الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية *«الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك

تم نشره في الثلاثاء 15 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية *«الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك

 

 
* الحلقة الثانية عشرة
صدام يعلن في البرلمان عدم امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل
طرد 35 ألف عراقي شيعي من بغداد الى ايران
بختيار : نجونا من دكتاتورية الشاه لنقع في سلطة أدهى
لماذا اتهمت بريطانيا بالتآمر على منطقة عربستان؟

إن موسى الصدر الذي
أسّس حركة أمل في لبنان ،
لم يعد يُرى. وفي النجف ،
رُوًّع الشيعة بالتهديد
وخلال السنوات الأولى من حُكم صدّام ، كان هناك صحافيون يقولون الحقيقة بشأن النظام ، بينما فضّلت الحكومات أن تبقى صامتة إلى حدّْ كبير ، بسبب محافظتها على مصالحها المالية ، والتجارية ، والاقتصادية

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

وبالتالي ، لست الرجل الذي تبحثون عنه للقيام بهذه المهمة. قال: "إني أعرف ماذا تقدر أن تفعل ـ وكل شخص لا يريد أن يخدم وطنه ، لا يستحقّ أن يبقى حيّاً". تأكدت من أنهم سيعدمونني ، فقلت: "أتفق معك في أن من واجب الرجل أن يخدم وطنه: ولكن ما تطلبه مني ليس خدمة لوطني". فأجاب: "يا دكتور حسين ، ما دمت توافق على أن من واجب الرجل أن يخدم وطنه ، فالباقي تفاصيل. عليك أن ترتاح الآن ، لأنك تعب". بعد ذلك ، أبقوني في عدة قصور لعدد من الأشهر. وجاءوا بزوجتي لتراني مرة في قصر كان بيتاً لعدنان حمدان ، أحد أعضاء مجلس الثورة الذي أعدمه صدّام. ولكنهم أدركوا أني لن أتعاون معهم: فأرجعوني إلى سجن "أبو غريب". أمضيت هناك ثماني سنوات: ولم يكن يسمح لي بالكتب ، أو الجرائد ، أو الراديو ، أو أي اتصال مع أي كائن بشري. كنتُ أعلم أني على الصراط المستقيم. ولم أندم يوماً على الموقف الذي اتخذته.
نمت على أرض الإسمنت في زنزانتي ، تحت حرام من حرامات الجيش ، يعجّ بالقمل. كانت هناك حنفية ، وسطل بمثابة مرحاض. وكانوا يعطونني صحناً واحداً من الطعام يومياً ، وفي العادة يخنة فيها بعض اللحم. عانيت من ألم مبرًّح في الظهر بسبب نومي على أرض الإسمنت. كنت أبتكر أحاجي رياضية ، وأحلّها. فكرت في الناس الذين قبلوا النظام ، والذين كان بوسعهم أن يحاربوه عندما كان ضعيفاً ، ولم يفعلوا ذلك. وكلما فكرت في ذلك ، زادت قناعتي بأني قمت بالعمل الصحيح: وعرفت أن عائلتي ستتفهّم أسباب ذلك. تمنّيت لو تأخذ زوجتي الأولاد وتغادر البلاد. فذلك كان سيخفّف من معاناتي. ولكنها قالت إنها لن تغادر البلاد ما دمتُ على قيد الحياة". هذه هي قصة حسين الشهرستاني الباحث الذي هرب في آخر الأمر من سجن "أبو غريب" ، خلال غارة جوية أميركية حدثت في شباط ـ فبراير 1990 ، بعدما ساعده أصدقاء له على أن يتنكّر بزي ضابط مخابرات عراقي. بعد ذلك وجد لنفسه طريقاً عبر السليمانية إلى إيران. وتتذكر زوجته "برنيس" أنها قامت مرة بزيارة زوجها في السجن ، فلم تكد تتعرف على وجهه ، إذ قالت: "تعرفتُ على ثيابه فحسب ، لكني عرفتُ أنه هو ، من دمعة ترقرقت على خده". وبعد نقل الدكتور الشهرستاني من سجن "أبو غريب" إلى أحد القصور بشهرين تماماً ، قرَّر صدّام أن ينكر ما كان قد أقرَّ به للشهرستاني في العام السابق: بشأن خطته لامتلاك أسلحة نووية. وقد راقبت هذا الأداء النموذجي لصدّام ، في 21 تموز ـ يوليو 1980 ، أمام مئات من الصحافيين ـ بمن فيهم أنا ـ في قاعة الجمعية الوطنية العراقية غير الديمقراطية. ربما كانت القاعة بالغة الكبر ، لأنه عندما دخل ، كان الانطباع عنه أنه رجل بالغ الصغر ، يرتدي سترة فضفاضة مثنية على الصدر وكأنه قائد بسيط بربطة عنق ساطعة وسترة لامعة. لم يبدأ بموجة الابتهاج التي يتبنّاها العديد من قادة العرب ، بل بتحية رسمية طويلة ، مثل وضع الجندي المضطرب أمام ضبّاط كبار.
ولكن عندما تكلّم ، رفع الميكرفون صوته ـ عن قصد ، دون شك ـ إلى حجم "الأخ الأكبر" ، بحيث كان يهدر نحونا بتهكمه وغضبه عن حقد وغلّ ، لا عن انفعال. ويمكنكم أن تتصوّروا كيف يكون النقد الذاتي أمام مجلس قادة الثورة. أنكر صدّام أن بلاده كانت تخطط لإنتاج أسلحة نووية: بغضب الحاكم المستبدّ المطلق من أن يفكّر أحد في أن العراق أراد أن يصنع قنبلة نووية: مع الإشارة إلى أن العرب قادرون تماماً على صنعها لو اختاروا ذلك. وقد أدان أيضاً غزو السوفيات لأفغانستان ، والتدخّل الأميركي العسكري في الخليج ، وسخر من قيادة حزب البعث في سوريا ، واتَّهم رجال الأعمال البريطانيين بالرشوة ، وقلَّل من شأن التقارير الدقيقة عن القلاقل الكردية في العراق ، قائلاً: "ليس لدينا برنامج يتعلّق بصنع قنبلة نووية: ليس لدينا مثل هذا البرنامج الذي يحمل إسرائيل على إحباطه... إننا نريد استعمال الطاقة النووية للأغراض السلمية".

الصهاينة في أوروبا
كانت حجّته بارعة. قال: "نشر الصهاينة في أوروبا ، منذ عدة سنوات ، أخباراً تفيد أن العرب قوم متخلّفون ، وأنهم لا يفقهون التكنولوجيا ، وأنهم بحاجة إلى من يحميهم. فالعرب لا يعرفون سوى أن يركبوا الجمال ، وأن يبكوا على الأطلال ، وأن يناموا في الخيم. ثم عادوا قبل سنتين مع من يدعمهم إلى الادًّعاء بأن العراق قارب إنتاج قنبلة نووية. فكيف يستطيع قوم لا يعرفون سوى ركوب الجمال أن ينتجوا قنبلة نووية؟ إن العراق وقّع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية: ولكن لم يسأل أحد: هل يصنع الإسرائيليون قنابل نووية في مركزهم النووي في "ديمونا" بصحراء النقب. إن البلدان العربية على عتبة عصر جديد: وسينجحون في استخدام الطاقة النووية. وسيتمكن ملايين العرب من استعمال هذه التكنولوجيا المتقدمة". وكرَّر صدّام استعمال تعبير "الانشطار الثنائي" (Binary) ، كما لو قام العراق بفلق الذرّة. وضمَّن صدّام كلامه إشارات إلى "الأمّة العربية" ، وإلى روح جمال عبد الناصر ـ الذي كرَّر اسمه في ثلاث مناسبات ـ في محاولة لاسترجاع الأحداث. فبالنسبة إلى نظامه ، كان يعتبره آية تجسّد الفلسفة العربية النقية ، وبالنسبة إلى شخصه كان يرى نفسه الطامح إلى قيادة العالم العربي. ولكنه لم يستطع تفادي الإشارة إلى الحقيقة بصرخته التالية: "كل من يريد أن يعادينا ، عليه أن يتوقع منا أن نكون عدواً مختلفاً تماماً في المستقبل القريب". لقد بيَّن غرضه: إذا كان العرب قادرين على استعمال التكنولوجيا النووية المتقدمة في المستقبل القريب ، وإذا كان عدوّ إسرائيل سيصير "مختلفاً تماماً" ، فذلك لا يعني سوى أنه ينوي امتلاك أسلحة نووية. ولم يكن سراً أن المفاعل النووي العراقي "أوزيراك" كان على وشك التلزيم خلال خمسة أشهر فقط. ثم جاء دور الكلام عن إيران. قال إنه يعتقد بحق الإيرانيين في تقرير مصيرهم: ولكن الخميني صار "قاتلاً بين بني قومه". وعند نقطة معيّنة ، بدأ صدّام يتكلم عن (000 35) عراقي شيعي من أصل إيراني طردهم من العراق ـ لكنه لم يذكر عددهم ، ولا أن العديد منهم يحملون جوازات عراقية ثم توقف عند منتصف الجملة ، بقوله: "طردنا بعض الناس من أصل إيراني ، أي أناساً لا ينتمون إلى العراق. ولكن الآن إذا أرادوا أن يعودوا...". وكان ذلك تحذيراً ينذر بالعقوبات التي ينوي أن ينزلها بالثورة الإيرانية. استمرّ مؤتمر صدّام الصحفي حتى بواكير الصباح التالي. وفيه تكلّم دون رؤوس أقلام: وكان دائماً يرتجل خطابه وهو مستغرق فيه ، كما كان يفعل الرئيس السادات المصري: ولو كانت المقارنة لا تمدحه. وقد سجّلت في تقريري المرسل إلى "التايمز" في اليوم التالي أنه "عندما يبتسم الرئيس ـ وقلّما يفعل ذلك ـ تلاقيه حدّة التصفيق من وزرائه ومن موظفي حزب البعث. وعندما يكون بعضنا قريبين منه ، بعد خطبته ، يصافحنا.

طريّة ورطبة
وقد سجلت في مذكراتي ، أن يده "طريّة ورطبة". وبعد سنتين ، حدث أن "ريتشارد ريم" ، رئيس غرفة الخرائط في مكتب ونستون تشرشل ، رئيس وزراء بريطانيا في شارع "داوننغ" ، استعمل الكلمات ذاتها "طريّة ورطبة" عندما وصف لي خبرته بمصافحة جوزيف ستالين ، القدوة التي حذا حذوَها صدّام بوعي. وقد ذكر أحد الذين كتبوا سيرة حياة ستالين ، أن صدام آلى على نفسه في السبعينيّات من هذا القرن أن يزور جميع "ال؟يلّات" التي كانت لستالين على شاطىء البحر الأسود عند "أبخازيا" ، وعددها 15 ، وبينها قصور كانت للقيصر. ويُعتقد أن صدّام استوحاها ليبني لنفسه قصوراً ملكية شاسعة دون فائدة في شتّى أنحاء العراق" (ھ).
ولكن بالنسبة إلى الغربيين ، كان صدّام بمثابة شاه جديد قيد الإعداد للغرب ، وعبد الناصر للعرب: كما اشتبهت ، من حضوري مؤتمره الصحفي المذكور آنفاً. فشخصيته كانت قد تمذهبت على هذا النحو. فقد أراد أن يكون صيغة جديدة من الخليفة هارون الرشيد ، كما يقال في بغداد ـ فهو سيصبح عمّا قريب صيغة أكثر إقلاقاً من محارب عربي قديم ـ إذ تعمَّمت صورة وجهه على كل البلد ، باللباس الكردي ، وبالكوفية العربية ، وبلباس رجال الأعمال ، وهو يحفر خنادق بلباس رجال العصابات ، ومسدّسه على خصره على طريقة عرفات ، وعلى عملة الدينار العراقي. لقد كان ، كما وصفه شاعر محلّي متذلّل: "شذا العراق ، ونخيله ، ومصبّ نهريه ، وشواطئه ومياهه ، وسيفه ، ودرعه ، والنسر الذي تبهر عظمته السماوات. فالعراق منذ وجد ، كنت أنت له المنتظر والموعود". وكان صدّام قد عوّد نفسه على زيارة العراقيين في بيوتهم من وقت إلى آخر ، ليسألهم: هل هم سعداء؟ ـ وبالطبع كانوا كذلك ـ وكان زميلي "طوني كليفتون" من "النيوزويك" شاهداً شخصياً على مثل هذا. وخلال مقابلة مع الرئيس ، تهوّر "كليفتون" وسأل صدّام: هلّا يقلق بشأن اغتياله؟ فاصفرّ المترجم من الخوف ، وعقب ذلك صمت طويل. ويذكر "كليفتون" "أن صدّام كان يعرف بعض الإنكليزية وفهم السؤال: ثم قال له المترجم شيئاً ، فانفجر صدّام ضاحكاً ، وربّت على كتفي وهو يستمرّ في الضحك ، وقال: "أخرج الآن من هذه الغرفة إلى الشارع ، واسألْ أياً كان في العراق: هل تحبّ صدّام؟" ثم تابع ضحكه مع كل الموجودين في الغرفة. ولو فعلتُ ذلك ، لأجابوني بأنهم يحبونه طبعاً" (ھ).
ورث صدّام الإطار القبائلي والديني ذاته الذي جابه البريطانيين عندما احتلوا العراق عام 1917. وكانت حوزة الشيعة الكبرى مستبعدة من الحكم ، إنما تهدّد دائماً حزب البعث الذي يسيطر عليه السنّة. فلهم أماكنهم المقدّسة المذهَّبة في النجف وكربلاء كرموز على تفرُّدهم في حضن الإسلام: فضلاً عن أكثريتهم الساحقة في إيران. وما دام الشاه يحكم جارة العراق الشرقية فلا خوف من النفوذ الطائفي. ولكن بعد خلع الشاه ، كان البعثيون أول من أدرك التهديد الذي يمثله الشيعة في البلدين كليهما. نازع الشيعة حول قيادة الإسلام ، منذ القرن الثامن عندما اغتيل الإمام علي ، صهر الرسول محمد (ص) ، في الكوفة. واعتقدوا أن سلالته المتمثلة بالأئمة هي الخلف الشرعي للرسول. وإن تعلّقهم بالاستشهاد والموت من شأنه أن يمثّل تهديداً لأي عدوّ ، إذا ظهر في حرب حديثة. أما السنَّة فقد أصبحوا أقوياء تجارياً لمزاملتهم المماليك والأتراك. وكان نفوذ السنّة بُني على ضعف الشيعة في العراق: مع مسعى صدّام إلى إبقاء الوضع على تلك الحال.
المسلمون الشيعة
ولكن هذا التباين يتفاقم باستمرار ـ كما حصل في المملكة العربية السعودية ، ذات الغالبية السنًّية ـ لوجود معظم نفط الشرق الأوسط صدفةً تحت الأراضي التي يسكنها المسلمون الشيعة: في جنوبي العراق ، وفي شمالي شرقي العربية السعودية ، وبالطبع في إيران ، حيث غالبية السكان شيعية. وقد تسامح صدّام مع الشاه منذ أن حجب الشاه دعمه للتمرّد الكردي في الشمال. والأكراد ، مثل الشيعة ، خُدعوا تكراراً من قًبل الغرب وإيران. واتُّفق على جعل الحدود العراقية ـ الإيرانية على طول شط العرب. وكان صدام متهيئاً للسماح بإقامة آية الله الخميني في النجف حيث سكن ، بعد طرده من إيران: إنما مُنع من تعاطي أيّ نشاط سياسي: لكن الخميني لم يأبه لذلك. فقد أعطى أتباعه شرائط كاسيت عبّر فيها عن اشمئزازه من الشاه ، وتصميمه على قيادة ثورة إسلامية ، مع دعمه للقضية الفلسطينية. وكان من أقرب مناصريه في النجف حجة الإسلام علي أكبر محتشمي ـ الذي صار فيما بعد سفيراً لإيران في سوريا ، والذي أرسل حرّاس الثورة إلى لبنان عام 1982 ، والذي سجنته السلطة العراقية ثلاث مرّات (ھ).
ولكن سفير الخميني الديني كان آية الله السيد محمد باقر الصدر ، أحد أكبر رجال الدين الشيعة في النجف نفوذاً وتأثيراً ، والذي كتب عدداً من الأعمال المحترمة في الاقتصاد الإسلامي والتربية الإسلامية. وقد دعا هو أيضاً إلى ثورة إسلامية في العراق ، معتمداً ـ مثل حسين شهرستاني ـ على أهمّيته السياسية لتحميه من الهلاك. وحالما طرد صدّام الخميني ـ إلى تركيا ، ومنها إلى باريس ـ صار باقر الصدر في خطر قاتل. وإزاء ثورة إسلامية مشتعلة في إيران ، لم يكن لدى صدّام أي وخز ضمير في شلّ يد الخميني اليمنى في النجف ، ناهيك بأتباعه. وبدأت المعاناة. فأوقف باقر الصدر ، المريض في بيته ، وأودع السجن في بغداد ـ ليفرج عنه بعد قيام مظاهرات واسعة في النجف ضد النظام ، ثم أعلن حزب البعث عن وجود المعارضة المسلّحة المتمثلة بحزب "الدعوة" ، وانقضّ على مناصري باقر الصدر. وأورد الإيرانيون فيما بعد أسماء الشهداء الأوائل للثورة الإسلامية في العراق. حجّة الإسلام الشيخ عارف البصري ، وحجّة الإسلام السيد عزيز الدين القبنجي ، وحجة الإسلام السيد عماد الدين طبطبائي تبريزي ، والأستاذ حسين جلوخان ، والأستاذ نوري طعمه. وقرّر حزب البعث سحق تأثير مدارس الشيعة الدينية في النجف ، عن طريق نشر قوانين جديدة ، تلزم كل المعلمين بالانضمام إلى حزب البعث. فأعلن باقر الصدر إذ ذاك أن مجرّد الانضمام إلى حزب البعث "تحرّمه القوانين الشرعية الإسلامية". وقرّر ذلك مصيره ـ وهو مصير لم يُرد صدّام أن يكشف عنه أولاً. وشاعت على مدى شهور تقارير عن إعدام باقر الصدر في الخارج ـ دون صدور توكيد من النظام. ولكن ، عندما طلبتُ أن أزور النجف عام 1980 ، أخبرني أحد موظفي البعث الحقيقة: إنما بالطريقة البعثية القاسية. كان يوم 23 تموز ـ يوليو يوماً قائظاً ، عندما وصلت إلى مكتب حاكم النجف البعثي المهيب "مصبان القاضي" ، أحد أعضاء الحزب الأعلى مقاماً ، والمؤتمن على الأسرار الشخصية لصدّام حسين. وقبل وقت الغداء في شهر رمضان الذي لا غداء فيه ، وبينما كان ميزان الحرارة يشير إلى 4,54 درجة مئوية ، جاءني الإقرار ، جواباً عن سؤالي: "هل أعدم آية الله باقر الصدر؟". قال القاضي: "ليس لي علم بآية الله باقر الصدر: ولكنني أعرف محمد باقر الصدر ، الذي أُعدم ، لأنه كان خائناً ، وتآمر على العراق ، وحافظ على علاقاته مع الخميني.
جاسوس
لقد كان عضواً في حزب "الدعوة". وقد كان مجرماً وجاسوساً: ولم تكن له علاقات مع الخميني فحسب ، بل أيضاً مع وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA).وقد أعطت السلطات جثته إلى أقربائه ـ ليقبروه في وادي السلام: ولكن عائلته لم يلحق بها ضرر. ولا تزال تعيش في النجف". أذكر كيف كان مكيًّف الهواء يُهسهس في ناحية من الغرفة ، أثناء تكلّم القاضي. لقد تكلّم بنعومة ، وملت أنا نحوه لأسمع كلماته. وكان ذلك كافياً لإرسال وخز انفعالي على طول العمود الفقري لأيّ سامع. فالخميني قلَّل من احترام حُماته السابقين: وهذا كامن في قلب النظام البعثي الذي قام بالكثير ليساعده. قال القاضي بلطف: "يتكلّم الخميني عن حشود الناس التي أتت لترى باقر الصدر في غيابه. ولكن ذلك الرجل أقرَّ في المحكمة أنه تجسّس. لقد شُنق منذ أكثر من خمسة أشهر. ولكن هذه أمور صغيرة تسألني عنها. إننا في العراق نُعدم كل خائن. ولماذا يطرح المراسلون أسئلة غير هامة مثل هذه؟ ولماذا لا تسألني عن مشاريع التنمية في النجف؟".
تذكار
إن هذا التذكار كئيب نابذ للرجل الذي رافق الخميني خلال 14 سنة من النفي. وادي السلام هو مقبرة يتمنّى ملايين من الشيعة أن يدفنوا فيها ، إذ إنها لا تبعد سوى بعض مئات الأمتار عن المقام الذهبي للإمام علي. وقد أُذن لعائلته أن تقيم له مأتماً إسلامياً تقليدياً. وهو يرقد الآن في قبر ضيّق بين مئات الألوف من القبور المتراصَّة المحدودبة التي يعتقد الراقدون فيها أن قربهم من المرقد الأخير للإمام عليّ يؤمّن لهم الشفاعة الشخصية يوم القيامة لهذا المحارب المقدّس الذي توفّاه الله منذ زمن بعيد. ولكن كان هناك أيضاً قبر آخر قرب قبر باقر الصدر أنبأنا عنه أحد موظفي حزب البعث من الشباب ، الذي أسعده أن يوسًّع قصّة الحاكم الوحشية. قال: "شنقنا شقيقته أيضاً. وقد أُلبس كلاهما كفنين أبيضين للشنق. وقد شُنقت بنت الهدى في الوقت نفسه تقريباً. لم أر عملية الشنق ، لكني رأيت باقر الصدر المشنوق فيما بعد ، خارج سجن "أبو غريب". لقد شنقوه علناً. وكان بثوبه الديني مع قماش أبيض فوقه: ولكن دون عمامة. وفيما بعد أنزلوه ووضعوه في تابوت خشبي ، وأوثقوه على ظهر سيارة. ثم أُخذ إلى النجف. لماذا تسألون عنه ، لقد كان شخصاً سيّئاً". إن تاريخ حزب البعث في العراق يمكن أن يكتب بدم العلماء وعائلاتهم ، وكيف أن زوال علماء الشيعة أصبح موضوعاً مخيفاً على مدى السنوات القادمة. ومن المعروف ، أن الإمام موسى الصدر ، زعيم الطائفة الشيعية في لبنان وأحد أقرباء باقر الصدر ، اختفى بينما كان يزور ليبيا في آب ـ أغسطس عام 1978. ولد في "قُمّ": وكان رجلاً طويلاً ملتحياً ، يبدو أصغر من أن يبلغ من العمر 50 سنة. وقد دعي لزيارة ليبيا بمناسبة الاحتفال السنوي التاسع بثورة العقيد القذافي. وبحسب رواية إحدى الصحف اللبنانية ، كان كل ما لديه ليتكلم عنه في العاصمة الليبية ، هو الحالة في إيران. فهل قُبض عليه من قبل شرطة الشاه السرًّية المسمّاة "السافاك"؟ أو هل أخفاه القذافي من أجل صدّام؟ كان من المفترض أنه استقلّ طائرة "أليطاليا" على الرحلة ذات الرقم 881 المغادرة إلى روما بتاريخ 31 آب ـ أغسطس في طريقه عائداً إلى بيروت. وقد ظهرت أمتعته على مَدْوَرة مطار "فيوميسينو" بإيطاليا ـ ولكن لم يكن على الطائرة لا هو ولا الصحافي اللبناني الذي كان يرافقه. ولا يزال كثير من الشيعة في لبنان يأملون بعودة إمامهم: بينما يحاول غيرهم اليوم اتًّهام القذافي. إن موسى الصدر الذي أسّس حركة أمل في لبنان ، لم يعد يُرى. وفي النجف ، رُوًّع الشيعة بالتهديد. لم يكن أحد يذكر اسم باقر الصدر في المدينة المغبرة ، التاريخية بمسجدها المجيد المبني حول ضريح الإمام علي صهر الرسول وابن عمّه. وقد استغرب أحد المشرفين على مواقف السيارات وهزَّ كتفيه متعجّباً من جهلي ، عندما ذكرت أمامه اسم باقر الصدر. وكانت اللافتات المنصوبة في شوارع النجف في ذلك الشهر القائظ ، شهر تموز ـ يوليو ، كلّها تمدح كرم صدّام ـ وقد صُمًّم كل شعار منها شخصياً بواسطة أصحاب الحوانيت المحلّيين: كما أصرّ على هذه النقطة أحد موظفي وزارة الإعلام ـ وفي إحدى الطرق ارتفع علم أحمر صغير ، وعليه ما معناه: "ليسقطْ نظام الخميني ، الكاذب والخائن ، وليتبعثرْ أشلاء". كان آية الله أبو القاسم الخوئي الكبير والأكبر سناً ، هو الوراث الشرعي للزعامة الشيعية في النجف. ولكنه كان رجلاً يعتقد أن الناس يجب أن تعطي ما لله لله ، وأن تعطي ما للبعث لصدّام: ولم يكن له التأثير اللازم لتهدئة القلاقل ـ كما لم يستطع ضبط الغوغاء خلال التمرّد الذي حصل في جنوب العراق عام 1991. لم يُسمح لنا بمقابلة هذا الرجل الكهل. ولكن الحاكم كان مستعداً ليأخذني إلى البيت الذي كان يسكن فيه الخميني. وهو عبارة عن مبنى من طابق واحد له جدران مكسوّة بالطلاء المتقشّر. وكان موقعه في طريق سمّيت بما يناسبه ـ شريعة الرسول ـ في الضاحية الجنوبية من النجف. يقولون لك إن للبيت باباً خشبياً مطليّاً: وهذا صحيح. لكن حرّ الظهيرة حجزنا في الظلّ ، حيث كانت تهبّ علينا موجات حارّة من الأزقة حتى بتّ لا أرى سوى بيوت مقفلة ، وشوارع أحادية اللون ، الوجه السلبي لمدينة كُرًّست لهويّة العبادة وهويّة الموت. ولا نشكّ في أن آية الله الخميني قد أحبّ إقامته هناك.
تعبيد الطرق
ولكن المدينة كانت تمرّ بحالة تغيّر. فهناك تعبيد للطرق: كما أن مشروعاً بنائياً أزال من الوجود أحد البيوت "الأمينة" للخميني ، والحكومة العراقية تبذل قُصارى جهدها لتأمين حاجات الشيعة في الأقدس من المدن. أضف إلى ذلك مصانع جديدة كانت تُبنى لجهة الشمال ، وأكثر من مئة مدرسة حديثة ـ كاملة بمعلّميها البعثيين ـ كانت قد أنجزت ، مع شبكة من المراكز الصحّية ، والفنادق ، وصفوف مباني الشقق المتلاصقة. وكان الحاكم يزدهي بأن يجعلني أمرّ بسيارته المرسيدس البيضاء عبر الشوارع الجافة الشديدة الحرارة ، مشيراً بإصبعه القصير السمين نحو السوق الشرقية. قال مصبان القاضي: "إني أعرف كل شخص هنا ، وأحبّ هؤلاء الناس ، وهم يبادلونني ذلك بإظهار مشاعرهم الحقيقية لي". ووراءنا كانت تسير سلسلة من سيارات الشرطة المرافقة: وهي تخرخر في ذلك الحرّ الرهيب. وكان "القاضي" شيعياً ، ولكنه لم يكن من النجف ، بل من ولاية قريبة اسمها "ديالا". كان يأتي إلى مسجد الإمام عليّ كل يوم ، كما يدّعي ، ويشير إلى علم منصوب فوق فسيفساء المقام ، وكان عليه مقطع من خطبة لصدّام يقول: "نشعر ببالغ السعادة ، لوجود والدنا الكبير علي: لإنه أحد زعماء الإسلام ، وصهر النبي (ص) ولأنه عربي". وقد كرَّر الموظفون البعثيّون هذه النقطة: إن كل العراقيين الذين هم من أصل إيراني طُردوا من النجف. وقال القاضي بنزق: "لو اتصلت بي البارحة تلفونياً لأعطيتك العدد". وكانت الرسالة عبارة عن أن الإسلام الشيعي هو نتاج الحضارة العربية لا الفارسية. وقد ورد هذا الموقف تكراراً. ألم يقدّم صدّام شخصياً مجموعة من البوّابات المرصَّعة بالذهب لمقام النجف ، وسعر كل منها لا يقل عن مئة ألف دولار أميركي؟ مشى الحاكم ببطء في السوق عبر الطريق. ولما كان الشهر شهر رمضان ، كانت مصاريع الحوانيت مغلقة ، وحارّة جدّاً لو مسستها لأحرقت جلدك. ولكن كان هناك كشك عطور لا يزال مفتوحاً ، فجلس "القاضي" بثقله على مقعد متداعْ: بينما كان البائع الثرثار يصبّ زيوته الفوّاحة الدافئة في قوارير. سعل القاضي قائلاً: "اسأله هل يحبّ المعيشة في النجف". لكنني سألته عما إذا كان يتذكر الخميني ، فأومضت عيناه عبر الموظفين القريبين منه ، وقال بعناية: "نحن كلّنا نتذكّر الخميني: سكن هنا 14 سنة. وكان كل يوم يذهب للصلاة في المسجد ، وكان أهل النجف يتجمّعون حوله بالآلاف لحمايته ـ فقد اعتقدنا أن الشاه قد يرسل شرطة "السافاك" لقتله: ولذلك كنَّا نقف حوله في المقام". ثم جاءت لحظة صمت ، بينما كان الموجودون حوله يقوًّمون حسَّه النقدي. ولكن الحاكم قال: "هاكَ ولداً صغيراً يحبّ أن يقول لك رأيه في الخميني". وصرخ ولد صغير فقير يلبس عباءة قذرة: "الخميني خائن" بابتسامة فارغة. فأيَّد جميع الموظفين قوله ، باعتباره يمثل المشاعر الحقيقية للناس في النجف. لم يرَ "القاضي" الخميني أبداً ، لكنه يؤكد واثقاً أنه كان عميلاً لوكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) : حتى أن "الخوئي" أرسل برقية إلى "قمّ" يستنكر فيها قتل المسلمين الأكراد في شمالي إيران. وقد يكون الخوئي قد فعل ذلك ـ مع العلم أن زميله المعلّم آية الله صاحب الحكيم قد أعدمه النظام ـ ولكن لم تُستثنَ عائلته. ففي عام 1994 ، وبعد سنتين من وفاة الخوئي قُتل ابنه محمد تقي البالغ من العمر 36 سنة ، عندما اصطدمت سيارته بشاحنة متمفصلة غير مضاءة على الطريق العام خارج كربلاء. لقد كان ينتقد صدّام دائماً لاضطهاده الشيعة: وقد أخبر أصدقاءه في العام الماضي بلندن أنه من المرجح أن يموت على يد صدّام. ولم تجرَ له ولابن أخيه البالغ من العمر ست سنوات والذي مات معه ، مراسم الدفن العادية ، بناء على طلب السلطة. وبعد أربع سنوات اغتيل آية الله الشيخ مرتضى البوروجردي. وهو يعود إلى بيته بعد صلاة العشاء من مقام الإمام علي. وهو من أبرز الباحثين والقانونيين في النجف ، ومن تلاميذ "الخوئي" الأب ، ومن أصل إيراني. وكان قد ضُرب في العام الفائت ، ونجا من محاولة قتل عندما ألقيت عليه قنبلة يدوية. وذلك لأنه رفض أن يمتنع عن إقامة الصلاة في مسجد المقام. وكان آية الله علي السيستاني ، مرجع التقليد الأساسي ، لا يزال تحت الحجز في منزله: بينما كان البعثيون يروّجون لمن هو أكثر مطاوعة منه "السيد محمد صادق الصدر" ، ابن عم الصدر الذي أُعدم. لكن صادق ذاته اغتاله مسلّح في النجف بعد تسعة أشهر من إصداره فتوى يدعو فيها الشيعة إلى حضور صلاة الجمعة ، بالرغم من اعتراض الحكومة على تجمّع الحشود. كما أن يوسف ابن "الخوئي" ـ أخا تقي ـ ألقى اللوم على البعثيين ، ونشب الشغب في أحياء الشيعة الفقيرة في مدينة صدّام ببغداد. ولكن تاريخ مقاومة الشيعة لم ينتهً مع سقوط صدّام. فقد انبرى "مقتدى" ابن صادق الصدر لقيادة تمرّد ضدّ الاحتلال الأميركي للعراق ، بعد خمس سنوات ، في عام 2004: ممَّا جلب الدبّابات الأميركية إلى شوارع النجف ذاتها ، التي مرَّت فيها مدرّعات صدّام ، ولإثارة معارك مسلّحة عبر "مدينة الصدر" التي غيّر السكان اسمها بعدما أعدم صدّام باقر الصدر ، من "مدينة صدّام" إلى "مدينة الصدر".
منشورات
هؤلاء كانوا أبرز العراقيين من أصل عشرة آلاف عراقي قُتلوا خلال حكم صدّام الذي دام 24 سنة. وقد نكَّل النظام أكثر ما نكّل بالأكراد ، والشيوعيين ، والشيعة. وإني أجد في ملفّاتي التي جمعتها منذ السبعينيّات والثمانينيّات من القرن العشرين ، الكثير من المنشورات السيّئة الطبع الصادرة عن "الاتحاد الوطني الكردستاني" وعن اتحادات التجارة العراقية ، وغير ذلك من الجماعات الصغرى للمعارضة ، تذكر آلافاً من الرجال والنساء الذين أعدموا. وبينما كنتُ أقلًّبها ، عثرت على عدد من مجلة الاتحاد الوطني الكردستاني المسمّاة "الشرارة" (Spark) صادر بتاريخ تشرين الأول ـ أكتوبر عام 1977 ، يُشتكى فيه من أن قوّات من البعث العراقي ومن قًبل شاه إيران قد حاصرت أنصار هذا الاتحاد في قرية "حلبجة" الشمالية ، ويورد بالتفصيل أسماء القرى التي طُرد منها سكّانها الأكراد: فضلاً عن ذكر أن أربعمئة شخص من أعضاء هذا الاتحاد الكردي قد أُعدموا ، أو اغتيلوا ، أو عُذًّبوا. وكان هناك أيضاً كرّاسة للاتحاد صادرة بتاريخ 10 كانون الأول ـ ديسمبر عام 1977 تروي طرد 000 300 كردي إلى جنوبي العراق. كما كان وهناك كذلك قائمة مخيفة من مجموعات شيوعية ، تورد أسماء 37 عاملاً عراقياً أعدموا أو "اختفوا" خلال عامي 1982 1983و ومنهم: "عامر قدير" ، عامل في مصنع التبغ بالسليمانية ـ عُذًّب حتى الموت: و"علي حسين" ، عامل نفط من كركوك ـ أُعدم: و"مجيد شرهان" ، فلّاح من الحلّة ـ أعدم: و"صدّام موهر" ، موظف مدني من البصرة ـ أُعدم... وكان الموتى من الحدادين ، والبنَّائين ، والطابعين ، وعمّال البريد ، والكهربائيين ، وعمّال المصانع. ولم يكن أحد بمأمن. لم تكن هذه الحالة الدائمة من قتل الجماهير عبر العراق خافية على أحد ، خلال السبعينيّات والثمانينيّات. ومع ذلك كان الغرب صامتاً ، أو مُديناً لذلك إدانة خفيفة. ومن أبرز الأمثلة الفاضحة على علاقاتنا الملطّخة بالعار مع النظام العراقي ، تصريح رئيس بلدية باريس آنئذْ "جاك شيراك" بأنه يكنّ للرئيس العراقي صدّام حسين: "الاحترام ، والاعتبار ، والودّ": عندما زار صدّام باريس عام 1975. وخلال ثلاث سنوات من ذلك التاريخ ، تورّط أفراد من السفارة العراقية في باريس ، في معركة مع الشرطة الفرنسية ، بعدما حجز مسلّحان عربيان بعض دبلوماسييهم. وقُتل في هذه المعركة مفتّش شرطة فرنسي وجرح شرطي: ولكن العراقيين الثلاثة الذين قاموا بهذا العمل تحصّنوا بالمناعة الدبلوماسية وسُمح لهم بالمغادرة إلى بغداد بتاريخ 2 آب ـ أغسطس عام 1978 ، بعد يومين من عملية القتل. وانهمرت على العراق لمدة 15 سنة مختلف أنواع التصديرات الوافدة من الخارج الغربي ، ومنها: اعتمادات التصدير والكيميائيّات ، والطائرات المروحية الأميركية ، والطائرات النفَّاثة الفرنسية ، والغاز الألماني ، والآليات العسكرية البريطانية. وكان قد سبق للعراق أن استعمل الغاز لقتل آلاف من الجنود الإيرانيين. عندما قام "دونالد رامسفيلد" بزيارته المرموقة إلى بغداد عام 1983 ، ليصافح يد صدّام ويطلب منه السماح بمعاودة فتح السفارة الأميركية. وكانت أول وآخر مرّة زرت فيها القنصلية الأميركية هناك ، بعد زيارة "رامسفيلد". وقد أكد لي أحد أشباح وكالة الاستخبارات الأميركية الشباب آنذاك أنه لم يعد يخاف من السيارات المفخخة ، لأن له "ثقة تامّة في الأمن العراقي".
مشاريع العراق
واعتُبرت مشاريع العراق آنذاك في ميادين محو الأمية ، والصحة العامة ، والعمران ، والاتصالات ، إثباتات على أن حكومة البعث كانت جوهرياً كريمة ، أو تستحق الاحترام على الأقلّ. وقد وجدتُ في ملفّاتي أيضاً مقالات عديدة ظهرت في الصحافة الغربية ، وهي تكاد تركّز حصراً على مشاريع العراق الاجتماعية. ففي عام 1980 مثلاً ، نشرت مجلة إدارة الأعمال في الشرق الأوسط (8 Days) ، مقالاً طويلاً ، كُتب بتهكّم لا شعوري ، جاء فيه: "إن العراقيين الذين يتخلّفون عن حضور دروس القراءة ، يمكن أن يدفعوا غرامة أو يودعوا السجن ، لأن دروس محو الأميّة إلزامية. وقد تبدو مثل هذه التدابير قاسية.

منتوجات
ولكن تجدر الإشارة إلى أن العراق يدخل سنته الثانية من حملته الحكومية لمحو الأمية ، وأن النتائج التي حصل عليها نالت تقريظ الأمم المتحدة". في عام 1977 ، أجرت "دبلن صنداي برس" التي توقّفت اليوم عن الصدور ، مقابلة مع "تشارلس هوغي" وزير المالية الإيرلندي السابق لم يرد فيها أي ذكر لانتهاك حقوق الإنسان في العراق. ولم يكن عسيراً أن نعرف السبب. فقد بدأ النص بتتويج عن "السوق الهائلة القادمة لمنتوجات إيرلندا في العراق: بما في ذلك الغنم ، والبقر ، والألبان والأجبان ، ومتطلبات صناعة البناء... كما قال لي "تشارلس هوغي" بعد عودته من زيارة أسبوع لتلك البلاد". وقد علمنا أن "هوغي" وزوجته "مورين" كانا "ضيفين على الحكومة العراقية الاشتراكية التي مضى على وجودها تسع سنوات" ، فصار باستطاعته أن يطّلع على "الوضع السياسي والاقتصادي هناك ، والمساعدة في تعزيز علاقات أفضل بين إيرلندا والعراق على الصعيد السياسي". وقد قابل هوغي "المدير العام لوزارة التخطيط ، صدّام حسين" ، وصرّح بأن "الوجه الأساسي للعراق الحديث هو التصميم التام لقادته على استعمال الثروة المجنية من الموارد النفطية العراقية لصالح الشعب..." وأخبر المقال قرّاءه "بأن حزب البعث ، تسلّم الحكم في تموز ـ يوليو عام 1968 دون إراقة قطرة دم". وقد فهم البريطانيون النظام العراقي فهماً جيّداً. ففي عام 1980 ، اقتحم مسلّحون السفارة الإيرانية في لندن. وكانوا من "المنظمة السياسية للشعب العربي في عربستان" ، تلك الزاوية الصغيرة الواقعة جنوبي غربي إيران ، والمسماة "خوزستان". وقد انتهى الحصار بدخول شرطة (SAS) المبنى ، والقبض على أحدهم ، وقتل أربعة آخرين ، وإعدام الخامس ، قبل أن تلتهم النار ذلك المبنى (ھ).
وبعد ذلك بأقل من ثلاثة أشهر ، وبتاريخ 19 تموز ـ يوليو 1980 ، دهشت عندما تلقيت مخابرة تلفونية في الفندق الذي أنزل فيه ببغداد ، ودعوتي من قبل السلطات العراقية لحضور مؤتمر صحفي تعقده المجموعة العربية ذاتها التي اقتحمت السفارة. وانبرى منها "ناصر أحمد ناصر" البالغ من العمر 31 سنة: وهو متخرج في الاقتصاد من جامعة طهران ، يتهم البريطانيين "بالتآمر" مع إيران على عرب المنطقة ، ويطالب بإعادة جثث المسلّحين الخمسة إلى العراق. كان ناصر ذا شاربين ، يضع نظارة سوداء ، ويرتدي قميصاً أسود وسروالاً متغضّناً. تكلّم بهدوء وبنظرة مستقبلية إلى ردّ الفعل على القتل ، قائلاً: سنثأر ، لأن عدونا الثاني الآن هو إنكلترا". وادّعى أنه حُكم عليه بالموت غيابياً في إيران. ولكن مجرّد وصوله إلى المؤتمر ودخوله إلى مكاتب وزارة الإعلام العراقية الوثيرة ، أوضح أن حكومة بغداد تناصر قضيّته تماماً ، وقد تكون وراء اقتحام السفارة في لندن. وقد قام موظف ذو مقال عال في الوزارة بترجمة تلك الخطبة المنمَّقة. كان عرب "خوزستان" يسعون إلى الاستقلال عن نظام الخميني: وقد أُعدم أو سجن العديد من أبناء تلك المقاطعة المتمرّدين ، بحسب قول ناصر. وقد جرى اقتحام السفارة من أجل إطلاق سراح المسجونين. ووافق ناصر على أن هناك "رابطة" بين المتمرّدين وحزب البعث وكان علينا أن نستفسر منه عن ذلك. "فحزب البعث العربي الاشتراكي يرفع شعار: "أمة عربية واحدة ، ذات رسالة خالدة". وهو شعار مجيد نتبعه". فماذا يعني ذلك؟ بعد التفكير ، كان علينا أن نستوعب أهمّيته: كان صدّام يحضّر لتحرير قطعة أرض من إيران في المستقبل ، على شاكلة "السوديت" ، أو "دانزيغ". ولكننا طبعاً ، سألنا عن الحصار في لندن ، بدلاً من مغازي دعم العراق للمتمرّدين. قال ناصر: "عندما ذهبنا إلى السفارة الإيرانية في لندن ، لم نكن ننوي أن نقتل فنحن لسنا إرهابيين. اخترنا الحكومة البريطانية كمفاوض ، لأنها بلد ديمقراطي ، وأردنا أن نستفيد من هذه الديمقراطية. وقد عرف البريطانيون ـ وعرف العالم أجمع ـ أننا لم نقصد قتل أي كان... ولكن انتظرنا ستة أيام ، ولم يستجيبوا لطلبنا ، أو ينشروا مطالبنا. وقطعوا خطوط التلكس والتلفون...
قاض ايراني
ما كان ينبغي لهم قتل شبابنا. كان بوسعهم أن يأسروهم ، ويحاكموهم". وحمَّل ناصر القاضي الإيراني "صادق خلخالي" مسؤولية تعذيب العرب في "خوزستان" بقوله: "إنه يستخدم معذّبين يكسرون السيقان ، ويطلقون النار على الأذرع ، قبل قتل الضحايا بالسكاكين" ـ وقد ادَّعى أن العرب في تلك المقاطعة قبلوا أولاً الثورة الإيرانية ، لأنها "جاءت باسم الإسلام" ، لكنهم اليوم يريدون الاستقلال ، "مثل الأكراد ، والبلوشيين ، والأتراك". وعندما سألناه: "كيف جاء مقتحمو السفارة بالأسلحة إلى بريطانيا؟" ، أجاب: "كيف جلب الفلسطينيون أسلحة إلى "ميونيخ"؟ وكيف يجلب الثوار الإيرلنديون أسلحة إلى بريطانيا؟ نحن قادرون على أن نفعل مثلهم". ولكن ، لم يسأل أحد: "هل وصلت الأسلحة إلى لندن في الحقيبة الدبلوماسية العراقية؟ وناصر نفسه جاء من مرفأ "خرمشهر" الإيراني ، مستعملاً تعبير "المحمّرة" للدلالة على ذلك المرفأ. وهكذا ستكون "المحمّرة" "دانزيغ". ولكن بريطانيا لم تحتجّ لدى العراق بسبب الحصار ـ أو لأجل المؤتمر الصحافي غير الاعتيادي المنظّم بوضوح من قًبل الحكومة العراقية. لقد كان ذلك صمتاً فصيحاً. وبالطبع ، كان هناك تساؤل حول علاقة بريطانيا المريحة مع العراق.

مجلس اللوردات
فقد دارت مناقشة في "مجلس اللوردات" عام 1989 ، بعد سنة من انتهاء الحرب الإيرانية ـ العراقية التي دامت ثماني سنوات ، وبعد توقيف مراسل "الأوبزرفر" في بغداد "فرزاد بازوفت" ، وصديقته الممرضة "دفنه باريش" ـ عندما سأل اللورد "هايلتون": "كيف تبرًّر الحكومة البريطانية عملها في توفير رصيد جديد للعراق يبلغ 250 مليون جنيه مع أن ذلك البلد يحتجز رعايا بريطانيين دون محاكمة ، ويرفض إطلاق سراح أسرى الحرب مع إيران بعد وقف إطلاق النار ، وله سجلّ في انتهاك حقوق الإنسان". فأجابه اللورد "تريفغارني" عن الحكومة قائلاً: "لا شكّ في أن الحكومة العراقية تعرف اهتمامنا بالمواطنة البريطانية المحتجزة "مسز باريش" ، وحول سجلّ العراق بخصوص حقوق الإنسان... لكننا أمّة متاجرة بصفة رئيسية. وأخشى أنه لا بد لنا من أن نتعامل تجارياً مع عدد من البلدان ، لا نوافق على سياساتها... نحن لا نبيع سلاحاً للعراق". فردّ عليه "هايلتون" بقوله: "مع أني أقدًّر أن بلدنا هو بلد متاجر... فإني أتساءل أليس الثمن الذي ندفعه غالياً؟". وتوقّفت المناقشة عند هذا الحدّ دون أي تعليق آخر. أما "بازوفت" المولود في إيران ، والذي لديه أوراق تعريف بريطانية دون الجنسية ، فقد زار "الحلّة" في العراق بسيارة "باريش" مستطلعاً دلائل تثبت أن العراق ينتج أسلحة نووية. وقد أوقف وهو في المطار يحاول مغادرة بغداد ، واتّهم بالتجسّس ، وأحيل على المحاكمة مع "باريش" تحت خطر الموت. وبعد شهر صرّح وزير الخارجية "وليم والدغري؟" ، بأنه "يشكّ في وجود سوق مستقبلية على نطاق واسع ، في أي مكان للمملكة المتحدة فيه مكانة متينة ، إذا لعبنا اللعبة السياسية لعباً جيّداً: كما لا أستطيع أن أتصوّر وجود سوق هامة حيث يكون أثر الدبلوماسية كبيراً على وضعنا التجاري. إنما يجب أن لا نسمح بأن يفوز بها الفرنسيون ، أو الألمان ، أو اليابانيون ، أو الكوريون إلخ..." وأضاف: "وإذا حصلت حالات قليلة أخرى مثل حالة "بازوفت" أو استجدّ قتال للقمع الداخلي ، فإن ذلك يعسًّر الأمر". وقد سطَّر "والدغريف" كلماته بعد أشهر من استعمال صدّام الغاز في "حلبجة". وقرّر "جيوفري هوي" ، نائب رئيس مجلس الوزراء ، أن يقلل من تقييد بيع الأسلحة إلى العراق ـ ولكنه أبقى الأمر سرّاً ، لأنه "سيبدو من السخرية بمكان ، أن نتبنَّى أسلوباً متسامحاً في بيع الأسلحة إلى العراق ، بعدما استنكرنا معاملة الأكراد فيه". وقد حُكم على "بازوفت" بالموت بتاريخ 10 آذار ـ مارس 1990 ، فهاجمت "الأوبزرفر" صدّام بسبب هذه الإدانة ـ وربّما لم يكن ذلك قراراً حكيماً في تلك الظروف ـ وتطوّع "دوغلاس هيرد" وزير الخارجية بالذهاب إلى بغداد لمقابلة الرئيس العراقي. ولكن بحسب قول وزارة الخارجية العراقية ، "لا يتدخّل صدّام تحت الضغط السياسي". ولكن ، بدأت إذ ذاك عملية رتيبة شرسة ، أوضحها لي البحث الذي أجريته في بيروت.
فمنذ عام 1968 ، كانت العادة أن المدانين "بالجاسوسية" يعترفون بذلك الإثم على التلفزيون: ثم يُعدمون. وفي عام 1969 ، اعترف محافظ بغداد بالتجسّس على شاشة التلفزيون ، ثم أُعدم. وظهر "بازوفت" على التلفزيون واعترف بالتجسس ـ ولم يكتشف أصدقاؤه إلَّا فيما بعد أنه عُذّب بالكهرباء خلال استجوابه. وفي شباط ـ فبراير 1969 ، وقبل إعدام سبعة "جواسيس" ، أعلن راديو بغداد أن الشعب العراقي "عبّر عن إدانته للجواسيس": ثم أُعدموا. وفي أيار ـ مايو 1969 ، صفَّق ممثلو اتحاد الفلاحين لقرار الرئيس البكر "قطع رؤوس أعضاء حلقة الجواسيس العاملين لصالح وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA).
«الجاسوس البريطاني»
وأعدموا على الأثر ، كما ينبغي. وخلال زيارة من زيارات صدّام التي لا تنتهي إلى مجموعات الأقلّيات في العراق ، سأل صدّام جمهوراً غفيراً من الأكراد: هل يجب أن يُشنق "الجاسوس البريطاني"؟ فهتفت جوقتهم ، بالإيجاب طبعاً. إنها التقنية البعثية القديمة ذاتها: إجعلْ الشعب يتّخذ القرار ـ بعد أن يعلم ماذا يجب أن يكون القرار ـ ثم عليك أن تطيع إرادة الشعب. وفي صباح 16 آذار ـ مارس 1990 ، أُعلم "رابين كيلي" أحد الدبلوماسيين البريطانيين في بغداد أن "بازوفت" سيشنق اليوم. فوصل إلى سجن "أبو غريب" ، ووجد الرجل غير دارْ بمصيره ، وهو يحاول أن يقدّم استرحاماً لصدّام. وكانت وظيفة "كيلي" أن يخبره بالحقيقة: لكنه أبى أن يلبّي حضور دعوة الشنق. وبعد ثمانية أيام ، كان أربعة عمال في مطار "هيثرو" يرفعون تابوته ويخرجونه من إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية القادمة إلى لندن. ولم يكن في استقبال ذلك التابوت أي موظف من وزارة الخارجية ، أو قريب ، أو صديق. فنقل التابوت إلى سقيفة شحن ريثما يدفن. وحكم على صديقته "دفنه (دي) باريش" بالسجن 15 عاماً. وكانت آخر كلمات "بازوفت" للدبلوماسي "كيلي": "بلغ "دي" بأني آسف". وخلال السنوات الأولى من حُكم صدّام ، كان هناك صحافيون يقولون الحقيقة بشأن النظام ، بينما فضّلت الحكومات أن تبقى صامتة إلى حدّْ كبير ، بسبب محافظتها على مصالحها المالية ، والتجارية ، والاقتصادية. ولكن بعضنا ممَّن عارضوا الغزو الأميركي ـ الإنكليزي للعراق عام 2003 ، اتّهموا حالاً بأنهم "ناطقون" باسم صدّام ، أو على كل حال "مناصرون لبقاء النظام البعثي". مع العلم أن "ريتشارد يرل" كان من بين كل الناس ، من أول المحرًّضين على نشوب تلك الحرب الكوارثية ، مع صديقه "دونالد رامسفيلد" ، الذي كان يحاول مصادقة صدام وتأييده عام 1983. وبعد سنتين من مقاربة "رامسفيلد" للزعيم العراقي ـ واجتماعاته المتكرّرة مع طارق عزيز خلال الأشهر اللاحقة ـ كنتُ أقدّم تقاريري إلى "التايمز" عن اغتصاب زُمر صدّام وتعذيبهم للموقوفين في السجون العراقية. وبتاريخ 31 تموز ـ يوليو عام 1985 ، اشتكى "وهبي القراغولي" السفير العراقي في لندن إلى رئيس تحرير "التايمز" ، "وليام ريس موغ" ، قائلاً: "إن مقال روبرت فيسك المتحيًّز جداً ، يتجاهل التقدّم الهائل الذي أحرزه العراق في ميادين الإنعاش الاجتماعي ، والتربية ، والتنمية الزراعية ، والعمران المديني ، وتصويت النساء. وهو يدّعي ، دون تقديم أي إثبات ، بأن "صدّام ذاته يفرض نظاماً إرهابياً على شعبه".

نقد النظام
ومن أكثر أقواله إهانة "أن نقّاد النظام الذين يُشتبه بهم يسجنون في سجن "أبو غريب" ، ويُجبرون على رؤية زوجاتهم يُغتصبن جماعياً من قًبل عصابات الأمن "الصدّامية". وقد أُجبر بعض السجناء على أن يشاهدوا تعذيب أطفالهم أمامهم". إننا نشجب تماماً أن يقوم بعض الصحافيين ، دون براهين داعمة ، بترداد مزاعم طائشة لا أساس لها بشأن بلدان مثل العراق...". وكانت تلك التعابير: "متحيّز جدّاً" ، "دون أي إثبات" ، "مهينة" ، "نشجب تماماً" ، "مزاعم طائشة لا أساس لها" ، هي ذاتها التي استعملها الأميركيون والبريطانيون ، بعد حوالى عشرين سنة ، بشأن تقارير كتبتها وكتبها زملائي الصحافيون الذين سجّلوا بعض وجوه الغزو غير القانوني للعراق ، وعواقبه الكارثية. وفي شباط ـ فبراير عام 1986 ، رُفًض طلبي للحصول على سمة للسفر إلى بغداد على أساس "أن زيارة أخرى للسيد "فيسك" إلى العراق تعطي تقاريره مصداقية مفرطة". طبعاً كان الأمر كذلك (ھ).
وهكذا بقينا في بلاد الغرب كل هذه السنوات ـ حتى غزوه للكويت عام 1990 ـ متسامحين مع قسوة صدام ، وظلمه وتعذيبه للناس ، وجرائم الحرب والقتل الجماعي التي ارتكبها. وفي الواقع ، إننا ساعدنا في تخليقه وتكوينه. فقد أعطت وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) الحكومة البعثية الأولى في العراق أماكن الأُطر الشيوعية ، من أجل توقيفهم ، وتعذيبهم ، وإعدامهم ، بالمئات. وكلّما تقدّم صدّام نحو الحرب مع إيران زاد خوفه من شيعة العراق ، وساعدناه نحن الغربيين. وفي موكب الشخصيات المكروهة ، التي نصَّبتها الحكومات الغربية فضلاً عن الصحافيين على المسرح السياسي ـ كان هناك "ناصر" ، و"القذافي" ، و"أبو نضال" ، وفي وقت ما "عرفات" ـ بينما كان آية الله الخميني "البعبع" أو الغول بالنسبة إلينا في أوائل الثمانينيّات. رجل الدين المزعج ، الذي أراد أن يؤسلم العالم ، والذي صرّح بعزمه على تصدير ثورته. وهنا برز صدّام لا كديكتاتور ، بل "كرجل قويّ". لقد كان حُصننا ـ وحُصن العالم العربي ـ ضدّ "التطرّف" الإسلامي. وحتى بعد أن ضرب الإسرائيليون بالقنابل المفاعل النووي العراقي "أوزيراك" عام 1981 ، لم يضعف دعمنا لصدّام. كما لم نجابه قصد صدّام الواضح بجرّ بلاده إلى حرب مع إيران.

«شاهبور بختيار»
فقد كانت دلائل هذا النزاع تنذر بوقوعه الوشيك أينما كان: حتى أن "شاهبور بختيار" ، آخر رئيس وزراء لدى الشاه ، كان يذكي نار المعارضة للخميني من العراق ، كما علمت منه عندما زرته في منفاه الفخم ـ إنما الخطر ـ بباريس ، خلال آب ـ أغسطس عام 1980. وكانت لدى "تشارلس دوغلاس هوم" رئيس تحرير القسم الأجنبي من "التايمز" ، فكرة لملاحقة ما بقي من نظام الشاه: إذ قال لي على التلفون: "إني متأكّد من أن بختيار يحضًّر شيئاً: علاوة على أنه يعرف الكثير ـ وأن ابنته مذهلة الجمال،". وكان محقّاً في الأمرين. مع أن بختيار ـ الناطق باللغة الفرنسية ، والذي التحق بالجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية ـ يبدو مثيراً للإعجاب في صوره أكثر من واقعه. فصور الجرائد تظهره كرجل متين ، له ملامح كاملة ومعبًّرة ، وعيناه مضطرمتان تنذران بالرجوع إلى الديمقراطية الإيرانية. ولكن الحقيقة هي أنه رجل صغير الحجم ، نحيله ، خداه منقبضان ، وثيابه أوسع منه بقليل ، كشخصية صغيرة جالسة على أريكة كبيرة: يحرسه في الخارج سبعة من رجال الدرك بأسلحتهم الثقيلة. وحتى في شقّته الباريسية ، ومع ضجّة المرور في الشارع ، وحفيف أوراق شجر الحور التي يداعبها النسيم بالقرب من النافذة في غرفة الجلوس ، يمكنك أن تشعر بوجود فرق الاغتيال الإيرانية التي أرسلتها طهران لقتل بختيار. فعندما جاءوا إليه منذ أقل من أسبوعين بقيادة "أنيس النقاش" اللبناني الإسلامي البالغ من العمر 29 سنة ، خلّفوا وراءهم امرأة ميتة ، ورجلاً مقتولاً من الشرطة الفرنسية ، ومقبض باب مسحوقاً بالرصاص ، كذكرى من الفولاذ اللامع المثلوم الذي يقبع بجانب الطاولة على مقربة من رجلي "بختيار".
ولكن ذلك لم يفتّ في عضُد بختيار وتعبيره عن كرهه للخميني ولنظامه الثيوقراطي الديني. وقد اعترف لي ، إنما بعد ساعة من الحوار ، بأنه زار العراق مرّتين ، ليتباحث مع موظّفي حزب البعث ـ المؤسّسة التي يصعب أن يُقال عنها أنها تمارس الديمقراطية الليبرالية التي يدعو إليها بختيار ـ وقد أذاع تصريحاً من الراديو السرًّي الذي يديره العراقيون على حدودهم مع إيران ، والذي ينشر الدعايات ضد النظام. قال بختيار: "لماذا لا أذهب إلى العراق؟ لقد ذهبت إلى بريطانيا مرّتين ، وذهبت إلى سويسرا وبلجيكا. ولذلك أستطيع أن أذهب إلى العراق للاتصال بأناس هناك. وقد دُعيت للتعاطي مع السلطات العراقية ، ولديّ نقطة مشتركة مع الحكومة العراقية. إن العراق ، مثل غيره من البلدان الإسلامية ، يناهض الخميني بأكثرية ساحقة. ومن الممكن التعاون معه. إن هذه الإذاعة القائمة على الحدود مع إيران ، تبثّ ما يحبّ الإيرانيون أن يسمعوه. وقد أذاعت تصريحي على شريط كاسيت. وهذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة عندما تتمركز الدكتاتورية في مكان ما". كان بختيار ، كسائر رجال الدولة الغربيين ، يعاني من عقدة "تشرشل" ، أي الرغبة في أن يبدو بأفضل مظهر في ظلّ التاريخ. قال: "عندما وصل الخميني إلى إيران ، قلت: نجونا من دكتاتورية (الشاه) لنقع بين براثن دكتاتورية أدهى وأمرّ. فلم يصدّقني أحد. والآن لديهم كثير من الأمور التي يشتكون منها ، ولكن ليس لديهم الشجاعة ليتفوّهوا بالشكوى. فإذن ، لماذا يتكلّم الناس عن انقلاب؟ أعرف أن هناك رجالاً يؤيّدونني في الجيش... وأذكر أنه عندما كنت طالباً في باريس ، كان هناك زعيم إنكليزي اسمه "ونستون تشرشل" يرى أخطار الدكتاتورية. لكن الناس الآخرين لم يقلقوا بشأن الدكتاتورية ، وأرادوا أن يتعاطوا مع "هتلر". أما "تشرشل" فأخبرهم بأنهم على وشك الاندثار. وكذلك ، عرفت أن السيّد الخميني لا يستطيع أن يفعل شيئاً من أجل إيران: إنه رجل لا يفهم الجغرافيا أو التاريخ ، أو الاقتصاد. ولا يمكنه أن يكون زعيماً لكل أولئك الناس في القرن العشرين ، لأنه جاهل بشأن العالم".
وكان الشاه قد توفّي في مستشفى بالقاهرة ، قبل مقابلتي لبختيار بستة أيام ، ولكن لم يظهر عليه تأثر لفقدان مليكه السابق. قال: "إن موت شخص لا يسعدني ، فلست رجلاً يرقص في الشارع لأن أحدهم مات ، وهو ما زال حيّاً ـ حتى أني لم أفعل ذلك عندما مات هتلر. ويعلم الله بأني لستُ فاشياً ، كما تعلم أنت. وقد كان الشاه مريضاً شديد المرض ـ وأعتقد أن الموت نفسه كان انعتاقاً معنوياً ومادياً بالنسبة إليه".

دستور ايران
وما كان بختيار يريده هو "حكومة مؤقّتة تعمل بدستور 1906 ، وتدعو إلى جمعية تأسيسيّة ، بهدوء ودون انفعال ، وتدرس مختلف دساتير إيران". ولكن بختيار كان قد فقد اتصاله بما يجري في إيران بكل حسرة ، وأصبح لا يدري أن ثورة الخميني لا رجوع عنها ، لأنها تصرفت من جهة ، مع أعدائها بشكل لا يرحم ـ بمن فيهم بختيار ذاته. فالنقّاش وفرقته الضاربة لم يتقنوا المحاولة الأولى لقتله (ھ).
وحتى بعد أكثر من إحدى عشرة سنة ، وبتاريخ آب ـ أغسطس 1991 ، جاء مزيد من القتلة إلى منزل بختيار ، وقطعوا رأسه هذه المرّة. وعندما اتُّهم أحد رجال الأعمال الإيرانيين بمساعدة القتلة ، أخبر هذا الرجل المحكمة العليا أولاً إن بختيار "قتل 5000 شخص خلال مدّة ولايته كرئيس للوزراء التي لم تتجاوز 33 يوماً في السلطة. وثانياً ، كان يحضًّر لانقلاب في إيران ، وثالثاً ، أنه تعاون مع صدّام حسين خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية... (ھ).
وبينما كان صدّام يخطّط لتدمير الثورة الإيرانية ، كان الخميني أيضاً يدعو إلى قلب نظام صدام والبعث ، أو ما سمّاه "العفلقيين" ، نسبة إلى "ميشال عفلق" السوري مؤسس حزب البعث. وقد جهر الخميني بدعوته إلى قلب نظام الحكم العراقي ، بعدما علم بإعدام باقر الصدر وشقيقته. وكتب بتاريخ 2 نيسان ـ أبريل عام 1980: "من الغرابة بمكان أن تعمد الأمم الإسلامية ، وبخاصة الأمة العراقية النبيلة ، وقبائل دجلة والفرات ، وطلّاب الجامعات الشجعان ، وغيرهم من الشباب ، إلى التغافل عن هذه النكبة الكبرى التي نزلت بالإسلام وآل رسول الله (ص) ، وإلى السماح لحزب البعث الملعون أن يمعن في إعدام الشخصيات العراقية البارزة وضمّها إلى قافلة الشهداء ، واحداً بعد الآخر. وأكثر من ذلك غرابة ، أن يكون الجيش العراقي وغيره من القوى أدوات بأيدي هؤلاء المجرمين ، يساعدونهم في إبادة الإسلام. ليس لدي ثقة بالضبّاط الكبار في القوّات المسلّحة العراقية ، ولكن لم يخب أملي في الضباط الآخرين ، الضباط غير المكلّفين (Non-Commissioned) وجنودهم. إني أتوقّع منهم ، إمَّا أن ينهضوا بشجاعة ويقلبوا هذا الظلم ، كما حدث في إيران ، أو أن يهربوا من الحاميات والثكنات... وآمل من الله تعالى أن يدمًّر نظام الظلم لدى هؤلاء المجرمين". كان الظلم كرداء يغطّي الشرق الأوسط في أوائل الثمانينينينيّات في العراق ، وفي إيران ، وفي أفغانستان.
وإذا كان الغرب لا مبالياً بآلام ملايين المسلمين ، فكذلك ، ويا للعار ، كان معظم القادة العرب. فعرفات لم يتجرّأ على إدانة الاتحاد السوفياتي بعد غزوه لأفغانستان ـ إذ إن موسكو كانت لا تزال أهمّ حليف لمنظمة التحرير الفلسطينية ـ والملوك والأمراء ورؤساء الجهوريات في العالم العربي ، الذين كانوا أفضل إدراكاً لما يحدث من نظرائهم الغربيين ، التزموا الصمت بشأن ما قام به صدّام من طرد ، وتعذيب ، وإعدام ، وإبادة جماعية. وأكثرهم استعملوا تنويعات على التقنيات ذاتها ، وطبّقوها على جماهيرهم. وفي سوريا ، حيث كانت "الكراسي الألمانية" للتعذيب تستعمل لكسر ظهور المعارضين الناشطين ، جاء حمّام الدم لتمرّد حماة بعد أقلّ من سنتين (ھ).
وفي إيران ، انقضّت السلطات بوحشية على أتباع المذهب البهائي ، الذين يبلغ تعدادهم حوالى مليوني نسمة ، ويعتبرون أن موسى ، وبوذا ، والمسيح ، ومحمّد ، "معلمون سماويون" ، ويقع مركز عبادتهم ـ أي قبر النبيل الفارسي الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي ـ في جوار مدينة عكّا الواقعة حالياً في إسرائيل. وفي عام 1983 ، قدّرت لجنة العفو الدولية أن ما لا يقل عن 170 بهائياً أعدموا بذريعة الهرطقة من أصل 5000 إيراني فُرض عليهم الموت منذ قيام الثورة. ومنهم عشر نساء ، اثنتان منهنّ لم يبلغن العشرين من العمر ، وكلّهن شنقن في "شيراز" في حزيران ـ يونيو 1983. واثنتان منهنّ على الأقلّ هما "زارين موكيمي" و"شيرين دالفاند" ، وكلتاهما في العشرينيّات من عمرهما ، سُمح لهما بالصلاة متوجّهتين نحو "عكّا" قبل تقييدهما وسوقهما بواسطة الجلاد إلى المشنقة. وقد اتّهموا كلهم بأنهم "عملاء للصهيونية". كما أن سجن "إيفين" بدأ يمتلىء بالنساء من "مجاهدي خلق" مع المجاهدين الشعبيين المدعومين من العراق: بينما أوقف آخرون عندما كانوا يتفرّجون على احتجاجات سياسية. وقد ضُربوا "الفلق" على أقدامهم ليعترفوا بأنهم مناهضون للثورة. وفي ليلة واحدة ، قُتلت 150 امرأة بإطلاق النار عليهنّ. وعلى الأقلّ ، طُلب من أربعين منهنّ أن يكتبنَ أسماءهنّ على أيديهنّ اليمنى وعلى سيقانهنّ اليسرى بأقلام رأسها من لبّاد.
وذلك لأن الحرّاس أرادوا أن يتعرّفوا عليهنّ بعد الإعدام ، إذ إن طلقات الرصاص الأخيرة على الرأس تشوًّه وجوههن ، وتعسًّر عملية التعرف عليهنّ. ولكن الضحايا لم يكونوا من البهائيين ، فحسب. وتمّت الإعدامات في كل المدن الرئيسية في إيران. ففي تموز ـ يوليو 1980 مثلاً ، ذكر راديو الدولة الإيراني حصول 14 عملية إعدام في "شيراز" ، جرت كلّها عند الساعة الحادية عشرة مساء ، وفيها إعدام لواء متقاعد ـ لأنهم "هاجموا مسلمين" ـ ومنهم ضابط شرطة سابق ، وعقيد من الجيش متهم بأنه كان يضرب السجناء ، ويهودي إيراني أدين لإدارته مركزاً للفسوق ، وسبعة آخرون بدعوى مخدّرات. وأحدهم "حبيب فايلي" أُعدم "لعلاقاته اللواطية". وقبل يومين ، أُطلقت النار على "مهدي قاهري" و"حيدر علي كيّور" بسبب اللواط في "نجف أباد". وبالطبع ، ترأس "صادق خلخالي" معظم هذه "المحاكمات". وسجّلت منظمة العفو الدولية بيّنة ثبوتية بشأن طالبة سُجنت في سجن "إيفين" بين أيلول ـ سبتمبر 1981 وآذار ـ مارس 1982 ، ووضعت في زنزانة تحوي 120 امرأة ، يراوح وضعهنّ من بنات مدارس إلى عجائز. وقد وصفت المرأة كيف: "حدث في إحدى الليالي أن جيء بفتاة شابّة اسمها "طاهرة" من غرفة المحكمة إلى السجن ، بعدما حُكم عليها بالإعدام ، وكانت مرتبكة ومضطربة. ولم يظهر عليها أنها عارفة لماذا كانت هناك ، ثم استقرّت لتنام قربي: ولكنها كانت تستيقظ من وقت إلى آخر مجفلة ، مرعوبة ، وتتمسّك بي سائلة عمّا إذا كان صحيحاً أنها ستُعدم. طوّقتها بذراعيّ ، وحاولت تهدئتها ، وطمأنتها بان ذلك لن يحدث
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش