الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فكره لا ينضب ولا يفنى * الفيلسوف نيتشه.. ما لا يقتلني يجعلني اقوى

تم نشره في الأحد 13 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
فكره لا ينضب ولا يفنى * الفيلسوف نيتشه.. ما لا يقتلني يجعلني اقوى

 

 
الدستور - مدني قصري
ان حياة الفلاسفة تظل في العادة خارج أعمالهم. لكن الامر مع الفيلسوف الكبير نيتشه مختلف تماما. لا شيء يفصل ما بين جسده وفكره. كل انفعال عند نيتشه موضوع يستحق الاستكشاف. لحظاته الحساسة من الحماسة او الاحباط هي لحظات لا يسعى الى وصفها كما يفعل اي روائي او اي شاعر ، ولا يسعى الى تحليلها كما يفعل المحلل النفسي او المنظر ، بل ان نيتشه يفعل اكثر من ذلك اذ يحفر في اللحظات التي يعيشها ويبلورها ويوسعها الى حدود القوة التي تفيض على مرورها العابر. ومنها يستخلص الدروس والعبر غير المنتظرة ، وهي الدروس والعبر التي ما زال الكثيرون يتحدثون عنها الى الآن.
كان يقول :"ما لا يقتلني يجعلني اقوى". منذ اكثر من قرن من الزمن ظل نيتشه مجهولا ، محتقرا ، منسيا ، محنطا. لكن لما كان فكره فكرا لا ينضب ولا يفنى فقد ظل يقاوم كل الافكار السيئة ، وكل الاحكام الغامضة الملتبسة ، وكل المعاني الخاطئة ، سواء من قبل النازية ، أومن قبل التيارات الفكرية التي ماثلته بالفرويدية وبالماركسية. وفي بداية هذه الالفية الثالثة التي سادت فيها الغريزة الجمعية "للتاريخ الصحيح" ، وفي الوقت الذي صار فيه التاريخ ينطبع بالطابع التراجيدي من جديد فان ساعة الاستماع الى صوت "زاراتوسترا" قد دقت من جديد. ويمكن ان نلخص هذا في كلمات معدودة:ان لا شيء يقع خارج الحياة. في قلب الحياة يوجد كل شيء ، ومنها ينبثق كل شيء. ان الدخول في حياة نيتشه ، العبقري الرحالة ، الفيلسوف ، الفنان الذي كاد ان يكون المعلم ، هو دخول في اعمال نيتشه. لا يسعنا بالطبع ان نذكر هنا كل فكر وحياة هذا الشهاب ، وهذا السباق ما بين حالة الصحة وحالة المرض التي اناطت بها صداقات ضائعة والوان من العشق المتعذر التي تتخللتها مشاعر حدسية مجنونة ، ودونتها نصوص مهووسة بتفاصيل لا تعد ولا تحصى وبطموحات لا محدودة. هذا الرجل الذي حباه الخالق بموهبة خارقة قال ذات يوم وعمره لا يتجاوز 12 عاما :"اخيرا قررت ان اكتب سيرة". وما بين عامه الخامس عشر والثاني والعشرين كتب سبعة نصوص كانت جميعها تحت عنوان "حياتي". هذه النصوص كانت تدور كلها حول نفس الاحداث:موت الاب (وعمر فيلسوفنا 5 اعوام) ، ثم الاستقرار في بيت جديد حيث اقام وحيدا مع قبيلة من النساء (امه ، واخته اليزابيث ، وجدة وعمتان). ثم الارتحال الى ثانوية داخلية حيث كانت تنتظره دراسات جادة ظل يتابعها حتى سن العشرين. لكن من غير موسيقى لا يمكن ان نفهم شيئا من نيتشه. منذ كتابه الاول نراه يحذرنا :"لن اخاطب سوى الذين لهم قرابة مع الموسيقى". الموسيقى ليست مجرد تسلية ، ولا مجرد فن من الفنون. انها اعمق واسمى تعبير عن الحياة برمتها. في هذا يقول فيلسوفنا "ان الحياة بغير موسيقى خطأ فادح" لذلك لم يبرح نيتشه الموسيقى لحظة واحدة في حياته ، متنقلا من عالم الى عالم. لان الموسيقى في رأيه هي افضل ما في الكون. فقد عشق "فاغنر" قبل ان يصب جم ولعه في "بيزيت". فهذا وذاك يجسدان في روحه الموسيقية عالمين متعارضين ، عالمين "ميلوديين" وثقافيين في آن ، وجماليين وفكريين ، وسياسيين وحيويين. وفي هذا يقول:"كلما صرنا اكثر ولعا بالموسيقى صرنا اكثر شغفا بالفلسفة".
لكن هذه الموهبة الموسيقة لم تحل دون نيتشه وهي في العشرين من العمر ودون انصياعه للعلم وحقوله الكثيرة. فكان تخصصه النصوص الاغريقية القديمة. في تلك الاثناء كان الفكر الالماني في اوج عصره الذهبي. فقد طور هذا الفكر معايير النشر والمخطوطات ومقارنة المصادر وهو ما اصطلح على تسميته ب "الفيلولوجيا". ومن الاحداث الفريدة من نوعها في تلك الاثناء ان استاذه "ريتشي" قد عينه استاذا بجامع بال بسويسرا وهو لا يجاوز من العمر 25 عاما ، حتى قبل ان يناقش اطروحته. وما كاد يدرك 28 عاما من سنه ، العام 1872 حتى نشر كتابه الاول "ميلاد التراجيديا" الذي اهداه الى "واغنر". يرمي الكتاب الى الكشف عن الاسباب التي ادت الى اختفاء الموسيقى في المسرح الاغريقي ، حيث توارى دور الغناء الجماعي في التراجيديا لصالح الحوار. لقد ادعى نيتشه فك سر هذا اللغز.
عن مجلة «لوبوان»
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش