الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك ـ الحلقة العشرون

تم نشره في الثلاثاء 22 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك ـ الحلقة العشرون

 

 
اسقط الايرانيون طائرة بريطانية فوق مياه الخليج
لماذا قبلت ايران وقف اطلاق النار مع العراق عام ؟1988
اسرائيل قتلت 17 ألف لبنانب وفلسطيني في اجتيتحها لبنان عام 1982
خامنئي : وسنتتقم لشهدائنا من المرتزقة
لقد كان القائد يؤزّم الحالة دون أن تكون لديه خطة... وقد فتح «روجزر» النار إثر ذلك على قوارب إيرانية ضمن مياهها الإقليمية
من اليسير أن يشعر الصحافي بأهمّيته الذاتية بخصوص إنجازه ، وأن يدَّعي بأنه هو الوحيد الذي يحمل الحقيقة ، وأنّ على سائر المحرّرين أن يفسحوا له في المجال ، كي يكشف عن عبقريّته للقرّاء
في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

طرت إلى باريس مع "لارا مارلو" ، التي ستكتب تقريراً قاسياً جداً "للإنترناشينال هيرالد تريبيون" حول المجزرة ، ومع "هارفي موريس" ، الذي أصبح الآن مع "الإندبندنت" ، ووصلنا إلى مطار "رواسيّ ـ شارل دي غول" في شمالي باريس ، حيث كان "هارفي" يوالي تدخين سجايره المعتادة ، ويقول: "لقد علقوا ، وسينالون جزاءهم" ، دون أن يفصح عمّن هم: الأميركيون ، أم الإيرانيون.
وسنعرف ذلك عمّا قريب: إذ طرنا مع خطوط الإمارات إلى دُبي ـ أقرب مدينة غير إيرانية إلى موقع القتل الجماعي الجوّي. استغرقت الرحلة ثماني ساعات: في الحرّ الخانق والاكتظاظ. وجلس أمامي مراسل لإذاعة لندن ، وهو يكتب في دفتره بنشاط محموم. قال ما معناه إنه يكتب مسوّدة تقرير أول ، بحيث يُتلى تقريره صباح اليوم التالي ، بعد أن تصل طائرتنا إلى مطارها. فلم يكن بوسعي إلّا أن أسأله عن فحوى تقريره ، ما دام لم يصل بعد إلى وجهته ، ولم يقم بأيّ تحرّْ عن الموضوع. فقال إنه يكتب "عن الخطر المتمثل في استعمال الإيرانيين لزوارق انتحارية ليثأروا من الأميركيين". ولكنه أقرّ بأنه اختلق التقرير وهو على متن الطائرة: وأخبرني بأنه سيكتب تقريراً آخر عن إمكان قيام الإيرانيين بمحاولة اغتيال قائد السفينة "فانسان".
وعندما سألته عمّا إذا كان واجباً عليه أن يتساءل عن كفاءة الأميركيين البحرية: ردّ بقوله: "قد نجابه تحدّياً إذا قلنا ذلك".
وكانت محرّكات الطائرة قد بدأت تدور. وهكذا جعل هذا المراسل الأميركيين الذين دمّروا طائرة الركاب ضحايا محتملين للمستقبل ، وصيَّر الضحايا الحقيقيين ـ الذين قُتلوا فعلاً ـ معتدين. وقد ذهبتُ حالما وصلتُ إلى دُبي شطر المراقبين البريطانيين لحركة الطيران ، الذين طالما ساعدوني في تقصًّي أنباء "حرب ناقلات البترول". لقد سمعوا الإذاعة فوق الخليج في ذلك الصباح الدامي وكانت قصّتهم مرعبة. أخبروني بأنه راعهم لأسابيع خلت قلّة تدرّب الموظفين الأميركيين وقلّة فعاليتهم في تحدّيهم للطائرات المدنية.

طواقم السفن الحربية
فقد تكرّر تحدًّي طواقم السفن الحربية الأميركية لربابنة الطائرات المدنية التي تسافر بانتظام على خطوطها فوق الخليج من الكويت ، وبدت تلك السفن غير دارية بأنها تمخر اليمّ تحت خطوط السفر الجوّية. ففي أحد الحوادث ـ المعروف لدى المراقبين ، والمحجوب عن الصحافة ـ رست فرقاطة أميركية قرب شاطىء الإمارات ، وتحدّت كلّ رحلة مدنية تقترب من مطار دُبي الدولي. فقام المراقب البريطاني المناوب في المطار بمخابرة السفارة الأميركية في "أبو ظبي" ، وطلب من الدبلوماسيين الأميركيين جعل السفينة تخرج من موقعها لأنها تشكًّل "خطراً على الطيران المدني".
واشتكى ربابنة الطائرات المروحية العالمية قرب الشاطىء من تحدًّي السفن الأميركية لهم ، على تردّدات إذاعية خاطئة. وقد تسنَّى للمراقبين في دُبي أن يسمعوا بعض شطور من المخاطبات البحرية الأميركية. وقد أخبرني أحدهم قائلاً بهدوء: "يا روبرت ، علم الأميركيون فوراً بأنهم أصابوا طائرة ركّاب. وكانت هناك سفينة حربية أميركية أخرى قريبة ـ ورمزها هو (FFG-41).وقد أخبرتنا أن بعض أعضاء طاقمها رووا أنهم شاهدوا أناساً يهبطون بسرعة فائقة من أعالي السماء". جلست خلف برج المراقبة في دُبي ، أفكّر في هذا. أجل ، قد يقع المسافرون من السماء هكذا ، على نطاق واسع معاً في كُتل ، أو قًطع ، من علوّ شاهق مقداره عشرة آلاف قدم ، كما يبدو.
ويمكنني أن أتخيّل الوقع والوقوع على البحر ، وانبجاس الماء ، وأن يبقى بعض الركاب دون شكّ محتفظين بوعيهم طول مدّة السقوط. وبعد ثلاثة أيام ، سأنظر إلى "فاطمة فايدازايدا" في مستودع الجثث "ببندر عباس" ، وأدرك بفظاعة وقوعها حيَّة من أعالي السماء متشبثة بطفلها ، وسقوطها في الماء تحت شمس الصيف الساطعة: بينما يتساقط حولها رفاقها في الطائرة ، وبعض قًطع من الطائرة. وقد تمسّكت بطفلها عالمة ـ فهل كانت تعلم؟ ـ أنها لا بدّ هالكة.

تقارير
وقد أرسلتُ مساء ذلك الأحد من دُبَي ثلاثة تقارير إلى "التايمز". وهي أطول ما كتبتُ عن سجلّ البحرية الأميركية في سوء تحديد هويّة الطائرات المدنية المسافرة فوق الخليج ، والجزع الذي أصاب السفن الأميركية ، والذي سمعه مراقبو الحركة الجوّية على الهواء. وقد ادَّعت السفينة "فانسان" أنها كانت تحت وقع هجوم من قًبل زوارق حرّاس الثورة ، عندما قصفت الطائرة المنكوبة. ولكنني أعلم أن لدى السفن الحربية الأميركية توقيت الخطوط الجوية المدنية ، في مراكز المعلومات عن القتال (CICs).ألم يكن لدى القائد "روجرز" وطاقمه وقت ليتفقّدوا الأمر في نسختهم عن التوقيت؟ لقد كانت الطائرة الإيرانية (IR )556 تطير من بندر عبّاس إلى دُبي يومياً. فلماذا استهدفها القصف بتاريخ 3 تموز ـ يوليو؟ وقد صرّح القائد "روجرز" نفسه أن عليه أن يعيش إلى الأبد محمًّلا ضميره عبء ما فعل. وقد نشر بعد أربع سنوات تقريره عن إسقاط طائرة "الإيرباص" الإيرانية (ھ).
وشمل ذلك وصفاً حيّاً لهجوم على السفينة "فانسان" من قبل الزوارق الإيرانية. وكان الإشعار الأول بانطلاق طائرة من "بندر عباس" ـ ومن مطارها الحربي والمدني ـ قد أرسل رمزين للتلقًّي ، الأول يُستخدم لطائرة ركاب ، والآخر هو رمز حربي معروف استعماله لطائرات (F-41) الإيرانية المحاربة. وكانت الطائرة أيضاً تحت مراقبة الفرقاطة الأميركية "سايدز" ذات الرمز (FFG-41) التي رأى طاقمها الأجساد تتساقط من السماء ، بحسب رواية مراقبي الحركة الجوّية.
وقبل أن تصل طائرة "الإيرباص" إلى بُعد 40 كيلومتراً عن سفينته الحربية ، كان "روجرز" قد أرسل تحذيراً بصيغة عادية ـ ولكنه موجّه إلى طائرة مقاتلة: "إلى الطائرة العراقية... المقاتلة السائرة على خط اثنين ـ واحد ـ واحد ، بسرعة 360 عقدة ، وعلو 9000 قدم.
هذه سفينة حربية أميركية ، بارتكاز اثنين ـ صفر ـ اثنين ، تطلب تغيير سيركم فوراً إلى اثنين ـ سبعة ـ صفر ، وإذا حافظتم على سيركم الحالي فأنتم تقعون في موضع الخطر ، وتتعرّضون لتدابير دفاعية من قبل البحرية الأميركية..." ويقول "روجرز" إنه طلب توضيحاً آخر من الطائرة على بعد 25 كيلومتراً من سفينته. وعند الساعة 54,9 22و ثانية صباحاً ، أطلق صاروخيه اللذين انفجرا بعد 21 ثانية في الطائرة النفّاثة "رضايان" التي لم تعد تظهر على شاشة الرادار في السفينة "فانسان". وقد قدّم طاقم السفينة تقريراً يفيد بأنه رأى لمعان انفجار الصاروخين عبر السراب ، بحسب ما كتبه "روجرز". و"علا هتاف تلقائي من الرجال الذين تنفّسوا الصعداء". ولكن طاقم سفينة أميركية أخرى رأوا بعد لحظات جناحاً كبيراً من طائرة تجارية مع حُجيرة محرّك متعلّقة به يهويان إلى البحر. وقد أظهر استقصاء جرى فيما بعد من قًبل "مركز معلومات المعارك" في السفينة "سايدز" ، أن رمز "الإيرباص" هو رمز طائرة تجارية ، في الوقت ذاته الذي أطلق النار فيه "روجرز".

تدمير الطائرة الايرانية
وقد علَّق على ذلك قائد السفينة "سايدز" "دايفيد كارلسون" بقوله إن تدمير الطائرة الإيرانية "دلّ على قمّة ما وصل إليه القائد "روجرز" في عدوانيّته ، التي ظهرت لأوّل مرّة منذ أربعة أسابيع". فبتاريخ 2 حزيران ـ يونيو اضطرب اثنان من زملاء "روجرز" لأنه مخر بسفينته قرب فرقاطة إيرانية كانت تنفّذ خطة مشروعة وإنما لا سابقة لها للعثور على ناقلة شحنة من الموادّ الحربية المرسلة إلى العراق. ويوم قصفت "فانسان" طائرة "الإيرباص" الإيرانية ، أرسل "روجرز" مروحية تطير على بعد ميلين أو ثلاثة أميال فقط من مركب إيراني صغير ـ مع أن القواعد تنصّ على أن تكون المروحية على بعد لا يقلّ عن أربعة أميال ـ وتعرّضت المروحية للقصف ، بحسب قولهم ، وبدأ "روجرز" يطلق النار على بعض القوارب العسكرية الصغيرة الإيرانية: مما أزعج قائد سفينة "سايدز" "دايفيد كارلسون" ، إذ صرّح في مقابلة مع أحد الضباط البحريين السابقين قائلاً: "لماذا تريد أن يقوم طرّاد درعي يحمي السفن الأخرى بإطلاق النار على القوارب الصغيرة؟ ـ إن ذلك ليس من البراعة في شيء.
لقد كان القائد يؤزّم الحالة دون أن تكون لديه خطة...". وقد فتح "روجزر" النار إثر ذلك على قوارب إيرانية ضمن مياهها الإقليمية. مع العلم أن السفينة "فانسان" كانت قد لُقّبت سابقاً باسم "روبوكروزر" ، من قبل طاقم السفينة "سايدز". عندما سمع "كارلسون" لأول مرّة "روجرز" يعلن لرؤسائه عزمه على إسقاط الطائرة التي تقترب من طرّاده ، صُعق وقال: "قلتُ لمن حولي: لماذا؟ وماذا يفعل بحقّ الله؟ وعدت إلى التمرين ذاته. طائرة (F-41).إنه يصعد.
وصار الآن على علوّ 7000 قدم..." لكن "كارلسون" ظنّ إن السفينة "فانسان" لديها معلومات أكثر ـ ولم يعرف أنهم قالوا لـ "روجرز" خطأ أن تلك الطائرة تهبط.
وأسف "كارلسون" لأنه لم يوقف "روجرز". وعندما أدرك رجاله أن الطائرة تجارية "ارتعبوا". وقد بيَّن التقرير الرسمي الأميركي فيما بعد أن معلومات الحاسوب والاستخبارات التي يعتمد عليها ، أكَّدا أن طائرة القائد "رضايان" كانت على خطّ السير التجاري... وعلى صعود مستمرّ منذ انطلاقها من "بندر عبّاس". وقد قامت مجلّة "نيوزويك" باستقصائها الخاصّ بها ، ونعتت التقرير الرسمي بأنه "تلفيق واهْ ، وأنصاف حقائق وخُدع سافرة. ووضعت صورة مثيرة لقائد متلهّف للفتك ، وطاقم مرعوب ، وللرغبة في تغطية الحقائق..." وجاء في تقرير "نيوزويك" أن الكتب كانت تنزلق عن الرفوف في مركز المعلومات في السفينة "فانسان" خلال مناوراتها قبل إطلاق الصاروخين. فلم تكن هناك والحالة هذه أيّة فرصة لمراجعة توقيت خطوط الطيران.
ولكن في أعقاب المجزرة مباشرة ، التزم الأميركيون بقصّة البراءة التامّة. وقد ظهر "بوش" نائب رئيس الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن بالأمم المتحدة ، ليقول إن السفينة "فانسان" كانت تُسرع لمساعدة سفينة تجارية تتعرّض لهجوم إيراني ـ ممّا كان خبراً عارياً عن الصحّة. أما مرغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا فقد وصفت تدمير طائرة "الإيرباص" الإيرانية بأنه أمر "يمكن أن نتفهّمه".
غلطة
فهل يمكن لتاتشر "أن تتفهّم" إسقاط الإيرانيين لطائرة بريطانية تجارية فوق الخليج والادّعاء بكون الحادث "غلطة" ، وأن القائد ظنّ أنه كان تحت وطأة هجوم طائرة نفّاثة أميركية؟ ومن مفاتيح الحادث أن الأميركيين يدّعون أنهم أرسلوا إلى القائد "رضايان" تحذيراً على الموجات العسكرية والمدنية. فهل سمع القائد "رضايان" هذه التحذيرات؟ وإذا لم يسمع ، فلماذا لم يسمع؟ وكانت إثباتات تدمير الطائرة منشورة أمام الصحافيين على أرض معرض أمام القيادة البحرية الإيرانية في "بندر عبّاس". ومنها: غطاء محرّك الطائرة ، وأجنحة ، وقًطع مفصولة ، ومثلومة ومحروقة بشظايا معدنية: وكتلة ضخمة من رفرف الجناح معوّجة مع فجوة كبيرة في وسطها يبلغ طولها 12 سم: وجزء من جدار مقصورة الركّاب بحجم ثلاثة أمتار مربّعة ، اخترقته الشظايا المعدنية.
وقد رأيتُ حروقاً قرمزية وحمراء على جسم بعض الجثث ، مما يدلّ على أن هؤلاء كانوا جالسين في وسط الطائرة فوق المحرّكين اللذين جذبا بحرارتهما الصاروخين. وقرب هذا الحُطام ، عُرض أيضاً المخروط الأمامي للطائرة ، ومزالق النجاة ، وأنظمة الكهرباء والأوكسجين. لقد كانت تلك الانفجارات كارثية. بعد ثلاثة أيام من تدمير طائرة "الإيرباص" ، طرت عائداً من "بندر عباس" إلى "دُبي" على متن أول طائرة إيرانية تعاود الطيران على تلك الخطوط. وكان رقم الرحلة طبعاً.
(IR556) جلست في مقصورة القائد في النفّاثة (بوينغ 707) ، الذي كان ملاحاً مساعداً للقائد المرحوم "رضايان". إنه القائد "ناصر" الذي كان يطير مع القائد "رضايان" طيلة الأيام الماضية ، ما عدا الأسابيع الستّة الأخيرة ، عندما نُقل إلى قسم "البوينغ" ـ مما أنقذ حياته ـ وقد سجّل النقطة التي أصيبت عندها طائرة "رضايان" ، وأصرّ على القول بأنّ صديقه كان دائماً يردّ على تحدّيات البحرية الأميركية في الخليج. قال: "لقد كان رجلاً حسَّاساً وكفؤاً في مهنته ، لا يخطىء أو يلاعب الأميركيين ، إن ما فعله الأميركيون هو أمر بمنتهى القسوة ـ لا بدّ أن يكون قد أصابهم خوف شديد". أما قولهم بأن الطائرة كانت تقوم بمهمّة انتحارية "فهو قول يثير القرف والاشمئزاز".

رضايان
مع العلم أن "رضايان" طار على هذا الخط في السابق ما لا يقلّ عن 25 مرّة ، وكان ربّاناً "للإيرباص" خلال سنتين ونصف السنة. فماذا حدث فعلاً صباح ذلك الأحد المشؤوم؟ ولم يكن من العسير اكتشاف الجواب عن هذا السؤال. فالقائد "أسداور" ، كان عليه أن يتواصل باستمرار مع ثلاثة مراكز لضبط الملاحة الجوّية: طهران ، وبندر عبّاس ، ودُبي: وهو ما فعله بلغة إنكليزية طلقة. وعندما يتكلّم معهم لا يمكنه أن يرسل أو يتلقّى أيّة رسالة على موجة الراديو 1215 المدنية التي كانت مرتكز طائرتنا "البوينغ" ـ وهي الموجة ذاتها التي أرسلت سفينة "فانسان" عليها تحذيرها للقائد "رضايان". وعندما ارتفع "رضايان" بطائرته من علوّ 12000 قدم إلى 14000 قدم ـ ولم ينزل "بطريقة هجومية" كما ادَّعى الأميركيون مبدئياً ـ كان يتكلّم طبعاً مع مطار "بندر عبّاس" على بعد 50 كيلومتراً من السفينة الحربية ، وإذ ذاك نسف الصاروخ الأميركي الأول جناح الطائرة الأيسر. وقد أخبرتني المراقبة الأرضية في "بندر عبّاس" أن آخر رسالة بعث بها "رضايان" كانت: "نحن نرتفع إلى علوّ 14000 قدم".
فإذا لم يتمكن "رضايان" من سماع الأميركيين على موجته المدنية ، فهو لم يكن أيضاً قادراً على سماعهم على الشبكة العسكرية. ولم تكن رسالتهم سوى تحدّْ لطائرة حربية من طراز (F-41) غير موجودة ، تكاد تُطبق على الطرّاد الأميركي. ثم كان هناك أيضاً سرّ التلقّي (Transponder).فعلى طائرتنا الإيرانية يلمع ضوء أخضر قرب ركبة الربّان اليسرى. مما يدلّ على أنه يرسل تحديد هويّة في الظلام الدامس فوق الخليج. فأيّة سفينة موجودة تحتنا تمخر في ضوء القمر ، تعرف من نحن. وقد أخبر "أسداور" مراقبة دُبي تكراراً ـ لفائدة جميع المستمعين ـ أننا في رحلة (IR556) ، و"معنا 44 شخصاً في الطائرة". ولو كان جهاز الإرسال والاستقبال غير شغَّال لكان الضوء الأخضر قد انطفأ. وأكد "أسداور" أنه لا ينطلق أبداً قبل أن يتأكّد من حصول هذا التدقيق.
وقد أخبرني "حسين يروزي" ، المراقب الأرضي ومدير مطار "بندر عبّاس" بتاريخ 3 تموز ـ يوليو ، أنه يفترض أن جهاز الإرسال والاستقبال لدى "رضايان" كان يعمل. ولا يعقل أن يكون "رضايان" قد انطلق قبل أن يتأكد من لمعان ذلك الضوء الأخضر المطمئن.

التأهب الاحمر
وكان "يروزي" رجلاً في منتصف العمر ، له شارب أسمر حاذق ، وشعر أجعد: تلقّى تدريبه الكامل في مراقبة الملاحة الجوّية في مطار "هيثرو" بلندن. قال إنه لم يعلم بوجود أيّ اشتباك بحري يجري عند انطلاق "رضايان" بطائرته.
كما اكتشفنا فيما بعد أنه لم تكن هناك أية معركة قائمة عند وقت الانطلاق. قال "يروزي": "يذيع الأميركيون تحذيرات في كلّ مرّة يرون فيها زورقاً مسرعاً ـ ويتّخذون وضع "التأهّب الأحمر" عندما يرون كلّ طائرة. ليس لهم الحقّ أن يكونوا في الخليج ، وأن يتحدّوا حقنا الشرعي في أن نطير على خطوطنا الجوّية ـ ولماذا علينا أن نردَّ عليهم؟". كان تعليقه مُفحماً. وحتى لو كان الافتراض السعيد "ليروزي" ، القائل إن الأميركيين لن يطلقوا النار أبداً على طائرة "إيرباص" ، قد اتُّخذ قاعدة لسياسة الملاحة الجوّية ، لكان من اليسير فهم الهلع الذي انتاب الطواقم البحرية الأميركية ، المعبّئين نفسيّاً ضدّ ذلك البلد الذي حمّله رئيس جمهوريتهم مسؤولية حرب الخليج ، بحيث أطلقوا النار على أول طائرة اقتربت من سفينتهم ، بعدما ورَّطوا أنفسهم في قتال مع مركب حراسة إيراني صغير.
فهل كان ذلك جزعاً وهلعاً ، كما ارتأت مجلّة "نيوزويك" بعد أربع سنوات ، جعل ضبّاط السفينة "فانسان" يسيئون قراءة المعلومات التي بدت على شاشات رادارهم ، ورؤية طائرة هابطة عليهم: بينما كانت في الواقع ترتفع: فضلاً عن الحرّ الخانق الذي يكتنف أجسام وطاقات الطواقم البحريّة التي تعمل فوق مياه الخليج؟ وعلاوة على ذلك ، ألم تكن إيران آنذاك هي العدوّ؟ ألم تكن "دولة إرهابية" ألم تكن بحسب كلمات "ريغان" "بلداً بربرياً"؟ ألم يكن القائد "رضايان" وركّابه المسافرون فوق الخليج غريبين عنهم؟ ألم تكن هناك فجوة ثقافية ووجدانية تفصل بين أميركا وإيران ، بل هوّة عميقة وخطرة ، نسف تيّارها الصاعد طائرة "إيرباص" إيرانية في الجو؟ لا شيء يمكن أن يوضح ما حدث ويثير مزيداً من الألم سوى ردّ الفعل الأميركي على قتل 290 مدنياً بريئاً بواسطة السفينة الحربية "فانسان". فقد تطوّع سكّان مدينة "فانسان" في ولاية إنديانا ، للقيام بحملة تبرّع لإقامة نصب تذكاري ــ لا للضحايا الإيرانيين ، بل للسفينة التي سلبتهم حياتهم (ھ).

سفينة فانسان
وعندما عادت السفينة "فانسان" إلى قاعدتها الوطنية في "سان دياغو" ، استقبلوها استقبال الأبطال: وأُعطي رجالها أوسمة تقدير للعمل القتالي. وقد نال منسّق العمل الحربي الجوّي الضابط "سكوت لستيغ" مدالية الإطراء البحرية ، "لإنجازه البطولي" ، و"لمحافظته على رباطة جأشه وثقته بنفسه تحت وطأة إطلاق النار" التي مكَّنته من "إتمام إطلاق النار بسرعة واختصار": حتى أن مجلة "نيوزويك" اضطرّت إلى وصف ذلك "بالسوريالية".
وقد تقاعد "روجرز" بشرفه العسكري عام 1991. وبعد أقلّ من سنة على إسقاط طائرة "الإيرباص" تعرّضت زوجته "شارون" لانفجار تحت سيّارتها "التويوتا" في "سان دياغو": ولكنها لم تُصب بأذى.
وكتب "روجرز" أن واسطة العقد في كتابه كانت "أحداث 3 تموز ـ يوليو 1988 10و آذار ـ مارس 1989 ـ وكأنَّ حمَّام الدم الذي حصل فوق الخليج والمحاولة الفاشلة لعقاب زوجته ، كانا متعادلين: وهي الفكرة التي عُرضت على غلاف الكتاب ، حيث وصف محتواه بأنه "تقرير شخصي عن المأساة والإرهاب". ولكن ، من العدل أن نذكر لـ "روجرز" أنه ضمَّن كتابه رسالة طويلة مريرة كُتبت بخط اليد ، أرسلها إليه "حسين" شقيق القائد "رضايان" ، ويقول فيها: "لقد تحوّل أخي إلى رماد في الفضاء بفعل سدّ النيران الذي أقامه هجومكم بالصواريخ ، واندثر مع عدد كبير من الأرواح البريئة التي كانت على متن الطائرة ، دون أن يرتكبوا أقلّ خطيئة أو إثم من أيّ نوع كان. "كنتُ في منطقة المجزرة ثاني يوم حدوثها: ولسوء الحظ شاهدت نتيجة جريمتكم البربرية ، وضخامتها. لقد كنت أنا أيضاً قائداً بحرياً: ودرستُ في الولايات المتحدة الأميركية ، مثل المرحوم أخي.
ولكن منذ إسقاط الطائرة الذي لا يعقل ، شعرت حقاً بخجل من نفسي. كرهت بحرّيتكم وبحريّتنا: حتى أني تركت وظيفتي ودمَّرت مستقبلي... ومستقبل عائلتي... وربما استطعت أن أتحمل ألم المأساة ، لو مات أخي (محسن) في حادث ، ولكن هذا الأمر المدبَّر والمفتعل لا يُغتفر ولا يُنسى... والحكومة الأميركية بصفتها المجرمة في هذا الحادث المريع ، لم تظهر أي تأنيب للضمير ، أو أيّ تعاطف مع فقدان هذه الأرواح البريئة... ألا نستحقّ أيّة بادرة صغيرة من العطف؟ وهل كان عليكم أن تتفوّهوا بجملة من الأكاذيب والتصريحات المتناقضة حول الحادث من أجل تبرير وقوعه؟... أو أنه كان نتيجة هلع وقلّة خبرة. إني أقدّر لكم إجابتكم العاجلة عن هذه الرسالة". وقد أحسن "روجرز" بإعطاء هذه الرسالة موقعاً بارزاً في كتابه. وكتب يقول: "بالرغم من النقد العنيف الساخر البادي في هذه الرسالة ، ألمَّ بي الألم والحزن المتفجران من هذه الرسالة ، وضرباني بقسوة.
فكل الحزن والهمّ اللذين انتاباني منذ تموز ـ يوليو عادا إليّ بقوة". وقد أراد "روجرز" أن يجيب عن الرسالة ، لكن ضابط العلاقات العامّة في البحرية الأميركية حذّره من أن تستخدم الحكومة الإيرانية المراسلة الجوابية "لغايات سياسية". وهكذا بقي الإيرانيون هم الأشرار. وسُلًّمت رسالة "حسين رضايان" إلى قسم الاستخبارات في البحرية الأميركية: ولعلَّهم قرأوها. لم يكن هناك من فائدة كبرى تُجنى من قراءة تقريري الأول عن المجزرة. ولكن ، كنتُ أثق إلى حدّْ كبير برؤساء التحرير الذين أتعاطى معهم: فجريدة مثل "التايمز" احترمت مراسلتي لها خلال 18 عاماً بشأن: الجيش البريطاني في إيرلندا الشمالية ، والإسرائيليين والفلسطينيين ، والسلطات الأميركية والإيرانيين والعراقيين عندما كانوا يشتكون من تقاريري.

مذبحة مئات من اللاجئين
وعندما كانت تقاريري تُجتزأ ، كان يحصل ذلك لأسباب وجيهة مثل تدبير مكان لها في الجريدة ـ فقد كانوا يسمحون لي باختصارها ـ أو تغيير موقعها في الجريدة ، نظراً لوصول أخبار عاجلة تقضي بتغيير موقع الصفحات ، ولكنهم لم يجتزئوا منها أبداً لأسباب سياسية. اشترى "مورداك" جريدة "التايمز" قبل أن يغزو الإسرائيليون لبنان عام 1982: ولكنّني قدّمت تقاريري دون أيّة مراقبة عليها ذاكراً أن إسرائيل قتلت حوالى 17000 شخص من اللبنانيين والفلسطينيين ـ ومعظمهم من المدنيين ـ وما تبع ذلك من مذبحة مئات من اللاجئين الفلسطينيين بواسطة حلفاء إسرائيل المسيحيين ، وقد أدانت السفارة الإسرائيلية تقاريري ، كما أدانت أيّة تقارير صحافية أخرى تجرّأت على ذكر أن الجيش الإسرائيلي غير المنضبط قتل المدنيين كما قتل العسكر. إنما لم يحدث أن تغيّر ما كتبه أيّ مراسل أجنبي ، بسبب الخوف أو التحيُّز ، تحت قيادة رئيس التحرير "تشارلس دوغلاس هوم".
وكان نائبه "تشارلس ويلسون" رجلاً صلب العود من البحرية الملكية: وقد يتنمّر ، لكنه لم يلطًّف كلامه بخصوص إسرائيل أو أيّة دولة أخرى تحاول أن تطعن في استقامة صحافيي الجريدة. وعندما أخبرته أن التصريح الإسرائيلي الذي يدين تقاريري كان محشوّاً بأخطاء في الوقائع ، زمجر قائلاً: "يا لهم من زمرة من الفاشيين".
على أن الإسرائيليين ليسوا فاشيين: ولكنه أمر جيّد أن لا يخاف نائب رئيس التحرير من مناوئي المراسل.
وقد صار "ويلسون" رئيساً للتحرير بعد وفاة "دوغلاس هوم" بالسرطان: وبقي متنمّراً ، لكنه كان يمكن أيضاً أن يكون بمنتهى اللطف: ولاسيّما إزاء الموظفين الذين أصابهم مرض: فقد كان درعاً من القوة والتعاطف معهم.
لقد أراد أن يكون محبوباً. وكان كريماً جدّاً معي عندما احتجت لأسباب شخصية إلى أن أعمل سنة في باريس. ولكن ، حصل بعد ظهر أحد الأيام أن أرسلتُ تقريراً طويلاً ومفصّلاً ، يستقصي أحوال التعذيب الذي تقوم به إسرائيل في سجن "الخيام" بجنوبي لبنان.
ولم يمضً على إرسال التقرير ساعة ، حتى تلقّيت من مكتب الصحيفة الأجنبي تلكساً يطلب مني أن أوافق على زيادة فقرة إلى التقرير بمعنى أن المزاعم حول مثل هذا التعذيب ـ بالضرب ومسّ أعضاء التناسل بالكهرباء ـ هي أمور معتادة في الدعاية التي يقوم بها أعداء إسرائيل.
فاعترضت: إذ كانت لديّ إثباتات من الأمم المتحدة تدعم استقصائي ـ وقد تأكد كل ذلك في تقرير مفحم نشرته لجنة العفو الدولية.
وفي آخر المطاف ، أدخلتُ في تقريري المذكور فقرة ساندت فحوى التقرير تقول: لنستخدم مثل هذا المزاعم ضدّ إسرائيل ، ولكن في هذه المرّة لا شك في أن هذه الاتهامات صادقة. ربحت هذه الجولة ، ولم أعد أفكّر فيها. ثم ظهر مقال على الصفحة الوسطى من "التايمز" ، التي تُحجز في العادة للتعليق والتحليل.

صحيفة الشرق الاوسط
وادَّعى أنه يشرح الصعوبات التي تعترض كتابة التقارير الصحفية في الشرق الأوسط ـ على أساس التخويف الذي يلقاه الصحافيون من "الإرهابيين" ـ ثم ينتهي المقال معمًّماً بأنّ كل من يكتب تقاريره من بيروت هو طفيلي مبتزّ. وكنتُ أنا أكتب تقاريري من بيروت: حيث مقرًّي كمراسل من الشرق الأوسط ـ وبخاصّة لجريدة "التايمز" ذاتها.
فما معنى ذلك؟ ـ تجنّب قسم الجريدة الأجنبي هذا الإحراج بالضحك. ولكني لم أضحك: بل تساءلتُ هل كان "ويلسون" يحاول أن "يعادل" مقالاتي بالسماح لأعداء النقل الصادق للأخبار أن يسيئوا معاملتي في الجريدة؟ كلّا ، إن ذلك مستحيل. أنا لا أؤمن بالمؤامرات. كما كنتُ أعلم أن "ويلسون" لا يقرأ الصفحة الوسطى من الجريدة.
ولكن القضية أصبحت أكثر جدًّية بتاريخ 4 تموز ـ يوليو 1988 ، عندما اكتشفت أن تقريري الرئيسي "للتايمز" ـ الذي طُلب مني كتابته للصفح الأولى ـ لم يظهر في عدد الجريدة لليوم التالي. لقد أزالوا من النشر كل الاستقصاءات التي قمتُ بها عن هلع طواقم السفن الحربية الأميركية وقلّة فعاليتهم في الخليج ، وكل البراهين على أن الموظفين الأميركيين عرَّضوا الطائرات المدنية للخطر طوال أسابيع ـ ولا سيّما المحادثات الطويلة والمفصَّلة التي عقدتها مع مراقبي الملاحة الجوية في دُبي ، أولئك الذين سمعوا المخاطبات بين ضبّاط البحرية الأميركية ، عندما كانت السفينة "فانسان" تُسقط طائرة "الإيرباص" الإيرانية.
ولو كان هناك شكّ في مصداقية تقريري ، لأثيرت القضية معي ذلك المساء عندما قدّمتُ تقريري.
ولكن لم يكن هناك سوى الصمت المطبق. كما أنه كان هناك أيضاً تقريران عاديّان حول ردّ الفعل الإيراني على تدمير الطائرة وإمكان الاقتصاص من الأميركيين ـ نُشرا في وسط الصحيفة.
وفي صباح اليوم التالي ، تكلّمت مع "يرز أكرمان" في مكتب الصحيفة الأجنبي ، فأخبرني أن قصّتي ألغيت في الطبعة الأولى لعدم توافر مكان لها ، ولكن صيغتها المختصرة التي أعيدت للنشر تضمّنت "النقط الرئيسة". وعندما سألت عن إمكان حصول هذا الاجتزاء لأسباب سياسية ، قال: و"ربًّي ، لو عرفتُ أن الأمور وصلت إلى هذا الحدّ ، لاستقلت". فأعلمته أيضاً أنه لو رشح لي أن الاجتزاء كان سياسياً ، لاستقلت": لم تصل جريدة "التايمز" إلى الخليج إلّا بعد أيام ، وكنتُ قد سافرت إلى إيران ، فلذلك لم أقرأ تلك الجريدة خلال عدّة أيام.
وعندما رأيت النشرات اللاحقة وجدت أن كل عنصر ذكرته في قصتي مما ينعكس سلبياً على الأميركيين قد أُزيل. لا يجدر أن يكون الصحافيون تحت الأضواء ، مثل المغنّيات الأوليات في الأوبرا: إذ علينا أن نجاهد لنثبت قيمة عملنا. ولا يعمل رؤساء التحرير ولا القرَّاء لصالح الصحافيين. ولكنّ هناك شيئاً غير أخلاقي في هذا الأمر: فقد جرت مراقبة ، وتلطيف ، وتغيير لمقالي عن إسقاط طائرة "الإيرباص" الإيرانية ، بكل معنى الكلمة. لقد غُيّرت معانيه عن طريق الحذف. فأصبح الأميركيون في تقريري المجتزأ أبرياء بالتأكيد ، مثلما ظهروا معذورين تماماً في تصريح السيدة "تاتشر".
شعرت حينئذ أن هذا الأمر حدث بسبب ملكية "مورداك" لجريدة "التايمز". لم أعتقد أنه متورّط شخصياً في القصص الفردية التي تُنشر في الجريدة ـ مع أن هذا يمكن أن يحصل ـ بل لأن ملكيّته بثَّت ثقافة طاعة ومطاوعة في أعمال الجريدة كافّة ، على أساس الشعور بأن وجهات نظر "مورداك" ـ وما يريده "مورداك" ـ هي شؤون "معروفة".

الدعاية
وما صعقني هو أن يكون الموظف في قسم الجريدة الأجنبي الذي كان شديد الحماس لإدخال فقرة "الدعاية" إلى مقالي عن التعذيب في سجن "الخيام" ، عضواً يسارياً في "اتحاد الصحافيين القومي" ـ ذلك الاتحاد الذي بذل جهده لإضعاف ثقة "اللورد ثومسون" في جريدته "التايمز" ، ولتوضيب الجريدة وتهيئتها ليشتريها "مورداك".
فقد انقلب أسد اشتراكي إلى فأرة لشركة الأخبار (News Corp).إني لست أسداً ولا فأرة ، ولكني كلب شديد المراس: وعندما أُمسك بحبل بين أسناني ، لا أرخيه إلّا بعد أن أهزّه وأشدّه كشيء نتن ، حتى أرى ما يكمن فيه عند طرفه الآخر. وهذا في نهاية الأمر ما يفترض في الصحافيين أن يقوموا به. ولكن استفساراتي اللاحقة من مكتب القسم الأجنبي في الصحيفة ، لم تُسفر عن أيّة معلومات. فالمحرّر المطاوع "جورج بروك" الذي يعاون "ويلسون" لا يكون متاحاً لي أن أودعه ملاحظاتي: بينما "ويلسون" يقضي إجازته: والموظفون البديلون لا يداومون ليلاً عندما أتلفن. وهكذا مضت أيام على تقديم تقريري الأصلي المشار إليه: ولكني لم أترك القضية. فاقتطاع أو "تشذيب" أجزاء من مقال لعدم توافر مكان له في الجريدة هو أمر وتعريض حياة الصحافي للخطر ليجد على الأثر أن الناشرين ليست لديهم الشجاعة اللازمة لنشر التقرير ، هو أمر آخر.
وهكذا حدث لي في الخليج وفي صيفه اللاهب ، أن فقدت إيماني بجريدة "التايمز".
قرّرتُ أن أنضمّ إلى هيئة جريدة هشّة ، ذكية ، شجاعة ، وقليلة التمويل: ولكنها حرّة مستقلّة ـ وهي بالطبع ـ جريدة "الإندبندنت" (The Independent) ، أي "المستقلّة". وستمرّ شهور قبل أن أُقنع "أندرياس ويثام سميث" ، رئيس تحريرها والمالك لها جزئياً ، أن يضمني إلى فريقه ، أو يقوم "بتوزيع" الحصص المقنَّنة ، بحسب تعبيره. وهكذا استغرق الأمر حوالى سنة ، حتى صرتُ أكتب من الشرق الأوسط لرئيس تحرير جديد ، ولجريدة جديدة ، ولزملاء جدد ـ مع العلم أن كثيراً منهم رفاق لاجئون جاؤوا من جريدة "التايمز".
ولم أعرف أنني بدَّلتُ ولائي لأسباب وجيهة ، إلّا بعد أن قدّمت استقالتي إلى "ويلسون" في جريدة "التايمز".
فبعد حلول العام الجديد 1988 ، تلقّيت مخابرة من أحد المحرّرين الليليين الأعلى مقاماً في الجريدة ، الذي أراد أن يحدّثني عن قصّة "فانسان" بقوله: "نصحتُ رئيس التحرير في اجتماع يوم الأحد المعقود عند الساعة الخامسة بعد الظهر بأن نُفسح لمقالك نشراً عريضاً في مطلع الصفحة الأولى على ثمانية أعمدة. فقال "ويلسون" إنه يريد أن يطّلع على القصّة ، التي كانت تدور حول قلّة كفاءة طقم العاملين في السفينة "فانسان".
قرأته وقلتُ لنفسي: هذه أوضح قصّة قرأتها حتى الآن حول ما حدث فعلاً. وقد واجهت رئيس التحرير فيما بعد على المقعد الخلفي. فسألني "ويلسون": "هل هذه هي القصة التي تتكلّم عنها؟" قلت: نعم. قال: "ليس فيها شيء: ليس فيها أيّة واقعة: إني لا أنشر مثل هذا الكلام الغامض". ووصفها "ويلسون" بألقاب مثل: (Hollocks) والبسكوتة الهشّة.


قصة هائلة
وأذكر أني قلت لتشارلي: "هل أنت متأكد؟ إنها قصّة هائلة". لقد صُدمتُ. نظرت في مفكّرتي ليلة 3 تموز ـ يوليو فوجدت ما يلي: "مجزرة ، فوضى في قصة الخليج. بروك يكتب مجدّداً إلى فيسك". لم يظهر المقال في النشرة الأولى ، لكن القصّة ظهرت في النشرة الثانية بعد أن أُزيلت منها كل الإشارات إلى قلّة الكفاءة الأميركية. راجعتها على الشاشة ، فوجدت أن "جورج بروك" هو الذي دقّق في أمر نشرها. وقد حذف منها كل تلك الإشارات. وقد كتب على رأس المقال ملاحظة تقول "لا يجوز معاودة نشر الأجزاء المقتطعة من هذه القصّة ، في أيّ حال من الأحوال". أردتُ أن أستقيل.
ولكني راجعت نفسي بهذا الشأن ، ولم أستقل. ربما كان عليّ أن أستقيل. أخبرت "دنيس تايلور" عن هذا الأمر في القسم: فاشمئزّ. وعلم جميع الأعضاء العاملين في قسم الصحيفة الأجنبي بالأمر. ولكن ، لم يفعلوا شيئاً بهذا الخصوص. لقد خافوا.
ولم يخبرك أحد بهذا. فقلت لنفسي: ربما كان أفضل للجريدة أن لا يعلم بوب (أي روبرت) بهذا الأمر. خفتُ أن تستقيل إذا علمتَ بذلك". وفي اليوم الذي قدّمتُ فيه أول قصّة لي عن السفينة "فانسان" ، تكلّمت مع "يرز أكرمان" ، وطلبت منه أن يُعلم الكتاب الأساسيين في الجريدة بنصيحتي القائلة إنه مهما كان ردّ فعل رؤساء التحرير على الكارثة ، يجدر بنا أن لا ننساق مع التوجّه القائل بأن "محسن رضايان" كان ربّاناً ينوي الانتحار ، الأمر الذي هو هُراء. وقال لي "أكرمان" إنه بلَّغهم نصيحتي.
ولكنّ المقال الافتتاحي عاد يقول إن الطائرة ربّما كانت تحت إمرة ربّان "انتحاري". وكان ذلك عارياً عن الصحّة تماماً. وهكذا تشوّه جوهر قصتي ، حالما جرى تشذيبها المنشور في الصحيفة ذلك الصباح ذاته. فقد قُدًّمت لقرَّاء "التايمز" بجلال ومهابة صيغة احتيالية ، خادعة ، مغشوشة عن الحقيقة. قلّما تُقدَّم للصحافي ترضية معقولة ، عندما لا تنشر الصحيفة التي يكتب فيها القصّة الحقيقية. ولكن "فنسنت براوني" رئيس التحرير العنيد "للصنداي تريبيون" في "دبلن" ، وهو صديق وزميل قديم لي من إيرلندا الشمالية ، لم يخشَ قول الحقيقة عمّا يجري في الخليج ، كما فعل "ويلسون". فقد دعاني لأن أكتب لصحيفته ثمار استقصاءاتي. ونشرها على الصفحة الأولى لجريدته ، مع صورة شغلت نصف الصفحة لطرّاد أميركي مدرَّع يُطلق صاروخاً إلى السماء ، مع تضمين الصورة هذا العنوان: "ماذا حدث فعلاً؟" ، مع مقالي على كامل تلك الصفحة. وهكذا سمح لسكّان منطقة (County Mayo) أن يقرأوا ما حُجب عن قرَّاء "التايمز" في لندن.

النزاعات الدامية
من اليسير أن يشعر الصحافي بأهمّيته الذاتية بخصوص إنجازه ، وأن يدَّعي بأنه هو الوحيد الذي يحمل الحقيقة ، وأنّ على سائر المحرّرين أن يفسحوا له في المجال ، كي يكشف عن عبقريّته للقرّاء. كما يغريه أن يقدًّم حججه الصحفية على المآسي المروًّعة التي يفترض فينا ، نحن الصحافيين ، أن نغطّيها بمقالاتنا. علينا أن نحسّ ببعض الاتًّساق ، وأن يكون لدينا منظور واضح في عملنا. ماذا أفعل؟ ماذا يفعل فيسك؟ أستطيع أن أسمع مُراجعاً معادياً لهذا الكتاب يتساءل بشأن الكتابة عن قتل 290 شخصاً بريئاً من الكائنات البشرية قتلاً عنيفاً ، ثم يستغرق ردّه خمس صفحات يشرح فيها مشاجراته الصغيرة مع "التايمز". والجواب يسير. فعندما نفشل ، نحن الصحافيين ، في كشف حقيقة الأحداث لقرَّائنا ، لا نكون قد فشلنا في عملنا فحسب ، بل نكون قد أصبحنا طرفاً في النزاعات الدامية التي يفترض فينا أن نكتب عنها. فإذا لم نتمكَّن من قول الحقيقة حول إسقاط طائرة ركّاب مدنية ـ لأن ذلك "يضرّنا" في الحرب ، أو لأنه يجعل من البلد الذي "نكرهه" ضحية ، أو لأنه يُزعج صاحب جريدتنا ـ عندئذْ ، نسهم نحن في التحيّزات التي تسبّب الحروب ، بالدرجة الأولى. وإذا كنا لا نستطيع أن نطلق صفَّارة الاستنكار لبحرية تطلق النار على مدنيين في عرض السماء ، فإننا إذ ذاك نجعل من مثل هذا القتل أمراً "قابلاً للتفهّم" في المستقبل ، كما وجدته السيدة "تاتشر". فلنسقطْ من حسابنا رعب الأميركيين وقلّة كفاءتهم ـ كما سيظهر كل ذلك في الأشهر التالية ـ ولنزعمْ أن الطيّار كان مهووساً بالانتحار ، فلا يبقى لنا في هذه الحال سوى مرور بعض الوقت قبل أن ننسف طائرة مدنية أخرى في الجوّ. وتكون الصحافة إذ ذاك أمراً قاتلاً. ولكني بقيت أتساءل ، وأنا أقف في مستودع الجثث في "بندر عباس" ، عن إمكان حصول حوادث مشابهة لهذا القتل الجماعي ، مثلما حدث فوق بلدة "لوكربي" الاسكتلندية ، بعد خمسة أشهر. وخلال ساعات من تدمير طائرة "الإيرباص" الإيرانية بتاريخ 3 تموز ـ يوليو 1988 ، صرّح الرئيس خامنئي ، رئيس إيران ، بأن ريغان وإدارته هم جماعة من "المجرمين والقتلة". وأعلن راديو طهران وعيده بالقول: "لن تُترك جرائم أميركا دون قًصاص... إننا سنقاوم مؤامرات الشيطان الأكبر ، وننتقم لدماء شهدائنا من المجرمين المرتزقة". ولم يكن لديّ شكّ في ما يعنيه هذا الكلام. وعندما عدتُ إلى بيروت لم أصادف أحداً يعتقد أن السفينة "فانسان" أسقطت الطائرة الإيرانية بطريق الخطأ. لكنني صرت أسمع ملاحظات متفرّقة مقلقة. فعلى مائدة الغداء ، تصوّر أحد الأطبّاء الذي يتزعّم المناداة باللاعنف ـ أنه يجوز أن تكون الطائرة قد لُغمت بقنبلة موجودة بين الأمتعة المحمولة في الطائرة.
وبعد عدّة أيام ، قلت لنفسي ، إذا كان الناس يتكلّمون عن هذا الأمر بهذا الاستخفاف ، فلا بدّ أن ينبري أحد ليجرًّب ذلك. وقد كان للإيرانيين دافع ، على الأقل. لكنّ تدمير طائرة الركاب الإيرانية عمل رهيب ، مهما كانت أعذار واشنطن. ولكن هل يتطوّع أحد لتدبير الانتقام؟ كنتُ في باريس عندما أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية عن سقوط طائرة "ان أميركان" فوق بلدة "لوكربي". وكانت الحصيلة هذه المرّة 270 روحاً أُزهقت في الطائرة ، فضلاً عن أحد عشر قتيلاً على الأرض. لم أحتجْ أن أتصوّر الجثث ـ إذ إنني رأيتها في تموز ـ يوليو ـ ولم أشكّ لحظة في السبب.

نظريات المؤامرة المعهودة
فقد كانت هناك نظريات المؤامرات المعهودة: خطة فاشلة من قًبل وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) بتغطية قوامها مكافحة المخدّرات ، تدخّل فيها العملاء الأميركيون على الأرض بعد الحادث لإزالة الإثباتات. ومن ثمَّ انتقام إيراني للقتل الجماعي في طائرة "الإيرباص". وكانت هذه النظرية الأخيرية محبَّذة في الولايات المتحدة الأميركية. فأظهرت الأخبار من جديد شريط الفيديو ـ الذي صوَّره فريق البحرية الأميركية ـ عن السفينة الحربية "فانسان" ، وهي تطلق صواريخها بتاريخ 3 تموز ـ يوليو. وقد رأى القائد "روجرز" الشريط من جديد ، وكتبت فيما بعد أنه "شعر بعقدة في معدته ، وتساءل هلّا يتوقف هذا الأمر أبداً؟" لقد كان التوازي بين الحادثتين معقولاً ، ولكن ليس من الناحية الأخلاقية. فإبادة "الإيرباص" كانت قتلاً جماعياً مخجلاً ، لكنّ "لوكربي" كانت عملية اغتيال. وقد قال لي أحد معارفي القدماء في بيروت ممَّن لهم اتصالات رهيبة في عالم الرهائن ، بهدوء: "إنه (أحمد) جبريل والإيرانيون". وكان جبريل رئيساً "للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة" المتمركزة في دمشق. وكان المراسلون الدبلوماسيون في واشنطن ولندن ـ وهم يشكّلون الذرائع التي تتستّر وراءها اتهامات الحكومة ـ قد بدأوا يشيرون إلى الإيرانيين ، والجبهة الشعبية المذكورة ، والسوريين.
وفي طهران ، كان الناس ينظرون إليّ نظرات حادّة عندما أذكر حادثة "لوكربي": مع أنهم لم يدَّعوا أبداً أنهم مسؤولون عنها: كما أنهم لم يستنكروا أبداً فظاعتها. ولكن بعد حصول مذبحة "الإيرباص" ، قد يتحرَّون هذا الأمر أكثر.
وفي بيروت ، صار رجال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة معروفين بأنهم "جماعة لوكربي": ولكنّي لم أعلّق أهمّية على ذلك. إنما حدث شيء غريب بعد سنتين. فقد عقد جبريل مؤتمراً صحفياً في مخيّم من المخيّمات الفلسطينية في بيروت ، ليتحدّث أولاً عن إطلاق ليبيا سراح الرهائن الفرنسيين والبلجيكيين الذين احتجزوا في سفينة في البحر الأبيض المتوسط. ولكن ذلك لم يكن ما يشغل باله: إذ انتقل فجأة إلى القول: "إني لست مسؤولاً عن تفجير طائرة لوكربي: وهم يحاولون زجًّي في محاكمة لا تراعي مبادىء العدالة". مع العلم أنه لم تكن هناك محكمة آنذاك: ولم يتهمه أحد بحادثة "لوكربي". كانت إيران عدوّاً لصدّام الهمجي: وكانت سوريا ترسل دبّاباتها لتنضمّ إلى الجيوش الغربية في الخليج.

الايرباص الايرانية
وقد توارى رجال جبريل عن الأنظار: وكذلك إيران ، البلد الوحيد الذي قد يكون له دافع لذلك الأمر. وفي أعقاب إسقاط طائرة "الإيرباص" الإيرانية ، علَّق آية الله حسين علي منتظري ، الذي كان متوقّعاً أن يخلف الخميني ، قائلاً: "إنني متأكّد من أنه إذا صدرت أوامر الإمام ستنبري جميع القوّات الثورية وخلايا المقاومة ، داخل البلاد وخارجها ، لتصبّ جام غضبها على المصالح الأميركية المالية ، والسياسية ، والاقتصادية والعسكرية".
لكنّ هجوم السفينة "فانسان" أقنع معظم القيادات الإيرانية بأن الولايات المتحدة الأميركية قد انضمّت في الحرب إلى جانب العراق. فالأميركيون قد دمَّروا منصَّات النفط الإيرانية ، وأزالو البحرية الإيرانية: ويبدو أنهم عازمون الآن على استعمال الصواريخ ضدّ طائرات الركّاب المدنية ، كل تلك الأمور التي اتَّخذها صدّام حسين أهدافاً يهاجمها.
وصار الاقتصاد الإيراني في حالة انهيار: وحذَّر رفسنجاني الخميني من أن معاودة إمداد الجيوش الجرَّارة الإيرانية صارت مستحيلة ، ولم يعد بالإمكان تجديد الهجوم على العراق ، بحسب ما علم الخميني من "محسن رضائي" القائد العام لحراس الثورة في البلاد ، حتى عام 1993.

مجلس الامن
ولذلك قبل الخميني قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة ذا الرقم 598 ، ووقف إطلاق النار بدءاً من 22 تموز ـ يوليو 1988 ، حمايةً للثورة الإسلامية ـ وبقائها على قيد الحياة ـ و"لصالح استتباب الأمن على أساس العدالة". وكان ذلك للشيخ الهرم بمثابة كارثة شخصية وعسكرية: إذ قال بكآبة: "وا أسفاه ، لأنني ما زلت على قيد الحياة ، وقدًّر لي أن أتجرّع في الثورة كأسَ السمّ".
ولكن الآتي كان أدهى وأمرّ: إذ لم يمضً أسبوع على قبول الخميني قرار الأمم المتحدة بتاريخ 18 تموز ـ يوليو ، حتى تجاوز "جيش التحرير الوطني" لمجاهدي "خلق" الحدود الإيرانية بدبّابات ومدرّعات عراقية لقلب نظام الخميني. وكان ذلك منتهى الخيانة بنظرهم ، لأن المهاجمين هم أيضاً إيرانيون ، فقاتلوهم بشراسة: وبدأت الشرطة السرًّية بتصفية مؤيّدي أولئك المجاهدين ، بالجملة.
وانقلب حرّاس الثورة على المجاهدين ، وشنقوا أسراهم باستعجال في بختران ، وكنغافار ، وإسلام أباد. وتعرّض آلاف من المجاهدين ومناصريهم ، والذين لا يزالون منهم مسجونين في كل إيران إلى معاودة محاكمتهم ، وشنقهم. وقالت جريدة "رسالات": "نطلب من القائد أن يتعامل بقسوة مع المجرمين ، وأن يخلّص الناس من وجودهم بأسرع ما يمكن". وألقى "آية الله الموسوي الأردبيلي" ، رئيس المحكمة العليا خطبة نارية يوم الجمعة في طهران. وجاء فيها: "إن المنافقين لا يعلمون أن الناس يعتبرونهم أقلّ من الحيوانات: إنهم غاضبون منهم. وصار القضاء واقعاً تحت ضغط كبير من الرأي العام... إذ يقول الناس إنه يجب إعدامهم جميعاً... سنحاكمهم ، عشرة عشرة ، أو عشرين عشرين ، ونأتي بملفّ ونستبعد ملفّاً آخر: وآسف لعلمي أن ربع الملفّات قد ضاع ، فقد كنت أتمنّى تدمير جميع الملفّات..." مع العلم أن عبارة "المنافقين" تشمل الهرطقة والردَّة ، أي أكثر من أن يكون المرء ثنائي الولاء.

الاعدام
فالنفاق إثم كبير يستحقّ العقوبة القصوى أي الإعدام. وحتى قبل أن تنتهي الحرب ، جرت معاودة استجواب جماهير المسجونين في إيران ، وتمّ تصنيفهم إلى الذين لا يزالون يقرًّون بمقاومتهم للجمهورية الإسلامية ، وأولئك الذين تابوا ـ والذين يصلّون ، والذين لا يصلّون. وعند حدّْ معيّن ، أمر الخميني بتصفية المساجين السياسيين بالجملة: مع العلم أن هذا الأمر بقي سرّاً: وأن آية الله منتظري ، الذي اختير ليخلف الخميني ، اعترض بقوّة على المذابح ، فصُرف النظر عنه كإمام للمستقبل. وقد جاء في رسالة وجّهها منتظري إلى الخميني: "... أما بشأن أمرك بإعدام المنافقين في السجن ، فإن الأمّة مستعدّة لقبول الإعدام ، إذا كان الموقوفون على صلة بالأحداث الأخيرة (أي بغزو المجاهدين المدعوم من قًبل العراق)... لكنّ إعدام الذين سبق وجودهم في السجن... قد يؤوَّل كانتقام وأخذ بالثأر". وقد جرى تقسيم نزلاء السجون إلى فئتين أوقفتا إلى الجانبين المتقابلين من الممرات: إحداهما ستعود إلى زنزاناتها بعد التوبة ، والأخرى تساق فوراً إلى مقصلة الجماهير. وقد بدأ الحرس الثوري في سجن "إيفين" بتاريخ 3 تموز ـ يوليو بإعدام المسجونات من نساء المجاهدين: واستمرّت عمليات الإعدام عدّة أيام. أما المسجونون من الرجال الشيوعيين فقد شُنقوا في مسجد "إيفين" ، عندما سيقوا إلى الحسينية ليُشنقوا: "وكان بعضهم يبكون ، وآخرون يشتمون ، وكلّهم يرتجفون" ، بحسب شهادة أحد المسجونين السابقين الذي أضاف قوله: "... وكان بعضهم يبتسمون دون أمل... وكان بعض حرّاس الثورة يتنافسون في ما بينهم من أجل تنفيذ الإعدام ، كي يسجّلوا لأنفسهم مزيداً من الولاء والتقوى.
وقد راعت قلّة منهم رؤية هذه الأعداد الغفيرة من الجثث. كما قاوم بعض المسجونين وضُربوا بقسوة. وكان الإعدام سريعاً". وقد عُرضت أجسام المشنوقين أمام المسجونات من النساء ، لتحطيم معنوياتهنّ. ونشرت إحدى جماعات حقوق الإنسان المتمركزة في إيران أسماء 1345 ضحية "لهذه الكارثة القومية" في طهران وحدها. كما نشرت فيما بعد مجلّات المنفى المعارضة للنظام شهادات مروًّعة لمن شاهدوا عمليات الشنق في السجن. فقد أُعدم حوالى 8000 وربّما 000 10 سجين في صيف عام 1988. وقد تلا الإعدامات السرّية إيداع الجثث في قبور سرّية أيضاً. كما روت إحدى السجينات ما يلي: "أُخذتْ زوجة تائبة من الزنزانة الواقعة تحت قسمنا لتشهد إعدام زوجها ، فرأت الحبل يلتفّ حول عنقه ، ورأت امرأة أخرى و"شادورها" ملتفّ حول عنقها. وقد أنقذتها توبتها من الإعدام... لكنها فقدت توازنها النفسي فيما بعد..." وكتبت إحدى السجينات السابقات عن سجينة مناضلة يسارية أخرى اسمها "فاريبا" ، أُخذت إلى حصن تحت سجن "دستغورد" ، لترى زوجها. وفي ما يلي وصف "فاريبا" للمشهد: "روَّعني ما رأيته... فقد كان أمامي مسعود زوجي منحنياً ، وعيناه تومضان وهما غائرتان في مًحجرين أسودين عميقين. صرختُ قائلة: مسعود ، حبيبي ، وقفزتُ ناحيته ، فأرجعوني... وحذرني أحد رجال "الاسداران" بقوله: "اصمتي ، بإمكانك أن تنظري فقط ، لتشهدي كيف نصفًّي الحسابات هنا ـ أو تصبحين بجانبه". ... كان مسعود موثق اليدين وراء ظهره ، والحبل حول عنقه ، وهو واقف فوق كرسي بلا ظهر ، ينظر إليّ بكامل كيانه ، نظرات مرهقة إنما حافلة بالحبّ والحنان ، خصبة بالشعور ، وهو يحاول أن يبتسم ، ويقول بصوت متهدًّج ضعيف: "ما أحلى أن أراكً يا فاريبا". وارتفع صوت الجلاد ورائي يقول: "إذا دفعتً هذا الكرسي ، وشنقت هذا المرتدّ ، سأطلق سراحك فوراً في هذه اللحظة. أعدك بشرفي". فنظرت مباشرة إلى عينيه وصرخت: "هل لديك أي شرف ، أيها الجلّاد الفاشي،". فقبض عليّ "الباسدار" ، وانتضى الجلّاد مسدّسه وأطلق النار على مسعود ، كما أزال الكرسي من تحته "باسدار" آخر. لقد شُنق مسعود في غمار محنتي وأمام عينيّ اللتين لا تصدّقان ما تريانه...".

مقام آية الله
هناك إثباتات مفحمة مستمدّة من مسجونات سابقات تفيد أن السجينات العذراوات اغتُصبن بواسطة المستنطقين قبل إعدامهنّ. ومن أصل 1533 سجينة ، شُنقن أو أطلقت عليهن النار ، خلال عقدين من الزمن ، بعد قيام الثورة عام 1979 ، من اللواتي دوًّنت وصنًّفت أسماؤهنّ بواسطة مجموعة نسائية ألمانية ، كانت هناك فئة يبلغ عددها 163 سجينة ، لا يكاد تبلغ أعمارهنّ أكثر من 21 سنة ، وكان بينهن 35 حبلى.
وكانت أصغرهنّ "نفيسة أشرف جهاني" في العاشرة من العمر ، بينما كانت "أفسانه فارابي" في الثانية عشرة ، وبلغت ثلاث بنات أخريات 13 سنة. وكان عمر "أكرم إسلامي" سبعين سنة: و"أرسته غو؟يلاند" 65 سنة عندما شُنقت وتركت وراءها ستّة أولاد. ماذا نستطيع أن نقول لعائلات هذه الآلاف من الضحايا؟ إننا ، معشر الصحافيين ، نأخذ النظام على محمل الجدّ: نقابل الشيوخ والأئمّة من مقام آية الله وحجّة الإسلام ، إلى مقام الآخرين الأكثر تواضعاً ، ونطرح أسئلة حول حقوق الإنسان: وتُلقى علينا محاضرات عن شرور الشاه وعن مسؤولية بلاد الغرب في دعم حكمه "الشيطاني".
فقد سبق أن سجن الشاه تقريباً كل حكام السجون على عهد الخميني: وكذلك العديد من مساجين "المجاهدين" الذين أُعدموا عام 1988 وقبله. وها أنا جالس في بيت يقع في شمالي طهران ، وأمامي أرملة تقلًّب محفظة صور عائلية: وتشير إلى صورة "كوداك" لشاب جميل يلبس قميصاً بنًّياً. قالت ببساطة: "لقد كان في المقاومة ، فأوقف وقُتل".
كان صاحب الصورة يعود حيّاً وهي تتكلم ، بينما ينحني هو إلى الأمام باتجاه آلة التصوير ، ويضع ذراعاً حول كتف شقيقته ، وذراعاً أخرى حول والدته. قالت المرأة: "لم تستطع أمّه أن تتجاوز هذه المحنة: بينما كانت ابنتها الصغيرة ترقب بصمت. ربّما كانت في الخامسة من عمرها ، أنيقة ، مرحة ، ذات شعر خفيف ، وابتسامة مازحة. قالت والدتها: "إنها تلبس "الشادور" لتذهب إلى المدرسة... أرينا يا "فرشته" كيف تبدين عندما تذهبين إلى المدرسة". فتنطلق "فرشته" إلى غرفة نومها ، وتخرج منها مرتدية لباس الحداد الأسود من رأسها إلى أخمص قدمها ، بحيث لا يبدو شعرها: وتصبح جدًّية: ثم تعود أدراجها ببطء إلى غرفة نومها لتجع طفلة من جديد. ولم تتقنَّع آلة القتل الداخلي بوجود الحرب في إيران وحدها. فقد أوردت لجنة العفو الدولية أسماء 116 شخصاً أعدمهم نظام صدّام بين 11 تشرين الثاني ـ نوفمبر 31و كانون الأول ـ ديسمبر 1997: وكان أصغرهم في الرابعة عشرة من عمره. وبالإجمال ، من تاريخ كانون الأول ـ ديسمبر 1997 إلى كانون الثاني ـ يناير 1998 ، أُعدم 700 سجين في سجن "أبو غريب" الواقع غربي بغداد: وأكثرهم يحملون على أجسادهم آثار التعذيب.
وقد جاء هؤلاء الضحايا من بغداد ، والسليمانية ، وبعقوبة: وكانت أعمار أكثرهم تحت الثامنة عشرة.
ولكن الحرب لم تنتهً بالنسبة إلى تلك الملايين التي اشتركت في النزاع الذي قا
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش