الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية *«الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * الحلقة الحادية والعشرون

تم نشره في السبت 26 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية *«الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * الحلقة الحادية والعشرون

 

 
* دستور العراق أكد على كون الحرب العراقية ـ الايرانية الاسلوب الوحيد لضمان وحدة الاراضي العراقية
* معركة الفاو ذهب ضحيتها 58 ألف قتيل عراقي
* اعادة بناء خرمشهر .. مع ابقاء المرفأ اطلالا

*إذا أردتَ أن تفهم الواقع الإيراني والمرونة الإيرانية ، يجب أن تدرك أولاً مغزى موقعة كربلاء التي حصلت في القرن السابع
* نعم يا أعزائي ، إن الموت سيدركنا جميعاً في آخر الشوط ـ فلا أحد يخلد في هذا العالم ــ ولماذا نضيع هذه الفرصة الذهبية؟

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

الاعدام
فالنفاق إثم كبير يستحقّ العقوبة القصوى أي الإعدام. وحتى قبل أن تنتهي الحرب ، جرت معاودة استجواب جماهير المسجونين في إيران ، وتمّ تصنيفهم إلى الذين لا يزالون يقرًّون بمقاومتهم للجمهورية الإسلامية ، وأولئك الذين تابوا ـ والذين يصلّون ، والذين لا يصلّون. وعند حدّْ معيّن ، أمر الخميني بتصفية المساجين السياسيين بالجملة: مع العلم أن هذا الأمر بقي سرّاً: وأن آية الله منتظري ، الذي اختير ليخلف الخميني ، اعترض بقوّة على المذابح ، فصُرف النظر عنه كإمام للمستقبل. وقد جاء في رسالة وجّهها منتظري إلى الخميني: "... أما بشأن أمرك بإعدام المنافقين في السجن ، فإن الأمّة مستعدّة لقبول الإعدام ، إذا كان الموقوفون على صلة بالأحداث الأخيرة (أي بغزو المجاهدين المدعوم من قًبل العراق)... لكنّ إعدام الذين سبق وجودهم في السجن... قد يؤوَّل كانتقام وأخذ بالثأر". وقد جرى تقسيم نزلاء السجون إلى فئتين أوقفتا إلى الجانبين المتقابلين من الممرات: إحداهما ستعود إلى زنزاناتها بعد التوبة ، والأخرى تساق فوراً إلى مقصلة الجماهير. وقد بدأ الحرس الثوري في سجن "إيفين" بتاريخ 3 تموز ـ يوليو بإعدام المسجونات من نساء المجاهدين: واستمرّت عمليات الإعدام عدّة أيام. أما المسجونون من الرجال الشيوعيين فقد شُنقوا في مسجد "إيفين" ، عندما سيقوا إلى الحسينية ليُشنقوا: "وكان بعضهم يبكون ، وآخرون يشتمون ، وكلّهم يرتجفون" ، بحسب شهادة أحد المسجونين السابقين الذي أضاف قوله: "... وكان بعضهم يبتسمون دون أمل... وكان بعض حرّاس الثورة يتنافسون في ما بينهم من أجل تنفيذ الإعدام ، كي يسجّلوا لأنفسهم مزيداً من الولاء والتقوى.
وقد راعت قلّة منهم رؤية هذه الأعداد الغفيرة من الجثث. كما قاوم بعض المسجونين وضُربوا بقسوة. وكان الإعدام سريعاً". وقد عُرضت أجسام المشنوقين أمام المسجونات من النساء ، لتحطيم معنوياتهنّ. ونشرت إحدى جماعات حقوق الإنسان المتمركزة في إيران أسماء 1345 ضحية "لهذه الكارثة القومية" في طهران وحدها. كما نشرت فيما بعد مجلّات المنفى المعارضة للنظام شهادات مروًّعة لمن شاهدوا عمليات الشنق في السجن. فقد أُعدم حوالى 8000 وربّما 000 10 سجين في صيف عام 1988. وقد تلا الإعدامات السرّية إيداع الجثث في قبور سرّية أيضاً. كما روت إحدى السجينات ما يلي: "أُخذتْ زوجة تائبة من الزنزانة الواقعة تحت قسمنا لتشهد إعدام زوجها ، فرأت الحبل يلتفّ حول عنقه ، ورأت امرأة أخرى و"شادورها" ملتفّ حول عنقها. وقد أنقذتها توبتها من الإعدام... لكنها فقدت توازنها النفسي فيما بعد..." وكتبت إحدى السجينات السابقات عن سجينة مناضلة يسارية أخرى اسمها "فاريبا" ، أُخذت إلى حصن تحت سجن "دستغورد" ، لترى زوجها. وفي ما يلي وصف "فاريبا" للمشهد: "روَّعني ما رأيته... فقد كان أمامي مسعود زوجي منحنياً ، وعيناه تومضان وهما غائرتان في مًحجرين أسودين عميقين. صرختُ قائلة: مسعود ، حبيبي ، وقفزتُ ناحيته ، فأرجعوني... وحذرني أحد رجال "الاسداران" بقوله: "اصمتي ، بإمكانك أن تنظري فقط ، لتشهدي كيف نصفًّي الحسابات هنا ـ أو تصبحين بجانبه". ... كان مسعود موثق اليدين وراء ظهره ، والحبل حول عنقه ، وهو واقف فوق كرسي بلا ظهر ، ينظر إليّ بكامل كيانه ، نظرات مرهقة إنما حافلة بالحبّ والحنان ، خصبة بالشعور ، وهو يحاول أن يبتسم ، ويقول بصوت متهدًّج ضعيف: "ما أحلى أن أراكً يا فاريبا". وارتفع صوت الجلاد ورائي يقول: "إذا دفعتً هذا الكرسي ، وشنقت هذا المرتدّ ، سأطلق سراحك فوراً في هذه اللحظة. أعدك بشرفي". فنظرت مباشرة إلى عينيه وصرخت: "هل لديك أي شرف ، أيها الجلّاد الفاشي،". فقبض عليّ "الباسدار" ، وانتضى الجلّاد مسدّسه وأطلق النار على مسعود ، كما أزال الكرسي من تحته "باسدار" آخر. لقد شُنق مسعود في غمار محنتي وأمام عينيّ اللتين لا تصدّقان ما تريانه...".

مقام آية الله
هناك إثباتات مفحمة مستمدّة من مسجونات سابقات تفيد أن السجينات العذراوات اغتُصبن بواسطة المستنطقين قبل إعدامهنّ. ومن أصل 1533 سجينة ، شُنقن أو أطلقت عليهن النار ، خلال عقدين من الزمن ، بعد قيام الثورة عام 1979 ، من اللواتي دوًّنت وصنًّفت أسماؤهنّ بواسطة مجموعة نسائية ألمانية ، كانت هناك فئة يبلغ عددها 163 سجينة ، لا يكاد تبلغ أعمارهنّ أكثر من 21 سنة ، وكان بينهن 35 حبلى.
وكانت أصغرهنّ "نفيسة أشرف جهاني" في العاشرة من العمر ، بينما كانت "أفسانه فارابي" في الثانية عشرة ، وبلغت ثلاث بنات أخريات 13 سنة. وكان عمر "أكرم إسلامي" سبعين سنة: و"أرسته غو؟يلاند" 65 سنة عندما شُنقت وتركت وراءها ستّة أولاد. ماذا نستطيع أن نقول لعائلات هذه الآلاف من الضحايا؟ إننا ، معشر الصحافيين ، نأخذ النظام على محمل الجدّ: نقابل الشيوخ والأئمّة من مقام آية الله وحجّة الإسلام ، إلى مقام الآخرين الأكثر تواضعاً ، ونطرح أسئلة حول حقوق الإنسان: وتُلقى علينا محاضرات عن شرور الشاه وعن مسؤولية بلاد الغرب في دعم حكمه "الشيطاني".
فقد سبق أن سجن الشاه تقريباً كل حكام السجون على عهد الخميني: وكذلك العديد من مساجين "المجاهدين" الذين أُعدموا عام 1988 وقبله. وها أنا جالس في بيت يقع في شمالي طهران ، وأمامي أرملة تقلًّب محفظة صور عائلية: وتشير إلى صورة "كوداك" لشاب جميل يلبس قميصاً بنًّياً. قالت ببساطة: "لقد كان في المقاومة ، فأوقف وقُتل".
كان صاحب الصورة يعود حيّاً وهي تتكلم ، بينما ينحني هو إلى الأمام باتجاه آلة التصوير ، ويضع ذراعاً حول كتف شقيقته ، وذراعاً أخرى حول والدته. قالت المرأة: "لم تستطع أمّه أن تتجاوز هذه المحنة: بينما كانت ابنتها الصغيرة ترقب بصمت. ربّما كانت في الخامسة من عمرها ، أنيقة ، مرحة ، ذات شعر خفيف ، وابتسامة مازحة. قالت والدتها: "إنها تلبس "الشادور" لتذهب إلى المدرسة... أرينا يا "فرشته" كيف تبدين عندما تذهبين إلى المدرسة". فتنطلق "فرشته" إلى غرفة نومها ، وتخرج منها مرتدية لباس الحداد الأسود من رأسها إلى أخمص قدمها ، بحيث لا يبدو شعرها: وتصبح جدًّية: ثم تعود أدراجها ببطء إلى غرفة نومها لتجع طفلة من جديد. ولم تتقنَّع آلة القتل الداخلي بوجود الحرب في إيران وحدها. فقد أوردت لجنة العفو الدولية أسماء 116 شخصاً أعدمهم نظام صدّام بين 11 تشرين الثاني ـ نوفمبر 31و كانون الأول ـ ديسمبر 1997: وكان أصغرهم في الرابعة عشرة من عمره. وبالإجمال ، من تاريخ كانون الأول ـ ديسمبر 1997 إلى كانون الثاني ـ يناير 1998 ، أُعدم 700 سجين في سجن "أبو غريب" الواقع غربي بغداد: وأكثرهم يحملون على أجسادهم آثار التعذيب.
وقد جاء هؤلاء الضحايا من بغداد ، والسليمانية ، وبعقوبة: وكانت أعمار أكثرهم تحت الثامنة عشرة.
ولكن الحرب لم تنتهً بالنسبة إلى تلك الملايين التي اشتركت في النزاع الذي قام بين إيران والعراق ، وبالنسبة إلى كل جندي.
تبادل اسرى
فبعد صدور وقف إطلاق النار بتاريخ 18 تموز ـ يوليو 1988 ، تبادل البلدان الأسرى الذين بلغ عددهم تسعين ألف أسير: ولكن بقي آلاف منهم قيد الأسر لعقد زمني آخر. وبقيت إيران تخلي سبيل الأسرى العراقيين حتى عام 1997. وبقي منهم 500 أسير ، أمضى بعضهم 17 سنة في الأسر ، حرَّرته إيران قبل عقد مؤتمر القمّة الإسلامي في طهران في كانون الأول ـ ديسمبر عام 1997. ولكنّ العراق استمر يدّعي أن إيران ما زالت تحتجز 000 20 من جنوده ، منهم 8700 جرى تسجيل أسمائهم بواسطة الصليب الأحمر الدولي: كما ادّعت إيران من جانبها أن العراق ما زال يحتجز 5000 من رجالها كأسرى حرب.
وعندما عاد "قدّوم الفاضل" إلى بغداد بعد 16 سنة من الأسر ، لم يعد يتذكّر سوى الحزن والجوع و"داء المفاصل" في مخيّم إيراني محاط بالأسلاك الشائكة والألغام ، بينما هو مقيّد بالأغلال في معظم الأوقات. لقد عاد آلاف من الأسرى العراقيين إلى ديارهم بعد عشر سنوات من معاناة ما يقرب من الجوع في المخيّمات الإيرانية ، ليجدوا العقوبات المدعومة من الأميركيين مفروضة على بلادهم ، وآثار حرب 1991 ، التي لم يشتركوا فيها ، تُعرّض عائلاتهم للمجاعة.
وصار لدى العراق جيش جرّار من الأسرى السابقين ـ يملأ نفوسهم الحقد على إيران وعلى صدّام وعلى الولايات المتحدة الأميركية ـ وهم يعيشون في الفقر والبؤس في بلادهم: العراق.
وقد تعلّموا في أحضان الطين والرمل ، مع ملايين العراقيين الآخرين الذين لم يخضعوا للسجن أو الموت ، أن يعيشوا وأن يموتوا. وكانوا قد تعلّموا أن يحاربوا ، وأن يحافظوا على الخطّ الفاصل بينهم وبين إيران.
فاستعملوا دبّاباتهم ، كمنصّات لمدافعهم ، مغروزة في الصحراء ، وأحرقوا أعداءهم بالغاز ، وأغرقوهم بمياه المدّ من الأنهار ، أو أزهقوا أرواحهم بالكهرباء في المستنقعات. وأضحى جيل كامل من العراقيين بين ملازم ونقيب ، ينظر إلى الحرب ـ بدلاً من أن ينظر إلى السلم ـ كعنصر طبيعي في حياته.
وحتى لو جاءه يوم آخر بعد زوال صدّام ، فماذا يستطيع هؤلاء الضبّاط ورفاقهم الآتون من الخنادق ، أن يفعلوا إذا واجهوا جيشاً عرمرماً آخر؟ ماذا يستطيعون أن ينجزوا ، إذا استخدموا مبادرتهم ، ومخيّلتهم ، وشجاعتهم ـ وإذا اعتصموا بوطنيّتهم ، وقوميّتهم ، وإسلامهم واستوحوا كل هذه المصادر ، بدلاً من الاعتصام بيد البعث الحديدية؟ وبالطبع ، كان هناك الموتى أيضاً. فقد بدأ صدّام ، قبل انتهاء الحرب بثلاثة أعوام ، ببناء نُصب تذكاري يلائم عصر الفضاء ، لأكبر خطأ فاضح ارتكبه. وهو نُصب يبدو من الجو كأنه منصة لإطلاق الصواريخ ، ويظهر من الأرض كصدفة بحرية عملاقة ، ويمتد منحدراً على مساحة 4 آلاف متر مربّع ، بشمسية من الإسمنت يعلوها الرخام.
ويأتيه الزائرون ـ وأهل البلاد بالآلاف ليزوروا موتاهم ـ فيصعدون إلى الحافة السفلى من النصب ، ثم ينزلون في مجرى هواء مكيّف إلى سرداب تحت الظلَّة. وهنا ، بحسب الحروف العربية المحفورة ، والمطليّة بالذهب الخالص ، يرقد المحارب العراقي المجهول ، بطل الأمّة العربية ، وشهيد القادسية الثانية. مع العلم أن النصب لم يكتمل ، حتى بعد مرور خمس سنوات على انتهاء الحرب. وقد زرتُ النصب من جديد عام 1993 ، لأجد جيشاً من البنَّائين العراقيين ، يقطعون ألواح الرخام.
وكل شريحة منها ، بين آلاف الشرائح الأخرى ، تحمل أسماء 16 عراقياً لم يعودوا سالمين من تلك الحرب الهائلة.
الجدار الفيتنامي
فقد تمَّ حفر اسم الجندي "كاتم أحمد" ، وبجانبه "محمد جادي" ، و"عبد الله أحمد" ، و"المحارب" صلاح يونس. فشهداء صدّام كانوا بنظره يستحقّون أعلى تكريم. ولذلك كانوا يبنون في بغداد "الجدار الفيتنامي" لصدّام حسين. ومن الصحيح أن الرخام كان أصفر شاحباً بدلاً من أن يكون أسود اللون: وكان يبنى حول السرداب الدائري ، بدلاً من أن يكون تحت جزء إهليلجي بيضوي قرب القصر الرئاسي.
ومن الصحيح أيضاً أن بناء هذا "الجدار" ، كما قيل ، كان من بنات أفكار صدّام. ولكنّ عدد القتلى الأميركيين في فيتنام بلغ 555 56 قتيلاً: بينما بلغ عدد قتلى صدّام بين عام 1980 1988و حوالى نصف مليون على الأقلّ. وكان جدار شهداء صدّام أمراً سرّياً رسمياً حتى ذلك الوقت. فلم يُبلَّغ أحد عن بنائه ، بل سيُزاح الستار عنه بعد إنجازه فقط عام 1995 ، عندما يسمح للعائلات أن تتأسّى وتندب موتاها وأحبّاءها أمام أسمائهم. طلبت الإذن بأخذ صورة لقائمة الأسماء ، فأجابتني سيّدة من لجنة النصب التنفيذي بحزم وعزم: "ممنوع أخذ الصور: لأنه غير مسموح لنا أن نعطي معلومات: ولا نستطيع التحدث معك عن هذا الأمر. ليس لدينا تفصيلات أو أرقام: ولا يجدر قول شيء قبل أن يكتمل النصب.
إن هذه التعليمات جاءت من أعلى مقام". ولم يكن لديّ شكّ فيمن يكون الأعلى مقاماً. ولكن ألا يمكننا مثلاً أن نستعلم عن عدد الأسماء التي ستظهر على الجدار. ولكن السيّدة كانت صلبة عنيدة ، إذ قالت: "من المستحيل إعطاء أية أرقام ، ما دام العديد من جنودنا ما زالوا أسرى في إيران ، حتى بعد انتهاء الحرب بخمسة أعوام". وهكذا كان. ولن ينعم موتى حرب الخليج الثانية ـ بين العراق والجيوش التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ـ بالتكريم هنا ، أو في أيّ مكان آخر في بغداد. وذلك لأن حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران ، هي التي كرَّسها تاريخ حزب البعث ، بصفتها هي الأهمّ ، والأكثر استراتيجية: وهي التاريخية المجيدة ـ وبتعبير أدقّ ، الأكثر ضرورة ـ في تاريخ العراق. وكلّما تساءل العراقيون عن جدوى حرب الخليج الثانية ، صارت حرب الخليج خارج نطاق النقد: حتى أن مسوّدة دستور العراق المحضَّرة عام 1990 ، طلبت من أي رئيس جمهورية قادم أن يقبل كون الحرب العراقية ـ الإيرانية السالفة "كأسلوب وحيد لضمان وحدة أراضي العراق وسلامة الأماكن المقدّسة فيه".
قفل باب التاريخ
ولكن ، هل يمكننا أن نقفل الباب على التاريخ ، بشكل آمن؟ لقد كانت هناك عائلات كاملة من الإخوة ، والآباء ، والأبناء ، محفورة أسماؤها معاً على ألواح الرخام البادية على جدار شهداء صدّام ، بمثابة دقّات لناقوس الموت البشع ، تتخلّلها استشهادات محفورة مستمدّة من القرآن الكريم ، تضمن ـ ما لا يضمنه أي دستور ـ الجنّة الخالدة لأولئك الذين مزّقتهم القذائف وطلقات الرصاص ، أو الذين غرقوا في أوحال "الحُوَيزة" ، و"بُحيرة السمك" ، و"الأهواز" ، و"خرمشهر" ، و"قصر شيرين" ، و"الفاو".
وقد فاجأني أحد الموظفين العراقيين في شهر آذار ـ مارس من عام 1993 بقوله إن الدفاع عن "الفاو" كلّف العراقيين 58000 قتيل. وبين قتلى هذه الحرب العراقيين البالغ عددهم حوالى نصف مليون ، حُفًظت جثّة واحد منهم فقط ـ مستنقعة في الموادّ الكيميائية التي يفترض فيها أن تحفظها من التحلّل لمئة سنة ـ ضمن تابوت معلّق فوق "متحف الجندي المجهول" على بعد خمسة كيلومترات ، وملفوف بالعلم العراقي ، وسط الأسمال الباقية من ثياب المعركة الخاصة برفاق الشهيد. كانت تلك البذلات ملطّخة ، ممزّقة بيد الجرّاحين الذين حاولوا إنقاذ الأرواح العراقية ، ومحفوظة في صندوق زجاج ، مع ضمادات الموتى الدامية ، التي مضى على جفافها وقت طويل.
سألني أمين المتحف الشاب: "هل ترى هذه السيوف المشكوكة في أحجار سود فوق البذلات ، إن عددها هو 17: وهي ترمز إلى 17 تموز ـ يوليو ، تاريخ الثورة ، بينما تمثل الأحجار السود قلوب أعدائنا".
كما كانت هناك أيضاً لوحات محفورة معروضة على جوانب القاعة ، مهداة من الملحقين العسكريين لبعض البلدان: رومانيا الاشتراكية ، وألمانيا الشرقية ، والاتحاد السوفياتي ، والصومال: وكلّها بلاد ماتت منذ ذلك الوقت موتاً بائساً ، مثل موت أي من الجنود الذين يكرّمون هنا.
وبكل بساطة ، كان هناك معرض ، مثل المعرض القائم أمام جدار الشهداء ، لحياة صدّام حسين بالصور ، منذ ولادته إلى أن اعتلى عرش البعث: ذلك الذي غامر بالقتل ، وكان محارباً من رجال العصابات ، وكان زعيماً قائداً. وكانت هناك صورة تمثّل كوخاً من الطين في قرية "عوجه" التكريتية ، حيث ولًد عام 1937. ثم صورة تمثّله كابن ثماني سنوات ، مقطّب الجبين قليلاً ، ذلك الذي سيقود حزب البعث العربي الاشتراكي.
وكانت هناك صورة مقطّعة تظهر قسمات وجه مروًّعة مألوفة للتلميذ صدّام ، وهو جالس على درج عربة قطار.
ثم كانت هناك أيضاً صور لسيّارة الليموزين التي كان فيها عبد الكريم قاسم ، وهي مثقوبة بالرصاص ، بعدما حاول صدّام حسين اغتيال الدكتاتور في شارع الرشيد.

خارج السرداب
كما كانت هناك صور تمثّله مع طالبات في منفاه بمصر ، وواقفاً وحيداً أمام الأهرام. وكانت زوجته "ساجدة" تبتسم في صورة من صور عرسها. وكان له صورة أخرى وهو يختال أمام آلة التصوير متباهياً بمن وراءه من بنّائين يحملون المطارق والأزاميل من أجل حفر آلاف الأسماء لشهداء صدّام. وقلّما رأينا رئيساً بهذا القرب من أولئك الذين أرسلهم إلى الموت. إنهم "شهداء قادسية صدّام". لاحظ صفة التملّك هنا ـ إنهم ملكه الشخصي. ولكن المعرض الصغير بلغ آخره خلافاً لتوقّعنا: إذ كانت هناك صور لموظفين بعثيين رسميين ، ولبيوت صدّام ـ ليست صوراً للداخل بل لجدرانها من الخارج ، ولبواباتها الفولاذية ، ولأكشاك الخفراء ، والأسوار التي تحيط بها. وإذا كان النفوذ والسلطة لا يفسدان المرء ، فلا شكّ في أنهما يستلزمان الجدران والأسوار العالية. كانت أشعّة الشمس خارج السرداب الكبير تكاد تعمي الأبصار. ولم ألاحظ إلا بعد لحظات أن هناك ساحة كبيرة إلى اليمين ، تحوي آلافاً من لوحات الرخام ، تنتظر أن يمهرها البنّاؤون بشهادة الدم. وخلال كل فترة الحرب ، كان هناك بناء تذكاري أكثر جدًّية ، وأقلّ مدعاة للتفاخر واقع بغرب بغداد ، في بلدة الغبار العسكرية ، "الفلّوجة". هنا كان مستودع الجثث الأكبر في العالم ، الذي يتّسع لألفي جثّة في كل مرّة ، وهو منظّم في سقائف مبرَّدة. إنه المكان الكئيب الحارّ في ضواحي بغداد ، الذي كانت تقصده عائلات ضحايا الحرب من أجل تحديد هويّة أبنائها ، وأزواجها ، وآبائها. وحتى هنا ، لم تستطع السلطات أن تتغلّب على مشكلات إراقة الدم.
فبعد مذبحة مستنقعات "الحويزة" في ربيع عام 1985 ، كانت هناك جثث كثيرة برسم النقل إلى الفلّوجة ، إلى درجة جعلت الحكومة تصادر رخص سوق السيّارات العمومية في بغداد ، وإلزام صاحب كل سيّارة بنقل جثّة من البصرة ، حتى تُعاد إليه رخصته. ومع ذلك بقيت جثث الموتى بالآلاف راقدة في سهوب الطين والوحل: كما نُقل آلاف من أقارب الشهداء إلى جبهة القتال لتحديد هويّة أقاربهم في ساحة المعركة. وقال بعضم إن عدد قتلى المستنقعات من العراقيين في ذلك الربيع ، بلغ 8000 قتيل: وقال بعضم الآخر 14000: وقال آخرون 47000. إني أعود دوماً إلى الحروب القديمة وأتحدّث مع قُدامى الجنود. أعود إلى إيرلندا الشمالية ، وإلى البوسنة ، وإلى صربيا ، وإلى الجزائر ، وجنوبي لبنان ، والكويت ، وبغداد بعد الغزو. وأعتقد أني أحاول أن أفهم ما أشهده ، وأن أضعه في سياق لم يكن موجوداً لديّ ، عندما كنت أحاول أن أبقى حيّاً ، وأتكلّم مع أولئك الذين شاركتهم تلك الكوابيس ، ولو لفترة وجيزة.
إني أنتظر أن يتوقّف مشكال الصور الزجاجية عن الدوران ، لأرى رقائق الذكرى تنعكس في نمط أخير غير قابل لمزيد من المعالجة. هذه هي قضيّتي. وبينما أدوًّن هذا الكتاب ، أسمع أحياناً القطع الزجاجية تتحرّك في المشكال ، وتُحدث صوتاً شبيهاً بما يصدر عن تشغيل السجلّ الأساسي لحاسوبي النقَّال ، خلال التفتيش عن التطبيقات والبرامج ، ومحاولة الوصول إلى نتيجة ، إلى شاشة واضحة المعالم ، ذات ذاكرة لا تخطىء. أستطيع أن أجلس على شرفتي المطلّة على البحر في بيروت وأتذكّر بوضوح تام كيف كان الإيرانيون يأخذوننا إلى مواقع حربهم بناقلاتهم من طراز (Herculus-C-031) ـ عندما لا نختار القطار ـ عبر الظلام الحارّ إلى "الأهواز" أو "دزفول" ، ونحن ، الصحافيين ، محبوسون في مقاعدنا الضيّقة ، يسيل منا العرق ، ونحن أيضاً متشبثون بدفاترنا وآلات التصوير على أحضاننا ، نصلّي ونرجو أن لا يشعر العراقيون بنا بسبب الأصوات التي تحدثها محركاتنا في الليل البهيم.
كما كنا نطير إلى قاعدة جوّية في الصحراء لنرى نيران النفط تشتعل ـ بلونها الأرجواني عند الفجر ، ونحن نتناول قطع "الشوكولاتة" السوداء المسبّبة للسرطان وغير القابلة للأكل ـ ونسمع دمدمة المدافع التي تشبه مدافع "الصوم" ، ونخشى من 36 ساعة قادمة وما سنقاسيه خلالها من: قضاء الليل في غرفة محصَّنة تحت الأرض ، واستنشاق الغبار المتطاير من أرضها ، وتمضية النهار ونحن نتنقلّ بالسيّارة عبر خطوط القتال ، والقذائف تتناثر فوق رؤوسنا ، والجثث تُطلق روائحها العفنة على طريقنا ، ومقابلة الرجال المحاربين دون خوذ على رؤوسهم ، وهم يحملون بأيديهم القرآن الكريم.
وبعد مرور سبع سنوات على انتهاء الحرب ، صار من اليسير أن نعود إلى زيارة ميادين القتال. وبناء على ذلك ، وجدتُ نفسي صباح يوم من أيّام الصيف عام 1995 في مطار "مهراباد" أصعد إلى طائرة إيرانية (IR )714 إلى الأهواز ، وأتناول على متنها الخبز والمربَّى ـ
طائرة اخرى
نعم إنها طائرة أخرى من طراز (A003) : بينما كان مرافقي من وزارة الإرشاد الإسلامي يغطُّ ويشخر في نومه بجانبي. بعد ساعة دارت بنا الطائرة حول شُعَل غاز "البوتان" فوق مصافي النفط: ثم نزلنا وركبنا في سيّارة "بيجو" يقودها "غلام رضا" ، واتّجهنا نحو الصحارى حيث خسرنا سنوات من عمرنا. وحالما قطعنا أوّل ساتر من الرمل ، تبدّت لنا الشمس كبثرة بيضاء عند الساعة السابعة صباحاً ، فأشار غلام رضا إلى هذا الخلاء من الغبار وقال: "بانغ ، بانغ ، الحرب".
وكان في ذلك "البانغ" تصوير صادق لأصوات مدافع الميدان العراقية ، التي دمَّرت الكثير من مقدرتي على السمع ، هناك إلى الغرب من هنا ، منذ عقد ونصف من الزمن.
وبينما كان غلام رضا يغذّ السير بسيّارته "البيجو" عند الفجر ، كان صوت القصف البعيد يطنّ في أذنيّ ، كما لو كانت تلك المدافع لا تزال تطلق النار على حقول الموت الذاوية. وعن يميننا ويسارنا ، كان مشهد الصحراء يختلف من أغرّ إلى كُميْتْ في نور الشمس البازغ: وكانت الخنادق ومواقع الدبّابات تمتدّ أمامنا على مسافة كيلومترات عديدة. وكان المزارعون قد حوَّلوا بعضها إلى حواجز تقي الذرة من الهواء ، وبقيت الأخرى راقدة لا يمسّها شيء خلال 15 سنة ، ولكنّ آثار مرورها على الرمل لا تزال ظاهرة بعد تدمير تلك الدبّابات الإيرانية والعراقية.
ومن ناحية الطقس ، كانت الحرارة قد بلغت 100 درجة فارنهايت في الظلّ ، وبدأ العرق ينساب على وجهي ، بينما كان رجل الوزارة نائماً على المقعد الخلفي للسيارة. ربّما مات مليون رجل هنا ، وعلى جبهة القتال الملتوية والممتدّة على مسافة 900 كيلومتر إلى الشمال ، إلى ثلوج الحدود التركية: أي بمقدار ضُعفَي طول الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) ، وعلى مدى زمن يناهز الضعفين أيضاً. لقد مرَّ من هنا جيل كامل من الإيرانيين والعراقيين إلى خطّ الموت في القرى التي تبدو للناجين ولأهل الموتى كئيبة مثل مواقع الحرب العالمية الأولى في "إير" و"فردان" و"التلّة "60 ، و"فيمي ريدج" و"بومونت هامل". لقد صارت أسماء أمكنة العذاب مألوفة لديّ الآن: "كرمان" و"شلمشه" ، و"بنجوين" و"خرمشهر" ، و"عبدان" و"الفاتح" و"الأهواز" ، و"الفاو" ، ومعركة "بُحيرة السمك". لقد كان الإيرانيون آنذاك هم الأكثر خسارة. وكنتُ أتساءل في تقاريري خلال تلك الأيام ، هل كان لديهم من أمثال "أوين" و"ساسون" ليكتبوا عن أهوال الحرب ، وليرثوها: وأنا مذهول من صمود الإيرانيين المدافعين ومرونتهم. ولمَّا كان الإيرانيون يكرهون الأجانب ، ومغايرين في عقيدتهم ، ومعادين للغرب ، حتى لنا نحن الصحافيين الذين خاطرنا بحياتنا لزيارة خنادقهم ، فقد بقينا بعيدين عنهم ، ولم نحاول أبداً أن نفهم دوافعهم ، وأثرَ حمَّام الدم هذا على عقولهم: وحتى اليوم ما زلنا ننسى ذلك. لكن الإيرانيين لا ينسون. فهل كانوا على شاكلة جنود الحرب العالمية الأولى. يعودون إلى بيوتهم كسيري الجسم والروح ، بعد أن يتخلّوا عن إيمانهم ، ويتركوه في الصحراء المرويّة بالدماء؟ لقد سألت ضابطاً في حرس الثورة عالي المقام ، بينما كنا نتغدّى في طهران: "ما هي أسوأ لحظة مررتَ بها في هذه الحرب؟". فأجابني فوراً: 18" تموز ـ يوليو 1988 ، ذلك اليوم الذي قبلنا فيه وقف إطلاق النار لإنهاء الحرب ، عندما قال إمامنا بأنّ عليه أن يتجرّع السمّ ، ويقبل بوقف إطلاق النار. كنتُ آنذاك أقود شاحنة حمولتها طنّان ونصف الطنّ إلى الجبهة عند "شلمشه" ، فلم أستطع أن أصدّق أذنيّ عندما سمعت الأخبار من الراديو. سقت شاحنتي إلى الصحراء ، وأوقفتها ، واستلقيت على الرمل ، والشمس من فوقي. وسألت خالقي لماذا وجدتُ على هذه الأرض؟ لقد كان ذلك أسوأ يوم في حياتي". أسرع غلام رضا بسيّارته جنوباً: بينما كانت حرارة الجوّ ترتفع ، ومرّ بسياج من الشاحنات والمدرّعات العراقية المهترئة ، ميلاً بعد ميل ، على امتداد يبلغ الأفق وما بعده. وكان هناك خفير إيراني لهذه الساحة الحربية ، لهذا المتحف الذي يحوي دبّابات ومركبات عراقية مسحوقة ، أكثر مما رأيناه عندما قام "نورمان شوارزكوف" بهجومه السقيم على الجيش ذاته عام 1991. فعلى اليمين ، كان هناك قطار كبير من الحافلات الملتوية المحروقة والمقلوبة على جنبها قرب خطّ سكّة الحديد الممتدّ بين "الأهواز" و"خرمشهر". لقد تجاوز العراقيون هذه الناحية من إيران أكثر من مرّة. وكانت الخنادق ومراقد المدافع متواصلة بالآلاف امتداداً على الطريق ، ومتراكمة سنة بعد سنة من زمن الحرب. وكان باستطاعة المرء أن يرى بالمنظار المقرابي هذه الأراضي العنكبوتية من القمر. قطعنا المياه العكرة لنهر قارون: لقد كنت في هذه المنطقة لآخر مرّة عندما كانت الجثث تطفو على تيّاراته الحارّة. وكانت حرارة الجوّ قد بلغت حينئذْ 110 درجات فارنهايت. لقد قاتلوا في ذلك الحرّ ، وماتوا برياح حامية مثل رياح الأفران ، وتعفّنوا خلال ثلاث ساعات.
فلا عجب أن يكونوا قد قبروا العراقيين في مدافن جماعية ، وأرسلوا قتلاهم إلى ديارهم في أقلّ من يوم. لقد كتبوا فعلاً قصائد: وكانوا ألوفاً من "الباسيجي" و"الباسداران" ، والفنّانين الذين سيقوا إلى جبهة القتال. لكنّ قصائدهم لم تكن مثل قصائد "آل أوين" و"آل ساسون". ففي مجلّدات قصائد الحرب المعروضة في مكتبات طهران ، يشكر الجنود القُدامى الّله الذي زكّاهم وأكرمهم بساعته.
طفت بالحوانيت القائمة قرب جامعة طهران ، ووجدت أشباح "بروكي" و"و.ن. هدغسون" في هذه المجلّدات الضخمة.
فهنا مثلاً الشاعر "محمّد رضا عبد الماليكيان" ، يخطّ "رسالة إلى بيته" من جبهة "الأهواز ـ خرمشهر" ، حيث يقوم الأولاد أبناء السنة الثانية عشرة من العمر بهجوم انتحاري على الشريط الشائك العراقي: "هنا على خطّ الجبهة تُنثر نعمة التضحية حولنا ، إن قوَّتهم أكبر من أمواج نهر قارون ، هنا ، يمكنك أن تقدّر تضحية الأولاد والراشدين ، الذين يتلهّفون ليمشوا في حقل الألغام ، إنهم هنا ، لنراهم كلّنا" إن في ذلك الأمر شيئاً مخيفاً: فليس هناك صورة استشهاد الأولاد الرهيبة فحسب ، ولكن ـ بالنسبة إلى عقلي الغربي ـ هناك نوع من الاتزان في النضج والتطوّر.
الآلم والموت
نعم لقد كان الشاعر "هدغسون" يكتب شيئاً من هذا القبيل عام 1914 ، عندما يقول: "يا أبنائي ، أسمعكم تهتزّون شوقاً لنداء بوق الحرب ، ... عاقدين العزم والتصميم على تحمّل الخسارة والخيبة ، والألم والموت ، دون شكوى". ولكن ، لم يهلّ عام 1916 حتى أدرك شعراء الحرب عندنا فُحش الحرب وقذارتها.
أما "عبد الماليكيان" فقد كتب أبياته الشعرية بعد عدّة سنوات متتالية من الحرب: ولم يفقد الإيمان. فهل مردّ ذلك إلى أنه كان يحارب للدفاع عن بلاده ، أو لأن الإسلام لا يسمح بأن يخامر الشكّ فؤاد المؤمن؟ أو لأن القصيدة في إيران يفترض فيها أن تكون شيئاً مقدّساً ، أن تكون كلاماً روحانياً ، وليس كلاماً استفزازياً؟ نحن ، في بلاد الغرب ، ننتظر أن تحرّكنا قصيدة ـ إذ إن الوطنية والإيمان وحدهما لم يكونا كافيين لـ "ساسون" أو لـ "روبرت غرايفز". ألم يكن بمقدورهما أن يقولا شيئاً أكثر ممّا قاله "عبد الماليكيان"؟ في الواقع ، دامت مدَّة الحرب الإيرانية ـ العراقية ثماني سنوات منذ غزو صدّام بتاريخ 22 أيلول ـ سبتمبر عام 1980 ، واشتملت على استخدام الغاز السام والهجوم بالصواريخ ، أي أنها كانت أشدّ رعباً من الحرب العالمية الأولى ، وأرهب أسلحةً من الحرب العالمية الثانية. وعندما كتبتُ لأوّل مرّة في جريدة "الإندبندنت" عن "اتّزان النضج" المذكور آنفاً ، في قصيدة "عبد الماليكيان" ، وقذارة الحرب التي تخلّلت قصائد الشعراء البريطانيين التالين ، تلقّيت رسالة تحدّْ طويلة من مُسلمة بريطانية ، تقول: إذا أردتَ أن تفهم الواقع الإيراني والمرونة الإيرانية ، يجب أن تدرك أولاً مغزى موقعة كربلاء التي حصلت في القرن السابع: "أشكّ في أن أُجانب الصواب إذا قلتُ إن الإيرانيين ـ بعامّة ـ كانوا مُدركين لأهوال الحرب قبل حصول حمَّام الدم الإيراني ـ العراقي. وأعتقد أن الشيعة بصورة إجمالية ، يدركون معنى الاستشهاد ، أكثر من غير الشيعة. أذكر محاولتي في شرح مأساة كربلاء لصديقاتي البريطانيات في المدرسة ، ودهشتي من ردّ فعلهنّ. لقد سبق أن تصوّرتُ الطفل "عليّ الأصغر" مصاباً بسهم في عنقه ، و"عبّاس" مقطوع الذراعين ، و"أكبر" يخترق الرمح صدره ، و"الحسين" يرفع كلّ جسد ، ويبكيه ، ويعود به إلى الخيام... وتخيّلتُ النساء في عائلة الإمام الحسين ، يُسقنَ عبر الأسواق بعد فقدان أعزائهنّ ، ويتكلّمنَ ضدّ الحكّام. لقد تربّيت على هذا التاريخ: فقد كان ولا يزال جزءاً لا يتجزّأ مني. إن معظم الشيعة يدركون تماماً الثمن الذي قد يدفعه المرء ، لوقوفه مناصراً لمبادئه...". كانت سيّارة غلام رضا تهسهس على إسفلت الطريق الذائب ، عندما ربَّت موظّف الوزارة على كتفي صارخاً: "أنظر هناك". فأبطأ غلام رضا في سيره وهجم علينا الحرّ من النوافذ المفتوحة.
كان هناك خطّ لسكّة الحديد قرب الطريق ، ووراءه حُطام جيش مهزوم: دبّابات وشاحنات مدرّعة لنقل الجنود كلّها محترقة ، ومواسير بنادق مشقوقة ، ومدافع رشاشة تصدأ على أبراج الدبّابات: إن مسوخ صدّام تتحلَّل وتتفسّخ في الصحراء. سرنا عبر خطّ السكّة الحديد. وقطعنا منطقة رمال متحرّكة ـ مشى فيها موظف الوزارة إلى ركبتيه ـ ووجدنا أنفسنا بين أشلاء وحُطام لمعركة كبيرة.
القنابل اليدوية
فالعديد من هذه المركبات دخل بها سائقوها الرمل حيث عجزوا عن التقدّم بها ، فأخلوها خائفين ، ولا تزال آثار جنازيرها الفولاذية بادية على الصخور وعلى مواضع المدافع الإسمنتية. أمّا دواخلها فقد حوّلتها القنابل اليدوية المقذوفة صاروخياً إلى مراجل. تسلّقت على دبّابة من طراز (T-26) ، وفتحت برجها ، وانزلقت إلى داخلها. كانت مؤخّرة المدفع منسوفة ، ومقعد السائق قد ذاب ، وكان هناك مليون ذبابة صغيرة تحوم حول مقصورة المدفعي الممزّقة. ربضتُ على سطح الدبابة وبدأتُ بأخذ الصور. لكنني أدركت أنها صور دون ألوان. فالشمس وبياض الصحراء امتصَّا اللون من بصري ، بحيث ظهرت دروع صدّام ذات لون واحد. وكان موظّف الوزارة يحدّث نفسه أكثر مما يحدّثني ، ولكن بالإنكليزية من أجل أن أفهم ما يقول: "فكًّر في أن صدّام جاء إلى هنا ، إلى بلادنا ، فكًّر في غطرسته. فهل يمكن أن يقوم بذلك دون أن يتعرّض لعواقب وخيمة؟... فكيف لا تدركون سبب محاربتنا له؟".
ورأيت على الجهة المقابلة من الطريق هيكل شاحنة روسية ، فمشيت نحوها ، ووجدت أنه لم يبقَ منها سوى مقدّمتها ، وهي ملأى بآلاف الثقوب الصدئة التي أحدثتها الشظايا. وظهرت لي وراءها حُفرة كبيرة تتناثر فيها عُلب الذخيرة الممزّقة بانفجار جرى منذ وقت طويل ، وهي مطمورة جزئياً بالرمل. إنها آلاف من رصاصات المدافع الرشّاشة ملتوية ومجمَّدة بأشكال غريبة ـ بعد إصابة مباشرة ألمّت بشاحنة ذخيرة. وكان على حافة الحفرة مسحوق أبيض ، ربّما كان عظماً بشرياً. أما موظف الوزارة فجلس على الرمل ليستريح. مشينا في الصحراء فوجدنا خوذة إيرانية اخترقتها رصاصة ، وعشرات من الأحذية العسكرية ، أحدها ممزّق من جهة العقب مع شيء قاتم بداخله. كانت هناك فجوات أحدثتها القذائف ثم امتلأت بالرمل ، وأسلاك شائكة ، وصفّ من الملاجىء وراء خندق ، كُسيت أرضها بأغطية صناديق الذخيرة ، وأكياس الرمل المبقورة. وفي مكان ما بالقرب من هنا كتب الشاعر الإيراني "علي ببشوشي" قصيدة مثيرة للمشاعر حول حُلم ظهر له فيه رجل مسنّ من "نكستان" ـ وهي منطقة معروفة بإنتاج التمر في جنوبي إيران ـ ووقف أمامه في الصحراء: "أنظر هناك ، يا صاح ، أستطيع أن أراه بعينيّ الكفيفتين ، هل تراه؟ إنه "شير محمد" المسنّ من "نكلستان" ، الذي تومض الشمس على بندقيته ، ... لقد رأيته بعينيّ الكفيفتين ، وقال لي "شير محمد": "جئتُ لأزرع رشاشي ، بدلاً من القمح والشعير ، عبر أرضي ، أرض النخيل".
وقبل ذلك بعدّة أيام ، كنتُ قد تكلمتُ في طهران مع بعض طلّاب الجامعة حول الحرب. كانوا يحضرون حلقة فلسفية: وهم 14 شاباً وثلاث نساء. وقد شارك نصف هؤلاء في حرب الثماني سنوات ، وكانت إحدى النساء ممرضة عسكرية.
كانوا "باسيجي" سابقين ومتطوّعين ، وجنوداً ، وحرّاساً للثورة: وهم يحاولون الآن أن يحلّلوا مقالاً يصعب سبر غوره لأحد علماء الاجتماع الأميركيين. ثم يحاولون شرح معنى الحرب بالنسبة إليهم ، ولماذا لم أفهمها. كان "شوجا أحمد بندي" ملتحياً ، ويبدو في الثلاثينيّات من عمره ، وربّما يجدر أن يكون أصغر سناً. لكنّ عمره كان 18 سنة عندما أُرسل إلى الجبهة عند "مهران" على الحدود العراقية ، على بعد 170 كيلومتراً من بغداد ، عام 1984. تكلّم بهدوء ، منتقياً كلماته بكل عناية: قال: "كان انخراطي في الحرب انعكاساً لطبيعة ثورتنا الإسلامية: وقائماً على تأويل جديد للدين ـ إن الانخراط في الحرب هو واجب مقدّس. إن زعيمنا رجل دولة قريب إلى النبي: وهكذا ندرك مسألة الحرب. هذا هو السبب في التزامنا الغامر. لا يمكن فصل الحرب عن الدين. وقد رأيت بعض حوادث لا يمكن وصفها. وإني أتساءل: هل كانت حقيقية أم لا؟ لقد كانت مشاهد فوق العادة أثَّرت فيّ". وهنا نظر "أحمد بندي" إلى الأرض ، وصار يخاطبها بدلاً من أن يخاطبني ، قائلاً: "جاء يوم عند بداية عملية "والفجر 5" ، عام 1984 ، كنّا فيه بمهران. وكنتُ جالساً مع عدّة جنود آخرين على قمّة تلّة صغيرة. وكان يجلس معنا رجل يبلغ من العمر ثلاثين أو خمساً وثلاثين سنة. وفجأة لاحظنا أن رأسه مال إلى الأمام قليلاً. ولم نعرف ما حدث.
ثم رأينا الدم يسيل بغزارة من ذراعه ، ثم من رأسه. لقد أصابته رصاصة في رأسه. وعند تلك اللحظة ، استدار قليلاً وهو شاعر بأنه أصيب ، ووضع يده في جيبه وأخرج منها قرآناً كريماً ، وصار ينظر إليه ، بينما كان الدم لا يزال يسيل من ذراعه. وقفنا ثلاثتنا مدهوشين ـ إذ لم نستطع أن نفعل شيئاً ـ كان هذا الرجل يُحتَضر ، وقبل وفاته بثوانْ يخرج القرآن الكريم وينظر إليه. إنه مشهد لن أنساه أبداً طول عمري ، إنه يدلّ على قوّة الالتزام". خيَّم علينا صمت طويل ، ثم انبرت إحدى النساء ، من آخر القاعة لتتكلّم ، وهي ترتدي شادوراً أسود ، قائلة: "على وجه العموم ، كنّا فخورين بما فعلناه في الحرب. لقد حافظت بلادنا إيران على سيادتها. نحن نعلم كيف عاد الناس إلى ديارهم بعد الحروب الكبيرة. وقد قرأتُ عن ذلك في مؤلّفات "همنغواي". ولكن ذلك لم يحدث في إيران. على المرء أن يفهم أهمّية الأخلاقيات في حربنا ـ إنها أفضل من الطعام. إنكم تعتبرون أن عدد الضحايا مهمّ ـ وتقومون بهذه الحسابات الإحصائية على حواسيبكم ـ لكنّ انطباعي هو أن الناس ماتوا هنا بصرف النظر عن قيمة حياتهم المادّية: إذ إن المهمّ هو إيمانهم الإسلامي".
وقد لا يُعرف أبداً العدد الحقيقي لمن ماتوا في الحرب ـ فالعراقيون لم يعطوا أرقاماً دقيقة ـ لكن الرجل الذي كان مسؤولاً عن حرّاس الثورة خلال نزاع 1980 ـ 1988 أكَّد لي أن الإيرانيين خسروا أقلّ من نصف مليون رجل. أما "محسن رفيق دست" مدير المؤسّسة التي صارت عام 1996 تكرّس ملايين الدولارات لجرحى الحرب ولعائلات الشهداء ، فقد ادّعى أمامي أن 000 220 إيراني قتلوا ، وأن 000 400 منهم جرحوا. وقال: "نعتقد أن العراقيين خسروا 000 500 قتيل. ولكننا لا نعرف عدد جرحاهم. كما أننا خسرنا 000 70 قتيل في الثورة الإسلامية قبل نشوب الحرب بسنة". وحتى اليوم ، علينا أن نرفع تلك الأعداد باستمرار. فقد وُجًدت 27000 جثّة للجنود الإيرانيين على الحدود العراقية بعد انتهاء الحرب عام 1988. وفي تموز ـ يوليو 1997 ـ أي بعد وقف إطلاق النار بتسع سنوات ـ كانت إيران تقيم مآتم جماعية لعدد آخر من الجنود البالغ عددهم 2000 ، والذين اكتشفت رفاتهم قرب الحدود.
خرمشهر
والعديد من الضحايا ماتوا خلال الأشهر الأولى من الحرب ، عندما دخل الجيش العراقي "خرمشهر" وهاجم "عبدان". ومن بين الجنود الذين قاوموا الغزاة العراقيين ، "مجتبى صنافي" الذي أخبرني بقصّته وهو جالس في المقعد الخلفي من سيّارة الأجرة ، التي علقت في زحمة السير بطهران ، قال: "أُلقيَ القبض عليّ على بعد حوالى عشرين ميلاً خارج عبدان. أحاطوا بنا ليلاً: ولم يكن لنا أيّ أمل. أخذونا إلى مخيّم كبير للسجناء في العراق ، وعلى وجه التحديد في تكريت مسقط رأس صدّام حسين. كانت السنوات الأولى التي قضيناها هناك قاسية. فقد قتلوا بعضنا ، وعذّبوا آخرين. ومضت سنة قبل أن يزورنا الصليب الأحمر ، ويأخذ أسماءنا ، ويجلب كتباً. وكان صغارنا من المساجين أقوى من كبارنا. وقد يرجع ذلك إلى أن الصغار يشعرون بأن الحياة ما زالت أمامهم. ولكن انتحر منا اثنان لم يستطيعا أن يتحمّلا الأسر أكثر من ذلك. فإذا كان المرء سجيناً ، عليه أن يكون قويّاً جدّاً. تعلّمتُ في السجن أشياء كثيرة عن نفسي ، وقوّتي. وعندما جاءتني رسائل بواسطة الصليب الأحمر من عائلتي كانت قد مرّت عليها سنة. فكتبتُ ردوداً عليها: ولا تزال والدتي تحتفظ بها ، لكنني لا أريد أن أقرأها الآن: لأنها تذكّرني بتلك الأيام الرهيبة". وقد أُخلي سبيل "مجتبى" عام 1989 بعد سنة من انتهاء الحرب. وكان قد أمضى في الأسر عشر سنوات ، أي أكثر ممّا تعرّض له أسرى الحرب العالمية الثانية من البريطانيين. وعندما التقينا عام 1995 ، كانت إيران لا تزال تطالب بعدد يناهز 15000 جندي لا يزالون محتجزين في العراق ، وقد مضى على بعضهم أكثر من 15 سنة في الأسر. وعندما وصل سائقنا غلام رضا إلى "خرمشهر" ، هزّ برأسه عند مرأى الأطلال التي لا تزال متناثرة عبر المدينة. لقد دام القتال فيها حوالى سنتين: وقصفها العراقيون لمدّة ستّ سنوات تالية: وسُحقت بيوتها ومصانعها المبنية بالقرميد بسبب تكرار الهجوم المضادّ من قًبل العراقيين. لقد كانت بحقّ "ستالينغراد" إيران لا ستالينغراد العراق. وفي مركز المدينة ، وقرب المجرى المائي المتخوم بالسفن المقلوبة ، والمحروقة ، وبعد المسجد الذي لا يزال قيد إصلاح قرميده الأزرق ، كان هناك متحف للصور بمناسبة مرور 13 سنة على تحرير المدينة. وقال لنا الدليل: "لقد استشهد الشخص الذي أخذ هذه الصور ، فيما بعد": وأشار إلى جثّة على الأرض. كان جسم الجندي القتيل قد صُنًع من جديد بالشمع ، والدم الأسود ينساب من ظهره ، ووجهه مدفون في الرمل ، وخوذته تغطّي معظم شعره ، حتى أني ظننتُ أن الإيرانيين احتفظوا برفات مثل هذا الجندي. وقرب حُفرة الرمل التي نُصب فيها هذا التمثال من الشمع ، كانت هناك صورة نصفيَّة لآية الله الخميني تحت الشعار التالي: "إن الاستشهاد هو ذروة الحياة الإنسانية". مع العلم أن الصور المعروضة كانت تمثّل أشجاراً مكسّرة ، ومواقف قطارات مسحوقة ، ومساجد مهدَّمة ، وبيوتاً مطحونة ، وجثثاً ملقاة في الشوارع. وكان هناك أيضاً شاعر آخر اشترك في الحرب ، وأدرك ضراوتها ، عندما كتب عن "خرمشهر" تحت الاحتلال العراقي. وهو "بارنيس حبيب عبادي" الذي استعمل في قصيدته رموز الحب التقليدية الإيرانية: الفراشة التي ترفرف حول القنديل ــ وغضب "أبي ذَرّ" من أصحاب النبيّ محمد (ص) ـ ليدلّ على نقمته: "يا صديقي ، كم نشعر بالوحشة ، ونحن بعيدون عن هذه المدينة التي كانت مدينتنا ، إن شمعة القنديل تذوب ، وقد التهمت النار الفراشة ، في كلّ مكان ، وفي كلّ درب ، أرى الرماد ، والحُطام ، والدم ، هنا رأس ، وهناك شعر طويل ملطّخ بالدم ، لم يعد هناك من يدْ لتمشًّطه ، وحتى يأتي الوقت الذي يعود فيه الرأس ليستوي على الجثّة ،
أكفًّن نفسي بثيابي ، وأصرخ مثل أبي ذَرّ ، لأزرع الخوف في قلوب أعدائي". ولكن ، كان هناك أيضاً شخص شارك في تحرير "خرمشهر" ولم يُرد أن يموت.
ضجيج
جلس معي في مطعم بعبدان ، يمضغ السمك والبطاطا بصوت طاحن وضجيج ، ويقول: "كنتُ في البحرية وجئنا لنشارك في التحرير. لم أرَ كثيراً من الجثث ، لأن معظم العراقيين استسلموا ، تصوّر 000 20 منهم: هل تستطيع أن تتصوّر ذلك؟ كلّهم ، وأيديهم مرفوعة هكذا". ووضع يديه على رأسه وراحتاه موجهتان نزولاً: ففاجأ جميع روّاد المطعم. ثم أردف قائلاً: "ولكن ، كان علينا أن ننهي الحرب عندئذْ في عام 1982.
فقد عرض صدّام وقفاً لإطلاق النار ، كما قدّم السعوديون 70 مليون دولار لمعاودة البناء. ولو توقّفنا عن المحاربة إذ ذاك ، لأسقط "صدّام" شعبُه. إنما كانت هناك جماعة أخرى يصغي إليها الإمام.
ولذلك قرّر الخميني متابعة الحرب حتى القضاء على صدّام ، والقتال من أجل النجف وكربلاء ، واحتلال البصرة. وكانت تلك غلطة كبرى. فقرّرتُ أن أتباعد إذ ذاك عن شؤون الحرب ، وتسلّمت عملاً في طهران. واستمرّت هذه الحال ستّ سنوات: حتى أننا لم نربح الحرب: بل استعدنا الأراضي التي خسرناها ، عندما صار صدّام يواجهكم أيها الغربيون ، بعد غزوه للكويت".
حارس الاسلام
كان هذا صوتاً انشقاقياً فريداً. وإني أذكر أن الأموات يتكلّمون مع الأحياء أثناء الحرب ، فيؤاخًذون كلّ مَن ينتقد المسار الحربي للنزاع. وقد كانت لحرس الثورة مجلّة داخلية اسمها "حارس الإسلام" ، تُكرًّم الموتى الجدد بنصّ قرآني لا يردّ "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربّهم يُرزقون". وقد كتب "حسين تشير ــ زارين" قبل موته بقليل عند شطّ العرب بلغة فارسية مهلهلة: "أُرسلتُ إلى الجبهة لأوّل مرّة ــ وكنتُ قد سمعتُ عن الهجوم ، وأردتُ أن أشارك فيه...". ثم يتوجّه بالخطاب إلى والدته ، وكأنّه يكلّمها من الآخرة ، قائلاً: "أمّي العزيزة ، إن ابنكً تحرَّر من قيود الدنيا ، والاستعباد ، والخيانة... أجل ، يا أمّي العزيزة ، لقد صار ولدكً عبداً للإسلام ، وبلغ حدّ الطاعة ، والتقى ، والإخلاص ـ إن شاء الله". كان عليّ أن أتعوّد على قراءة هذه الوصايا مع ما تتضمّنه من معتقدات تدلّ على أن كاتبيها يعتقدون أنهم على حقّ. "فأبو الحسن إسحاق" كان يبدو مبتهجاً في وصيّته ، إذ يقول قبل موته: "ليس الاستشهاد مرتبة يستحقّها أيّ كان... إني أكتب هذه الوصيّة مع أني أرى إمكان استشهادي بعيداً ـ ولكن لا عار على المرء إذا كان لديه هذا الطموح. لست خائفاً من يوم البعث... وعندما تُراق أوّل قطرة من دم الشهيد ، تُمحى له كلّ ذنوبه... نعم يا أعزائي ، إن الموت سيدركنا جميعاً في آخر الشوط ـ فلا أحد يخلد في هذا العالم ــ ولماذا نضيع هذه الفرصة الذهبية؟". إن "خرمشهر" يعاد بناؤها الآن ، فتُقام فيها مدارس جديدة ، ومستشفيات ومصانع جديدة ، وأبنية سكنية. لكن المرفأ لا يزال أطلالاً ، والسفن الغارقة فيه تسدّ النهر. وقفت إلى جانب المرفأ ، قرب باخرة تُدعى: "رايس فيشر" ، مسجّلة في "بارو ــ إن فورنس" ، وشرعت آخذ صوراً ، فتصدّى لي شرطيان يرتديان قميصين أسودين. وهُرع موظف الوزارة من سيّارة "غلام رضا" لينقذني ، قائلاً بصوت معتدل: "إنهم يرتابون بالأجانب الذين يحملون آلات تصوير: لقد تضرّر أهل هذه المدينة كثيراً". طفت بأحد المستشفيين الجديدين ، حيث أخبرني طبيب بأن الحرب "ضرورية" في حياته ، كما هي في حياة جميع الذين حاربوا. قال: "كنت في الحادية والعشرين من عمري في ذلك الوقت ، وكان لي صديق يُدعى "حسين صدقات" من "تبريز". لقد كان "أذرياً" ، وصديقاً وفيّاً ، ومستقيماً. وفي يوم من الأيام ، بينما كنّا نتقدّم ، أُصيب في رأسه ، ودفق دماغه عليّ ، إذ إنني كنتُ بجانبه. لم أستطع أن أصدق ذلك. لم تكن هناك كلمات وداع ، لم يكن هناك شيء. ثم أُصبتُ أنا أيضاً في كتفي بشظيّة من قذيفة مدفع "هاون" عياره 80 ملم.

فاقد الوعي
كنتُ شبه فاقد للوعي في البدء ، ثم جاءني الألم فيما بعد". ورفع قميصه ليريني الجرح. وقد فعل مثل ذلك أمامي الرجالُ عبر إيران كلّها ، كي أعاين جروحهم في الذراعين ، والرقبة ، والساقين. وقد تكلّم معي أحدهم بفكّْ اصطناعي ، بينما كان يسعل آخر وهو يتكلّم: إذ إنه تعرّض للغاز السامّ. ولكن ، عندما سألت الطبيب عمّا إذا كان الأمر يستحقّ كلّ هذا العناء ـ بالألم ، والمعاناة ، والتضحية ـ أشرق وجهه ، وقال: "طبعاً ، كنَّا ندافع عن أراضينا وعن تراثنا الإسلامي. وكنّا في أشدّ حالات الغضب والغيظ إزاء أعدائنا".
دزفول
وكان هذا ما شعر به شاعر "دزفول" المسمَّى "غايزار أمين ور" عندما كانت مدينته تحت وطأة القصف الجوّي. وتبدو قصيدته أقرب إلينا من غيرها ، تخالطها الضغينة وحتى التهكّم: "أردتُ أن أكتب قصيدة عن الحرب ، ولكنّي علمتُ أن ذلك غير ممكن: إذ كان عليّ أن أهجر قلمي ، وأستعمل سلاحاً أمضى منه. إنّ قصائد الحرب يجب أن تُكتب بمواسير المدافع ، وأن تتحوّل الكلمات إلى رصاصات... عندما ، يكون هناك دائماً إنذار أحمر ، وصفَّارات إنذار لا تفتأ تنتحب ، فوق جُثث لم تُكمل نومَ ليلتها ، حيث تحوم النفّاثات التي تكره الضياء ، لتقصف مخادع نومنا وستائرنا... لا يمكننا أن نثق حتى بالنجوم ، فقد تتجسّس علينا ، ولن نتعجّب من أن ينفجر القمر..." ويتّخذ مثل هذا الغضب أحياناً طابعاً سياسياً. فهذا "يحيى فوزي" ، البالغ الآن من العمر 31 سنة ، والذي كان عمره 24 سنة عندما قاتل في الحرب ، يقول في الحلقة الفلسفية التي عُقدت بجامعة طهران: "علّمتنا الحرب أن الغربيين الذين يتشدّقون بالحرية والحقوق الإنسانية ، يستبعدون هذه الأفكار في سياق حربنا. لقد كان ذلك درساً لنا. وعندما غزانا صدّام ، كنتم (أيها الغربيون) صامتين: ولم تصرخوا استنكاراً ، كما فعلتم عندما غزا الكويت بعد ذلك بعشر سنوات ، إذ ملأتم الدنيا حديثاً عن حقوق الإنسان ، وكرّستم لذلك دعاية واسعة".
فقاطعه طالب آخر من الجامعة يلبس نظّارة ، بقوله: "في ثورتنا التي قامت عام 1979 ، رفعنا شعارات ضدّ دكتاتورية الشاه. ولكنّ الحرب مع العراق أكملت هذه العملية لبناء الأمّة. فعلى قمّة تلّة تتعرّض للقصف ، كان لدينا شباب من "بلوشستان" و"كردستان" وغيرها من المقاطعات يعملون معاً في الدفاع عن التلّة ذاتها. وكان لدينا كثير من المهاجرين بسبب الحرب ، مثل الأكراد الذين طردهم العراقيون من ديارهم ، فهربوا إلى طهران وتبريز. وحصل تفاعل واندماج "إثني" مع سائر جماهير الأمّة. وفي هذه الحرب تركونا وحدنا منعزلين ، ولم يعطف علينا أحد ، فقلنا: لا بأس بأن نكون وحدنا. وتعلّمنا الكثير بعضنا من بعض: وتوحَّدنا لأوّل مرّة". ومما كان شائعاً تلك الفكرة القائلة بأن الحرب مع العراق جاءت تكملة للثورة الإسلامية في إيران ـ بل كانت جزءاً لا يتجزّأ منها ـ فالطبقات الوسطى الإيرانية التي تجنّبت المشاركة في الحرب قدر الإمكان ، صارت خارج ذلك التاريخ. وأبناء الطبقات الميسورة استعملوا سمات سفرهم ، وقضوا زمن الحرب في كندا ، أو الولايات المتحدة الأميركية ، أو بريطانيا ، أو فرنسا: لأنهم اعتبروا تلك الحرب نوعاً من الجنون. قال لي أحدهم ويبلغ من العمر 29 سنة ، أثناء إحدى الحفلات في طهران: "أمضيتُ زمن الحرب في كندا ، وشاهدتها على التلفزيون ، وسُررتُ لأني كنت بعيداً عنها".

حراس العهد القديم
لم أستطع مناقشة منطقه ، لكني تساءلت عن عُزلة الميسورين وحراس العهد القديم ، وأسفهم لقيام الثورة ، واستنكافهم عن الدفاع عن وطنهم ، ومدى انقطاعهم عن الانتماء إلى بلادهم. ولكنّ الأموات ، لا الأحياء ، هم الذين يتكلّمون بفصاحة. ففي جنوبي طهران مقبرة تُدعى "بهجة الزهراء" ، غير بعيدة عن ضريح الخميني الذي أرسلهم إلى الموت ، يرقد فيها عشرات الآلاف من الإيرانيين الذين عادوا أشلاء موضوعة في أكياس لدائنية من ساحة الحرب. فهنا جمجمة أو اثنتان مع بطاقة تشير إليهما ، استخرجهما الحفَّارون من ميدان المعارك على الجبهة الغربية. ولا يزال حفر القبور الجديدة جارياً لإيواء مزيد من الأجساد التي تُكتشف. ليست هذه القبور كمراقد موتانا خلال الحرب العالمية التي تعلوها شواهد بسيطة ، بل تُزيّنها ألواح من الرخام محفورة بالكلام والصور. مع صور فوتوغرافية ، وأعلام ، وصور أخرى أُخذت للقتلى بعد الموت مباشرة بواسطة رفاقهم الجزعين من استمرار سقوط القذائف حولهم ، إنها صور لأجساد يغطيها الدم.
وقد رأيت مثل ذلك في "شازار" الواقعة في الجبال فوق طهران: لكن هذه المقبرة مَجَرًّية ضخمة من طراز مقابر حرب "ذهب مع الريح": إنها مدينة الأموات الإيرانية. إنما كانت هناك نافورة تنفث في الهواء ماء "أحمر بلون الدم". وهي تقابل صَدَفة صدّام ونُصبَه الإسمنتي المقاميْن في بغداد: مع أن كلتيهما تنضحان بالقداسة نفسها وبالإعتام ذاته ، وبالطريقة الخاصّة بكل منهما. هنا يرقد "نعمة الله حسَني" المولود في أول آب ـ أغسطس 1960 ، والمستشهد
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش