدرانه بالورق المصوّف. وكان في الردهة جهاز تلفزيون مفتوحّ على برنامج مباراة كرة القدم ، مع تعليق عليها باللغة العربية. لكن الدرج كان نسيجَ وحده ، بدرابزينه ومفاصله المعدنية ، ممَّا كان سائد التركيب في كثير من البيوت الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر. لم أكد أنبئ الجزائري بسبب قدومي إلى هنا ، حتى رجمني فجأة بسيل من أسئلته. لماذا جاء ويلز إلى باريس؟ ولماذا أطلق النار على الشرطي العسكري؟ كان اسمه "صفوان": وقد أخبرني أنه أعدّ دراسة عن تأثير مذبحة قرية "بينتالّا" في الجزائر على الأولاد ضمن موجبات الدرجة الجامعيّة التي كان يحضّرها. قلت لنفسي: "بينتالا" ، إني أعرف هذا الاسم. لقد كنتُ هناك ، ورأيت دماء طفل مُنتشرة على شرفة في "بينتالّا" ، حيث ذُبح هذا الصبي على يد شابّ قتل مئات من المدنيين في القرية عام 1977.
وقد اتهمت الحكومة الجزائرية آنئذْ الإسلاميين بارتكاب المجزرة: لكن كنتُ دائماً أرتاب بوجود يد للجيش الجزائري في ذلك. كرّرتُ قول ذلك لصفوان ، فأجاب بمعنى أنه سمع به ، وقال: "هناك الكثير الذي يجب كشفه بشأن هذه المذبحة. لقد كان لي صديق ، وكان العسكريون هناك ، وقد تقدّموا قرابة المكان الذي كانت تحصل فيه المذبحة. فلم يفعلوا شيئاً. ولا أستطيع أن أجيب وأقول الكثير عن ذلك. تذكّر أني جزائري". نعم إني أتذكّر. أتذكّر القرويين الذين ما زالوا على قيد الحياة.
فقد قالوا لي الشيء ذاته: "لقد استنكف الجيش الجزائري عن إنقاذهم". وكما حصل عندما التقيت فجأة الشابّ اللبناني في "دوويه" ، يبدو أن الشرق الأوسط العربي يمدّ إليّ أخباره. فها هو شابّ جزائري ـ يخاف من حكومته ويخشى بلاده ـ ويقبع في رُدهة فندق رخيص بباريس. ولا شكّ في أنّ مقتل شرطيّ هنا منذ 80 سنة موضوع أكثر أماناً له. ترجمت شهادة ويلز لصفوان الذي لم يفهم لماذا أطلق "ويلز" النار على العريف "وبستر" ، بينما كان اتّهامه بالفرار مسألة أقلّ خطراً.
صعدت الدرج مرّتيْن: فلم يستغرق وصولي إلى الطابق الثاني أكثر من 15 ثانية. وعندما ركضت على الدرج بلغتُ الطابق الثاني في خمس ثوان ـ مثلما بلغه العريف وبستر. فلم يكن لدى "ويلز" وقت لإخفاء مسدّسه ـ لو كان ينوي القيام بذلك. ولا يشغل الطابق الثاني أكثر من خمسة أمتار مربّعة. وهنا ناضل "ويلز" ضدّ "وبستر" ، وتركه ملقًى على الأرض مضرَّجاً بدمائه. دخلت الغرفة ذات الرقم 22 ، وهي الأقرب إلى الدرج ، غرفة "ويلز" آخر مكان نام فيه قبل موته. هنا كان يحفظ معطفه الكبير ومسدّسه. لقد كان يشرب صباح يوم 12 آذار ـ مارس 1919 ، ربّما في هذه الغرفة بالذات من "البنتش" و"الكونياك" ، و"الكروغ الأميركي" ، كما أخبر أعضاء المحكمة. وكان في الفندق جندي أميركي سارع إلى الهرب بعد إطلاق النار. ولم يتحرَّ أحد أبداً هويّته. فهل كانت تعمل هناك مافيا حرب؟ ومَن كان يدير أوكار المقامرة ، ويقدّم المشروبات؟ ومَن أعطى "ويلز" المال الذي كان يحمله: 6640 فرنكاً فرنسياً بالعُملة الورقيّة ، وعشر ليرات ذهبيّة من طًراز "لويس"؟ جلست على سريري في غرفة ويلز ، وأعدت قراءة شهادته: ذلك الشابّ الذي كُلًّف أبي بأن يترأّس فرقة إعدامه ، متأمّلاً في الكلمات الأخيرة التي كتبها دفاعاً عن حياته: "أبلغُ من العمر 20 عاماً.
الجيش الاسترالي
وقد التحقتُ بالجيش الأسترالي عام 1915 ، عندما كنت في السادسة عشرة من عمري. ذهبتُ إلى مصر وإلى الدردنيل. واشتركتُ في عدد كبير من الاشتباكات هناك ، وفي فرنسا. ثم التحقت بالجيش البريطاني في نيسان ـ أبريل عام 1918 ، وجئت إلى فرنسا في حزيران ـ يونيو 1918. وكنتُ قد سُرًّحت من الجيش الأسترالي بسبب حُمّى أصابتني في مصر وأثَّرت على رأسي. أقنعني بعض أصدقائي بترك فًرقتي ، وانغمست في عًشرة السوء. وبدأت أشرب وأقامر بإفراط. ولم يكن في نيَّتي أن أرتكب تلك الآثام التي أقف بسببها أمام المحكمة... أطلب من المحكمة أن تأخذ بنظر الاعتبار شبابي ، وأن تعطيني فرصة لأستقيم وأُمضي حياة صالحة في المستقبل". أستطيع أن أدرك كيف أثَّر ذلك على "بيل فيسك".
لقد كان "ويلز" من عمره ـ وكان قد أُرسًل إلى فرنسا قبل شهرين فقط من إرسال "بيل" إلى منطقة الصوم. لم يفرّ "ويلز" من الجيش أثناء الحرب: لكنه قتل شرطياً عسكرياً بريطانياً. وإني أتذكّر كم آمن "بيل" بالقانون ، والعدالة ، والمحاكم ، والقضاة ، والشرطة. خرجتُ من ذلك الفندق الباريسيّ إلى طراوة الليل في الصيف.
وكان عن يساري ذلك الشارع حيث طلب الشرطيّان العسكريّان من ويلز وزميله أوراقهما الثبوتيّة. وأبعد من ذلك بقليل شارع "ألبير" ـ المذكور في الوثائق البريطانية باسم شارع "ألبرت طوماس" ـ حيث قبض الدرك الفرنسي على ويلز وأخذوه بسيّارة أجرة ، وضربه أحدهم بحربته: فخسر إذ ذاك حياته. وجاء في خُلاصة الحُكم الذي لفظته المحكمة العُرفيّة "أنّ ويلز حُكم عليه بالموت". وعلى الأثر ، سيق إلى القاعدة البريطانية في "الها؟ر" على الساحل الفرنسي بتاريخ 24 أيّار ـ مايو ، وكان موقع بيل هناك. وقد أخذ صورتيْن للمخيّم ، إحداهما يلوح في خلفيّتها برج كنيسة ـ وكان حاضراً لدى وصول ويلز. وقد رجعتُ في المحفوظات البريطانية إلى السجلّ الأخير لإعدامه ، يداخلني شيء من الخوف.

فرقة الإعدام
وكان بيل قد تكلّم عن رفضه رئاسة فرقة الإعدام. وصدّقته آنذاك لكنّ الصحافي الذي يقطن فؤادي ، والمدقًّق في المحفوظات الذي يعمر روح أيّ مستقص للحقائق ، يحتاج إلى معاودة التدقيق. أعتقد أن ابن "بيل" أراد أن يتأكّد من أن والده لم يقتل "فرانك ويلز" حقّاً: وأن يستوثق من أن هذا العمل البطولي كان حقيقياً. وكانت هناك قُصاصة ورق يتيمة ، سُجّل عليها موت ويلز. لقد أطلقت النار عليه فرقة الإعدام "تنفيذاً للحكم عند الساعة 14:4. بتاريخ 27 أيار ـ مايو. وكان توقيع قائد الفرقة بالأحرف الأولى (CRW) : ولم يكن بخطّ والدي. كما كانت هناك أيضاً ملاحظة أخرى ، جاء فيها: "إن الإعدام نُفًّذ إنسانياً وكما ينبغي. وكان الموت فوريّاً". وهل يكون الموت فوريّاً؟ وماذا عن ويلز في تلك الدقائق الأخيرة ، بل في تلك الثواني بين الساعة الرابعة والساعة 14:4 صباحاً. كيف كان ابن عشرين سنة يشعر في تلك اللحظات الأخيرة ، في ظلام فرنسا الشمالية ، وربّما بانسياب نسيم قادم من البحر؟ وهل سمع بيل الطلقات التي قتلت ويلز؟ لقد كان ضميره مرتاحاً ، على الأقلّ. ولد بيل فيسك منذ 106 سنوات: لكنّه بقي لُغزاً لي. هل كانت المرأة الفرنسية التي ذهب معها في نُزهة قادرة على أن تجعل حياته سعيدة: ومَن كان ليمنعه من أن يعود على الباخرة البولونية إلى لي؟ربول منذ 86 سنة ، إلى حياة الضجر في مكتب المحاسبة ، وزواجه الأول عن غير حبّ؟ وهل كانت زوجته الأولى سبب تطوّعه الحقيقي لتجديد إقامته في فرنسا بعد الحرب؟ لقد دمَّرت الحرب الكبرى حياة الناجين كما سحقت حياة الموتى ، ففي مقبرة لو؟نكور وعلى مقربة من مكان السكن القديم لبيل ، يرقد اتفاقاً رولاند لايتون الجندي الشابّ الذي حزًنت عليه خطيبته فيرا بريتان حزناً شديداً ، وكتبت رائعتها الأدبية: "شهادة الشباب" ، معبًّرة عن الخسارة الإنسانية.
وربّما منحت الحرب والدي الفرصة كي يمارس حرّيته بشكل لم يألفه من قبل ، تلك الاستقلالية التي سلبه إيّاها المجتمع بقسوة.
معاهدة فرساي
فقد كانت مدالياته التي ورثتُها منه تشمل: مداليّة الدفاع لعام 1940 ، ومداليّتيْ OBE MBE ) للعمل في "المدّخرات الوطنية" بعد الحرب: فضلاً عن مداليتيْن من الحرب الكبرى. وعلى إحداهما حُفرت السنوات 1914 ـ 1919 ، التي لم تشمل وقف إطلاق النار في تشرين الثاني ـ نوفمبر عام 1918 بل معاهدة "فرساي" المعقودة عام 1919 ، والتي أنهت النزاع رسميّاً ، ونشرت منذ ذلك الحين نتائجها الدامية عبر الشرق الأوسط. وهي المداليّة التي تحمل شعار: "الحرب الكبرى من أجل الحضارة". وفي أيام والدتي "يغي" الأخيرة ، أخبرتني إحدى الممرّضات أن السناجيب دخلت عُلًّيتها ، وأتلفت بعض الصور العائلية. فصعدتُ إلى العليّة لمعرفة ما جرى ، فوجدتُ أنه بالرغم من افتقاد بعض الصور ، فإن عُلبة التنك التي تحوي الصور التي التقطها أبي بقيت سليمة. وبينما كنتُ أستعدّ للمغادرة ، نطحت برأسي أحد جسور السقف: فجرى الدم مدراراً على وجهي. وأذكر أني اعتبرت ذلك خطأ من قًبل والدي ، الذي لعنتُ اسمه آنذاك. ولم أكد أنتهي من تنظيف جرحي ، وتمرّ عليّ ساعتان من الزمن حتى ماتت أمّي. وفي الأسابيع التي تلت ذلك حصل شيء غريب: فقد تشكَّلت آثار جرح وانبعاج على جبهتي ـ كما حصل لأبي عندما هاجمه ذلك الصينيّ بسكّينه. ومن حياة الآخرة ، حاول "بيل" أن يُصلح شأنه. ففي ثنايا البرودة التي ما زلت أشعر بها إزاءه ، لا أستطيع أن أنك الرسالة التي تركها لي ، لأقرأها بعد وفاته. وقد جاء فيها: "يا فلّاحي العزيز ، أريد أن أقول لك شيئين فحسب ، أيّها الفتى الكبير. أوّلاً: أشكرك لما منحتنا إيّاه ، أنا وأمّك ، من حبّ ، وفرح ، واعتزاز. إنّنا فعلاً أهل محظوظون بأن يكون لنا ابن مثلك. ثانياً: أعلم أنك ستُعنى بوالدتك العناية القُصوى: فهي ألطف وأحسن امرأة في العالم ، كما تعلم. فقد منحتني أسعد فترة في حياتي بحبّها المستمرّ الذي لا يخيب". مع مودَّة والدك ، "الملك بيلي"

الهوامش
(*)إن "غايان" زعيم "كانتان" ، الملقّب "بجيهان جيلون" حرّر مدينة "دوويه" التي كانت محاصرة من قًبل الاسكندينافيّن القدماء (Norsemen).
ومع أن "بيل" كجندي ، كان يحمل دائماً قاموساً فرنسياً في جيبه ، فقد كتب على قفا الصورة آسفاً: "لا أدري ماذا تعني".
(*) تحتاج سياسة التقسيم إلى بعض الإحصائيّات هنا.
ففرقة "ألستر" ذات الرقم 36 كانت مؤلّفة كلّها تقريباً من بروتستانت وافدين من المقاطعات الإيرلندية في أقصى الشمال ـ التي تؤلّف ستّ منها الآن إيرلندا الشمالية ـ لم يكونوا مُتعاطفين مع ثورة 1916 في دبلن. وقد بلغ عدد الضحايا المروّع منهم 186,32 بين قتيل وجريح ومفقود في معارك "الصوم" و"إير". أما الفرقتان الإيرلنديتان العاشرة والسادسة عشرة ، المؤلّفتان في معظمهما من الإيرلنديين الكاثوليك ـ والذين وُلًد العديد منهم في بريطانيا ـ فقد حاربوا في "غزّة" وفي سائر فلسطين ، كما حاربوا في "الصوم" و"الفلاندرز". وبالإجمال ، خسروا 761,37 رجلاً بين قتيل وجريح ومفقود. وعلى العموم ، يُقدّر عدد الإيرلنديين الذين قضوا نحبهم في حرب 1914 ـ 1918 بما يناهز 35000 قتيل.
(*)بعد أن كتبتُ عن إقامة والدي في لو؟نكور في جريدة الإندبندنت ، تلقّيت رسالة من قارئة تقول إنها اليوم تمتلك القصر. كانت بريطانية: وقد أخبرتني أن كثيراً من الضبّاط حفروا أسماءهم على الطاولة والجدران في القبو. ولم يكن اسم
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش