الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك الحلقة السادسة

تم نشره في الثلاثاء 8 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك الحلقة السادسة

 

 
كارتر يطالب الروس بالانسحاب من افغانستان
المشكلة الرئيسية التي واجهت كابول كانت « الرشوة والفساد»
أئمة المساجد في افغانستان ليس لديهم رسالة سياسية
تدمير تمثال بوذا التاريخي .. واتلاف اثريات لا تقدر بثمن


لقد انتهى أمر الروس هنا". كما قال طالب يافع آخر: "سيحتل المجاهدون جلال أباد الليلة أو غداً
وكان رجال كارمال قد
أغلقوا مساجد العاصمة
باعتبارها مراكز للمقاومة

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

جوقة قندهار
لم يتكلّم أحد عن بُغْض الروس ، لأن الشعور الذي خالج الصغار والكبار كان أقوى من البغض. لم يكن كُرْهاً ، لأنهم لم يعتبروا الكلاب مخلوقات بشرية: لكنه كان نفوراً واشمئزازاً وارتباكاً إزاء القسوة العديمة الشعور لدى هذه المخلوقات... ليو تولستوي.
في "حاجي مراد" لا تزال تنتاب "بشاور" أشباح الحكم البريطاني. ففي المكتبات ، وجدتُ مئة نسخة من المعاجم الجغرافية ، والمذكَّرات الإنكليزية. وكان مؤلَّف "السير روبرت وربورتون" المسمّى 18" سنة في خيبر" موضوعاً إلى جانب حكايات "ووسمان ميلز" المعنونة: "السلوك النبيل للسباهيين (أي الهنود المجنّدين في الجيش البريطانـي) ، و"التضحية بواحد وعشرين سيخيّاً" ، و"كيف يموت الضبّاط البريطانيون".
بينما تتحدّث مؤلّفات أخرى عن أمجاد "السير بندن بلود" الذي تعرّض أحد مرؤوسيه من الضبّاط "ونستون تشرشل" لكمين نصبه له الباثانيون في تلال "ملقند" إلى الشمال من "بشاور" (ھ).
ولم تكن في "بشاور" أشباح فحسب: بل كان هناك أيضاً أموات البريطانيين الذين لم يتيسّر نقلهم إلى بلادهم ، خلافاً لوضع المحتلين الروس لأفغانستان اليوم. وعلى طرف من أطراف "بشاور" ، كانت ترقد مقبرة بريطانية تروي النقوش على شواهد قبورها المزخرفة قصة الإمبراطورية. لنأخذْ مثلاً الرائد "روبرت روي آدامز" ، نائب التويسيير في مقاطعة البنجاب.
كان راقداً بجانب طريق خيبر ، الوادي الذي تسير فيه الحمير المحتجَّة ، التي ترن أجراسها على جدران المقبرة. وبحسب النقش المحفور على القبر ، استُدعي الرائد "آدمز" إلى بشاور ، "كضابط نادر الكفاءة للعمل على الحدود.
إنه حكيم وعادل وشجاع ، ومخلص في كل الأمور: جاء ليموت في مركز عمله بيد قاتله". لقد قُتل بتاريخ 22 كانون الثاني ـ يناير 1865: وليس من دلائل على سبب مقتله: كما أنه ليس هناك من تفسيرات على القبور الأخرى. وفي عام 1897 مثلاً ، لقي "السير سبيرينغ روس" المصير ذاته ، "قتل بيد متعصب في مدينة "بشاور" في "يوم الغفران".
وعلى بعد أقدام قليلة من قبر "روس" ، يرقد "باندزمان تشارلز لايتون" من الكتيبة الأولى وفرقة هامشاير "اغتيل بيد شخص "غازْ" في هذه المحطة يوم الجمعة العظيمة". ربما كانت السياسة تُترك جانباً عند الموت ، مع أنه يستحيل تجاهل الشبه بين هذه الشواهد الحانقة واللغة التي تستعملها الحكومة السوفياتية. إن رجال القبائل الأفغان الذين قتلوا البريطانيين ، لهم أحفاد كبار اليوم يدينهم "الكرملين" لأنهم "متعصبون" ـ ويسميهم راديو موسكو "إرهابيين". ويبدو أن كل إمبراطورية تتكلم تماماً مثل الأخرى. وفي سبيل الإنصاف ، وضع البريطانيون موتاهم في سياق تاريخي. فتحت خميلة من أشجار الورد ، وزقزقة الطيور الاستوائية يرقد الجنود: "هايز" ، و"مال لويد" ، و"ساندج" ، و"دوويز" الذين قضوا في "بشاور" خلال اضطرابات الحدود 1897 ـ 1898. وليس بعيداً عنهم ، يرقد الملازم "بيشوب" الذي "قتل في الميدان في "شوبكودر" في اشتباك مع قبائل التلال "1863. وكان عمره آنذاك 22 سنة. ولقي المصير نفسه في "كاشا غارهي" عام 1919 الملازم "جان لندلي غادلي" من الفرقة 24 الرشاشة ، والملحق مؤقتاً بالفرقة 266 للمدافع الرشاشة. وكانت هناك طبعاً قبور أخرى ، أكوام بريئة مع شواهد صغيرة تضم الضحايا التي لا يمكن تفاديها لكل تدجين تقوم به الإمبراطورية. ومن تلك الضحايا: "بياتريس آن" ، وعمرها سنة 11و شهراً ، الإبنة الوحيدة لقائد الفرقة الموسيقية والسيدة "يلكينغتون" ، التي ترقد في مقبرة الأطفال مع "باربارا البالغة من العمر سنتين ، إبنة العريف والسيدة .
ووكر" ، ماتت قبل عيد الميلاد بثلاثة أيام عام 1928. وقد مات بعض الأطفال وهم أصغر من أن يعطوا أسماء. وكان هناك أيضاً شباب ماتوا بسبب الحر والمرض. فالجندي "تايدي" من "ساسكس" الأولى قضى بضربة حر: والجندي "وليامس" بحمّى في الأمعاء. و"صامويلز" من الخدمة المدنية البنغالية قضى نحبه بسبب حمّى التقطها في أفغانستان. وماتت أثناء الخدمة الفعلية ، الرئيسة "ماري هول" من خدمات التمريض العسكرية للملك ألكسندر ـ التي عملت في سالونيكا وبلاد ما بين النهرين ، بما في ذلك ربما حملة "غاليبولي" في تركيا ، فضلاً عن الغزو البريطاني للعراق خلال عام 1917.
أضرحة غير منتظَرة
وكانت هناك أيضاً أضرحة غير منتظَرة. فقد كان هناك مرقد للمحترم "كورتني يفرلي" المدير الرسولي "لكشيير وكافيرستان" ، الذي عمل بجهد ، نظراً لأنه كانت هناك كذلك بالإضافة إلى شواهد قبور البريطانيين ، أمكنة جديدة لدفن آخرين من الجالية المسيحية التي لا تزال في "بشاور" ، ترفرف عليها أعلام حمراء وصلبان من ورق مزينة بحسب الطراز القبائلي ، قرب القبور المحفورة حديثاً. وكان كثير من تلك القبور العائدة لأبناء الامبراطورية يعبّر عن إيمان يفهمه أي مسلم ، إذ إنه المفضل من كتاب الوحي: "فليبارك الله الموتى الذين يقضون نحبهم في سبيل الله".
وكان هناك صليب غاليّ فوق رفات الملازم "وولتر أيرفاين" من شرطة الحدود الشمالية الغربية "الذي فقد حياته في نهر "ناغومان" ، عندما كان يقود فرقة بشاور للمطاردة. ولن يحظى أي جندي روسي بمثل هذا النصب الرومانسي. فعلى قبور الجنود السوفيات الذين يموتون الآن ويدفنون شمالي هذه المقبرة ، يكتب بأنهم قضوا أثناء قيامهم "بواجبهم الدولي". ولكن عميل وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) المحلّي ، كان يعي معنى ذلك. كان رجلاً نحيلاً مهذاراً يحتلّ مركزاً إسمياً في القنصلية الأميركية الواقعة في المنحدر بعد فندق أنتركونتيننتال في "بشاور" ، وكان من عادته أن يقيم حفلات مضجرة في دارته ، ويُري ضيوفه شريطاً هزلياً حول حرب فيتنام. وفي تلك الأيام ، كنت لا أزال أخاطب الأشباح ، فزرته في إحدى الأمسيات ، عندما كان يستقبل مجموعة من الصحافيين ، ويُري كل واحد منهم بطاقة هوية سوفياتية ، قائلاً عن صاحبها الملذوع الوجه والظاهر في صورته غير الملوَّنة: "إنه وسيم الطلعة: إنه طيَّار أسقط طائرته المجاهدون وصادروا أوراقه. ومن المؤسف أن يقضي شاب كهذا نحبه على هذه الصورة المأساوية".
دموع التماسيح
لم أهتم بدموع التماسيح التي ذرفها عميل المخابرات هذا ، لكني توقفت عند عبارة إسقاط الطائرة ، وبماذا أسقطت. فهل لدى رجال حرب العصابات صواريخ أرض ـ جو؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فمن يزوّدهم بها: الأميركيون ، أم السعوديون ، أم الباكستانيون ، أو أولئك العرب المكتنفون بالأسرار؟ لقد رأيت آلافاً من الروس ، ويبقى عليّ أن أرى رجلاً من رجال حرب العصابات عن كثب في أفغانستان. ولكني لن أنتظر طويلاً حتى أراه.
عاد باص علي إلى الحدود بعد ظهر يوم دافىء ، واجتزتُ خط "دوراند" إلى كشك قذر على الحدود. نظر حارس الحدود إلى جوازي وقلبه بإبهامه. ثم توقف ليدقق في إحدى الصفحات المستخدمة من هذه الوثيقة. وكالعادة. كنت قد سجلت كلمة "ممثًّل" لمؤسسة على بطاقة الهجرة. ولكن ذلك الرجل النحيل طقّ بلسانه قائلاً: "صحافي ، إرجع إلى باكستان".
كيف عرف أني صحافي؟ كانت هناك تأشيرات سفر إلى البلدان العربية في الجواز الذي عرّف عليّ بأني صحافي: لكن الموظف الأفغاني لا يعرف العربية ولا يدرك معنى صحافة وصحافي. وعلى الأثر ، دفعتني جماعة من الرجال ، فرجعت خائباً إلى عليّ. والظاهر أن إحدى التأشيرات التي حصلت عليها للسفر إلى أفغانستان كانت ممهورة بكلمة "خبناغر" التي تعني باللغة الفارسية أو الداريَّة "صحافي" ، والداريّة إحدى اللغات الأفغانية ، لسوء حظي.
رجعت بسيارة أجرة إلى "بشاور" ، وأرسلت خبراً إلى جريدة "التايمز" مفاده أني في مأزق. ولكن عاد عليّ إلى فندقي في اليوم التالي قائلاً: دعنا نجرب مرة ثانية ، يا سيد روبرت... ثق بي". لملمت حوائجي ، وركبت سيارته الصدوقة ، وتوجهنا من جديد نحو الحدود. وكان ذلك يبدو كأنه صورة عملية عن مؤلَّف "استمرّ في ممرّ خيبر": لكنّ عليّ كان واثقاً من نجاحنا بشكل مستغرب. تراخيت على مقعدي تحت شمس بعد الظهر ، بينما كان الباص يئنّ صاعداً المنعطفات الحادة للطريق. هناك شيء غريب مثير للأعصاب عند محاولة تجاوز الحدود دون موافقة السلطات. وقد اختبرت هذا الأمر ، كما اختبره "غافين" ، عند كل نقطة تفتيش وتدقيق في أفغانستان. هل سيدعوننا ندخل ، أم سيرجعوننا ، أم سيلقون القبض علينا؟ ألم تكن هذه حال أبطال المقاومة في أوروبا التي احتلها الألمان مع الحراس الألمان؟ ومع أننا لم نكن أبطالاً ولم يكن الحراس الأفغان كالألمان ، فقد كان من اليسير أن نشعر بالإثارة والخوف ، عندما وصلنا للمرة الثانية إلى ذلك الكشك الكهفي على الجهة الأفغانية من الحدود.
ولم أكد أقف حتى جاء علي إلى مقعدي وطلب مني جوازي مع خمسين دولاراً أميركياً. ثم اختفى. وما غاب سوى عشر دقائق حتى عاد متهللاً يبشرني باستمرار رحلتي إلى جلال أباد ، وهو يعيد إلي جوازي الممهور. ثم طلب خمسين دولاراً أخرى لأنه تصدق بالأولى على رجل فقير. أجل ، لقد غزا الروس تلك البلاد ، لكنهم لن يتغلبوا على المؤسسة الأكثر فعالية وفساداً من جميع المؤسسات بين البحر الأبيض المتوسط وخليج البنغال ، ألا وهي: الرشوة. فرحت أيَّما فرح ، وضحكت من كل قلبي ، وصرت أغنّي لنفسي على طول طريق جلال أباد: فضلاً عن أني رتَّبت مع علي أن يأتي كل صباح إلى فندق "سبينجهار" ليحمل تقاريري وينقلها إلى "بشاور" ـ ثم يعود إليّ بعد الظهر بما ترسله إليَّ "التايمز" من رسائل عبر باكستان: بينما أنا أختبىء في الفندق بعيداً عن أعين السلطات. ولم يكن عليّ أن أقلق: فكل ليلة يقترب المتمردون من جلال أباد. فمنذ أربعة أيام نسفوا جسراً خارج البلد ، وفي أول ليلة بالذات فتحوا النار طول الليل على دورية أفغانية من البساتين الواقعة خلف الفندق.
وقد استلقيت في فراشي ساعة بعد ساعة ، وأنا أسمع طلقات المدافع الرشاشة تتجاوب في بساتين البرتقال ، وتنفًّر الطيور الإستوائية الصارخة في الليل البهيم. ولكن ما إن يطل الصباح ، حتى تبدو كل تلك المعارك حلماً من الأحلام ، إذ تستعيد جلال أباد دورها كمدينة حدودية يغشاها الغبار ، وتفتح أسواقها لتروًّج للقماش الباكستاني البسيط النوعية ، والخُضَر ، بينما يحرس السوق جنود أفغان بشكل بارز ، وهم يتكئون على رشاشاتهم البريطانية القديمة من نوع "لي إنفيلد". وكنت أستأجر عربة بدولابين لأتجول خارج المدينة ، وأرى بعض آثار الحوادث ، مثل دبابة معطَّلة ، أو مكتب حكومي محروق ، ثم أطبع تقريري عن القتال الجاري ، ليأتي علي في منتصف الصباح ويأخذه ، على باصه الذي ينزل سبعمئة قدم ليصل من كابول إلى "بشاور". وكانت مقاهي الشاي "الشاي خانة" القائمة في أكشاك على طول الشارع الرئيسي تعجّ بسائقي الشاحنات ، وكثير منهم من قندهار: وكلهم يتحدثون عن ازدياد المقاومة عبر البلاد. وفي جنوبي قندهار ، أخبرني رجل أن القرويين أوقفوا بعض مهندسي البناء الروس وقتلوهم طعناً بالسكاكين ، ممَّا يمكن أن أصدقه. فمهما قيل عن شجاعة المجاهدين ـ وشجاعتهم لا يرقى إليها الشك ـ فقد كانوا أيضاً متوحشين.
"توم غراهام"
ولم أكن بحاجة إلى رواية "توم غراهام" الخيالية عن مصير رمَّاحي الفرقة السابعة لأدرك ذلك. كما قال لي شاب على فنجان شاي ذات صباح: "إننا سنحتلّ جلال أباد: لقد انتهى أمر الروس هنا". كما قال طالب يافع آخر: "سيحتل المجاهدون جلال أباد الليلة أو غداً. وكان يحمل على زنده الصقر الطائر المفترس الذي يصطاد أبوه بواسطته.
أعجبت بتفاؤله ، وليس بتحليله العسكري. وكانت مثل هذه الآراء شائعة أيضاً في صفوف الجيش الأفغاني ، فبينما كنت في مطعم قذر قرب مركز البريد ، صادفت جندياً خارج الخدمة يجلس إلى طاولة قريبة مني ، كان يأكل دجاجاً سيىء الطهو ، بسكين وشوكة غير عاديتين: قال: "لا نريد أن نحارب المجاهدين ـ ولماذا نقاتلهم؟ كان للجيش مجندون محليون من هنا: ولكنهم انضموا إلى المجاهدين. ولذلك جاءت الحكومة بنا من هرات ومن أماكن أخرى في شمالي أفغانستان. لكننا لا نريد أن نحارب هؤلاء الناس. إن المجاهدين مسلمون ، ونحن لا نطلق النار عليهم". وكان الشاب يتشكّى بمرارة من أن رئيسه الضابط رفض أن يسمح له بزيارة عائلته في هرات الواقعة على بعد 750 كيلومتراً من الحدود الإيرانية. وفي سورة غضبه رمى السكين والشوكة على الطاولة ، ونهش الدجاج بيديه ، بينما كان الدهن يسيل على أصابعه ، وقال أخيراً: "لقد انتهى أمر جلال أباد". وممَّا لا يصدق أيضاً ، أنه في ذلك الصباح بالذات ، حاول الطيران الأفغاني إخافة السكان بإرسال أربع طائرات "ميغ "17 لتطير على علو منخفض فوق المدينة.
أوراق النخيل
فرعدت فوق الجادَّة الرئيسية ، وهزت أوراق النخيل بصوت محركاتها النفاثة. وخلَّفت وراءها صمتاً ، لا يقطعه سوى شتائم الرجال الذين يحاولون تهدئة أحصنتهم المرعوبة. وكانت طائرات "ميغ "25 الضخمة تنطلق من مطار جلال أباد الصغير كل صباح ، وتتسابق فوق البلد ، لتطلق مدافعها الرشاشة على القرى في جبال "تورا بورا".
وبينما كنت أتسوق رأيت تلك الطائرات تطير على بُعد بضع أقدام فوق السطوح: وكنت إذا رفعت رأسي أرى أيضاً ربّان الطائرة ، والمدفعي ، والصواريخ المعلّقة عند حُجيرة الوقود تحت الطائرة: فضلاً عن نجمة كبيرة حمراء ساطعة ظاهرة على جسم الطائرة ، ومذهَّبة الأطراف. إن مثل هذا العرض للقوة لم يكن منتجاً. ولكن خطر ببالي أن المقصود من هذه الوسائل حرمان رجال حرب العصابات من الوقت الكافي لاستعمال صواريخ الأرض ـ جو التي بحوزتهم. وكان على ربابنة الطائرات الأميركيين بعد 23 سنة أن يستعملوا الوسائل ذاتها لتفادي الصواريخ في العراق. وحتى لو كان هناك تفاهم عسكري بين الجيش الأفغاني والمجاهدين ، فقد عرف المتمردون كيف ينالون من الحكومة. فقد أحرقوا حتى الآن معظم المدارس في القرى المجاورة ، على أساس أنها مراكز للإلحاد والشيوعية. وقد اغتالوا معلمي المدارس ، فضلاً عن قتلهم التلاميذ خطأ بالرصاصات ذاتها التي أصابت المعلمين. وهكذا ، لم يكن المجاهدون محبوبين بشكل عام كامل.
وإن نصبهم الكمائن للسيارات المدنية على الطريق الغربية ـ بعد أسبوعين من قتلهم سائق شاحنة ألمانيّاً ـ لم يزد في أمجادهم. مع العلم أن المجاهدين كانوا يسكنون في القرى ـ حيث كان يهاجمهم الروس. وبتاريخ 2 شباط ـ فبراير ، شهدتُ انطلاق أربع مروحيات حربية في الغسق لمهاجمة قرية "كاما": ورأيت بعد ثوانْ أعمدة من النار تتصاعد في الظلام. كنت أذهب كل صباح عند الساعة الثامنة إلى مقاهي الشاي ، حيث يخبر أصحابها هذا الإنكليزي الغريب الأطوار ، عمّا حصل من دمار خلال معارك الليل.
فأنطلق إذ ذاك في عربة بدولابين إلى مكان الحوادث. وقد وصلت ذات صباح باكراً إلى موقع جسر نسفوه ليلاً ، وكان على طريق كابول: وقد أوقفت الحفرة الكبيرة التي أصابت الجسر تقدم الجنود الروس وتحركهم بين جلال أباد والعاصمة: بينما بدت الإثارة على الحشد الذي جاء ليعاين الأضرار. وتقدم مني أحدهم قائلاً: "شوروي" أي روسي: فارتعبت. فلو ظن أني روسي لأنهى حياتي. فجأرت: "إنكلستان ، إنكلستان" ، وأنا أبتسم ابتسامة عريضة. فأومأ برأسه إيجاباً وعاد إلى الحشد يبلغهم الخبر. وبعد دقيقة ، جاءني رجل آخر يتكلم بعض الإنكليزية: "من أين أنت ، من لندن؟".
فأجبت بالإيجاب ، وأنا أشك في أن يكون لدى أهل قندهار معرفة تذكر عن "شرق فارلاي" على ضفاف نهر "مدواي" في "كنت". فعاد الرجل إلى الحشد بتلك الأنباء. ثم عاد بعد لحظات قائلاً: "يقولون إن لندن محتلة من قبل الروس". فلم أحبّ ذلك ، إذ لو كانت لندن محتلة من قبل الجيش الروسي ، لكنت أنا هنا مأذوناً من الروس ـ أي متعاوناً معهم. صرخت: "كلا ، كلا.
سنقاتل الروس
إن إنكلستان حرة ، حرة ، حرة. وسنقاتل الروس إذا جاؤوا إلينا". وكنت آمل أن تكون ترجمة الرجل إلى لغة "البوشتو" أدق من معرفة الحشد بالجغرافيا السياسية. وبالفعل ، علت الابتسامات الوجوه بعدئذ ، وحيّوا بسالة بريطانيا المفترضة. وقال الرجل: "إنهم يشكرونك لأن بلادك تقاتل الروس". ولم أفهم ما حدث ، إلّا عندما كنت عائداً إلى جلال أباد بعربتي ذات الدولابين ، التي تخبّ بي على الطريق. فبالنسبة إلى هؤلاء الفلاحين ، تعتبر مدينة كابول مدينة بعيدة عنهم ، وربما لم يزرها معظمهم أبداً: مع أنها لا تبعد عنهم سوى مئة كيلومتر. وكذلك الأمر بالنسبة إلى لندن: ومن المعقول جداً في هذه الحال أن يفترضوا أن الروس يسيًّرون دورياتهم في ساحة "ترافلغار". عدت إلى جلال أباد منهوك القوى ، وجلست على أريكة منتفخة في أحد مقاهي "الشاي خانة" الواقع على مقربة من فندق "سبينجهار".
وكانت الوسائد مكوّمة تحت وشاح: ولما بدأت أحاول ترتيبها ، جاءني صاحب المقهى ، يلوّح برأسه ويشبك يديه قائلاً: "يا سيد... من فضلك".
ونظر إلى الأريكة ثم إليّ قائلاً: "هناك عائلة جلبت جثة رجل مسنّ إلى المدينة من أجل دفنه ، لكن عربتهم تعطلت وذهبوا ليصلحوها ، وسيعودون ليأخذوا الرجل الميت". وقفت عندئذ معزياً. فوضع يده على ذراعي ، كما لو كان هو المهتم بالميت ، وقال: "آسف": فأصررت بأني أنا الآسف. ولهذا السبب وضع كرسياً قرب الجثة المغطَّاة ، كما أظن ، ثم قدَّم لي فنجان الشاي الصباحي المعتاد.
وفي الليل الآن ، لاحظت مجيء الشرطيين المحليين وقادة الحزب إلى فندق "سبينجهار" ليناموا ، قبل حلول موعد منع التجول في الساعة الثامنة مساء. كانوا قلقين ، يرتدون ثياباً سمراء ونظارات داكنة ، إذ يصعدون إلى ردهة الطابق الأول ليتناولوا الشاي قبل خلودهم إلى النوم. ويتبعهم شباب يحملون رشاشات آلية ، ويصلصلون بها باستمرار على الدرابزين.
وقد يدعوني أحياناً أعضاء الحزب إلى المشاركة في الطعام ، ويسألونني بإنكليزية جيدة عمَّا إذا كان الجيش الروسي سينصاع إلى طلب الرئيس كارتر بالانسحاب. كانوا مهووسين بالخصومات الحزبية الصغيرة اللدودة في كابول. وقد اعترف أحد الملازمين المسمّى محمد إقبال الذي أقرَّ بأنه شارك في مقتل الرئيس الشهيد نور محمد طرقي ، إذ قال إنه مع عضوين آخرين من شرطة القصر الأفغان تلقوا أمراً بقتل طرقي أصدره "الجزار" أمين: فأمسكوا بالرجل المسكين ، وأوثقوه ، وطرحوه على فراش ، ثم خنقوه بوسادة ضغطوها على وجهه ، ثم حفروا له قبراً وغطَّوه بصفائح معدنية من دكان أحد الخطَّاطين. كان أعضاء الحزب ودودين إلى درجة أنهم دعوني إلى مقابلة حاكم جلال أباد.
وهو رجل في منتصف العمر ، مستدير الوجه ، أبيض الشعر قصيره ، يلبس نظارة تقليدية غليظة الإطار. إنه "محمد زياراد" ، الذي كان سابقاً مدير تصوير في شركة أفغانية للصوف ، والذي لا يكاد يجد وقتاً وجهداً لمقابلة زوار الصباح الذين يفدون على مكتبه. فقد كان هناك قائد الشرطة الذي يقدم تقريراً عن الأضرار التي نتجت عن قتال الليلة الفائتة: وآمر الجيش الأفغاني المحلي الذي يبرز كومة كبيرة من تقارير مخيفة عن الحوادث ، وهو يرتدي سترة قصيرة أصغر من حجمه بكثير. كما أن حشداً صاخباً من المزارعين اقتحموا المكتب مطالبين بتعويضات. وكان الهاتف يرن كل دقيقة ، لتقديم مزيد من التقارير عن تخريب في القرى: مع أنه كان عسيراً على السيد "زياراد" أن يسمع صوت المخابرين بالتلفون ، نظراً لخفقان طائرة مروحية حربية كانت تحوًّم فوق الأشجار وراء نافذة الخليج. لقد كانت تلك ليلة ليلاء.
ولكن كل ذلك لم يفتّ في عضُد حاكم جلال أباد ، ولم يطغَ عليه ، إذ قال: "لا داعي للمبالغة في النظر إلى هذه الأحداث بشكل دراماتيكي". وكأن معارك إطلاق النار ليلاً جزء لا يتجزأ من حياة كل امرىء لسنوات.
كان يرتشف الشاي وهو يوقع التقارير ، ويمزح مع ملازم في الجيش ، ويأمر بإخراج أحد الشحّاذين الذي اقتحم الغرفة طالباً بعض المال. ويستأنف حديثه قائلاً: "إن الثورات متشابهة: ونحن نساند الثورة ، بالكلام وبالقتال ، وبالتحدث سلبياً عن أعدائنا الذين يحاولون إثارة ثورة مضادَّة: فنحمي أنفسنا منهم. لكننا سنربح". وإذا ظهر السيد "زياراد" متفلسفاً قليلاً على هواه في موقفه من الثورة الاشتراكية ، فذلك لأنه ليس عضواً في الحزب. فقد تفادى عضوية "الارشام" و"خلق" كليهما. وكان تنازله للثورة عبارة عن احتفاظه على طرف مكتبه بنموذج فضّي لطائرة ميغ مقاتلة. وقد اعترف بأن المتمردين يحدثون مشاكل بقوله: "لا نستطيع أن نمنعهم من أن يطلقوا النار ، وأن ينسفوا الأسلاك الكهربائية وأنابيب الغاز ، وأن يفجًّروا القنابل ليلاً. وإذا كانوا يحاولون الاستيلاء على جلال أباد ، ويقتربون من المدينة ، فإنهم لن ينجحوا".
وهنا ، خطَّ السيد "زياراد" رسماً بيانياً على الورق فوق مكتبه: ظهرت فيه دائرة تمثل جلال أباد ، وسلسلة من الأسهم المتوجهة نحو الدائرة دلالة على هجوم المتمردين. ثم خطّ سلسلة أخرى من الأسهم صادرة عن دائرة جلال أباد ، وقال باعتزاز: "هذا هو الهجوم المضاد الذي سنقوم به. وقد اختبرنا هذا الأمر سابقاً ، وحصلنا على النتائج ذاتها.
وعندما يصل العدو إلى مركز جلال أباد ، فإن أفراده يتراصّون ، بحيث تستطيع قواتنا أن تصيبهم بمزيد من السهولة ، ثم نقوم بهجومنا المعاكس ، ونطردهم". يا له من مستغرب عقار الأمل الخدَّاع هذا ، لقد كنت أسمع هذا التفسير من عدد من الحكام والمجندين عبر الشرق الأوسط خلال ربع القرن القادم ـ من الغربيين والمسلمين على السواء ـ وكلهم يصرُّون على أنه كلما ساءت الحال ، تحسّن الوضع في النهاية. وادَّعى السيد "زياراد" أنه لم يُقتل خلال الأسبوع المنصرم سوى ثلاثة جنود أفغان في القتال الذي دار حول المدينة.
وبالنظر للهدنة غير المعلنة بين الجيش والمجاهدين قد تكون إحصاءات الحاكم صحيحة. لكنه أنكر من جهة أخرى ، أن يكون في جلال أباد جنود سو؟يات ـ ما عدا بعض المستشارين الزراعيين والمعلمين ، متجاهلاً الألف من الجنود السوفيات القابعين في ثكناتهم خارج المدينة: ولم يكن مهتماً بالوجود الروسي في بلده ، بل "إن جماعات قطاع الطرق والمالكين الإقطاعيين الذين انتزعت منهم أملاكهم بالقرار السادس ، هم المشكلة: بالإضافة إلى مساعدة يتلقونها من تلاميذ الإمبريالية. إن هؤلاء يتدربون في مخيمات تقع في باكستان. وقد علَّمهم الإمبرياليون كيف يرمون القنابل اليدوية ، ويطلقون الألغام" ، بحسب قوله. كان الحاكم يزور القرى المجاورة خلال النهار برفقة ثلاثة جنود ، ليتفقد التقدم الحاصل في إصلاح الأرض ، والنظام الجديد في جلال أباد المتعلق بالريّ. ولكنه يتفهم كيف أن الإصلاحات الجديدة أورثت العداء. قال: "لقد أكَّدنا أن جميع الرجال والنساء لهم حقوق متساوية ، وأنهم يتلقون التعليم ذاته. ولكن تبيّن أن لدينا مجتمعيْن في بلادنا: مجتمع المدن ومجتمع القرى.
يقبلون التساوي بين الجنسين
فأهل المدن يقبلون التساوي بين الجنسين ، لكن أهل القرى أشدّ محافظة. وربما سرنا في إصلاحنا أحياناً أسرع من اللزوم. فلا بد من مرور الزمن كي تتحقق أهداف ثورتنا". وقد ضاعت كلمات السيد "زياراد" الأخيرة ، ونحن خارجون من مكتبه في صوت الرعد الصادر عن أربع مروحيات حربية تتسابق فوق السوق ، وتثير غيوماً من الغبار قرب بيوت الطين ذات الطبقة الواحدة. سألني الحاكم عمّا إذا كنت أرغب في الرجوع إلى الفندق بسيارته ، فنظرت في وجوه الناس الغاضبة وهم يحدقون في المروحيات ، وفضلت أن أعتذر عن استعمال سيارة الحاكم. ولكن الشرطة في فندق "سبينجهار" صاروا أكثر فضولاً. فهم يريدون أن يعرفوا كم سأبقى في جلال أباد ، ولماذا لم أذهب إلى كابول. لقد حان الوقت لكي نترك جلال أباد "تهدأ": أو كما قال "غافين": لا تكن جشعاً (ھ).
ولكن الروس هم الذين كانوا جشعين: إذ أرسلوا مئات من الجنود الإضافيين إلى كابول. على أسطول من طائرات "أنطونوف" ، مع مركبات مدرَّعة برمائية جديدة. وفي بعض الثكنات العسكرية ، تمّ ضمّ جنود روس وأفغان معاً في وحدات مشاة ، لتقوية معنويات الجيش الأفغاني ، بحسب ظنهم.
أما الشاحنات الأفغانية الجديدة ، فقد نقلت قوات أفغانية ، لكن السائقين كانوا من الروس. وتوالت خطابات الرئيس كارمال التي هاجم في أحدثها من سمَّاهم: "القتلة ، والإرهابيين ، وقطاع الطرق ، والعناصر المخرًّبة ، والسارقين والخونة ، والمأجورين". وما لبث بعد أكثر من شهر على الغزو السوفياتي ، أن وجَّه "جماعات المقاومة المتطوعين" لحراسة الطرقات والجسور والقوافل ـ ضد المقاومة الصحيحة الأقوى طبعاً ـ مما يبرهن على خطورة مشكلة المتمردين الآن ، واتساع المناطق التي باتوا يسيطرون عليها فعلاً. ولكن الروس لم يستطيعوا أن يحموا رجال العصابات ، أو أن يعطوا الأمل للقرويين الأفغان بأن بقاء الروس سيحسًّن حياتهم. فقد انقطعت مناطق كبيرة من أفغانستان عن تلقي معونات الحكومة الغذائية: وكان الروس يرسلون بالطائرات شحنات من الحبوب ـ وحتى التراكتورات ـ إلى كابول ، بينما ظهر أحد قادتهم الكبار في قاعدة "باغرام" الجوية ، مدعياً أنه لم يبقَ من الإرهابيين إلَّا بقايا في الجبال.
هذه البقايا المسماة "باكويايي" باللغة الداريَّة ، صارت الكلمة الشائعة لوصف المتمردين على الراديو الأفغاني. ولكن "إصلاح" أفغانستان في هذه الظروف بات مستحيلاً. كانت الحكومة تخسر. ولم يكن الأمر سوى مسألة وقت. وصار كلام الحكومة عن النصر أقل مصداقية عند الناس باستمرار. وفي ردهة فندق "أنتركونتيننتال" ، أخبرني دبلوماسي بولندي بأنه يعتقد أن الروس يحتاجون إلى مئتي ألف جندي ليربحوا حربهم.
وكان رجال كارمال قد أغلقوا مساجد العاصمة باعتبارها مراكز للمقاومة. وقد التقيت في مركز كابول إمام مسجد "وليخيشتي". وهو رجل قصير القامة شاحب الوجه نحيله: تنمّ قسماته عن همّْ وقلق. وقد رفض أن يعطي اسمه ، ولم يُجب عن أبسط الأسئلة حول حياة الناس. وصل قبل صلاة الفجر بدقيقة واحدة ، يمشي بسرعة عبر باحة المسجد المتجلدة ، بعباءته الحريرية المحبوكة وعمامته الذهبية. وغادر فور انتهاء الصلاة.
وعندما مشيت نحوه ، التفت فوراً إلى اليمين. وعندما طرحت عليه قائمة الأسئلة بلغة "البوشتو": ما هو دور الإسلام في أفغانستان بعد شهر كانون الأول ـ ديسمبر؟ لوّح بورقة الأسئلة في صقيع الهواء بحركة يائسة. وصاح بي: "أسئلتك كلها سياسية ، وإحداها عن سعادة الناس في النظام الجديد لبابراك كارمال". لن أجيب عن أي سؤال بشأنه. أنا لا أمثل الناس: بل سأجيب عن الأسئلة الدينية فحسب. وكان ذلك متوقعاً. وبصفته "كاتب" المسجد ، فما عليه سوى أن يؤوًّل القرآن الكريم ، لا أن يلقي عظات عن أخلاقيات الحكومة. ولمّا كان كل هؤلاء "الكتَّاب" قد تعينوا عن طريق الحكومة الثورية منذ سنتين ، فمن غير المحتمل أن يبوح بأية مشاعر عن الغزو السوفياتي لبلده. وبعد أيام من انقلاب "طرقي" عام 1978 تضمنت خطب المساجد في كابول الدعوة إلى الجهاد.
وقد قطعت الطريق على أي استقلال سياسي عن الشيوخ المسلمين السنَّة خلال أيام عندما دهمت الشرطة كل المؤسسات الدينية في المدينة ، ونقلت الشيوخ المنشقين إلى سجن "وليكارخي" ، حيث بقوا فيه ، ولم يخرجوا منه. إن الكنيسة المقطوعة الرأس لا تستطيع أن تقدم التوجيه السياسي إلى رعيتها. إنما تاريخ الإسلام في أفغانستان يوحي بأنه ليس هناك من قائد ديني ينذر نفسه لتوجيه الناس إلى الحرب ضد الأعداء.
المسلمون الشيعة
أما المسلمون الشيعة ، الذين لديهم تقليد بالتضحية بالذات ، وتوكيد على الاستشهاد ، والذين دمروا نظام الشاه في إيران ، فقد كانوا أقلية في أفغانستان. وفي مدينة هرات الغربية ، التي تبعد 100 كيلومتر عن الحدود الإيرانية ، كانت ترفع لافتات للخميني ولآية الله شريعة مداري على الجدران: لكن السنَّة كانوا هم الأكثرية ، وكان هناك ارتياب في ممارسة رجال الدين للسلطة في إيران. فالأفغان لا يقرُّون بسلطة دينية إلهية على مستوى البلاد. والإسلام دين رسمي ، يشغل فيه أئمة المساجد وظيفة بيروقراطية ، وليس لديهم رسالة سياسية. وكان نفوذ المعتقد الديني التقليدي قوياً في أفغانستان ، ولكنه لم يكن متطرفاً: وإن عدم وجود تراتبية عند السنَّة منعت "الملالي" أي أئمة المساجد من استخدام مركزهم لإحداث وحدة سياسية في البلاد. وعلاوة على ذلك ، كان المسلمون الأفغان مقسومين طبقياً في كابول. فمسجد "وليخيشتي" يرتاده الفقراء ، بينما يفضل العسكريون المسجد الأزرق ، ويذهب باقي الشعب من الطبقة المتوسطة للعزاء في مسجد "دو شام شيرا" ذي الطبقتين. وقدَّمت الملكية في أيامها للناس في أفغانستان وحدة فسيفسائية جمعت شمل السكان إلى حدّْ ما. وكان الناس في مقاهي "الشاي خانة" يتباهون بتحية آخر ملك للبلاد.
ولكن بعد ظهور حكام جدد منذرين بالشر ، تبيّن أن الحكام المبذرين الذين حكموا البلاد سابقاً لم يكونوا أبداً شعبيين. فعندما انقرضت الملكية ، لم يبقَ ما يجمع الناس سوى الإسلام الذي اتَّحد مع الشعور القومي ـ إزاء الشيوعية ـ مما يفسًّر لماذا أعاد كارمال اللون الأخضر إلى العلم الوطني. وقد صارت الخطب الوزارية ، حتى من قًبل أعضاء الحكومة الذين قضوا حياتهم "ماركسيين" ، تبدأ باستشهادات متضرًّعة من القرآن الكريم ، وقد زار نائب رئيس مجلس الوزراء مدينة مزار ، وصلَّى في مقام للإمام علي ابن عم الرسول وصهره.
ولكن كان الدين موضع احترام وتبجيل في القرى أكثر من المدن ـ كما هي الحال في معظم البلدان الريفية ـ ولاسيما القرى التي جاء منها المجاهدون. ومع أن ذلك يشكل قوة رجعية ـ تناهض تحرر المرأة ومساواتها بالرجل ، والتعليم العلماني ـ فإنها ركَّزت اهتمام الفقراء على الواقع السياسي ، بشكل غير مسبوق. ولم يحدث صدفة أن شاعت نكتة في كابول مفادها أن على كل مسلم أن يستمع إلى محطة الإذاعة البريطانية ، بالإضافة إلى تأديته أركان الإسلام الخمسة. ولن تكون تلك دعابة طبعاً ، إذا برزت قوة إسلامية جديدة من أوساط المقاومة ، لا من مقام الشيوخ. وهكذا ، لم يبقَ في أفغانستان الآن سوى صحافيين قلائل ، بحيث لم يعد أحد يهتم بمراسل "التايمز" الذي لا يحمل آلة تصوير ، ولكن لا يزال لديه تأشيرة إقامة صالحة. وفي كابول تسوَّقت السجّاد في السوق مع الجنود السوفيات الذين ما زالوا يشعرون بالأمان في شارع "الدجاج". اشترى الروس تذكارات ، وعقوداً ، وأساور لزوجاتهم وصديقاتهم ، بينما الجنود الطاجيك قصدوا المكتبات ليبتاعوا نسخاً من القرآن الكريم. وأخيراً اشتريتُ سجادة بقياس 3ھ2 أمتار قرمزية وذهبية مطروحة على الرصيف الرطب. ولكن السيد صمد علي الذي لا يزال يمكنه أن يتنقل بنا ضمن حدود مدينة كابول ، نظر إلى سجادتي نظرة ناقدة ، وأخبرني أني دفعت فيها سعراً باهظاً ـ فمن وظائف سائقي سيارات الأجرة في جنوبي شرقي آسيا أن يبخسوا مشتريات الزبائن الأجانب ـ ولكنه أخذها وأوثقها على ظهر سيارته.
ومن كابول ، ركبت مرة أخرى في باص عليّ نزولاً إلى جلال أباد ، حيث نويت أن أقضي الليلة في فندق "سبينجهار" قبل عودتي إلى كابول. وفي سوق جلال أباد ، فتشتُ عن كيس من "الساتان" لأحمل فيه سجادتي الكبيرة وأنقلها إلى الخارج. وكنت قد تعلمت معنى الكيس بلغة "البوشتو": (أطلسي كاهزورا) ـ اشتريت كيساً كبيراً من الخيش ومجموعة من البطاقات البريدية من جلال أباد تحت الحكم الملكي ، تلك المدينة اللطيفة الناعسة المتلألئة بالألوان المفقودة الآن إلى الأبد. وزرت القنصلية الباكستانية في المدينة ، التي لا بد أن يكون بعض موظفيها متعاونين مع رجال العصابات. حدثوني عن خوف الروس من أن تقع جلال أباد جزئياً في أيدي المتمردين ، وأن تقفل طريق كابول.
الدبلوماسيون الباكستانيون
ولم يكن الدبلوماسيون الباكستانيون منزعجين أبداً من هذا التوقع. ولم تمضً برهة على وصولي إلى فندق "سبينجهار" حتى هُرع إلي موظف الاستقبال يعلمني بانفعال أن الروس يستخدمون المروحيات للهجوم على قرية "صورغ رود" ، على بعد 20 كيلومتراً إلى الغرب. استأجرت عربة بدولابين ، ووجدت نفسي خلال نصف ساعة في بلدة ذات شوارع ترابية وبيوت طينية. طلبت من السائق أن ينتظرني على الطريق الرئيسية ودلفت إلى البلدة. لم يكن هناك مخلوق بشري ، بل الأصوات المكتومة للحوَّامات المروحية السوفياتية من طراز (Mi-52) ، التي لمحتها تمر بسرعة عند أواخر الشوارع. نبح بعض الكلاب عند مجرور مفتوح: وكانت الشمس لا تزال في كبد السماء وغطاء الحر يلف نسيم الشوارع. فأين الهجوم الذي استثار موظف الاستقبال؟ حانت مني التفاتة فرأيت طائرة بشكل حشرة تطير على علو منخفض وتطلق النار. وتعالى الصوت كأن مئة كرة غولف قد ضربت بالهراوات في الوقت ذاته ، بينما أخذ الرصاص يرشق جدران المنازل ، فتتناثر قطع الطين في الهواء ، كلما أصيبت المباني.
واتجه خط من هذا الرشق الرصاصي عبر الشارع نحوي ، فارتعت وركضت عبر باب مفتوح ، وباحة ترابية ، ودخلت أول بيت رأيته. اندفعت بقوة عبر المدخل ، ووقعت على جنبي فوق سجادة عتيقة. وتبيّنت أمام الحائط الداكن الذي أمامي رجلاً أفغانياً ذا لحية غبراء ، جالساً مع مجموعة من الأولاد ، فاغرين أفواههم من الخوف ، ووراءهم امرأة تلف رأسها بوشاح أسود. حملقت فيهم وحاولت أن أبتسم: فبقوا هناك صامتين. وشعرت أن عليّ أن أطمئنهم بأني لست روسياً ، بل من إنكلترا بلد السيدة تاتشر ، وأني صحافي. ولكن هل تفهم هذه العائلة الإنكليزية؟ أو ما هو الصحافي؟ كنت منقطع النَّفَس ، جزعاً ، ومتسائلاً كيف وصلت إلى هذا المكان الخطر بسرعة وبدون تفكير في وقت قصير ، بعد مغادرتي فندق "سبينجهار".
كان لا يزال لديّ بعض سلامة العقل ، لأتذكر معنى كلمة صحافي بلغة "البوشتو" ولأطمئن هؤلاء المساكين عن هويتي. فقلت متبجحاً "زا دي إنكليزي أطلسي كاهزورا يام،". لكن تلك العائلة زادت حملقتها فيّ ، وعظم انشغال بالها. قرّب الرجل الأولاد إليه ، وهمهمت زوجته متذمرة: فابتسمت. ولكنهم لم يبتسموا. لقد جاش الخوف في صدور هذه العائلة. ولم أتبيَّن أني لم أقل لهم أني صحافي إلَّا فيما بعد تدريجاً ، عندما راجعت ما قلته بلغة "البوشتو" فوجدت أن معناه هو "أني كيس ساتان إنكليزي ،"هذا ما قاله المراسل الأشعث الذي خرق حرمة بيتهم. فكررت كلامي بالانكليزية وبالبوشتو أني صحافي مراسل. ولكن ما وقع قد وقع. فلم يكن هذا الإنكليزي خطراً ، وأجنبياً ، بل كافراً تطفّل على حرمة بيت أفغاني: فضلاً عن كونه غير عاقل. لم يكن عندي شك في ذلك. وعندما نجد أنفسنا ، نحن معشر الصحافيين ، في خطر كبير ، لا بد دائماً من التساؤل: لماذا رمينا أنفسنا في هذا المأزق ، وعرَّضنا حياتنا للخطر؟ هل من أجل رئيس التحرير؟ أو حباً بالمغامرة؟ أو لأننا لم نفكر ، ولم نحسب الأخطار ، ولم نتبصر في أن حياتنا كلها ، وتربيتنا ، وعائلتنا ، وحبنا وسعادتنا ، صارت الآن رهن الحظ وبعض الفقرات. كانت قرية "صورغ رود" هي المحطة الحدودية التي استعطى فيها الجندي البريطاني في قصيدة كيبلنغ ، وكان الشارع خارج هذا البيت هو الممر الضيق المظلم ، وكانت الطائرة المروحية هي رشَّاش العدو. هذا الرسم هو إطار ينبئنا بأن الحياة رخيصة: غير صادقة: وأن الموت رخيص.
إنه يسير وفظيع ، وغير عادل أبداً. جلست على السجادة ، ربما لمدة عشر دقائق ، أبتسم ببلاهة للعائلة الباردة الوجوه الجالسة أمامي ، حتى انبرت فتاة تلبس ثوباً قرنفلياً ، وتقدمت نحوي وهي تتردد في مشيها ، وابتسمت. فرددت الابتسامة بمثلها: وأشرت إلى نفسي وقلت: "روبرت": فردَّدت اسمي.
وأشرت إليها ، فما هو اسمها؟ فلم تجب سمعت من الخارج صوت حمار يدبّ بعد البوابة وصياح رجل: بعدما غابت أصوات الطائرات المروحية وقفت ونظرت من الباب ، فرأيت أناساً يمشون في الشارع. كان الأمر كما يحدث في جلال أباد عند الفجر ، إذ يتحول ليل الموت سحرياً إلى يوم كدّ ، وعمل ، وغبار ، وازدهار أشجار "الجاكاراندا". لقد مرَّت الحرب على قرية "صورغ رود" ، وذهبت الآن إلى مكان آخر. التفتُّ إلى العائلة وشكرتها للحماية التي لم تقدَّم لي بقولي: "شكريَّة" ، أي شكراً. فانحنى الرجل الملتحي ببطء ورفع يده اليمنى مودًّعاً. كان صاحب العربة بدولابين لا يزال ينتظرني على الطريق الرئيسية ، موجساً خيفة من أن أكون قد قضيت نحبي ، وربما أكثر خوفاً من أن لا أبقى على قيد الحياة لأدفع له أجرته. عدنا إلى جلال أباد. وجاء تلك الليلة قادة الحزب إلى الفندق حاملين أنباء مزعجة لهم ، كما يبدو. فقد أغار المجاهدون على مركز لإقامة الطالبات في جامعة جلال أباد ، وساقوا عشرين فتاة من المبنى ونقلوهن إلى "تورا بورا" ، حيث أعطين مالاً ـ مئة أفغانية تعادل 22 دولاراً ـ وحجاباً أسود لكل منهن وتعليمات بإنهاء دراستهنّ. وفي اليوم نفسه ، أُرسل مهندس روسي إلى ضواحي جلال أباد ليصلح خطاً كهربائياً جرى تخريبه تكراراً. وبينما كان على رأس العمود أطلق عليه شخص النار فأرداه قتيلاً ، وبقي جسمه معلقاً بين الأسلاك على علو عشرة أمتار فوق الأرض لعدة ساعات: بينما كان الناس من رجال ونساء يفدون لينظروا إلى جثته. غادرت في اليوم التالي إلى كابول على متن أول باص. وكان باصاً فخماً انطلق عند الفجر قبل وصول باص عليّ بوقت طويل.
ولم تكن تأشيرتي صالحة إلّا لثلاثة أيام قادمة. ولم يكن الركاب من القرويين ، أو من رجال الأعمال الباكستانيين الذين يسافرون على باص عليّ السياحي ، بل من طلاب الحكومة الأفغانية ، وأعضاء من حزب "بارشام" عائدين إلى جامعة كابول بعد العطلة. وحتى قبل أن نقطع ضواحي المدينة ، كانوا يأمرون كل واحد بإنزال الستائر حتى لا يرى أحد من الخارج شيئاً.
وكانوا يطلعون أعناقهم عند كل منعطف ليختلسوا النظر من خلال شقوق الستائر ، لئلا يكون هناك كمين أمامهم. ولم أفقه كيف ستساعدهم الستائر. فالباص المحاط بالأستار والأسرار أدعى إلى لفت نظر المجاهدين من المركبة التي تفتح نوافذها ، ويبدو الركاب نائمين فيها. وعندما توقفنا على بعد 25 كيلومتراً إلى الشمال وجدنا جثة رجل مغطاة تنقل إلى شاحنة ، فنظر إليها الطلاب صامتين برعب واشمئزاز.
«شاي خانة»
لقد كانت حسبما قيل لنا جثة سائق شاحنة لم يتوقف لإشارة المجاهدين. كان هناك خمس شاحنات مترافقة ومتوجهة كلها نحو كابول. وقفت كلها الآن عند مقهى "شاي خانة" ، ليبحث سائقوها المشكلة ، فهل يتفاهمون مع حاجز رجال العصابات في أعلى الطريق ، أم ينكفئون راجعين إلى جلال أباد. مرت ساعتان ، ولم يستطع السائقون أن يقرروا شيئاً: وزاد انفعال الشباب الأفغان وتوتّرهم: ولسبب وجيه: إذ إن المجاهدين عرضوا على أسراهم خيارين: إما الانضمام إلى المقاومة أو مواجهة الإعدام.
وبدأ بعض الشباب الأفغان بنزع شارة الحزب. فشعرت إذ ذاك بالأسف. ربما انضموا إلى حزب "برشام" ليترقوا في الجامعة أو لأن أهلهم موظفون في الدولة. ومهما وصفنا وحشية الحكومة واتكالها على غزاة أجانب ، فموظفوها كانوا يحاولون إرساء دعائم مجتمع علماني يقوم على المساواة في القرى المحيطة بجلال أباد. ولم تكن الحكومة هي التي تحرق المدارس وتقتل المعلمين. مرت ساعة أخرى ، وتصاعد الحر ، وزاد اكتئاب الطلاب ، والسائقون يتدفأون في الشمس. ففي أزمنة الحرب ، ولدى مواجهة الأخطار الكبرى ، يمسي التردد وعدم اتخاذ قرار بمثابة مخدًّر. ثم جاء باص عليّ الخشبي يجاهد صعوداً ، وعلى جنبيه شعار محافظة الحدود الشمالية الغربية. وأراد عليّ أن يعرف لماذا هجرته. وقال مشيراً إلى سيارته: أرجوك يا سيد روبرت أن تأتي معنا.
وهكذا جلست على مقعدي إلى الجهة اليمنى من الباص ، ومشت الباصات الأخرى وراءنا كالغنم. وعلّق عليّ على الوضع بقوله: "من الأفضل لك أن تكون معنا ، لا معهم" ، وما لبثت أن أدركت سبب ذلك. وعند أحد المنعطفات بعدما سرنا حوالى خمسة كيلومترات في واد ضيق حافل بالصخور وشجر الصنوبر الصغير ، طالعنا ستة رجال من المجاهدين لوَّحت وجوههم الشمس ، يقفون منفرجي السيقان. وكان سابعهم مفترشاً صخرة ، يلوّح بذراعه صعوداً ونزولاً كإشارة لنا كي نتوقف. قيل لنا إنهم غير مسلحين كما يجب ، وأنهم لا يظهرون إلا بعد حلول الظلام ، وأنهم يخافون انتقام الحكومة. ولكنهم كانوا هناك في وضح النهار تحت أشعة الشمس عند الظهر ، بعباءاتهم وأوشحتهم الأفغانية ، يحمل كل منهم بندقية رشاشة جديدة من طراز كلاشينكوف ، ويسيطرون على المرور فوق أهم طرقات أفغانستان. كان ذلك عرضاً جريئاً للثقة بالذات ومنظراً مخيفاً للطلاب في الباص وراءنا.
أما في باص عليّ ، فلم يكن هناك أي قلق ، حتى أن أحد المسافرين الباكستانيين ـ وهو تاجر قماش من "بشاور" ـ بلغ به الضجر مبلغه ، فبدأ مناقشة طويلة ومتعبة بشأن سياسة باكستان الداخلية.
ومن نافذة الباص الخلفية ، كنت أرى الطلاب ينزلون من الباص إلى الطريق. وقفوا هناك مطاطئي الرؤوس ، كما لو كانوا مجرمين ، يختبىء بعضهم خلف بعض. وكان عليّ يتحدث ويمزح مع أحد رجال العصابات. ووقف سائقو الشاحنات الآخرون قرب باصاتهم ، وليس على وجوههم سيماء. وكان المسلحون يمرون على طول صف الشباب الأفغان: ويأمرون بعضهم بالرجوع إلى الباص: بينما أمروا آخرين شحب لون وجوههم من الخوف بأن يصطفوا على جانب الطريق. أوثقوا ثلاثة منهم وعصبوا عيونهم ، وساقوهم متعثرين عبر شجيرات الصنوبر باتجاه النهر الذي يخرّ عن يميننا. راقبناهم حتى اختفوا مع حراسهم عن أنظارنا. فطقطق التاجر الباكستاني بلسانه وهزّ رأسه قائلاً: "شباب مساكين".
صعد عليّ إلى الباص ، وأعلن أن المجاهدين لن يزعجونا ، لأن هذا الباص باكستاني. وحالما تحركنا للسير ، أشار إلينا أحد رجال العصابات الشباب يضع وردة على رشاشه ، بإلحاح عبر النافذة أن نتوقف. وأخيراً رأيتهم. لقد كانوا هنا ، أولئك المقاتلون المقدَّسون الذين تتبنَّاهم وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) ، وأولئك الإرهابيون ، وقطاع الطرق ، والعناصر المخرًّبة المناوئة للثورة ، كما يسميهم كارمال ، والبقايا ، كما ينبذهم اللواء السوفياتي بلطافة ، وطلاب الإمبريالية ، كما يصفهم السيد "زياراد". ولكنهم لم يظهروا كبقايا في نظري: فرشاشاتهم جديدة من طراز (AKS 47s) الذي جلبه الروس مؤخراً إلى أفغانستان ، وكانوا يرتدون أحزمة ذخيرة جديدة أيضاً. صار فندق أنتركونتيننتال في كابول مهجوراً.
الصحفيين الغربيين
فقد طرد معظم الصحافيين الغربيين أو رحلوا: ومنهم "غافين" وطاقمه. وعما قريب ، ستنتهي مدة تأشيرتي ، وليس هناك أمل في الحصول على أخرى. وفي مكتب مبيعات الفندق ، رجتني إحدى السكرتيرات "جينا نوشين" أن أنقل بريدها الشخصي إلى خارج البلاد. وبعد تسعة أشهر في إيرلندا وردتني إشارة مُلْغًزة منها ، تشكرني على إرسال بريدها. وأظهر الطابع البريدي على غلاف الرسالة صورة للعمّ الرئيس "طرقي" وهو يبتسم متصفحاً جرائد الصباح. ولكن هناك رسالة أهم منها هرًّبت إلى كابول من الاتحاد السوفياتي بواسطة كاتب شيعي ، أوقف بعد قيام ثورة طرقي عام 1978 ، واعتُقد أنه قُتل على أيدي الشرطة السرية الأفغانية. وفي تلك الرسالة التي بعث بها "الملّا" أي الشيخ أو الإمام "واعظ" ، والذي استعان بعامل سوفياتي متعاطف ، وطالب في جامعة موسكو لينقل رسالة باليد إلى كابول ، أخبر الشيخ عائلته أنه مع مئات من الأفغان الآخرين سجناء في بلدة "تولا" السوفياتية ، الواقعة على بعد 200 كيلومتر جنوبي موسكو. وكان "واعظ" مكرَّماً بين السنَّة والشيعة ، نظراً لمعارضته الحكم الشيوعي. سرت شائعات لأكثر من سنة بأن آلافاً من الأفغان موقوفون في الاتحاد السوفياتي ـ خلافاً للقانون الدولي. فكثير من العائلات التي هاجمت سجن "وليشارفي" خارج كابول في شهر كانون الثاني ـ يناير كانوا يفتشون عن أقاربهم الذين ربما كانوا في الاتحاد السوفياتي طول تلك المدة: كما يبدو الأمر الآن. ويتبيّن من رسالة "واعظ" أنه مع غيره من الأفغانيين المسجونين في "تولا" ، يشار إليهم بأنهم سجناء الدولة ، مع أنه قبض عليهم في أفغانستان. وفي عام 1979 ، قُتل سفير الولايات المتحدة في كابول "أدولف دبز" بواسطة مسلحين طلبوا أولاً في تلك الملابسات إطلاق سراح "واعظ" للمحافظة على حياة السفير. فهل كان السوفيات غير راغبين في اطلاق سراح "واعظ" لئلا يكتشف عدد الأفغان المأسورين لديهم في "تولا". عرفتُ أن الحكومة الأفغانية تضغط على مَنْ بقي منَّا ، نحن الصحافيين ، للخروج من البلاد: ولكن ربما كان الباب لا يزال مفتوحاً جزئياً بحيث أنسلّ من شقه (ھ).
قمت برحلة أخيرة إلى جلال أباد مع عليّ ، حيث وجدت في فندقي ملتقى اجتماع سرًّي بين ستة ضباط كبار سوفيات مع وزير الداخلية الأفغاني "سعد محمد غولابزوي" وموظفيه المحليين: وكلهم يتوقون إلى منع حصول حصار كامل على جلال أباد من قبل المتمردين. وكانت الطريق خطرة جداً إلى درجة استعان عندها الروس بالطائرات المروحية لنقل الروس من كابول. رأيتهم يدخلون فندق "سبينجهار" بحراسة رجال الشرطة الأمنية الذين يعتمرون خوذ الشغب ، والذين نصبوا مدافع رشَّاشة تتلقم من حزام الرصاص على طاولات الفندق وحول حدائقه. وكان عدد الجنود السوفيات إذ ذاك ثلاثة آلاف جندي. وكان تدمير القرى حول جلال أباد جارياً على قدم وساق: ومنها قرى "أليسنغ" و"ألينغار" خارج "ميترلام" التي قصفها الروس بالقنابل. ولكن الرحلة إلى مقاطعة "لاجمان" على بعد 40 كيلومتراً ، أظهرت أن المتمردين أحرقوا كل مدرسة وكل مكتب حكومي.
وقال بعض القرويين أن عدد قتلى الغارات السوفياتية في الأيام الثلاثة الماضية بلغ حوالى خمسين شخصاً بين أمرأة وولد. وقد ردَّد رجل مسنّ كلمة "نابالم" ، وهو يشير بيديه نزولاً ليكبح غضبه. وفي إحدى القرى الصغيرة خارج "ميترلام" تجمهر أكثر من 200 شخص حول سيارة الأجرة التي كنت فيها ، عندما ظنوا أننا روس. ولم يخلُ المجاهدون من دعابة. فقبل ليلتين وجد سائق شاحنة أفغاني على الطريق الرئيسية الغربية ورقة كتب عليها: "باسم الله ، إن هذا اللغم للدبابات". فما كان منه إلَّا أن فجَّره. فتصدى له أحد المتمردين المسلحين يطالبه بدفع 350 دولاراً ثمن المتفجرات التي بذَّرها. كما جاء في تقرير مستقى من ثلاثة مصادر مستقلة في جلال أباد أنه جرى تدمير تمثال لبوذا يعود تاريخه إلى الألف الثاني قبل الميلاد ، مع أثريات أخرى لا تقدر بثمن في متحف "حدَّة". فما كان معنى ذلك؟ وإذا كانت التقارير صحيحة ، فأية ضمانة في العالم تقي تماثيل بوذا العملاقة القائمة في "باميان" والتي يبلغ عمرها 1500 سنة من أن تُدَمَّر كذلك؟ وعند عودتي إلى كابول ، كان رجال العصابات بالمرصاد على الطريق ، وعددهم يبلغ العشرين هذه المرة ، ولم تكن هناك ورود مشكوكة في رشَّاشاتهم. عدت لفترة قصيرة إلى أفغانستان خلال صيف 1980 ، ووصلت إلى كابول حاملاً مضرب تنس بصفتي أحد السائحين ، فهل تصدق ذلك؟ ولكن منظمة "الخاد" ألزمتني بشُرطي رافقني إلى فندق "أنتركونتيننتال" ، حيث دفعت له أجرة التاكسي حول العاصمة. كان الغبار يشكًّل طبقات من الحرّ فوق كابول ، وكان الجنود الروس الآن متأهبين ، يرافقون السيارات المدنية في قوافل طويلة مدرَّعة عبر طرقات أفغانستان: وكانت قاعدتهم الجوية في "باغرام" تدأب على قصف المجاهدين بالقنابل كلّ ثلاث دقائق. واحتل السوفيات الآن مراكز استشارية عليا في كل وزارات كابول: وكانت سياراتهم السوداء من نوع "ليموزين" تتجول في الشوارع الرطبة الحارة ضمن المدينة عند الظهر ، وقد أنزلت الستائر على نوافذها
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش